[align=center]
عندما يستجيب القدر

أمجـــد عــــرار

* دار الخليـج[/align]




[align=center]
[/align]




[align=center]قبل عامين ونيّف وعشيّة انتخابات رئاسيّة معروفة النتائج على نحو مسبق، كانت شوارع تونس تعج بصور رئيس الجمهورية . كل بضعة أمتار تجد أمام ناظريك يافطة تمجّد “الزعيم الملهم قائد تغيير 7 نوفمبر”، لكن أغربها ذلك النص الذي كرر القول “شكراً سيادة الرئيس على قبولكم الترشّح لولاية رئاسية جديدة”، بمعنى أن على أبناء تونس أن يكونوا ممتنين للرئيس على “التضحية” الكبيرة التي يؤديها لهم بمجرّد قبوله “عناء” حكمهم . وعندما يكون مثل هؤلاء الكتبة هم صلة الوصل بين القيادة والشعب، فإنه سيحتاج إلى ربع قرن لكي يكتشف أنه “الآن يفهمهم” .

كان التونسيون يصرخون في الشوارع بعشرات الآلاف دفاعاً عن حقوقهم وصوناً لوطنهم الجميل، ونحن نقرأ لكتّاب تداعوا لمنع التاريخ من التعبير عن نفسه . وككل مرّة يكون فيها التضليل سيّد الموقف، يتصاعد من النصوص بخار الإحصاءات عن حجم التنمية ومستوى النمو، والهدف تفريغ صرخة المقهور من دوافعها، وتصوير حركة شعب بأكمله على أنها مجرد “فلتان أمني” وبعض احتجاجات ضخّمتها وسائل الإعلام”، أما “الحقيقة” الملوي عنقها فهي أن الشعب التونسي ينام على ريش النعام ويعيش في النِّعم ولا يملك غير ال “نَعَم” . هؤلاء لم يراودهم أدنى حد من توقّع ما حصل، باعتباره سابقة عربية بامتياز، أو أنهم يراهنون على أن القارئ العربي مصاب ب “نعمة النسيان” حتى لا نقول إنهم يتبنون خرافة “إسرائيلية” تقول إن “العربي لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم” .

الإحصاءات التي يتداولها كل من يريد أن يحرف البوصلة، أكثر تضليلاً من أولئك المستشارين الذين يحجبون حقائق الأكواخ عن القصر، ويختزلون رأي الشعب كلّه بنشيد “هشتكنا وبشتكنا يا ريّس” . هم لا يعرفون، أو يتجاهلون أن معيار الاستقرار الذي يكتفي برصد السطح ولا يقيس صدع القلوب ولا يزيح الرماد، ليس سوى تضليل ووصفة سحرية لمفاجأة تبلغ 23 درجة على مقياس أبو القاسم الشابّي .

مهما يكن من أمر، هناك ثلة تختار على الدوام كل موقع مناقض للشعب، وكل موقف يخدم فلسفة الانتفاع والطفيلية والرشوة والنفخ في قربة “المتنبي وسيف الدولة”، واستبدال الهواء بالامتيازات والمنافع، يقولون ما يراد لهم أن يقولوا ويكتبون ما هو أشد جفافاً من الحبر .

هناك دول، عندما تتحدّث عن مستوى دخل مواطنيها، تكون الأرقام قريبة من الواقع، لكن بالمقابل ثمّة دول تبهرك الأرقام عن معدّل دخل الفرد فيها، لكنّك تكتشف أن الملايين من مواطنيها تحت خط الفقر، وتندهش لو زرتها ورأيت بعضهم ينامون في الشوارع ويأكلون من بقايا النفايات .

ها هو يتبيّن أن استقرار تونس لم يكن سوى نار تحت الرماد، وكان يكفيه شرارة البدء مسكوب عليها وقود من دماء، أوله دم الشهيد محمد البوعزيزي الذي أشعل النار بجسده ليشعل حرارة شعب يدرك أنه إذا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر . لم يكن احتراق البوعزيزي انتحاراً، بل احتراقاً لشمعة تستجيب لصرخة “إن لم أحترق أنا وتحترق أنت ونحترق نحن فمن ذا الذي ينير هذه العتمة”؟[/align]