[align=center]
روايــــة رائعــــة ،، صراحـة أول مرة أقرأ روايـة بهالطريقـــــة
متابعــــــــة للنهايــــــــة،، و تسلم يمينج الغاليــــة عالروايــــة
[/align]
|
|
لست أدري لماذا تذكَّرت وديع السّخن حين التقيت إميل آزاييف. كان إميل هو أوَّل رجلٍ إسرائيليٍّ ألتقيه في حياتي.
نيويورك 1981.
الحرب الأهليّة في لبنان تحوَّلت إلى (وجوهٍ بيضاء), وأنا في نيويورك أُعدُّ بحثا أكاديميّا عن الحكايات الشعبيّة الفلسطينيّة, وأبحث عن شخصيّة جرجي الرَّاهب.
في مكتبة جامعة كولومبيا, التقيت إميل. كان أسمر, كثّ اللّحية, يتكلَّم الأميركيّة بلهجةٍ شرقيّة, ويمطّ الحروف ويتركها تمتدّ, فتصبح الكلمة عنده واسعة تحتلّ حيِّزا, لا على طريقة الأميركيّين الذين يقبضون على الكلمات ويتركونها تتطاير من أفواههم.
إميل آزاييف قدَّم نفسه بوصفه طالبا إسرائيليّا يعيش في نيويورك, ودعاني لحضور فيلم قصير, أخرجه أحد أصدقائه عن (كندا بارك) في القدس, أى عن القرى الثلاث عمواس وبيت نوبا ويالو, التي دمَّرها الإسرائيليُّون فور احتلالهم الضفّةَ الغربيّة عام 1976, وحوَّلوها إلى (كندا بارك), من أجل توسيع مدينة القدس.
على ضفّة البحر الميّت رأيت صديقي إميل.
كنَّا نجلس في الغور, وسط سماءٍ رصاصيّة.
العودة إلى عمَّان هي عودة إلى مدينةٍ لا تنضب ذاكرتها. ربَّما لأنَّنا حين ذهبنا إليها للمرَّة الأولى كنَّا ممتلئين بذلك الشَّوق إلى البداية, الذي يموت مع التقدُّم في العمر.
من عمَّان ذهبنا إلى الغور, إلى نهر الأردن, حيث بدأت معموديَّتنا بالماء والرُّوح والدمّ.
وأمام النَّهر التقيت به.
كان المسيح في كلِّ مكان. يقف وسط المياه الضّحلة التي حوَّل الإسرائيليُّون مجاريها, فصار النَّهر كمجرى صغيرٍ موحل. هناك في المجرى الصغير الموحل رأيته. السيِّد يقف وحده كغريب. وأنا أمامه. يومها سألوه كما سيسألونه كلّ يوم, (هل أنت إيليَّا?) وسيجيبهم كما أجابهم دائما, (لا).
هذه المرّة سألوني أنا. لست أدري من أين جاؤوا, ولماذا, فجأة رأيتهم أمامي, وسألوني: (هل أنت إيليَّا?).
قلت: لا.
قالوا: من?
قلت: أنا.
قالوا: من?
قلت: مجرَّد من يكتب هذه الحكاية.
التفت المسيح, وكانت المياه تصل إلى ركبتيه, وهو يقف وكأنَّه يستمع إلى أصواتٍ غامضةٍ لا نسمعها نحن.
التفت وسألني: (أيَّة حكاية)?
(حكايتك يا سيِّدي), قلت.
(ولكنَّها مكتوبة), قال.
(أكتبها لأنَّها مكتوبة), قلت, (نكتب المكتوب, لو لم يكن مكتوبا ما كتبنا).
وسأله رجلٌ من هناك (هل أنت مسيَّا), (أنت قلت), أجابه. لم يقل إنَّه هو, تركهم يقولون, وأمَّا هو فقال ما سبق أن قيل.
هكذا يا سيِّدي أكتب المكتوب, وإلاَّ ماذا أكتب?
كان الأفق رصاصيّا, وكان هو وإيليَّا نبيّ النَّار, وهذه المسافة الصّغيرة التي تفصل الأرض عن الأرض.
إميل لم يكن معي.
كنت قد استمعت إلى حكايته في نيويورك, وكان قد أحبَّ كثيرا شخصيّة الرَّاهب, قال إنَّها تصلح لرواية كاملة عن بطلٍ شعبيٍّ عربيٍّ يشبه (روبين هود), ولكنَّه قد يُتَّهم بأنَّه معادٍ للسَّاميّة, واقترح تغيير قصّة خطفه لليهودي.
