ربع الساعة الأخير

يوسف أبو لوز

* دار الخليـج






يعطي “شفارتس” وهو الاسم المستعار لأحد أشخاص رواية “ليلة لشبونة” للروائي الألماني، أريك ماريا ريمارك، في اللحظة الأخيرة، وعندما تأكد له أن زوجته وحبيبته “هيلين” قد توفيت، وأنه لا أمل أمامه الآن في الحياة بعد موت أعز إنسان لديه، يعطي تذكرة سفر وبعض النقود إلى رجل كان التقاه على الرصيف وأمضى معه ليلة كاملة لكي يصغي إليه، وهما يتنقلان من مقهى إلى مقهى إلى أن انتهى الأمر بالرجلين إلى ربع الساعة الأخير في حياة الاثنين، فقد ماتت “هيلين” في لشبونة، وما عاد هناك من أمل بالرحيل إلى أمريكا من دون امرأة كان يحبها شفارتس حتى الموت، وفي ربع الساعة الأخير أيضاً في هذه الرواية الحزينة والعذبة، لم يكن هناك من أي أمل لذلك الرجل الغامض الذي كان ينوي الهرب إلى أمريكا خوفاً من الجستابو الألماني، فهو الآخر مثل “شفارتس” سوف يفقد الأمل في الخلاص الذي كان يظنه خلاصه الشخصي عندما يركب سفينة مهاجرين أو هاربين إلى أمريكا، طالما أنه الآن في ربع الساعة الأخير من حياته سواء أكانت هذه الحياة طويلة أم قصيرة .

الروايات والأشعار والأفلام السينمائية الروائية والوثائقية التي تحمل مضموناً إنسانياً وتوتراً درامياً عالياً يتم تكثيفة في اللحظات الأخيرة من المادة الفنية سواء على شكل رواية أو قصيدة أو فيلم يمكن إيجازها أيضاً في عبارة تتكرر دائماً في اللغة السياسية، حيث يقال مثلاً إن ربع الساعة الأخير هو الوقت الأخطر، وهو الوقت الأكثر حسماً وحرجاً بالنسبة إلى رجل أو امرأة عاشا الزمن بالطول والعرض، وفي لحظة مفاجئة ومباغتة يصبح المكان مثل خرم الإبرة، ويصبح الزمن مجرد ربع ساعة .

يبدو كما لو أنه ليس عشوائياً ذلك الذي اخترع الساعة الزمنية وجعل لها مؤشرين صغيرين، هما عقربان متحركان ببطء على مدار اليوم والسنة والتاريخ، فالعقرب لا يأكل التراب فقط، بل، ويأكل الزمن وكل من يعيش في الزمن .

ربع الساعة الأخير في الزمن الوقتي وفي الزمن التاريخي هو عش العقارب التي تمضي كل هذا الوقت وهي تدور وتدور، ثم في لحظة غير متوقعة تنقضّ على كل شيء وتأكله .

في مثل هذا الربع الخطير لا مجال للخروج من لشبونة .