بلاغــة
مقال الكاتب حبيب الصايغ
* دار الخليــج
هل كانت الكرة الأرضية، بل المجرة، لولاك أيتها الأم كرة أرضية أو مجرة؟
هل كانت الحياة حياة؟
ولولاك هل تنسجم الطبيعة مع نفسها كل هذا الانسجام؟
ولولاك . . هل كان الحب؟
أنت الأم في عيد الأم وقبله . في الأوقات والمناسبات وخارجها، لك الزمن كله، والأعمار والرايات .
أنت الأم في المطلق . مطلق اللغة ومطلق المكان . أنت أحلى أنشودة منذ عهد الطفولة الأولى . أنت التميز والرقة والعذوبة والإتقان والجمال والبهاء والصدق والبراءة والوضوح والتلقائية والأمل .
وأنت الكتابة يا فضاء مرفوعاً على أكف مقتدة من خشب الضلوع .
أنت الأم، وفيك تجلت قدرة الخالق المبدع تكويناً وإعادة تكوين . قصة أثيرة متجددة على اختلاف الأزمنة وتعاقب الأجيال والدهور . الأم أنت ونحن صغارك الصغار! نعم نعم . تمر علينا السنوات . نكبر ونهرم، ونظل كلما تذكرناك صغاراً نحاول لعبة الإدراك في محيط شاهق محاط بالزغب والخطوات المتعثرة وأغاني المهد .
صغار ونكبر بك، ونظل صغاراً متشبثين بطفولتنا الأبدية وبالأبدية .
صغار ونتعلم على يديك كيف نكبر، ومعنا بقية من أمسك وهمسك ودموعك وفرحك وحزنك المرتب الأنيق .
صغار أيتها الكبيرة، ونكبر، ولا ننسى .
ولك الذكرى خارج زمانها، ومن غير ميعاد، يا أيتها الأم العظيمة . يا أيتها الأمهات .
نهايات الفصول، كما بداياتها، تشير إليك . إلى الجهة الأليفة، وإلى الشمس قبل التلوث والانحطاط: للنار الذي أنحت من حزني، وللنار هواياتي، وللنار حنيني .
والفصول انطلقت حولي، لتمضي بي إلى ما لست أستقبله إلا ذبيحاً من سنيني .
غامضاً كالقبر في حشرجة الرقصة، مذهولاً كتأبين فراغ الروح قد أجج موتاه بوعظ خالق . واضحاً كالقبر في صحرائه
ومريباً كالردى في معدن التيه وتوق التائه
وبليغاً كلسان الموت في إنشائه .