قلت لإميل إنَّ الرَّاهب لم يخطف أيّ يهوديّ, ولكن الحكاية الشعبية تقول الأشياء كي لا تحدث, إنَّها مجرَّد بديلٍ نفسىّ. إميل أصرَّ على رأيه ولم يقتنع بإمكانيّة أن نكتب الحكاية.
ولكن الفرق كبير, أعني بين حكاية إميل وحكاية وديع السّخن. فوديع السّخن لم يكن يملك حكاية. حكايته أنَّه لا يمتلك حكاية, فوجد نفسه مضطرّا إلى تبنِّي حكاية ما, كي يهاجر إلى إسرائيل بعد الحرب الأهليّة الصغيرة التي حدثت في لبنان عام 1958, يومها باع كلّ شيء, وجورج نفَّاع هو الذي اشترى.
روى إميل.
روى كيف هرب والده ألبير من بولونيا إلى فلسطين.
كان ألبير آزاييف يمشي في أحد شوارع صوفيا عندما رأى الشَّاحنة التي تنقل المعتقلين اليهود الذين كانوا يؤخذون إلى معسكرات الإبادة والموت. وفي الشَّاحنة رأى شقيقه الوحيد. كان رأس الأخ يظهر من النَّافذة المغلقة بالأسلاك. رأى ألبير شقيقه والتصق بالحائط, كان يبحث عن مكانٍ يهرب إليه, فلم يجد سوى الحائط, التصق به وهو يرتجف من الخوف. وهنا بدأ السَّجين يصرخ, قال ألبير إنَّه رأى شقيقه يصرخ وينطّ ويشير برأسه إلى حيث ألبير الذي كاد يسقط على ركبتيه من الخوف الذي كسر مفاصله. هل كان السَّجين يشير إلى معتقليه بأن يأخذوا أخاه أيضا? هل كان يريد أن يقول لهم إنَّ هذا الرَّجل الملتصق بالحائط هو يهودي آخر ويجب اعتقاله? أم كان خائفا على الأخ ويريد تحذيره?
ألبير لا يعرف.
روى الحكاية لابنه مرَّة واحدة, وبقيت المسألة غامضة في ذهن إميل. الأب حين روى كان صوته يتقطَّع بالذّعر.
(هل كان أخي يريد قتلي, أم كان خائفا, والخوف يستطيع أن يجعل الإنسان يفعل كلّ شيء?).
ووصل ألبير آزاييف إلى فلسطين عن طريق الوكالة اليهوديّة. كان يريد الذّهاب إلى سويسرا للالتحاق بالمدرسة الفندقيّة في لوزان, ولكنَّه وصل إلى تل أبيب. اعتبر تل أبيب محطّة إلى لوزان, وهناك التقى بزوجته, وهي فتاةٌ روسيّة الأصل وُلِدت في فلسطين, وبقي معها.
(لم يكن أبي يريد العودة إلى فلسطين), قال إميل.
(لكنّه ذهب), قلت.
(لم يكن يريد العودة), قال.
(الذّهاب), قلت.
وألبير آزاييف ليس مثل فيصل.
كيف أكتب قصّة فيصل, وفيصل مات قبل أن تكتمل قصّته? هل هو الفتى نفسه الذي قابلته بعد مذابح شاتيلا وصبرا عام 1928? لست أدري.
سألت محمد ملص, ولكن المخرج السينمائي السوريّ حين جاء معي إلى مخيَّم شاتيلا لزيارة سامية كان فيصل قد قُتِل. أُصيب فيصل في رأسه قبل مقتل عليّ أبو طوق بثلاثة أيَّام.
محمد ملص الذي صنع فيلما عن منامات الفلسطينيين, لم يضع فيصل في فيلمه, بل نشر نصّ منام فيصل في كتاب.
قال فيصل:
(زيّ ما بيحكوا لنا أهالينا كيف نزحوا من فلسطين بالثمان وأربعين. تماما, شفت أنه إحنا, أهالي المخيَّم, راكبين شاحنات وحاملين أغراضنا, بسّ قال راجعين على فلسطين. بعد ما قطعنا النَّاقورة, شفت بحيرة كبيرة, تطلَّعت وسألت أبوي عنها, قال لي وأك يابا هاي طبريّا مش عارفها? حسّيت ساعتها من كلام أبوي أنّه انشرح صدري, وصرت أتطلَّع, وشفت من الشاحنة الماشية الأرض خضرا خضرا وكلّها شجر زيتون. وبالمنام بسّ, وصلنا إلى فلسطين, ما شفت إلاَّ كلّ أهالي المخيَّم صاروا يتفرَّقون, وصار كلّ واحد يروح على بلده. يللِّي من حيفا راح على حيفا, ويلِّلي من يافا راح على يافا. وشفت حالي بقيت لوحدي, وكلّ أصحابي يلِّلي معاي بالمدرسة راحوا. حسّيت بوحدة شديدة, صرت أقول لحالي, يا ريت نرجع نحن يلِّلي عايشين بالمخيَّم نعمل بلد صغيرة, بلد أو قرية أو مخيَّم, شي زيّ شاتيلا يلِّلي كنَّا عايشين فيه. رحت دغري أدوّر على أصحابي تقول لهم, تعالوا نعمِّر بلد صغيرة, بلد أو قرية أو مخيَّم, شي زيّ شاتيلا يلِّلي كنَّا عايشين فيه. رحت دغري أدوّر على أصحابي تقول لهم, تعالوا نعمِّر بلد بقلب فلسطين, تجمَّعنا مع بعض, وتكون زيّ المخيَّم, بسّ لحظتها فقت).
