بأية أنوثة معذبة,,وأى فقد ويتم تكتب يا يوسف روايتك؟!
وهل هى إلا تجوال التجلى,وصوت فى البرية يصرخ,وأنثى تشق أنفاسك فتموه روايتها بعنوان"النبطى",وما هو إلا خفقة من خفقات أجنحة قلبها الصغير التى طارت بها إلى البعيد حتى إقترب فصارت الغربة وطنا,والغرباء أهلا,والجبال مأوى وتباعد القلب عن عشب حضنه الأول,وطينه.
لو كان لى أن أغير عنوان الرواية لأسميتها ربما-ماوية وهدهدها-أوربما قافلة مارية,غير أنك أردت الحيث عن المتلاشى فى ظل قسوة الأبدى وصرامته فالنبطى رواية تحكيها مارية تلك الفتاة التى إحتلت حلمك ونطقت بما أرادت وتركتك حيرانا فبدلا من أن تحكيها,حكتك أنت وتركتك فى أفق مفتوح لم تعرف له نهاية رغم السمة شبه التاريخية للرواية.
-"هل أغافلهم,وهم أصلا غافلون,فأعود إليه...لأبقى معه,ومعا نموت,ثم نولد من جديد...هدهدين."ص 381
خاتمة تود بها أن تعود إلى ماقد أكد التاريخ ضياعه فأنت القائل فى روايتك,أيضا,"لا شىء لا يتبدد"ص14,وكذلك"وقد مر الأمر وإنتهى,وكل مايمر وينتهى فكأنه لم يحدث أصلا".ص 101
تخطف مارية القلب ببراءتها,وبكارة إدراكها,وإستسلامها لقدرها.وليست مارية إلا رمزا لنفسها.ففيها طزاجة السرد الذى يلامس جدران بيوت الطين,وأرواح من يسكنونها,رائحة الفقر الطيب وتخاطف الأقدام فى زمن صادف أنه نقطة تحول كبرى فى الدين,والبلاد,وموت زمن,وولادة عفية لزمن جديد على الإنسانية آئنذاك.
لا أستطيع أن أتعامل مع رواية النبطى كرواية تاريخية,ولا حتى رواية شارحة لزمن نهاية الأنباط وإندثارهم أو ذوبانهم فى زمن الإسلام الأول.كل ذلك وتلك التفاصيل رأيتها مجرد ديكور لغوى-انثروبولوجى مجتهد لحكاية مارية,ومارية فقط فإنسانيتها وحياتها كانت هى لب الرواية أكثر من أى شخص,أو مكان,أو زمان آخر.
وحتى ما يشبه الشعر أو السجع الذى ورد فى الرواية على لسان كاهن,أو متنبى,أو غيره وجدته ساذجا وبسيطا ويبدو من تأليف مارية أكثر من أولئك الشخوص أو كاتب الرواية الرسمى يوسف زيدان.
ولا شك أن هنالك ولع ,ولع مسيحى لدى يوسف زيدان,ذلك الولع الذى جعله يكتب عزازيل أو هيبا الراهب,ثم يكتب النبطى أو مارية القبطية.وإذا كان هيبا متفلسفا ومتأملا بحكمة من قلب دينه وباحثا-فاقدا عن الحب ويتيما فى رحلته فإن مارية هى كذلك,فهى يتيمة,وبريئة,وتضيع فى الجموع مثله.
وكذلك مثله تبحث عن أهلها وعن الحضن الدافىء والأمومة المفقودة.غير أنها تسرد من الخارج فيما هيبا كان يسرد من الداخل-الباطن.
مارية عينان طازجتان,بسيطتان,تصفان وتسهبان فى الوصف لما حولها,لجدرانها,للشخوص,والماعز,والخيول,والجبال,والخيام,ولنفسه ا.وذلك الأيديولوجى-الدينى الكبير يعبر من فوق رأسها,وعلى طرف لسانها,ولا يمس عمقها على الإطلاق.الحب,والبحث عن الحب بأبسط أشكاله هو ما يشغلها وسط كل ذلك السراب التاريخى,وهيولية الصخر والبشر,وتحولات عالمها الشاب الذى يجد نفسه غالبا فى ظروف لا تختارها بل تستسلم لها.
وكل ما يضاجع حلمها بالحب شبحى فى صيغته,وغير ملموس فى ملامحه,سواءا كان ذلك الذى هبط عليها فى خرائب الفراعنة,أو أخت زوجها,أو النبطى الذى لا ملامح حقيقية له سوى مخيلتها عنه.
كل ذلك الحب الذى لا يترك أثرا فى الرمال,ولكن فى الحلم,فقط.
أتابع يوسف زيدان وهو يعيش النبطى لمدة عامين,تقريبا,ولكنها مارية تلك التى كانت تحكم قبضتها على يوسف من وقت لآخر,أنثاه النائمة فى جحور التاريخ.كان قد بدأ بالتابة إثر نشره لعزازيل,وعزازيل كعادته-نغص على يوسف حياته فنبش فى دفتر الخلافات والقضايا والمحاكم,ثم أخذه من هدأة جدران بيته إلى عواصم العالم ولغاته وأدخل على حياته بشرا,وتقلبات,وأحوال وربما جلب له الحب,والفقد,أيضا.
غير أم مارية تحدت عزازيل ببراءتها,ورحلتها,وشدت يوسف من منكبيه ليحملها فأملت عليه روايتها رغم كل الظروف,والأحمال,والتشتتات التى تصاحب نار الشهرة وجوهرها.
ولدت مارية يصاحبها حزنها,الذى تتركه ,فى كف من فتح غلاف روايتها وقرأها.حزن شفيف,وشاعرى,ورحلة ممتعة تقتفى أثرا لرحلة فى الرمال.الرمال التى تذروها الرياح,والرياح التى تسمح لخطى جديدة أن تمشى على مقابر الخطى القديمة فى الزمان.
القاهرة
27-ديسمبر-2010