|
|
حدثت معي 3 قصص قصيرة جدا (سأخبركم عنها فورا)، دفعتني للتفكير طويلا حول مجموعة من التساؤلات التالية:
1) ترى ما هي نسبة الجهد الذي تبذله إدارات ومؤسسات العالم العربي المختلفة في تبني الخبرات الشابة؟
2) هل هناك إحصائيات مدروسة بعدد فنيي التكنولوجيا والبرمجيات من شريحة الشباب في العالم العربي من أدناه إلى أقصاه؟ أو حتى في نصفه؟ أو حتى ربع العالم العربي؟ أو بأضعف الإيمان في دول الخليج؟
3) هل هناك مراكز استقطاب لمثل هذه الطاقات الشابة في مجال العلوم التكنولوجية (الفنية باللغة العربية، حيث نفضل نحن العرب استخدام الألفاظ الغربية لعظم وقعها على النفس، حتى كلمة تقنية منقولة من تكنولوجيا فظننا أنها عربية، أليس كذلك)؟
4) هل توجد لدينا مراكز تنمية لتلك المهارات المتخصصة والنادرة؟ كما هو الحال في الهند والصين وكوريا وباقي دول العالم؟
5) هل هناك حكومات عربية فكرت ـ مجرد فكرت ـ في استغلال هؤلاء لتطوير نظمها الإدارية واستراتيجياتها وبرمجياتها؟
6) أين يذهب هؤلاء بعد أن لا يلاقوا أحدا يدعمهم ماديا ومعنويا؟ هل يتلاشون؟
القصة القصيرة التي سأحدثكم عنها، ربما صادفت الجميع، أو وقعت لكل منا دون أن تثير لديه تساؤلاتي تلك، فهي منتشرة كالفراشات على المواقع الالكترونية وغيرها.
كنت جالسا في ساعتي المكتبية المعتادة. فتحت جهاز الحاسوب لأسجل عليه حضور وغياب الطلاب، وإرساله إلى مركز حاسوب الجامعة ليقوم باستكمال الإجراءات الاعتيادية. كل شيء تمام. فجأة جاءت إحدى طالباتي المتميزات تستفسر عن مسألة في المادة التي أدرسها، معتذرة عن عدم قدرتها على التركيز أثناء المحاضرة الأخيرة. وعند سؤالي عن السبب ردت بكل عفوية: «سهرت البارحة في تنزيل فيلم أجنبي لم ينزل بعد في الأسواق». ماذا تعنين بذلك؟ «هذا يعني أنني شاهدت ونقلت هذا الفيلم من الانترنت إلى شريحة الفلاش ميموري بشكل غير قانوني، قبل أن يباع رسميا في محلات بيع الأفلام!». وهل هذا جائز؟ «يا دكتور، نحن في زمن الهاكرز». واستخرجت من حقيبتها الجامعية قطعة فلاش ميموري اعتقدته في البداية قطعة علك صغيرة جدا. «انقله على سطح مكتب جهازك وبإمكانك مشاهدته متى تشاء».
لم أحاول وقتها مشاهدته، أولا؛ لعدم مناسبة المكان الذي أنا فيه. ثانيا؛ لتوقعي أن تكون نسخة سيئة جدا منفرة تذهب بالشعور بالاستمتاع بمشاهدة فيلم لم يصل بعد إلى ملايين المشاهدين. ثالثا؛ لاعتقادي بأنه لن يكون مترجما وأنا لا أتقن الإنجليزية. ولكنني عندما عدت للبيت وغامرت بمشاهدة الفيلم.. صعقت! لم أكن أتوقع أن يكون بهذه الدرجة من الوضوح في الصوت والصورة، واكتشفت أنه أيضا مترجم إلى العربية، وأنه وأنه وأنه..
حادثة أخرى طريفة، بعد ساعات فقط من الحادثة الأولى، دخلت قاعة المحاضرة لكن لدى الطلاب هذه المرة. وكعادتي أصل قبل وصول طلابي ما عدا واحدا، وإذا به مشغول يتعامل مع جهاز حاسوب من شركة آبل. وسألته عن سهولة الحصول على برامج لهذا النظام، كونها غالية الثمن ومحصورة. وإذا به يعطيني درسا طويلا في كيفية الحصول على أي برنامج «ببلاش يا دكتور!»، مع أن ثمنه يفوق الألف درهم، وكيف وكيف وكيف..