أفاق فيصل, وكان في الحادية عشرة, أفاق لأنَّه عرف بأنَّه لن يعود إلى فلسطين, بل سيذهب إليها. لا أحد سيرجع, الرّجوع وهم. نعود أي نذهب.
لماذا نذهب إذا كنَّا لن نعود?
(هل عاد اليهود?), سألت إميل.
فيصل عاد مرّة ثانية كي يروي حكاية أخرى. وحكايته الأخرى لم تكن مناما, كانت ما جرى. المنام جرى والمذبحة جرت.
تكدَّس الجميع, وكان فيصل قد أُصيب بثلاث رصاصات في خاصرته ويده. زحف ونام بين أشقَّائه وشقيقاته السبع وأمّه الذين ماتوا برصاص الذين دخلوا مخيَّم شاتيلا ليل 61 أيلول 1982. تغطَّى بالموتى كي يوحي بأنَّه ميّت, ولم يكن ميِّتا. وحين غادر المسلَّحون, ركض في الشَّارع, ثمَّ صار يزحف وسط الجثث الأفقيّة التي وصف جان جينيه سوادها وانتفاخها ودهشتها في الموت, حتَّى وصل إلى حيث الصحافيُّون الأجانب, وهناك أُغمي عليه.
فيصل لم يروِ حكايته الثالثة, لأنَّه في المرّة الثالثة مات.
قال إميل إنَّ هذه المأساة يجب أن تنتهي.
كنت أقف أمام خاصرة البحر الميّت.



[align=center]
روايــــة رائعــــة ،، صراحـة أول مرة أقرأ روايـة بهالطريقـــــة
متابعــــــــة للنهايــــــــة،، و تسلم يمينج الغاليــــة عالروايــــة
[/align]
[SIZE=3][FONT=Arial]نَآخـذْ مِنْ الصدمَـآتْ وَ نرميْ ورآنَــا
[COLOR=white]....................[/COLOR] وَ نمشيْ الـطريقْ الـصَعبْ ونقُولْ
[COLOR=red]"[/COLOR][COLOR=dimgray] هآآآنــتْ [/COLOR][COLOR=red]"[/COLOR]
[COLOR=red][COLOR=white].................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=gray]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR]
[COLOR=red][COLOR=white]...................................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=silver]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR][/FONT] [/SIZE]
يشبه البحر الميّت خاصرة العالم. هكذا كان سيقول محمود درويش لو جاء معي إلى هنا. سيقول إنَّه سيركض إلى هناك ويعود. وسيدخل أريحا, ومنها إلى تلال القدس. أضواء القدس تنبعث من خلف اللّون الرَّماديّ الذي يفصل منخفض الغور عن الأرض.إسكندر نفَّاع كان ينظر إلى هذه الغريبة التي دخلت حياته, وكأنَّه يبتلعها بعينيه. كان يريد أن يتحوَّل إلى امتدادٍ لجسدها الأبيض الغريب. صحيح أنَّه لم ينجب منها, ولكنّه عشقها طوال حياته. كانت كهولة, إسكندر نفَّاع سريعة, فلقد تزوَّج بوداد الشَّركسيّة وهو في الخمسين, وكانت هي في الرَّابعة عشرة. وبعد زواجه بثلاث سنوات بدأ يمرض. أُصيب بنوبةٍ قلبيّة, ثمَّ توالت الأمراض. في البداية لم يزره أحدٌ من أولاده الخمسة, تركوه يموت كالكلب, كما أمرت لودي زوجته الأولى. ثمَّ مع الأيَّام, ولأنَّ كهولة نفَّاع طالت إلى ما لا نهاية, عاد الأولاد لزيارته, وهناك تعرَّفوا من جديد على (الكلبة الشَّركسيّة) كما كانت تسمِّيها أمّهم, ورأوها وهي تعتني بالرَّجل وتسحبه من فم الموت, وكأنَّها تحمل في يديها سرّ حياته, وكأنَّ سحرها وجمالها هما الخيط الدَّقيق الذي يربطه بالحياة.
