[mark=#669966]ليس للقمر باب ليختبئ وراءه
ظبية خميس
* دار الخليــج[/mark]
(1)
إن الإرتجال تحرير للروح من شوائب تعلق وتتراكم عليها . أن تجتاز المسافات نحو أقوام آخرين هو نوع من التحرر من الكلل والملل والاندماج القسري مع أحوال تحدث من حولك، وتحدث لك، تولد الصعوبات والمكابدات وربما ما يشبه اليأس من التحكم فيها وتغيير مجرياتها .
منذ أيام بعد الظهيرة كنت أجتاز بسيارتي كوبري قصر النيل . تفاديت هرة صغيرة كانت تزحف بين السيارات، وقد داست عليها سيارة ما فحطمت أرجلها، وفي منتصف الطريق كانت سيارة أخرى قد جاءت مسرعة فداست على محاولة الهرة الصغيرة، المسكينة . كم أحزنني المشهد، وكم أشعرني بالعجز من تغيير مسار الأحداث حتى لو كان مجرد إنقاذ حياة قطة صغيرة لم تعش طويلاً في زحام صخب المدينة المجنونة .
(2)
في الدنيا جمال ممكن، وفي البشر، أيضاً
بلاد الله الواسعة، يشكلها بإبداعه كما يشاء، والإنسان، أيضاً، يبدع في التنوع والابتكار ليعيش على الأرض حياته مازجاً بين وجوده وبين عناصر الوجود من حوله .
أتخيل الآن الأسواق التي تطفو على الأنهار في آسيا . حياة الناس ما بين القوارب، روائح وألوان الفاكهة،، والخضار، وأنواع الأسماك والأحياء المائية وحركة الناس في البيع والشراء والحياة على وجه نهر، ما .
بل هناك أحياء كاملة، وشبه قرى قد شيدت وسط البحار على أعمدة من خشب أو قريباً من شواطئها، حيث اليابسة تبدو رفاهية بعيدة، وغير مرغوب بها .
كأنها حياة اللوتس .
(3)
في الصباح أو الفجر وأضوائه الخافتة التي تتجلى رويداً، رويداً، هي وماء النهر فيما يتوارى قمر الليل ليتجدد في الليلة القادمة، أرقب العالم في لحظة هدوء بوذية، حيث السلام عنصر يلف كل عناصر الطبيعة .
ليس للقمر باب ليختبئ وراءه . . إنه يتوارى . . يتوارى فقط مفسحاً الطريق أمام الشمس لتقول ما لديها لهذا العالم في نهار جديد .
في ظل اللوتس يستلقي العالم فيما الزهرة تتفتح وتحيط بها أوراقه . فئة الألوان الوردية، البيضاء، والقرمزية . .
أعواد البامبو تتراقص تحت المطر لكل هذا الجمال العابر .
(4)
في حضرة الجمال تتوارى الكلمات .
(5)
وفي فمي ماء .
نهيل التراب على أحبائنا ونطلق لخيالنا عنانه لترتحل أرواحهم إلى عوالم لم نعرفها أبداً ونحن نمشي فوق التراب .
وهل الحياة إلا اختزال المسرات والأتراح .
غير أنني كلما تجولت عيناي ما بين كلمات من قد مضوا اليوم، وأمس، ومنذ قرون أراهم أمامي أحياء يرزقون وينتابني في الدنيا اليوم حالهم التي كانوا عليها بالأمس .
أما النصوص المقدسة بحكاياتها، ووعظها، وإرشاداتها، وخلاصات الحكمة فيها فإنها تجعلك كمن رأى للتو حلم الأبدية وما قبلها، الحياة الكونية وهذا الإنسان الذي كلما دب بقدميه على الأرض نسي ما قد سبقه، وينسى أكثر أنه سوف ينام بعد قليل تحت ذلك التراب الذي يهرول فوقه .
أنظر إلى الطفل في براءته الأولى، دهشته وذلك المحيط به مانحاً ومتلقياً إياه . الطفل الذي لا يخشى شيئاً إلا إذا دربته على الخوف .
هذا الطفل ما أحوجنا إليه لينبض في دواخلنا على الدوام .
متى نتوقف عن اغتيال براءتنا بأيدينا، ونتذكر كم نحن أبناء هذه الطبيعة وكم نشبهها وتشبهنا لولا ذلك الحيز القسري الذي وضعنا أنفسنا فيه كسادة لها .






رد مع اقتباس