ما هو العفاف؟

يوسف أبو لوز

* دار الخليـج






الكاتب التشيكي فاكلاف هافل اختار الكتابة على السلطة، ولم يذكر في بلاده أنه كان متهافتاً على المنصب بقدر ما كانت عيناه صوب الكتابة، خصوصاً في المسرح، هذا إذا لم يكن هافل يكتب الشعر ويحب المشي تحت الثلج وزيارة قبور الأطفال، وهو افتراض شعري حول حياة رجل نقله عفافه الأدبي من مستنقع السياسة إلى نقاء الحياة تاركاً كرسي الرئاسة لغيره .

العفاف قيمة نبيلة ولكنها نادرة، وكل من يتخذ منها مبدأ حياة وفكرة إنسانية لا بد أنه يتحول إلى اسم مكتوب في سجل التاريخ، ومن هؤلاء مثلاً الشاعر السنغالي ليوبيلد سنغور وهو شاعر تولى حكم بلاده في فترة من الزمن، ولكن في لحظة “ذاتية” بينه وبين نفسه ترك السلطة واختار الشعر بسمعة تاريخية ما زال يتحدث عنها حتى اليوم كل من يعود إلى تاريخ السنغال، أو كل من يضع العفة في إطارها الثقافي النبيل .

اقترب المفكر الفرنسي روجيه دوبريه كثيراً من الدوائر الحاكمة في فرنسا، ولكنه وضع مسافة بينه وبين السلطة لكي يحتفظ بعفافه الشخصي والثقافي، والأمر نفسه قد يكون انطبق على سارتر الذي وضع كتاباً صغيراً يعبّر عن كينونته الذاتية تحت عنوان “عارنا في الجزائر”، وهو كتاب موجز وكتاب رأي من فيلسوف كبير لا تغيب عنه فكرة العفاف .

بعض السياسيين العرب، ومنهم مثلاً سوار الذهب في السودان، عَفّوا عن السلطة، أو بالأحرى أعفوا أنفسهم منها ونجوا من تبعاتها المرهقة ففازوا بذلك باحترام قطاعات شعبية ورسمية عربية، وجرّاء ذلك ظهر سوار الذهب الذي ينحدر في الأصل من مؤسسة عسكرية في أبهى وأجمل صورة له في المشهد المدني العربي، هي صورة رجل ينسحب من مكانه النافذ إلى مكان مدني اجتماعي عفيف .

ليس مكان هذه المقالة سرد مواقف العشرات، وربما المئات، ممن كانوا في قلب العفاف الإنساني والسياسي عندما فرضت عليهم الظروف هذا الموقف أو لم تفرضه عليهم كي يستمعوا أو يصغوا إلى النداء الداخلي في دواخلهم العفيفة، ففي مثل هذه الحالات يبقى الأمر منوطاً أو متعلقاً بالإنسان الفرد نفسه .

متى يصبح الإنسان الفرد في وطننا العربي عفيفاً وطيباً وشجاع الذات من أجل ذات الجماعة؟

أليس هو ذلك العفاف نفسه؟