الدائـــرة

حبيب الصايــغ

* دار الخليـج







هذا حكم قطعي . لا ترتيب يلائم هذا الصباح الباكر، المبتكر . يصحو الرأس أولاً . يطل العقل من نوافذه الأولية . يسافر الحنين إلى جهات معلومة ومجهولة . تحاول الكتابة أن تقول شيئاً غامضاً، وغير مفهوم، حتى تحشد أكبر قدر من المؤيدين . تتسلل الشموس والأقمار إلى طلول قديمة، وتقول في الوقت نفسه قصائد حديثة لكن في أغراض قديمة: المديح والهجاء خصوصاً .

لا ترتيب، ولا يراد أصلاً الوصول إلى ترتيب . المقصود، هذا اليوم، أن يكون اليوم يوماً آخر . زمناً جديداً مرمياً بعناية وذوق في بئر الأيام، وفي تقويم مختلف لم يخطر في بال التقاويم . لا يخطر في بال الزمان .

يوم يؤلفه الإنسان على مقاسه . على مقاس أحلامه وفوضاه . يوم لا ينبتّ عن سياقه لكنه، لسبب أو لآخر، يقف بعيداً عن قطيع الأيام، ويطل من شاهق، ويغني من قرار الصوت والضمير، حيث الصوت لا ينفصل عن الضمير، وحيث الضمير كائن حي، من أروع وأجمل ما يكون . كائن لا يشبه سواه من الكائنات، وله تجلياته في الأقاليم والأقانيم . له طموحاته البعيدة القريبة . له منطلقاته ومعانيه .

هل يستطيع إنسان بمفرده تأليف يوم جديد؟

وإذا حصل عمداً أو مصادفة، فمن يقرأ معه يومه الجديد؟

قطعاً وحده لا يستطيع .

القراءة غير التأليف . لا بد من أن تكون فعلاً جماعياً، ولو أن قارئ الكتب المهمة والخالدة واحد لما كانت مهمة أو خالدة .

هكذا تتحدد الإشكالية أو المشكلة أكثر . يوم من تأليف فرد يريده على ذوقه وهواه، فيما لا يصبح هذا اليوم، حتى هذا اليوم، منتجاً حقيقياً إلا بمساعدة الآخرين، وبقراءة جماعية ترتفع وترتفع، وإن بدأت همساً .

ولا ترتيب يلائم هذا الصباح الباكر، المبتكر، حتى يكون البداية الصاحية ليومي الذي أؤلفه وحدي .

مشكلتي الكبرى انني في أغلب الوقت أفصل المقدمات عن النتائج فصلاً قسرياً .

ولا ترتيب يلائم هذا الصباح الباكر، المبتكر، إلى آخره . . إلى آخره .