تونـس وإرادة الحيــاة
د . عبــدالله عمــران
* دار الخليـــج
عندما كان المشهد التونسي في ذروته، كانت قلوب العرب جميعاً، من الخليج إلى المحيط، تتجه إلى البلد الأخضر الجميل، حيث الأحداث تتوالى بشكل دراماتيكي متواتر، ومنطقي في الوقت نفسه، ولم يكن أحد يبحث عن حجج أو مبررات: إنها إرادة الشعب التونسي، وكفى . إنه خيار الشعب التونسي وكفى .
الشعب العربي في تونس اختار مستقبله بيده، وانتخب غده منطلقاً من تجربة اليوم والأمس، وإذا كان عنوان المرارة والمعاناة هو المسيطر في السنين والعقود الأخيرة، فإن عنوان التفاؤل هو السائد الآن، مع رجاء أن يتجاوز التونسيون آثار الأيام الصعبة، ويحفظوا بلدهم من كل شر وضر، وأن يستعدوا للإسهام في مرحلة التعددية، والتداول السلمي للسلطة، على خلفية الإرث الحضاري والسياسي والنضالي العريق للشعب التونسي الحر .
وقد كان الشعب التونسي حراً، برغم كل القيود، حتى اللحظة الأخيرة . عندما يطمح الشعب فإن أبعد الآفاق لا تكفيه، وعندما يجوع الشعب فإن الوعود لا تشبعه .
لكن شعب تونس العربي الصميم، وهو يخرج بتلقائية وحماسة إلى الشارع، لم يكن يبحث عن الوظيفة ولقمة العيش على أهميتهما . كان يريد استرداد وطن سلب منه، وكسر القيود، وهذا ما نجح في تحقيقه بامتياز .
وفي صوت واحد كالموج الهادر، اتحدت أصوات التونسيين في صوت واحد: إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر .
استعاد الشعب التونسي المطلع المتجدد أبداً في قصيدة التونسي الخالد أبي القاسم الشابي، وأخذ يرددها نشيد نصر وعلامة مستقبل .
والأمل، أمل التونسيين والعرب جميعاً، أن تستعيد تونس عافيتها في القريب العاجل، استناداً إلى المبادئ الدستورية الثابتة، فما حدث، منذ أول المشهد إلى ذروته، لم يكن عادياً، وعلى الشعب البطل استثمار هذه التجربة النادرة، نحو تأسيس دولة المؤسسات والتنمية والعدالة والديمقراطية الحقة والحريات .
هذه مسألة مفروغ منها، والثقة في تونس وشعبها يقين لا يتزعزع، لكن الدرس التونسي درس عربي في الوقت نفسه وبالقدر نفسه .
فهل يتعظ المتعظون؟





رد مع اقتباس