بديع الزمان الهمذاني
358 - 398 هـ / 969 - 1008 م
العصـر العباســي




أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني أبو الفضل.
أحد أئمة الكتاب له (مقامات -ط) أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها وكان شاعراً وطبقته في الشعر دون طبقته في النثر.
ولد في همذان وانتقل إلى هراة سنة 380ه‍ فسكنها ثم ورد نيسابور سنة 382ه‍ ولم تكن قد ذاعت شهرته.
فلقي فيها أبو بكر الخوارزمي فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة فطار ذكر الهمذاني في الآفاق.
ولما مات الخوارزمي خلا له الجو فلم يدع بلدة من بلدان خراسان وسجستان وغزنة إلا ودخلها ولا ملكاً أو أميراً إلا فاز بجوائزه.
كان قوي الحافظة يضرب المثل بحفظه ويذكر أن أكثر مقاماته ارتجال وأنه كان ربما يكتب الكتاب مبتدئاً بآخر سطوره ثم هلم جراً إلى السطر الأول فيخرجه ولا عيب فيه.
وفاته في هراة مسموماً.
وله (ديوان شعر -ط) صغير و(رسائل -ط) عدتها 233 رسالة، و(مقامات -ط)








كذا من شام بارقة العذاب




كذا من شام بارقة العذاب
ومنته المنى رشف الرضاب


يلاقي الدهر مصفر الحواشي
ويرعى العيش مغبر الجناب


أأن قدح الصبا في الأفق نارا
تركت الجفن مخضلَّ السحاب


أأن سجع الحمام طربت وجدا
وعادتك العوائد من رَباب


أوجداً سرع هذا واكتئابا
حلفت لتوكلَن بغير نابِ


ألم أنذرك عن طلب الصبايا
ألم أخبرك عن نكد التصابي


حياءك يا حمام وبعضَ هذا
لعل جميع ما بك بعض ما بي


فقدت حمامة وفقدتُ ليلى
وأسود مثل خافية الغُرابِ


أليس الشيب أغزاني جيوشاً
فآبت بالسبايا من شبابي


أليس الدهر غبر في عذاري
بوفديه وذلك من مُصابي


فعللني بأعذب من شرابِ
وأخلفني بأكذب من سرابِ


وقاريّ القميص له ذماء
تقطع دونه مهج الضَّبابِ


حذاريّ الجناح أرقت ميه
لغير حزازة ولغير عابِ


ولما أسمع القاضي نداء
وأعجلني المثول عن الجوابِ


حباني من قريضك عقد در
وأسمعني به فصل الخطابِ


نسيباً لو تجسد مجتناه
لضمن حلية صدر الكعاب


ومدحاً لو يصيب على المساوي
لعدن مساعياً وشك انقلاب


ولفظاً كنت أحسبه شروداً
تحول دونه عصم الهضاب


ومعنى كنت أعهده نفوراً
عن الألباب أحذر من غُرابِ


قواف تستطاب إذا أعيدت
وحسبك من معاد مُستطابِ


وليت نشيدها وجلوت منها
على الأسماعِ أبكار النقابِ


وظلت أذوب في يدها اهتزازا
وكدت أشق من طرب ثيابي


وصرت إذا سردت البيت منها
لفرطِ العجب أخرج من إهابي


فظنك في سواي وتلك حالي
ووهمك في الجميع وذاك دابي


وكُلفت الجواب فقلت غُنم
