“الفيتو” وورقة الزيتون
خيـري منصــور
* دار الخليــج
يتغير الرؤساء الأمريكيون وتتعاقب الإدارات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لكن الثابت والمشترك بين الأشقر ذي الملامح الأنجلوساكسونية والقادم من الواسب وبين الأسمر أو الحنطي هو هذه الورقة التي لا تتجاوز حجم ورقة التوت وأحياناً تصغر لتصبح أصغر من ورقة الزيتون، إنها الفيتو . . أو الحصن الصهيوني الدائم في واشنطن، وهي إن كان لها مسيرة ذاتية أو “سي ي” فهي قرينة نظام ومجازر وانتهاكات، ولم يتحالف مع المشروع الصهيوني بدءاً من التشريد حتى الاستيطان أحد كهذا “الفيتو”، فهو العار الأمريكي في قانا والجيتات كلها إذا ما احتكمنا إلى معايير إنسانية أو حتى قانونية .
كان من المتوقع أن تشهر أمريكا هذا السلاح في وجه مجلس الأمن، لأن الاقتراب من أي محظور صهيوني باهظ التكلفة، فثمة تهديد بقطع المعونات عن هذا الطرف أو ذاك إذا قرر العصيان، وما أسرع أن يتحول المَنْحُ إلى “مَنْع” إذا لم يمتثل أصحاب الشجن وليس الشأن كما يقال لما يصدر من تعاليم أمريكية .
من قبيل التكرار العقيم والمملّ العودة إلى ما سمي ازدواجية المعيار، لأن الخطأ حين يتكرر ممهوراً بتواقيع رسمية إمبراطورية يصبح عادة أو حتى عُرْفاً، ويطرد الصواب كما تطرد العملة .
لم يكن هذا الفيتو هو الاختبار الأول لإدارة أوباما فقد سبقته عدة اختبارات لم يكن النجاح في معظمها حليفاً للرئيس الذي حول شعار التغيير في حملته الانتخابية إلى أيقونة، والعالم كله يتساءل الآن عن مغزى هذا “الفيتو” الذي يسوغ ويحمي واحداً من أشرس المشاريع الاستيطانية والإبادية في التاريخ، وكيف تسمح إدارة لها هذا التمدد الإمبراطوري على كوكبنا لنفسها أن تكون حليفاً للقاتل والمحتل إلا إذا كانت تقاسمه الأفكار ذاتها، فلا ندري الآن أيهما الأستاذ وأيهما التلميذ؟ واشنطن أم تل أبيب؟ فالفردوس الأرضي المزعوم في كلا العاصمتين كما سماه الراحل عبدالوهاب المسيري هو في حقيقته الجحيم ذاته، لهذا فإن هناك ما هو أبعد من ازدواجية المعيار، إنه الخلل الجذري والبنيوي في فهم التاريخ وحراكه وجدليته .
فمن يقف إلى جانب الاستيطان وهو يقضم الأرض ويخلع الإنسان من جذوره عليه أن يقبل الأحكام القانونية والأخلاقية والسياسية عليه كفاعل أيضاً، فهو أكثر من شريك، لأن يحمي ويقدم بوليصة تأمين لمن ينتهكون على مدار اللحظة حقوق البشر، ويقترحون تاريخاً مضاداً للتاريخ، معجوناً من الخرافة والتلفيق الميثولوجي .
وقد يكون هذا أول فيتو في عهد الرئيس الجديد قدر تعلق الأمر بفلسطين، لكنه ليس أول موقف ينحاز إلى الدولة الصهيونية، فالرئيس أوباما وطاقم إدارته لا يفوتون مناسبة لا يكررون فيها أن تل أبيب هي الحليف الأقرب والصديق الصدوق، إن لم تكن توأم واشنطن في المسار والمصير .
الأمر واضح إذاً، والعيون العربية التي عانت الزوغان وأحياناً تراكم القذى والصديد، عليها الآن أن ترى المشهد كما هو، بلا تجميل أو إسقاطات سياسية أو لجوء إلى بلاغة التضليل، فالولايات المتحدة التي لا تكف عن الثرثرة حول حقوق الإنسان وحماية المضطهدين تنحاز الآن بكل قواها إلى استيطان هو المرادف والمعادل الموضوعي للإبادة المنظمة .






رد مع اقتباس