أشجار
مقال حبيب الصايغ / الخليج
الأشجار أقرب الكائنات إلى القلب . . تتكلم في هدوء، ولا تثرثر إلا بمقدار، فالصمت صفتها الغالبة وإن خالطه حفيف وهمس وحنين .
والأشجار شغل العلماء والمهندسين .
لكن تبقى علاقة الفلاح بالشجرة هي الأوثق، والأكثر تجذراً في جسد الأرض، لأنها مبنية، أساساً، على علاقته بأرضه . حبه لها، شغفه بها، واستعداده للموت في سبيل الدفاع عنها .
إذا حضرت التضحية، وبهذا الشكل، فإن علاقات الآخرين مع الأشجار تتحول إلى كلام في كلام، بما في ذلك علاقات كائنات تشبه الأشجار في قليل أو كثير: الفنانين والشعراء والروائيين، الذين يستمدون من عالم الأشجار مواد وطرائق تعبير، والذين يفضلون الكتابة بالحبر الأخضر .
وكما أن هناك أصدقاء للأشجار في المضمون المشار إليه، فقد كسبت الأشجار، خصوصاً في السنوات الأخيرة، أصدقاء جدداً . إنهم أهل البيئة وأصدقاؤها، وقد شغلتهم شؤون البيئة وشجونها، حتى اتخذوا من لون الشجر الصافي لوناً وشعاراً، فتراهم لا يقولون إلا القول الأخضر، ولا يتنفسون إلا الهواء الأخضر، وتراهم يقومون بين الحين والآخر بالمسيرات الخضراء، فيلبسون الملابس الخضراء، ويعلنون غاية توقهم ومنتهى شوقهم: الأخضر أولاً، والأخضر في كل مكان، واقعاً ومجازاً .
هكذا تتحول الأشجار إلى رمز وعنوان، بالإضافة إلى وظيفتيها منذ الأزل: النفع والجمال .
وهكذا تكون الأشجار، أو تحاول أن تكون، جسراً معلقاً في فضاء الإنسان، وأصلاً بينه وبين ذاته الأنقى والأرقى، وهمزة وصل بين كلمة الماضي وحرف المستقبل .
لكن الحاضر موجود أيضاً، وبكثافة مرعبة، على امتداد النظر .
يقول الحاضر في صوته الجهوري الضخم: أنا هنا . من يتقدم للقطف والحصاد؟ المنتصرون فقط . المنتصرون على ذواتهم وعلى الغير، فهم من يتقدم أولاً .
أما المهزومون، والقابعون في المعنى النقيض، فإنهم لا يتقدمون لحصاد الحاضر، وهم غير مدعوين، أصلاً لحضور الحفل .
والنخلة من أشجارنا في الإمارات، بل لدينا منها عشرات الملايين، وكلها تمد في أرضنا كل يوم، جذراً أصيلاً وتعلمنا في درس أكيد لا يقبل الجدل، كيف يكون الانتماء والعطاء .
ومن أشجارنا “الرولة” .
ولم تكن الرولة شجرة، كانت بيتاً . وعندما انكسرت في علوها الشاهق، ومالت إلى أرضها تقبلها، تجسد وفاء الشارقة في نصب تذكاري يخلد الرولة ويتسمى باسمها .





رد مع اقتباس