حين نفقد الخبز والحرية معاً
عصام الجردي
* دار الخليج
المشهد الكئيب الذي نراه في تونس والجزائر على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، تعبير في ذاته عن واقع تحول إلى نهج في الأغلبية الساحقة من الدول العربية، عنوانه معالجة أزمة من طبيعة اقتصادية، واجتماعية، وتنموية، وسياسية بوسائل بوليسية وعسكرية . الجزء المتمم لهذا النهج، خطاب رسمي يردّ كل تحركات الغضب والاستنكار، ومطالب تحسين الظروف المعيشية، إلى “أصابع خارجية معادية للبلد ولأمنه واستقراره” . هذه هي الطريق الأقصر لتحويل الناس والفقراء والمحامين والصحافيين والمثقفين بلا خجل إلى “عملاء للخارج مأجورين”، ضد ذواتهم وأوطانهم وضد الأرض التي عليها يعيشون . وجزاؤهم: ضحايا بالعشرات وجرحى ومعتقلون بالآلاف .
أينما تلفتنا، لا تختلف الصورة كثيراً . ولا تعارض بين السبب وبين النتيجة .
التوتر الاجتماعي مستمر في المغرب على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية . جنوب السودان قال نعم للانفصال عن جمهورية السودان الموحد وماضٍ في تأسيس دولة خاصة به . وتنتظر بيروت تظاهرة دعت اليها نقابات سائقي السيارات العمومية احتجاجا على ارتفاع أسعار البنزين ووقود التدفئة، في بلد بات الحد الأدنى للأجور فيه (333 دولاراً أمريكياً) لا يساوي ثمن 14 صفيحة من البنزين، ونصف سكانه غير مشمول بأي غطاء صحي واستشفائي . معلمو المدارس في الأردن يعتصمون مطالبين بنقابة حرّة، وبوضع حد لموجة الغلاء . بينما تشهد مصر أخطر أحداث من نوعها بعد الاعتداء الإرهابي على كنيسة الإسكندرية الذي استهدف أبرياء من الطائفة القبطية الراسخة في تاريخ مصر قدما وعراقة وانتماء، وفي مصر أيضاً معدلات بطالة عالية وأزمة اجتماعية متعددة الأوجه .
كل هذه الأحداث التي تجتاح معظم الدول العربية، ونرى نذراً لها تحت الرماد في دول عربية أخرى، مردها على نحو رئيس إلى فشل ذريع في خطط التنمية التي أدت إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء وبين الفقراء في البلد الواحد، والى التفريط بمصادر الثروة الوطنية وحرفها عن أهداف التنمية والرفاه الاجتماعي، مع مستويات عالية من الفساد . حتى النعرات الطائفية والعرقية والإثنية، تستيقظ في ظل مناخات مماثلة من الفقر والبطالة وغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية . ومع بيئة سياسية تفتقر إلى حرية التعبير بأنواعها، يغدو كل ذلك أشبه بالإقصاء الاجتماعي . فكيف إذا كانت مطارح الثروة هي مطارح الفقر والتخلف؟ جنوب السودان صورة سافرة، دارفور أيضاً، بل السودان بكامله الذي يملك من الثروات والموارد ما لا يتسع المجال لذكره، من النفط إلى الذهب والمعادن النفيسة والخسيسة بكل انواعها، إلى نحو خمسة مناخات مطيرة وأراضٍ خصبة، وثروة داجنة، وإمكانات هائلة مجهولة من موارد السياحة البيئية والجمالية، في بلد رازح في أدنى درجات السلّم الاجتماعي .
من الأساس نبدأ: المعادلة بين الرغيف وبين الحرية، التي سادت من الزمن عقوداً طويلة، لم تعد صالحة في الألفية الثالثة . أهمية المشاركة في القرار السياسي، والاقتصادي، والتنموي، والثقافي دونه كل الحقوق الانسانية الأخرى . فأن يحوز المواطن حقه مكفولا بالدستور في صناعة حاضره ومستقبله من خلال مؤسسات دستورية، في الاقتصاد والانماء والرفاه الاجتماعي، ففي ذلك حجر الأساس للاستقرار في البلد . الحرية نزوع إنساني منذ فجر التاريخ . المؤسسات الدستورية هي الحاضنة، وهي أوعية ممارسة الحرية بأنواعها المتعددة . أن نشارك في صناعة حاضرنا ومستقبلنا بخياراتنا الحرة، غير المكبلة بأي نوع من القيود، خلا سلطة القوانين العادلة موجبات وحقوقا، ملكنا المساحة التي نريد أن نشغلها، ونرتاح اليها في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وفي هذه المساحة كل أنواع حقوقنا، وفي مقدمها الحق في العمل، والرفاه الاجتماعي، والسعادة والسلام . الأهم في هذه المعادلة، أنها تكسب الفرد أيضا، الذي هو أصل الجماعة، أمر السيادة على نفسه، فيحوز مع حريته الأشمل حق الدفاع عن وطنه . والقاعدة الذهبية، من يفقد حق الدفاع عن نفسه، فاقد لا محالة حق الدفاع عن وطنه .
وإذا أوغلنا في هذا المفهوم، لقلنا أكثر: إن بلدا يفقد فيه المواطن حقوقه المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يملك في آن حرية تغيير واقعه، وتحسين ظروف حياته، ينكشف على كل أنواع الاستباحة وصنوفها .
المعادلة التاريخية التي سبق ذكرها، والقائمة على الخيار بين الحرية وبين الرغيف، باطلة في الشكل والمضمون . الحرية شرط للرغيف . وفي غياب الأولى،لا قيمة حقيقية للثاني . بيد أن أحدا لم يسأل بعد: ماذا إذا فقدنا الاثنين معا؟ وأي مستقبل يرتجى لأوطاننا وشعوبنا؟






رد مع اقتباس