تشكيل أنثوي

مقال يوسف أبو لوز

* دار الخليج




يقول الشاعر محمد الماغوط: “المرأة التي أحلم بها لا تأكل ولا تشرب ولا تنام إنها ترتعش فقط كسيف في آخر اهتزازه” .

هذه، بالطبع، صورة شعرية لا أكثر، فما من امرأة إلا تأكل وتشرب وتنام، وإلا كانت مجرد تمثال، ومع ذلك هناك نساء تماثيل أو نساء كالتماثيل، و”المرأة/ التمثال”، تصغي فقط وتتأمل، وما أجمل تلك اللحظة التي بوسعك خلالها أن تضبط سيدة في الأربعين من عمرها، مثلاً، وهي تتأمل . إنها في هذه اللحظة أشبه باللوحة التي يرسمها فنان مولع بالطبيعة الصامتة، والمرأة التي تميل إلى الصمت تكتسي نوعاً من غموض جميل . إنها سؤال مفتوح بلا إجابة نهائية . أو إنها هي بذاتها طبيعة صامتة، بل يحلو للشعراء عادة أن يشبّهوا النساء بالأشجار . هناك امرأة شجرة زاهية ووردية ومتفتحة مثل وجه الياسمين . تتمثل في المرأة الشجرة دورة الحياة وينبثق من كيانها الأنثوي ذلك الاخضرار الدائم الذي لا يعرف أبداً سطوة الخريف، وهناك امرأة حجر، والحجارة أيضاً هي جزء من الطبيعة، لكن الحجر على يديّ نحّات ماهر يتحول إلى تمثال ناطق . وما أجمل تلك الصورة الشعرية التي اشتقها أحد الشعراء من طبيعة التمثال عندما قال إن العصافير تبني أعشاشها في كنف التماثيل، أي أن المرأة التمثال لا تظل تمثالاً عندما تتحول إلى إناء للطيور وصوت العصفور وفتنة الطيران، وكم من سيدة أريبة مرّ عليها الزمن مرور الكرام، وكلما تتقدم في العمر تصبح أحلى وأجمل أي أنها في حالة طيران حتى وهي تسير على الأرض، وتترك خلفها سحابة من العطر .

الطبيعة أيضاً أشبه بشلال من الموسيقا بدءاً من صوت الينبوع وحتى صوت الريح وهو يضرب برفق نوافذ البيوت في أيلول . . أيلول الذي كأنه شهر الحب . . ألم يعقد الشاعر اللبناني جوزف حرب صلة قربى بين أيلول والحب في أغنية ماسيّة بصوت فيروز؟ ثم أليست المرأة أيضاً، أحياناً، تتحول إلى موسيقا عندما تقع في الحب؟ إنها في هذه الحال لا تقع في الحب فقط، بل تقع أيضاً في الموسيقا . . الأغلب أنها في حالة الحب إنما تستحم في الموسيقا . . الموسيقا ماء، وامرأة الحب ماء، واللغة ماء، والأرض كلّها ماء في فصل الحب، أو في زمن الحب .

في زمن الحب، فقط، لا تأكل المرأة ولا تشرب ولا تنام، فهي آنذاك موسيقا في موسيقا، فليدم إلى الأبد زمن كهذا، يتمنّاه دوماً كل خائف وكل هارب من أزمان الحروب .