محاولة لتخليد الخوف
للمتألق حبيب الصايغ
* دار الخليــج
لا تحتشد ذاكرة الرمل والماء إلا على تاريخ له رنين المباهج الكبرى أو الفجائع الكبرى . بين ذلك يحاول الظمأ استصدار بطاقة عبور . الطابور يتوازى مع مرارات لا تشكلها المصادفات وحدها، وهو يتقدم ببطء وعينه على المناظر، وقلبه على الضمائر، موزعاً هداياه على المارة الوحيدين في الكواكب البعيدة، وواضعاً رأس حكمته على طبق من ذهب .
ذاهباً إلى جهة لا كالجهات . جهة تتعرى إلا من الجسد، وتناوله الأعناب والخضرة والنهارات . تناغيه حتى يهدأ فلا يهدأ . تراود الوجه عن نفسه وعن القناع، فيستكين ويستكين ويهدأ . يلتحف بالصمت المنكسر إلى آخر القتامة والغبار . إلى وشوشة الصليل اللائق بالكبرياء . يستيقظ كما استيقظ، كيفما استيقظ . لا يقترح المواعيد ولا يدوخه رنين الساعات . مسطول أبداً . جني أبداً . أشهب أسمر سكران . واصل أبداً .
وتحيط به أضواء من أضواء، إلى الشبح الوحش الرابض في الإنسان . يحيط به العمر فيسرح في لجج التاريخ، ويمسح عن جنبيه الكلمات المحتارة بين التذكير وبين التأنيث . يمد يداً سيدة نحو الماء، فيغمره الماء . طريق المد سواء والجزر، فيا البدر الفضي القابع في الضيق استنفر أطرافك يغمرك بأطراف المد ويسرح فيك إلى أن تسرح فيه، وينطلق الممكن . . لغوٌ لغوٌ . . تلك الذرات اجتمعت ذات بكاء، فاصطف أباطرة سود . صفر وغلاظ . قالوا: كن أنت فكنت . سألت عن اسمي لكني لم أسمع حرفاً ينبض من حولي . لم أسمع إلا الموت الساهر حول المدفأة الأولى . لم أسمع إلا لهب النار يشد تباريح العشاق إليه، ويرميها في كتب الميثولوجيا . لم أسمع إلا البهو الزائغ يمضغ أمعاء القيء الكوني .
وفيما أنا هنالك، بين النائم واليقظان، توارت عن عينيّ فجأة كائنات الدهشة ومكنوناتها، وانحدر بي الجبل العالي إلى الوادي السحيق: إننا مشتاقون كالعشاق المنفيين، ولكن مهلاً أيتها النجمة، فنحن نخاف من الأماكن الشاغرة في السماء .