يموت الضوء في شجر النهار

مقال الكاتب المبدع يوسف أبو لوز

* دار الخليــج





“يا نعمة الحب

في زمن السفن الحجرية

والسحب الحجرية

يحدث أن تصبح الأرض أرضين

أرض الترحّل فيك

وأرض الرحيل إليك

وفي زمن الراية الحجرية

والنجمة الحجرية

يحدث أن تلد الكلمات . . المشانق”

هكذا كان يغني محمد الفيتوري . .

السياسة لا تقتل الحب فقط، بل تقتل الشعر، لكن الشاعر الفيتوري لم يكن سياسياً بالمعنى الحرفي للكلمة حتى يذبل قنديل شعره الذي بدأ شعاعه ساطعاً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، خصوصاً عندما عاش في بيروت المدينة المنذورة للفن والجمال منذ أن استلقت إلى جوار البحر الأبيض المتوسط فاستعارت منه فتنة الماء .

قبل نصف قرن كانت بيروت مصنع شعراء ورسّامين وموسيقيين، جاء إليها آنذاك شاب أسمر تفور من أشعاره رائحة عشب إفريقي، ولكنه لم يكتف بهذه المرجعية السمراء الحارّة، بل أخذ يزاوج بين ذاكرته الثقافية وبين الفضاء الثقافي الحيوي في بيروت النصف الثاني من القرن العشرين . استعار الفيتوري فتنة الماء من بحر بيروت، ومن هناك كان الفيتوري يحقق “نبوءة” والده .

يكتب د .منيف موسى مقدّمة شاملة ومضيئة على حياة الفيتوري، ويذكر موسى حديثاً أفضى به والد الفيتوري إلى ولده الذي لم يكن يعرف أنه يحمل في قلبه هبة من الله هي الشعر “ . . إنك ستعيش متغرّباً عن وطنك وأنت سعيد الحظ، وسيكون لك أعداء كثر ولكنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منك . . إن نجمك ينتشر ولست أدري ما ستكون في المستقبل . . أحاكماً أم رجل دين أم شيئاً آخر . .” .

“الشيء الآخر” الذي كانه الفيتوري هو الشعر . كتب أجمل مجموعاته الشعرية “ابتسمي حتى تمرّ الخيل”، وكتب مسرحية شعرية رائعة بعنوان “أحزان إفريقيا أو سولارا” قاوم بشعره الشرّ والقبح والتمييز العنصري، وأحبّ جمال عبدالناصر، وبكى كما بكى غيره من الشعراء عندما احتلت “إسرائيل” بقية فلسطين في عام ،1967 وأعطى إفريقيا زهرة شبابه وزهرة الشعر .

بعد ذلك اختفى تماماً اسم محمد الفيتوري بالتدريج، كأن الشعر يموت رويداً رويداً وبالتصوير البطيء .

اليوم، والواقع العربي يستحق المراثي التي تعصر القلب، كم نحن في حاجة إلى شاعر مثل الفيتوري كان يقول: “يا قمري . . يموت الضوء في شجر النهار” .