|
|
ورد
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليــج
اللقاء في الحديقة البعيدة جداً عن عيون اللصوص والفضوليين. البعيدة جداً عن الواقع وكأنها الواقع. البعيدة جداً عن الوهم وكأنها الوهم.
حديقة ما في مكان ما. تلك هي البداية غالباً.
عنوان ما في لحظة مستديرة نوعاً ما، وكأنها كرة أرضية.
الوردة تختصر العالم، وبين شوكها ورائحتها، يتعرف الإنسان إلى ذاته، وإلى هموم وشؤون حياته، وتتميز الوردة “الجوري” بأن رائحتها جارحة، وشوكها آسر.
وفي الورود كلها، من أولها إلى آخرها، بستان من الألوان والأمزجة والجداول والأمواج والشطآن. دنيا من الفرح والبهجة والحبور.
الورود كلها تدل على فرح، وتؤدي إلى فرح، بما في ذلك الورود السوداء.
الورد مرسال محبة، ودواء لأمراض القلب، فالعمليات الجراحية مثلاً لا تكفي وحدها للملمة الجراح العميقة الحقيقية التي تعاني منها قلوب الناس المرضى وغير المرضى، فقد يسترد مريض عافيته ثم يسترد روحه وهو يستقبل باقة ورد.
ومنذ كان الورد، كان ملهماً للعشاق والشعراء وأهل الفن، من أبي نواس الذي أحب اسم “ورد” إلى شوقي في عصرنا الأخير، ومحمد عبدالوهاب الذي ملأ الدنيا وشغل معظم القرن العشرين بموسيقا الورد.
الوردة الحمراء هي الأقل هدوءاً، والأكثر شغباً وضجيجاً وقدرة على الكلام، وعندما يهديها إنسان، فهو يهدي معها شيئاً نادراً وحميماً من جمر القلب.
لون الدم أحمر، وكما أن الدم دليل دامغ، فكذلك الوردة الحمراء.
وعندما تمر السنون على الوردة الحمراء تغادر عمر الشباب. وتدخل في كهف الشيخوخة، وتتحول إلى وردة بيضاء.
إن بين الأحمر والأبيض مسافة هي المسافة ذاتها بين الدم والثلج.
“الورد جميل. جميل الورد، وعلشان الشوك اللي في الورد، وعمي يا بياع الورد”. لقد تسلل الورد إلى أغنياتنا كما يتسلل الموت أو الحب.
وفي الغرفة رقم 8 مات أمل دنقل. تسلل السرطان إلى دمه، ومن قبل الموت، كان أصدقاء الشاعر يملأون غرفته البيضاء الصغيرة، الأخيرة بباقات الورد.
وفي قصيدة من أروع ما قال أمل، تحدث عن الغصون الخضراء والورود القتيلة.
“وعلى كل باقة
اسم قاتلها في بطاقة”
الورد يحبنا، فلماذا نبادله الحب بالقتل؟