لتونس أن تقول الآن دولتها الجديدة فاسمعوها أوّلا،
كي لا تموت بكلّ هذا الياسمين
يوسف رزوقة
ما الّذي يحدث في البيت
وما جاوره
حتّى تشبّ النّار في المهجة أعلى من خراطيم المياه؟
ما الّذي يحدث بالضّبط
بحيث اختلط الهارب بالهارب
حتّى لم يعد في الاتّجاهات اتّجاه
ما الّذي يحدث ؟
كي يشتبك، الآن هنا، الأخضر باليابس
واليابس بالنّار الّتي بين الضّلوع؟
ما الّذي يجري على مقربة منّي
وما من خاتم لي أو عصا سحريّة ..
كي أجعل السّاعة تجري طوع حلمي؟
ما الّذي يجعلني أهرب من وجهي إلى وجه جديد؟
ما الّذي يجعلني اليوم أمنّي النّفس بالهجرة من عشّ إلى منفى
ولا أقوى على البوح بما بين الضّلوع؟
ما الّذي يجعلها تبكي لأجلي
وأنا أشبعها حبّا، بلادي؟
ما الّذي يعنيه هذا الموت في عقر بلادي؟
ما الّذي كاد لها حتّى انتهت من حيث لا تعلم نهب الطّامعين؟
ما الّذي زيّن أحوالا بأقوال وأقوالا بزرع لا تراه العين إلاّ في المنام؟
ما الّذي أشعل نارا
هي أعلى من خراطيم المياه؟
ما الّذي أعلنه الآن وقد أعلنت، في البدء، ابتهاجا كان مضمون انتمائي؟
ما الّذي يخفيه لي يومي فيومي كلّه محض مجاز ومناديل لتجفيف الدّموع؟
ما الّذي يحدث لي تحت سماء لم تعد، منذ تمادى الوحش في قتلي، سمائي؟
ما الّذي يجري على مقربة منّي وقد أضرم، في ريشاته، العصفور، نارا؟
ما الّذي أصنعه الآن ولم يبق لأمثالي عدا هذا الفتات؟
ما الّذي يقوى، وما عاد لنا سقف، على لمّ الشّتات؟
ما الّذي أصنعه الآن ولم أجرؤ على البوح به للآخرين؟
ما الّذي أفتحه؟ جرحا بحجم النّار في ريشات عصفور قضى – وهو يغنّي – نحبه. فات الأوان
ما الّذي أعنيه؟ لا أعني وقد متّ تماما بعدما ماتت رشا بالأمس شيئا
ما الّذي يجعلني أفتح بابا وأنا ما عاد لي، في ما أرى، حولي وفي أنحاء نفسي، أيّ باب؟
ما الّذي أجنيه من شعر ستذروه الرّياح؟
ما الّذي يجعلني أهرب من نفسي الّتي في قبضتي، هذا الصّباح؟
ما الّذي أحمله للغد؟ للأجداد إن عادوا؟ بقايا وطن أم وطنا لم يأت للباقين أمثالي وقد ماتوا كثيرا؟
ما الّذي يجعلني أحتلّ أرضا غير أرضي وعلى أكتافها أضرب، والنّخلة تبكي، خيمة لي؟
ما الّذي يمنحني بعد زوال الظّل إحساسا بأنّ الشّمس لي، حينا وللنّاس جميعا؟
ما الّذي ينقص هذا الوطن الطّالع من أرحام كلّ الأمّهات المستغيثات ليرقى ناطحات السحب الحبلى بماء الله؟
باللّه أجبني أيّها الطّالع منّا
قبل أن ترحل عنّا
ما الّذي يحدث لو ينقلب الفاعل مفعولا به بعد قليل؟
ما الّذي في البيت؟
ركن للأكاذيب
سجلّ ذهبيّ
تحف مسروقة
خارجه؟
ممتلكات لم يعد يملكها أصحابها خوفا من البحر الذي في الإخطبوط
صاحب البيت؟
بمنأى عن خطوط الطّول والعرض،
بمنأى عن خيوط
هي في الأيدي الّتي في الإخطبوط
"عش عزيزا"
أو فإنّ الموت
بالنّار الّتي في القلب
مشروع حياة لليتامى
عش عزيزا
أو فإنّ النّار أولى بالّذي في القلب
من حلم ونار وأغان
مت عزيزا خارج البيت
فلا بيت لأمثالك في هذا الزّمان
كان يا ما كان... في هذا الزّمان:
عاطل عن فعل شيء
لخلاياه الّتي في القلب
لم يجلس أمام البحر
كي يرسمه
لم ير في الزّرقة ما يغريه
فاستنجد بالممكن من خبز المكان
فارتدى بدلته
جرّ برويطته
لكنّ حرّاس المكان
صادروا الشّيء الّذي بين يديه
ما الّذي يفعله العاطل عن تحقيق شيء تافه جدّا كهذا
غير أن يحرق ما في الأرض من ألوية ما رفرفت في الأفق إلاّ لسواه؟
لم أبك من خوف على نفسي ولكنّي بكيت بقوّة من قوّة الأعمى الّذي فيها يقود خطاي نحو الهاوية
لم أبك غاليتي وقد رحلت ولكنّي بكيت بقاء إخوتها على قيد الحياة وخيبتي في أن أكون أبا لهم، يا نهر اتجه عكس الدم القاني وعكس القافية
لم أبك، يوم تبخّرت، كي لا تعود، غزالتي لكنّني، وأنا أرى النّيران في جسمي، بكيت،بحرقة امرأة رأت أحلامها أعجاز نخل هاويه.
بل كلّ ما أخشاه في جسم كهذا، أن تخربّه الأنا ونقيضها
هل أترك الفتن الّتي في مستوى أمعائه تغلي لتحرقني أنا والبيت والآتين من بعدي وقد صاروا وقودا يشتهيه حضيضها؟
في شبه منفى، غير ذي زرع، أنا
أحصي – لأعرف، ليس أكثر - حاملي نعشي
وأهتف: يااااااه
محظوظ أنا
إنّي أرى للمرّة الأولى النّجوم
تمرّ تحتي
والسّماء مظلّتي
وأنا على الأيدي الّتي لم ترتفع
إلاّ لترفعني إلى المثوى الأخير
كأنّني للتوّ أبعث من جديد
كي أرى الكلمات تخرج من فمي
في شكل زوبعتين
واحدة لجعل الحلم في متناول العصفور
والأخرى لدكّ الأرض دكّا تحت أقدام الدّمى، أفيال تاريخ الخراب
وما إليه
كأنّني للتوّ أشهد نهضة التيّار في أجسام من ماتوا بسمّ الإخوة الأعداء
أو ركلا بأحذية الطّغاة
كأنّني أفتكّ، ثانية، عصا الرّاعي
لأجعله يقول بنايه ما لم تقله عصاه،
من صنع العصا؟
في شبه منفى، غير ذي زرع، أنا
أحصي- لأعرف، ليس أكثر – محتوى الصّندوق، صندوق الودائع | جدّتي، لا شيء في الصّندوق | من سرق الأساور والخلاخيل الّتي فرحت بها أختي ؟ | وأين وثائق الأرض التّي هي أرضنا؟ | والخاتم، أين اختفى؟.
15 - 12 - 2010
لكنّ للطّوفان دولته
وللأيدي الصّغيرة أن تقول النّار حتّى سقطة الطّاغي، أخيرا، في متاهته
لتونس أن تقول الآن دولتها الجديدة
فاسمعوها أوّلا، كي لا تموت بكلّ هذا الياسمين
15 - 01 - 2011






رد مع اقتباس