لا شيء
حبيب الصايغ
* دار الخليـج
هل يفتش الإنسان عن نفسه في نفسه؟ . . داخلها وحولها، أم في الآخرين؟ لا يمكن أن تكون الإجابة قطعية، الاختلاف حاصل قطعاً، لكن الأكيد أن الإجابة قد تتحد أيضاً . تتحد حتى تتحدى . تحتشد لتشير إلى ممرات متعددة وإلى طرق كثيرة . مفترق الطرق هذا هو الهدف، فلماذا يبحث الإنسان عن نفسه في حدودها الضيقة مهما كانت رحيبة؟ ولماذا يبحث عنها في الآخرين فقط؟ . . لماذا يتجرد، مختاراً، من أدواته وأسلحته وإمكاناته، فيتكئ على إجابة واحدة مهما كانت صحيحة أو سديدة؟
الأفضل أن يفتح الإنسان لنفسه أفقاً لا ينتهي من الإرادة والحرية: الأجدر به التحليق بعيداً بدلاً من الطيران المتواضع في الأجواء القريبة، والشوارع الخفيضة، والبيوت الآيلة للسقوط . الأفضل أن يتدرب الإنسان على الدخول في مستقبل القول والفعل دخولاً فاتحاً وواثقاً . الأفضل أن يحقق إنسانيته، غير عابئ بأخطائه، خصوصاً تلك التي لم يرتكبها بعد، فالأصل أن الإنسان كائن مجرب بامتياز . تجربته هي الجسد والروح، وهي الحيرة الخلاقة بين التخوم المستحيلة والممكنة . هي محاولته التحدث إلى السكان المفترضين في الكواكب البعيدة، وفي كواكب يخلقها في مخيلته، ويبتكرها ابتكاراً .
فأين يفتش الإنسان عن نفسه؟
ولماذا يفتش أصلاً؟ . . هل هي تائهة مثلاً؟
لا بد من أن تتوه كما تتيه، ولا بد من أن تذهب بعيداً ثم تعود . لا بد لنفس الإنسان من المغامرة، والمضي في الجرأة، والدهشة، والجموح .
بهذا فقط تستولي على القوة، وتكون جديرة بالحياة والبقاء، حيث العلاقة مع الأوكسجين والهواء إبداع مستمر لأنه يتجاوز حركة الشهيق والزفير، ويدخل في الكتابة والرسم ومحاكاة كائنات الطبيعة، خصوصاً تلك التي تعشق الركض، وتتخذه هوايتها اليومية: ما الذي يحدث الآن أبعد مما نرى أو نظن، وأبعد مما نجن، وأبعد مما . .
ما الذي حدث الآن لحظة أن قلت؟
لا شيء
لا شيء،
فلنتحدث قليلاً بلا هدف، ولنسافر قليلاً بلا وجهة . .
ما الذي يحدث الآن؟
لا شيء إلا احتمالاتنا .