مخالفة القانون، هذا أمر لا يعنيني هنا. فالعالم كله وحتى على مستوى الدول والحكومات، يتعامل بمبدأ اسرق واقتل وعش.. إن لم تسرق وتقتل، تُسرق وتُقتل (بضم التاء). ما يعنيني هو أن هناك فئة من الشباب قادرة على التعامل مع أصعب تفاصيل تقنية عمل البرمجيات بكل مهارة، خاصة بعدما طلبت من أحد الطلاب أن يريني كيف يتم عمل قرصنة الأفلام. وإذا بي أكتشف آلاف المواقع الالكترونية التي توفر لك كل شيء بالمجان. والأمر لا يتطلب سوى كبسة زر واحدة حتى يفتح لك باب سمسم، بما لم يحلم به علاء الدين. وخلف هذا الباب هناك صناديق مليئة منظمة ومنسقة بطريقة ذكية جدا، تعرض عليك كل ما تشتهي وما لا تشتهي نفسك من كل شيء. هل تريد فيلما للأطفال؟ تفضل! تريد فيلم رعب؟ موجود. ترغب في برامج دينية معينة؟ لن نردك بائسا!
حتى أن بعض هذه المواقع أصبحت تتنافس فيما بينها لتصبح مواقع من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، تتهافت عليها الشركات الكبرى لتسويق منتجاتها من خلالها.
المسألة تذهب إلى أبعد من ذلك، فهناك طاقات هائلة من فئة هؤلاء الشباب قادرون على فعل أكثر من عملية القرصنة. قادرون على التحكم في أدق الأمور الفنية المعقدة، المتعلقة بالبرمجة والتحايل على أكبر شركات البرمجيات الأمريكية، وهم جالسون في بيوتهم في السعودية والإمارات والمغرب ومصر. ولكن لماذا يجلسون في بيوتهم؟ ولماذا يتم هدر وقتهم وطاقاتهم في عملية قرصنة غير مشروعة، فقط لا غير؟ لماذا لا يتم استقطابهم وتطوير إمكانياتهم وطاقاتهم واستثمارها في أمور أخرى؟ هناك عقول دعنا نطلق عليها (عقول حاسوبية فذة)، بإمكانها أن تغير الحكومات الالكترونية في العالم العربي رأسا على عقب. لقد خصصنا مئات الملايين من الدولارات لتشجيع ودعم منتخباتنا الرياضية، وخاصة في كرة القدم. مع ذلك، لم تحقق هذه المنتخبات هدفا نظيفا واحدا. فلماذا لا ننتقل من القدم إلى الرأس؟ وهي مسافة قصيرة، ونخصص ربع ذلك لاستثمار هؤلاء؟
حادثة ثالثة. ذهبت لأجدد رخصة ما.. هب أنها رخصة تجارية أو عقد إيجار أو تجديد جواز سفر.. أو رخصة قيادة.. أو الحصول على إقامة للخدامة أو تقديم طلب بناء ملحق صغير في دار البلدية.. وإذا بي أمام طابور من المتعاملين في انتظار دورهم منذ الصباح الباكر. وأخبرني أحدهم أنه يعود للمرة الثالثة. ففي كل مرة يطلب منه الموظف صورة لوثيقة ما، وفي آخر مرة نسي المسكين أن يحضر معه المبلغ اللازم. ترى ماذا سيحدث لو تم ربط كافة الوزارات والدوائر والأقسام بشبكة حاسوب مطور لا يستلزم تقديم كل هذه الأوراق (+ حفاظا على البيئة). وبإمكان صاحب المعاملة أن يقوم بملء كافة الاستمارات اللازمة وهو جالس في بيته، بدءا من ملء البيانات المتكررة إلى دفع الرسوم عن طريق البطاقة الائتمانية، ويستلم رسالة تطلب منه الحضور لاستلام معاملته، أو حتى قيامه بطباعتها بنفسه، دون أن يتكلف مسافة الطريق والوقوف في الطابور الطويل، وزيادة الازدحام المروري.
نحن في حاجة إلى بعض القراصنة لتنظيم كل ذلك.. ولكن قراصنة شرفاء.
<LI class="el4 even">![]()
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))
[align=center]
بصراحة مقال رائع
أتمنى إن يتم احتضان هذه الفئة بأي طريقة ليتم السيطرة على الملكية الفكرية للمواقع
بارك الله فيه
[/align]