ضحك ونسيان
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليج
يقتبس الباحث مايك كرانغ في كتابه “الجغرافية الثقافية” من الروائي هنري ميلر قوله “أمريكا مملوءة بالأماكن . أماكن فارغة، وكل هذه الأماكن الفارغة مزدحمة . مضغوطة فقط بالأرواح الفارغة . كلّها عاطلة عن العمل . كلها تبحث عن التسلية . كأن هدف وجودهم الرئيس هو النسيان” .
الحروب، أحياناً تبدو كأنها تسلية، ولكنها قبل ذلك وبعده تجارة واقتصاد، وإذا كان من ثقافة يتكئ عليها صنّاع الحروب، فإنما هي ثقافة انتهازية تبريرية، وتظهر جغرافية هذه الثقافة مطّاطة وقابلة دائماً للترهّل، بمعنى التمدد، فما من حرب تكتفي بالمكان الذي تجري عليه، دائماً هناك ألسنة طويلة للنار تحوّل أمكنة الحروب إلى جغرافيات مترهّلة وَخَرِبة، لكي تجري بعد ذلك عمليات التجميل والترميم لهذه الجغرافيات المنكوبة بالحروب، وفي هذا الإطار الأسود الكارثي هناك تسلية ونسيان، بحسب هنري ميلر الساخر الكبير ليس من أمريكا وحدها، بل ومن كل ثقافة تخرب وترمّم .
ومثلما يتم تحديد جغرافيات ثقافية “تفسر الظواهر الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والتجارية والأدبية”، كما يقول مترجم الكتاب د .سعيد منتاق هناك أيضاً جغرافيات سياسية، وهي أيضاً لها ظواهرها التي تحتاج إلى تفسير، وفي الأفق العربي الذي هو سوق رائجة للسياسة ولألسنة النار المنطلقة من هذه السياسة، لا يوجد فريق عمل ثقافي متخصص يقدم لنا قراءة لصور التناقض، بل وصور التدهور التي ترشح يومياً من بعض السياسات العربية، أو من بعض السياسيين العرب .
هل يتعلّق الأمر بما يُسمّى المهنية أو الحرفية؟
الأرجح أن العقل العربي يعيش مرحلة اختلاط المفاهيم وفوضى المصطلحات ودخول ثقافة التسلية والنسيان على أكثر من خط، ووسط هذا السديم والضباب يتلفت الإنسان العربي حواليه فلا يرى إلا تلك الأرواح الفارغة المضغوطة، ليس في الفضاء الثقافي الأمريكي وحده، بل نحن أيضاً في جغرافياتنا الثقافية والسياسية مضغوطون كالإسفنجة .
شعوب عربية كثيرة، أو قطاعات واسعة من هذه الشعوب مضغوطة بالفقر، وأخرى مضغوطة بالبطالة، وثالثة مضغوطة بالأميّة، ورابعة مضغوطة بصناعة وتجارة الحروب التي من استحقاقاتها المباشرة، ومرة ثانية، ثقافة الهدم والترميم .
في حالة الهدم يخسر العربي، وفي حالة الترميم هو خاسر أيضاً، وما من أحد يسخر من هذا الوضع التراجيدي، لكي لا نقول أن لا أحد ينقد هذا الوضع أو ينتقده .
للروائي الساخر أيضاً ميلان كونديرا كتاب بعنوان “الضحك والنسيان” . . والكثير ممن يقعون في الجغرافيات السياسية العربية هم أيضاً في قلب الضحك وفي قلب النسيان .






رد مع اقتباس