[mark=#660066]عربة الخضار ( حكاية للأطفال)..

سالم العوكلي / ليبيا[/mark]








إلى أم الفتى محمد البوعزيزي ـ
شعر سالم العوكلي / ليبيا

***

كان يومه عاديا
كان عامه عاديا
كان عمره عاديا
نهض على صوت المقلاة باكرا
تنشق رائحةَ دخانٍ وحليبٍ عتيق في ثوب أمه
حدق في لهب الموقد فرأى أفقا برتقالياً يمتد دون حدود
فتح الباب فلامس شعاعٌ باردٌ أصابعَه الخضراء
حدق في شجرة صبار أوراقُها الصلبةُ ضارعةٌ كدعاء أو هتاف
تحسس في جيوبه الموبايل
والقداحةَ
وهويةً متآكلة
جر عربته ومضى إلى رصيف قصي
إلى رصيف يتسكع فيه الصمتُ وقليلٌ من الانتظار
مسح بطرف كُمِّه لونَ الخضرة
فأشرق كوجه أمه وهي توقظه كل صباح


كان يومه عاديا
والشارع هادئا
هادئا كشجرة صبار قرب السياج القديم
والعابرون إلى شجونهم
لم يروا حتى الآن
فتىً نحيلا يصطاد على الرصيف عشاء العائلة
يمسح بكُمِّه قشورَ الخضار
وظلَّ دمعة في القلب لا يراها أحد
في جيبه قداحة وهوية
وفي عينيه دعاء ..
لا أحد كان يرى دخانَ الروح يتصاعد من عربة صغيرة
على رصيف منسي في قرية بعيدة
لا أحد سوى شرطي
علمته التراتيب الصلبة
أن محنة الأرض في عربة خضار صغيرة
تقبع في شارع تعبره الأحذية الخرساء


كل شيء في الوطن على ما يرام
الصبر على ما يرام
الهدوء على ما يرام
الصمت على ما يرام
لكن الفتى الفقير
وهذه العربة الملعونة
تخدش حياء السلطة
تجرح عين السائح
وتطعن جمال الوطن السعيد
رأى الشرطي جرحا ينز من خاصرة النظام
لكن فوهة المسدس في عينيه
لم ترَ الجرح النازف في روح الفتى
لم ترَ القداحةَ ولا لهبَ الموقد ولا شجرةَ الصبار العنيدة
علمته الوصايا الرشيدةُ
أن لا يرى الإنسان سوى في الأختام
أن لا يرى النجوم سوى على الأكتاف
أن لا يرى الأخطاء سوى في العربات الصغيرة
أن لا يرى الوطن سوى في الصورة المعلقة على كل جدار


تدحرج الخضار على الرصيف المنسي
ومضت العربة إلى سجن الأحلام الصغيرة
والآن ...
كل شيء على ما يرام
دون فتى خارج عن القانون ودون عربة خضار
صار الوطن أكثر جمالا للطغاة
صار الرصيف مَعْبرا سالكا للصبر
والمشهدُ لطيفا تحت الشرفات
حدق الفتى في عيون العابرين
في بزة الشرطي اللامعة
في شرفة تطل منها طفلة لم تمشط شعرها بعد
حدق في الأرض
حدق في السماء
فرأى الأفق برتقالياً كلهب الموقد
تحسس على خده صفعة "العون" المدرب على صيد الحمام
تحسس دمعة في قلبه بحجم الوطن
تحسس القداحة في جيبه
ومضى إلى حفلة الشواء وحيدا
لا صوت في الصخب
لا روح في الروح
لا شمس في الشمس
لا لحم في البراد المكتظ بالخضار
أيقظ اللهب الأخير في جيبه
فصار الجسد النحيل
ـ المعطرُ برائحة ثوب أمه،
الذي حدق في شجرة الصبار
وفي عين الطفلة خلف المشربية ـ
صار كتلةً من لهب برتقالي
شمت الأنوف ،التي أزكمها الصبر
شمت في الدخان المقدس رائحة الحرية


حين يهبط المطر إلى الأرض
ثمة أغنية تستيقظ في كل الأشياء.
حين يهبط الناس إلى الشوارع
لابد لطائرة أن تقلع في جنح الظلام
على متنها طاغية
حين يريد شعب الحياة
لابد أن تستجيب الحياة .

***