لعمر أبيك لم يك في حسابي


ولو لا ما أؤكد من ذمام
يقل له نشاطي وانتدابي


أخا العشرين أنت من المعالي
بمنزلة الحسام من القراب


تراضعنا معاً ثدي الليالي
وذلك بيننا رحم انتساب



فرأيك في مطالبتي إذا ما
نشطت فإنه عين الصواب








مولاي إن عدت ولم ترضى لي




مولاي إن عدت ولم ترضى لي
أن أشرب البارد ولم أشرب


إمتط خدي واتعل نا ظري
وصد بكفي حمة العقرب


تا لله ما أنطق عن كاذ ب


فا لصفو بعد الكدر المعتري
كا لصحو بعد المطر الصيب


إن أجتن الغلظة من سيد
فالشوك عند الثمر الطيب


أو نقد الزور على ناقدِ
فا لخمر قد تعصب با لثيب










سقى اللَّه نجداً كلما ذكروا نجداً




سقى اللَّه نجداً كلما ذكروا نجداً
وقلَّ لنجد أن أهيم به وَجْدا


طربت وهاجتني شمال بليلة
وجَدت لمسراها على كبدي بَردا


ويا حبذا نجد وبرد أصيله
وعيشاً تركناه بساحته رغْدا


لياليَ شملي بالأحبة جامعٌ
وإذ غصني الريان لا يسع الجلدا


لعمر ظباء بالعقيق أوانس
لقد صدن باللوى أسداً وردا


ولو لم يُساقطن الحديث كأنما
يشعشعن بالخمر المعتقة الشهدا


منعت فؤادي أن يباح له حمى
وصنت دموعي أن أفض لها عقدا


وعزم إذا خيمت سافر وحده
شققت به لليلي عن منكبي بردا


فطمت عليه العزم قبل رضاعه
إليه وأعملت المسوَّمة الجردا


ولا غَرَرٌ إلا شمِمْتُ له يداً
ولا خطر إلا قدحت له زندا


ولا قفرة إلا وأمسيت صلّها
ولا حَضَرٌ إلا وظلْتُ له وَفْدا


كحلت بهمّي عين كل كريهة
إليها تخطّيت الأساوِدَ والأُسدا


بهمة مستحْلٍ من المجد مُرة
وعزمة مستدنٍ من الشرف البعدا


وطئت بها بسط الملوك مبجلاً
وما وصلت لي منهم رحم عهدا


وأصبحت للباب المحجب والجاً
ويُوسَعُ غيري أن يمرَّ به طردا


ولست بهياب إذا لم تطل يد
تميمته ذم الزمانَ أو الْجَدا


أبى اللَّه لي دار الهون وهمة
موكَّلة والواخدات بنا وخدا


غدا الدهر مني حالياً بمفاخر
ورحت كنصل السيف يحملني فردا


وقد علم الأقوام أن شريعتي
من المجد لم تسهل على أحد وِردا


ولست فتى إن شمت برق سحابة
لغير كريم أو سمعت لها رعدا


متى أتتِ الشيخ الجليل مطيتي
فقدت يدي إن لم أقدّ لها جلدا


تزر ملكاً يعطي الجزيل إذا صحا
ويضرب هاماتِ الملوك إذا شدَّا


يُحكّم إلا في محارمه الندا
ويعمل إلا في مكارمه القصدا


ألم ترني قيدت في طوس عزمتي
ولولاه ما كانت على كبدي تندى


وكنت امرأ لا أرتضي المجد خادماً
ذهاباً بنفسي فکتسمت له عبدا


قصدناك لا إن الضلال أجارنا
ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا


فلا أملي أعيا ولا صارمي نبا
ولا منزعي أشوى ولا مطلبي أكدا


فلو كنت غيثاً لم شم برق خلب
ولو كنت بحراً لم يزل أبداً مدّا


أملء فمي فخراً ووسع يدي ندا
وحسب المنى وقدر الْجدَا جَدّا


أعرني يداً تمي دنانير في الندا
كما تنثر الأغصان يوم الصبا وردا


أعرك ثناء لا تغبّ وفوده
كما تنشر الأمطار فوق الربا برد ا


وأُلبسك مدحاً لا يعاد فريده
كما ينفح الند الذكي إذا ندا


تعيد المساعي غضة بعد يبسها
وشِيب المعاني بعد كبرتها مردا


هلم العطايا فاللّها تفتح اللها
وسح الندا يستنجز الخاطرَ الوعدا


جلبت إليك المدح مغلّى بسومه
أرغبة َ مبتاع لمدحيّ أم زهدا


أشم مدحي كفا بها تبتني العلى
ولا تعدني رأياُ به تعمر المجد ا


فما العمر إلا ما اقتنى لك ذكرة
وما المال إلا ما اشتريت به الحمدا


وما دولة أنت المدبر أمرها
بمنشب ظفر ما بقيت لها سدا









ولقد دخلت ديار فارس تاجراً




ولقد دخلت ديار فارس تاجراً
أبتاع ما فيها من الأعراض


فإذا نسا فيها رجال سادة
لهفي على ذاك الزمان الماضي


وبعهدنا بك يافعاً وبخالد
حدثاً تنسك يا أبا الغياض


وأراك شخت ومن يشخ بذر النسا
منه بمنتجع من الأمراض


والشيب في الإسلام حسبك مفخراً
في عارضيك فلا تدع لبياض


مأظن هذا الشيب في استيفائه
سنة الضحى هي في العيون تغاض


وإذا اللحى ريشت فسوف ترى اللحى
بعد الرياش تقص بالمقراض










سماء الدجى ما هذه الحق النجل



سماء الدجى ما هذه الحق النجل
أصدر الدجى حالٍ وجيد الضحى عطل


لك الله من عزم أجوب جيوبه
كأني في أجفان عين الردى كحل


كأن الدجى نقع وفي الجو حومة
كواكبها جند طوائرها رسل


كأن مطايانا سماء كأننا
نجوم على أقتابها برجها الرحل


كأن القرى سكرى ولا سكر بالقرى
كأن الربا ثكلى وما بالرا ثكل


كأن الفلا زاد كأن السرى أكل
كأنا لها شرب كان المنى نقل


كأن الفلا نادٍ به
عليه الثرى فرش حشيته الرمل


كأن الربا كوم كأن هزالها
لكثرة ما يغتالها الخف والنعل


كأن الذي تنقى الحوافر في الثرى
خطوطٌ مساميرُ النعال لها شكل


كأنا جياع والمطي لنا فم
كأن افلا زاد كأن السرى أكل


كأن بصدر العيس حقداً على الثرى
فمن يدها خبط ومن رجلها نكل


كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع
وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل


كأنا على أرجوحة من مسيرنا
لغورٍ بها نهوي ونجدٍ بها نعلو


كأنا على سير السواني مسافة
لمجة تمضي ومجهلة تتلو


كأن الدجى جفن كأن نجومه
على ظهره حليٌ كأنا له نصل


كأن بني غبراء حين لقيتهم
ذئاب كأني بين أنيابهم سخل


كأن أبانا أودع الملك الذي
قصدناه كنزاً لم يسع ردَّه مطل


كأن يدي في الطرس غواص لجة
بها كلمي درّ بها قيمتي تغلو


كأن فمي قوس لساني له يد
مدحي له نزع به أملي نبل


كأن دواتي مطفل حبشية
بناتي لها بعل ونفسي لها نسل


كأن بنيها عكس أبناء عصرنا
فإن يُرضَعوا يبكوا وإن يفطموا يسلوا


وإن ضربت أعناقهم عاش ميتهم
فقتلهم أن لا يعمهم القتل


كأن ألهمت فضل الذي باسمه جرت
فسارت وما غير الرؤوس لها رجل


كأن الأمير اختصها فاعتلت به
معارجُ أسبابُ السماء لها سفل


وإلا فما بالُ الملوك نراهمُ
عبيد قناة لا تمر ولا تحلو


ألا عَتَبتْ جُمْل وبيني وبينها
من البيد عذرٌ لو به علمت جمل


تعجب من شكواي دهري كأنني
شكَوت لما لم يشكه الناس من قبل


يذكرني قرب العراق وديعة
لدى اللَّه لا يسليه مال ولا أهل


حنته النوى عني وأضنته غيبي
وعهدي به كالليث جؤجؤه عبل


إذا ورد الحجاج لا قى رفاقهم
بفوّارتي دمع هما السجل والنجل


يسائلهم أين ابنه كيف حاله
إلام لِمْ لَمْ يعد هل له شغل


أضاقت به حال أطالت له يد
أأخّره نقص أقدَّمه فضل


أفيصوا عن الفرع الذي أنا أصله
وما بال فرع ليس يحضره الأصل


يقولون وافى حضرة الملك الذي
له الكنف المأمول والنائل الجزل


فَقِيدَ له طِرف وحُلّت له حبي
وخير له قصر ودرَّ له نزل


وفاضت عليه مطرة خلفية
بها للغوادي عن ولا يتها عزل


يذكرهم باللَّه ألاّ صدقتم
لديّ أجدُّ ما تقولون أم هزل


فدى لك ما أبناء دهرك من غدا
ولا قوله علم ولا فعله عدل


طوينا للقياك الملوك وإنما
بمثلك عن أمثالهم مثلنا يسلو


ولما بلوناكم تلونا مديحكم
فيا طيب ما نبلو ويا صدق ما نتلو


ويا ملكاً أدنى مناقبه العلى
وأيسر ما فيه السماحة والبذل


هو البدر إلا أنه البحر زاخراً
سوى أنه الضرغام لكنه وبل


محاسن يبديها العيان كما ترى
وإن نحن حدثنا بها دفع العقل


فقولا لِوَسّام المكارم باسمه
ليهنك إذ لم تبق مكرمة غفل


وجاراك أفراد الملوك إلى العلى
فحقاً لقد أعجزتهم ولك الخصل


سما بك من عمرو بن يعقوب محتد
كذا الأصل مخفوراً به وكذا النسل