النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الهوية العربية وتعارض الرؤى

  1. #1
    عضو برونزى الصورة الرمزية الوطن موال اخضر
    تاريخ التسجيل
    21 - 11 - 2008
    الدولة
    بوظبي
    المشاركات
    1,008
    معدل تقييم المستوى
    69

    الهوية العربية وتعارض الرؤى

     







    كثر الحديث عن الهوية والذاتية الثقافية للشعوب، ليس في عالمنا العربي فحسب، ولكن في مناطق متعددة من العالم بمختلف مستوياتها الثقافية والمادية.

    بما فيها أوروبا ذاتها. فنجد الأصوات تطالب في فرنسا بأن تكون الثقافة ذات عبير فرنسي، وأن يكون الفن ذا نكهة فرنسية، وأن يعود الشباب إلى الأدب الفرنسي، وأن يكون هو ذاته تعبيرا عن المجتمع الفرنسي.

    وفي يقيني أن الحديث عن الهوية الوطنية للمجتمعات والتمسك بها وبألا يعلو صوت فوق صوتها، يكون عندما تستشعر الشعوب بحاستها التاريخية أن هناك خطرا حقيقيا يحدق بها ويهدد وجودها.

    باعتبارها خط الدفاع الأخير في معركة البقاء، والشفرة التي بها تتمايز المجتمعات بعضها عن بعض، وهي القيمة التي لا تعلو فوقها قيمة، وهي الإحساس بأنك غصن في شجرة الوطن الكبيرة، والهوية شعور بالأمن، وهي الإحساس بالذات الذي لا تعوضه أية قيمة أخرى مهما غلت.

    ومن الغريب أن بعض المثقفين في عالمنا العربي، يعتقدون دائما أن الحديث عن الهوية هو باب من أبواب الالتفاف حول الحداثة والرغبة في التغيير، وهو الذريعة الدائمة لمن يريد أن يكمم الأفواه ويسد المنافذ ويعيش في صندوق أسود.

    رافضا أن يرى النور أو أن يرى غيره، وغالبا ما يتهم من يتحدث عن الهوية بأنه شخص فقد الإحساس بالزمن، محنط الفكر محجوب البصر والعقل، لأن فكره بات جزءا من تاريخ عفا عليه الزمن، فنحن في زمان باتت هناك هوية واحدة عنوانها الإنسان المعولم، الذي يحمل هوية عالمية تتخطى في خصائصها أبناء وطنه وحدوده الجغرافية، ويصبح الانتماء للكرة الأرضية برحابتها، أو المدينة الإنسانية العالمية التي لها قانون عالمي، من الحقوق الإنسانية، سواء اختلفت مع بعض بنودها أو اتفقت.

    وعلى الرغم من أن عالمية الحقوق الإنسانية لا تتعارض مع احترام هوية الشعوب وذاتيتها الثقافية، فهي جزء من الكرامة الإنسانية، وهذا هو البعد الثقافي للديمقراطية التي تتيح لكافة الشعوب أن تعبر عن ذاتها، بل إن احترام هذا التنوع والاختلاف يصب في صالح الإنسانية ذاتها، وما قامت الحضارات الإنسانية إلا عليه، فأدى التلاقح بينها إلى إثراء الحركة الإنسانية كافة.

    لذا فإن مسخ الكل في واحد، من خلال إخضاع الشعوب لقيم ومعايير واحدة في الملبس والمأكل والمشرب والتفكير وسبل الحياة والنظام السياسي، يمثل اعتداء على الحضارة الإنسانية في أدق معانيها.

    وقد أكدت اليونسكو أن الذاتية الثقافية ليست تراثا جامدا ولا مجرد مجموعة من التقاليد، بل دينامية داخلية وعملية إبداع مستمر للمجتمع بموارده الذاتية، تغذيها التنوعات الداخلية القائمة بصورة واعية ومقصودة.

    وهي ليست تقوقعا حول الذات ورفضا لكل جديد، بل تقبل الإسهامات الخارجية وتستوعبها عند الحاجة، وهي الشرط الأساسي لتقدم الأفراد والشعوب والأمم، لأنها كلمة السر والباعث على الدافعية والتغلب على التحديات.

    إن لكل مجتمع معارفه واهتماماته ومنظومته القيمة ولغته وتراثه، وتنسجم روح الفرد مع جسده حين يكون سلوكه معبرا عنها بفخر وثقة، ومن حقه أن يستميت في الدفاع عنها إزاء كل محاولات طمسها أو النيل منها لتستبدل بقيم أخرى تريد قوى الهيمنة فرضها، تحت مسميات مختلفة كالحداثة والعصرنة ونشر الديمقراطية أو العولمة.

