أدوات مخملية

حسن مدن

*دار الخليــج






حين انتهى جورج أورويل من كتابة روايته الشهيرة: “1948”، وأعاد قراءتها شعر بالحزن والإحباط، لا بل واليأس، وقال فيها قولته الشهيرة: “فكرة جيدة، لكنني أفسدتها” .

في الغالب فإن جورج أورويل ليس الكاتب الوحيد الذي تؤرقه فكرة كتاب، وتظل ملازمة له طوال سنوات، وحين ينتهي من كتابته يكتشف أن الفكرة التي كانت في ذهنه أعمق وأجمل من تلك التي نفذها على الورق .

سيرى بعض النقاد في انطباع جورج أورويل عن روايته بعض الوجاهة، لكن الرواية رغم ذلك حققت نجاحاً منقطع النظير، شهد الكاتب نفسه بعض هذا النجاح، وظل النقاد والدارسون يعودون إليها، فيرون فيها ما كان كاتبها قد أراد قوله من نقد للدولة الاستبدادية .

سيصك هؤلاء الدارسون مصطلح “العالم الأورولي” نسبة إلى جورج أورويل نفسه، وهم يتحدثون عما تفعله الدولة الاستبدادية الحديثة من هيمنة على أذهان وأرواح البشر . والتفريق واجب بين صورة الدولة الاستبدادية التي نعرفها في الشرق، التي حملت كارل ماركس للتحدث في أحد نصوصه الشهيرة عن “الاستبداد الشرقي”، وبين الدولة الاستبدادية المعاصرة في الغرب التي ربما لا تحتاج لأقبية التعذيب وقوانين الطورئ .

فهذه الدولة الأخيرة تحكم الخناق على المجتمع كله من خلال أدوات “مخملية”، يلعب الإعلام وأجهزة الاتصال الحديثة دوراً مهولاً في تكييف الرأي العام كله، وفق النموذج الذي تشتهيه الطبقة المسيطرة التي تحكم الخناق على أجهزة الدولة وتوظفها لخدمة مصالحها .

لن يهم هذه الطبقة المسيطرة بعد ذاك أن يكون الحزب الحاكم جمهورياً أو ديمقراطياً، ديمقراطياً مسيحياً أو ديمقراطياً اشتراكياً . التسمية هنا غير ذات معنى أو أهمية، طالما كانت المفاصل الرئيسة للاقتصاد و”مواقع الهيمنة”، كما يدعوها غرامشي، تحت القبضة المحكمة .

ثمة أمران ينطويان على بعض المفارقة، الأول هو أن جورج أورويل، الذي من اسمه جرى اشتقاق مصطلح العالم الأورولي، ليس هو الاسم الحقيقي للكاتب، وإنما هو الاسم الذي اختاره ليوقع به رواياته، أما اسمه الأصلي فهو ايريك بلير .

والأمر الآخر هو أن عنوان الرواية موضوع الحديث “1948” كان تنويعاً ذكياً على السنة التي كتب ونشر فيها روايته، وهي سنة ،1984 حيث أراد تخيل ماذا ستفعله الدولة في الفرد بعد نحو أربعين عاماً، فأعطانا الرواية التي أحزنته، لكنها ما انفكت تحملنا على العودة إليها مراراً .