2011
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليــج
لسان حال مواطن هذا العالم الكبير في سنته الجديدة 2011 لا يختلف عن السنوات السابقة، إلا بشريحة جديدة من الأمنيات . دائماً هناك أمنيات جديدة تضاف إلى آمال وتوقعات بعضها تحقق وبعضها الآخر في حكم المستحيل، ودائماً يتحقق لمواطن هذا العالم ما لا يتوقعه وما لا يريده، وهو دائماً شاهد عيان يحمل في ذاته المستلبة والمكسورة تلك الحكمة الصينية التي تلخّص شخصية الكائن البشري في أقصى درجات محوه وإلغائه من الوجود “لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم”، وإذا حدثت معجزة وأصبح يرى، فإنه يرى خط الفقر، ويرى بلاداً تذهب إلى الانقسام والانفصال، وبلاداً أخرى يتم اختزالها إلى مجرد خريطة صمّاء على الأطلس الذي لا يتوقف عن الدوران والدوخان . يرى البطالة أشبه بدابة تلتهم البشر قبل الحجر، ويرى الحروب تجدد زينتها كل يوم أمام مرآة مصقولة بالدم . يرى الأنهار والبحار وقد غارت وجفّت وامتلأت بالمشاة المدججين بالسلاح . يرى الطفل تدهمه الشيخوخة وهو رضيع، ويرى الانفلونزا بثلاثة أسماء، يرى الأمراض المنقرضة تمشي على أربع والأشجار يأكلها الخريف حتى لو كانت دائمة الاخضرار .
وإذا حدث أن سمع مواطن هذا الكوكب فإنه يسمع أصوات الزلازل والبراكين . يسمع صوت موسيقا جنائزية يعزفها رجال بأصابع مقطوعة . يسمع أنين الحجر وشكوى الماء ونحيب الأرملة، والخائف حتى من ظله . يسمع صوت الطائرة وهي تبحث بين الأنقاض عن طفل ما زال على قيد الحياة لا لكي تسقط عليه زجاجة حليب بل عبوة بارود . يسمع بكاء يتزايد في الشرق والغرب . الشعوب الفقيرة تبكي كما يقول الشاعر الراحل محمد القيسي . الحجارة تبكي، وتبكي النساء اللواتي فقدن أولادهن في الطلعة الأولى وفي القصف الأول . أصوات تلو الأصوات يسمعها سكان هذه الأرض التي تصغر ويخفّ وزنها، وتقترب من الانكماش مثل حبة ليمون مريضة .
إذا تكلم إنسان هذا العالم الكبير فإنه كلام أقرب إلى الهذيان، إنه يحلم أو يمشي في نومه . اللغة نفسها صغرت وخفّ وزنها . كلام الانسان تحوّل إلى إشارة أو إلى رمز . إنه يتكلم مع نفسه ومع الآلة ومع الكمبيوتر ومع الهاتف ومع السيارة ومع المسدس ومع الطائرة . اللغة أصبحت آلية وسريعة ومشفّرة وخالية من الدم والحرارة . في هذا الوسط الجاف يتكلم الإنسان . يشكو إلى نفسه، ويبكي على نفسه، ويدفن ذاته في ذاته، فإذا هو بلا صوت وبلا لسان .
لكن، ومن باب الاستدراك فقط، ألا نظلم كوكبنا هذا الذي نسميه أمّنا الأرض بهذه الصورة السوداوية التي تصدر عن المتشائمين، فهناك من سكان كوكبنا الأرضي من يرى ويسمع ويتكلم ويأكل وينام ويحيا ويعيش من دون حاجته إلى حكمة الضعف .
هل نحن من سكّان هذا الكوكب؟ هذا سؤال يمكن تدويره على شكل أمنية للعام 2011 .