    والمسميات عديدة، لكنها تدور حول إزاحة الثقافة المميزة لكل شعب، لتسويق نوعية من القيم العالمية تذوب معها أو تختفي ملامح الشعوب الأصلية ومرجعياتها.

    ولقد شبه «توماس شيلينغ» شوٍُفَّ َّومٌٌيَه العالم الآن وما يمر به، بما كانت عليه جنوب إفريقيا حين كانت ترزح تحت نير التفرقة العنصرية البغيضة، التي تغيرت ملامحها ولكن أصلها باق، حين يريد خمس سكان العالم الغني أن يمحو ثقافة وفكر الأربعة أخماس الآخرين.

    أقول هذا لأن المشهد الدولي الراهن من الهيمنة والرغبة في إلغاء الآخر ونفيه، ليست له محطة للتوقف عندها ومن الصعوبة بمكان تحديد ملامحه، سواء اقتصاديا من خلال الشركات متعددة الجنسيات، والتي تتعدى ميزانياتها أحيانا ميزانية دول..

    أو الشبكة العنكبوتية التي بات ما يحدث لموقع ويكليكس من نفي وسحب للترخيص هو الوجه الحقيقي لاحتلالها، إضافة إلى صناعة السينما التي تقدم نماذج محددة باعتبارها الأولى بالاتباع.

    سواء في الموسيقي أو الدراما، فضلا عن تكوين طابور خامس من المثقفين، للترويج للقادم باعتباره الجنة الموعودة وباب الخلاص والمنقذ من كل ما يعانيه عالمنا العربي من مشكلات، كمن يستجير من الرمضاء بالنار، وما حدث للعراق خير شاهد على فشل رهاناتهم.

    كما أنه يتم استخدام وسائل الإعلام كموصلات لرسائل تصاغ بدقة شديدة لتحقيق أهداف محددة، منها إحداث أزمة هوية، وخاصة لدى الشباب من خلال ربطهم بتقاليد بعيدة عن مجتمعاتهم.

    ومن خلال التعرض المستمر لنماذج معينة عبر شاشات السينما، أو عبر الاستعمار الالكتروني الذي يعني السيطرة عليه وعلى آليات الوعي وتشكيل الأدمغة وطرائق التفكير، باعتباره يمثل أحيانا البديل الناعم لآليات السيطرة للقوة الخشنة.

    إن الغيبوبة التي يعاني منها الإعلام العربي يجب أن يفيق منها، وداء الاعتماد على المادة الإعلامية من الغرب وإعادة بثها يجب الشفاء منه، ومعضلة الاعتماد على الوكالات الأربع الكبرى في تحديد الأوزان النسبية لأهمية الأحداث العالمية يجب حلها، وكأننا نفضل دائما أن تنقل لنا صورة العالم من حولنا عبر وسيط، دون أن نكلف أنفسنا عناء التدقيق!

    ولن يتغير هذا الحال إلا عندما يتحول إعلامنا من الجهود الفردية، إلى صناعة كبرى تتزاوج فيها القدرات المالية مع الطاقات البشرية، ولكن قبل ذلك أن نملك إرادة التغيير، ونحن قادرون.

    إن هذه بعض الإشكاليات التي تواجه البلاد العربية في سبيل الحفاظ على هويتها، وهي التي وجدت نفسها طرفا لاعبا في كثير من الفضاءات المحيطة بها، ودخلت الميدان دون أن تعرف قواعده التي لم يكن لها دور في صياغتها، أو أن يكون لها الحق في الاعتراض.

    وطلب منها الاستمرار في اللعب وإشراك غيرها من الدول النامية بذات الشروط، التي حان وقت النظر فيها بما يحافظ على ذاتيتنا التي نفخر بها وكفى.



    بقلم :د. خالد الخاجة
    ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
    يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
    يتقابلون بأذرع مفتوحة
    والكره فيهم قد أطل من العيون
    يا ليت بين يدي مرآة ترى
    ما في قلوب الناس من أمر دفين

    يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير

    فـ عفوك لا يضيق

    (((( راشد ))))

  2. #2
    عضو مميز
    تاريخ التسجيل
    24 - 11 - 2010
    المشاركات
    762
    معدل تقييم المستوى
    58

    رد: الهوية العربية وتعارض الرؤى

    تسلم أخوي على الموضوع

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •