لبنان من الذاكرة ومن الواقع
مقال الكاتب عبد العزيز المقالح
* دار الخليج
كنت في بيروت لأول مرة في أغسطس/ آب 1965م، عضواً في وفد لشرح ما تعاني منه الثورة اليمنية الوليدة من عدوان خارجي متعدد الأطراف . وكان الوفد برئاسة نائب رئيس الجمهورية الفريق حسن العمري وعضوية نائب رئيس الوزراء القاضي عبدالرحمن الإرياني، ووزير الخارجية الدكتور حسن مكي وآخرين . كان الرئيس اللبناني، يومئذ، شارل الحلو، وهو رجل مثقف ومهذب إلى أبعد مدى، وقد أعلن للوفد اليمني بكل وضوح أنه مع الثورة اليمنية قلباً وقالباً فقد أخرجت الثورة شعباً عربياً من رماد العصور، مضيفاً أن ذلك ليس شعوره وحده بل هو شعور كل اللبنانيين بمن فيهم بعض الصحفيين الذين يرتزقون من بعض الأطراف المعادية للثورة . ومن أهم ما قاله الرئيس شارل الحلو إن لبنان بحكم ظروفه لا يقف إلى جانب قطر عربي في وجه قطر عربي آخر، وتركيبته الطائفية تفرض عليه الحرص على ألا يغضب أشقاءه العرب في اليمين أو اليسار، وأن لبنان يرفض أن يتدخل في شأن أحد أو أن يتدخل أحد في شؤونه . وقد ظلت تلك هي صورة موقف لبنان السياسي الذي لم يتغير حتى الآن .
صحيح أن متغيرات كثيرة وكبيرة قد حدثت، وأن لبنان المحايد، واحة الديمقراطية الأولى قد انزلق بعض الشيء، واندفع بعض أبنائه إلى إخراجه من تلك الدائرة، إلا أن الأحداث الكبيرة تؤكد أنه ما زال محتفظاً بذلك القدر من الحياد الإيجابي تجاه الأقطار العربية القريب منها والبعيد، وإن حدث ما يخالف ذلك فهو في إطار فئة معينة وليس كل لبنان الذي كان قد اختار هذا الموقف المحايد إلا من موقفه الذي لا يعرف الحياد مع العدو “الإسرائيلي” الذي كانت عينه ولا تزال على الأرض اللبنانية، بعد أن استولى بالقوة على فلسطين . وكم أحزنني وأحزن الملايين من أبناء الأمة العربية أن يرتمي هذا البلد الجميل في حرب أهلية استعر أوارها على مدى خمسة عشر عاماً من دون سبب معقول أو هدف شريف، وكادت تنجح في تقطيع أواصر الأخوة الوطنية العروبية التي جمعت اللبنانيين عبر العصور على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية، وشكلوا إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي نموذجاً للتعايش والتسامح، وظلت بيروت في محيطها القومي عاصمة للثقافة العربية ومصدر إشعاع معرفي لا ينضب .
والآن كم يحزنني، ويحزن الملايين أيضاً من أبناء الأمة العربية في مشرق الوطن الكبير ومغربه ما تتناقله الأنباء عن الاستعدادات القائمة لحرب أهلية جديدة تقرّ بها عين العدو التاريخي، وتطمئن إليها نفسه، ويثبت من خلالها للعالم أن العرب على استعداد دائم لأن يأكلوا بعضهم ويقوموا بالانتقام من أنفسهم نيابة عن عدوهم الذي سلب الأرض وكان ولا يزال يطمع في المزيد . والملاحظ أنه في الأجواء المحمومة الساخنة يفقد الإنسان السوي توازنه ولا يبقى للضمير مكان أو للأخوة تأثير . وتكون السيادة المطلقة لمنطق الثأر والانتقام . وتأتي الفرصة للقوى الضالعة والمتربصة لتلعب دورها القذر في إذكاء نبران الصراع وإعادة المتاريس إلى الشوارع، ولا يعود الناس يسمعون صوت فيروز ووديع الصافي وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وإنما صوت القذائف وصرخات البكاء على الموتى وأنين الجرحى .
وإحساسي الذي لا يكذبني يؤكد أن ذلك لن يكون، وأن الحكمة ستكون الدليل وطوق النجاة للجميع مهما اشتدت الرياح وزأرت العواصف .