أبوالقاسم الشابي
مقال المبدع يوسف أبو لوز
* دار الخليــج
بعد عشرات السنوات على موت الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، ها هو صوته الاستشرافي التوقّعي يعود إلى الحياة، عبر قصيدته الشهيرة “إرادة الحياة” التي يقول فيها، وبإيقاع سهل ولغة شديدة الوضوح:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
حفظنا هذه القصيدة على مقاعدة الدراسة في السبعينات من القرن الماضي، ولأن وزنها العروضي غنائي وقريب من نبض الناس وأشواقهم المتطلّعة إلى الحرية، فقد قام الكثير من الشعراء العرب بتقليد هذه القصيدة والكتابة على منوالها .
أصبحت هذه القصيدة التي تناقلتها غالبية الشعوب العربية أشبه بالأيقونة أو العلامة الرمزية الدّالة على إرادة الشعوب المنتصرة على الظلم والطغيان، تماماً مثل النجمة المعلّقة على قبّعة جيفارا والتي أصبحت هي الأخرى رمزاً من رموز التحرر من العبودية والعدوان .
النقّاد العرب ومحبو الشابي وكتّاب الروح الطليعية الباحثة عن الانعتاق من القهر والاستغلال كتبوا مئات المقالات والدراسات عن أبي القاسم الشابي، لكن لم يكن الشابي حاضراً وحيّاً بشعره التنبؤي هذا، كما هو حاضر اليوم في بلاده تونس، وفي مناطق كثيرة من الوطن العربي والعالم الحرّ، ففي الحدث التاريخي الذي شهدته تونس ليل الجمعة الماضية، عندما انتصرت إرادة الشعب التونسي واختارت هذه الإرادة الحرّة، أن تنحاز إلى الكرامة والحق في العيش الإنساني النبيل والكريم، كانت روح الشابي ترفرف في الذاكرة العربية، وكان شعره وضميره الوطني جزءاً واضحاً من نسيج انتفاضة الشارع في تونس، وبكلمة ثانية فإن الشعر الوطني الصادق الذي ينطوي على استشراف المستقبل هو ذاته الشعر الذي يعيش في الحياة وفي المستقبل معاً .
أراد الشعب التونسي الحياة، فاستجاب له القدر، وأراد هذا الشعب الحيّ . . الشعب المثقف والصبور أن ينجلي الليل، فانجلى الليل وظهرت نجمة الصبح وانكسر القيد، وهي المفردات ذاتها التي كان يشتقها أبو القاسم الشابي من زمنه ومن حيثيات زمنه، إلى أن تحققت رؤية الشاعر ورؤياه في هذا الأسبوع التونسي الأخضر .
عندما ينتمي الشاعر إلى ضمير شعبه ويتنفس هواء الحرية مع لغة الشعر، يعود إلى الحياة، حتى لو مرّ على موته آلاف السنوات، أما الطغاة فإن مصيرهم إلى الزوال والنسيان .






رد مع اقتباس