(هل ستعود?), كنت سأسأله.
وسيجاوب كمن يسأل, (من قال بأنَّ الأرض تورث كاللُّغة?).
وسأخبره عن حكاية القدس. سأخبره أنَّ المتصوِّفين العرب كانوا يعتقدون أنَّ القدس تقع في نقطة هي الأقرب إلى الجنّة والجحيم. على تلالها تستطيع أن تستمع إلى تسابيح الجنّة وتشمّ رائحتها, وفي وديانها تستمع إلى صراخ الجحيم وتشمّ رائحتها. ولذلك كان المتصوّفون يرفضون الإقامة فيها, وينصحون النَّاس بمغادرتها, لأنَّها مدينة البكاء. سوف يهزّ برأسه وهو يستمع إلى الحكاية, ويُصاب بدهشة يحجبها خلف نظَّارتين سميكتين وسيحدِّثني عن (الهدنة مع المغول).
(الهدنة مع المغول مستحيلة), سوف أقول له, (لأنَّ الهدنة تفترض اقترابا من الحقيقة).
(ما الحقيقة?), سألتني مريم.
(إنَّها لقاء كذبتين), هل تستطيع كذبتان أن تلتقيا فوق أرضٍ واحدةٍ لتعطياها حقيقتها?
(أيَّة كذبتين)? سألت مريم.
(إميل والرَّاهب), جاوبتها.
(وفيصل)?
(فيصل لا, إنَّه المنام, إنَّه الحكاية التي أحاول أن أرويها).
(لكنَّك تروي حكاية أخرى).
ماذا أكتب?
لست أدري. أشعر بالكلام يتخلخل ويتفكَّك.
نحن أمام البحر الميّت.
(إنَّه بحر الملح, ويُدعى بحر العربة والبحر الشرقيّ وبحر سدوم. يبعد بحر الملح 16 ميلاً عن أورشليم شرقا, ويُرى جليّا من جبل الزيتون, وهو في أعمق جزءٍ من الغور الممتدّ من خليج العقبة إلى الحولة. طوله 46 ميلاً, وأقصى عرضه عشرة أميال ونصف الميل. ومساحته 300 ميل مربَّع تقريبا. وأمَّا ماؤه فلونه صافٍ, ويحتوي هذا الماء على 25 في المئة من المادّة الجامدة, نصفها ملح اعتياديّ, ومن جملتها كلوريد الماغنيسيوم الذي يكسبه طعمه المرّ. ويذكر حزقيال أنَّ من علامات الحياة في ملكوت الله الجديد, شفاء مياه البحر الميّت, وتكاثر أنواع الأسماك فيه).
(هل مشى المسيح هنا?), سألت مريم.
(لا), قلت, (مشى في بحيرة طبريَّا التي كانت تسمَّى بحر الجليل).
(وهنا)?
(هنا لا أحد).
لكنَّني أراه اليوم, أى سنة 1991, في نهاية هذا القرن المتوحش الذي بدأ بمذبحة وانتهى بجريمة. أراه وحده ميِّتا ومصلوبا ويمشي على وجه المياه.
إنَّه الغريب الوحيد.
غريبٌ في مملكة الغرباء التي حاول تأسيسها, هكذا كانت تعتقد الشَّركسيّة البيضاء.
كانت تقف مرّة في العام, يوم الجمعة العظيمة, في كنيسة (سيِّدة الدخول), تتَّخذ لنفسها مكانا ثابتا في جنازة المسيح, على يمين الأيقونسطاس, قرب كرسيّ المطران, وترتِّل جميع الصلوات, وحين يصل المرتِّل إلى ترتيلة (الغريب), كانت تركع مع الرَّاكعين, وترتِّل بصوتٍ مرتفعٍ, والنَّعش يدور فوق رؤوس المصلِّين. الجميع ينظرون إلى النَّعش وينتظرونه للتبرُّك به, ما عداها, فهي كانت تؤخذ بالغريب ويرتفع صوتها. وكان المرتِّل إلياس متري, المعروف بتشدُّده في أصول التَّرتيل البيزنطيّ, يترك لها فراغات في ترتيلته, ليعطي صوتها مجالاً كي يبرز ويستمع إليه النَّاس.
(أعطني هذا الغريب,
الذي منذ طفوليّته تغرَّب كغريب,
أعطني هذا الغريب,
الذي أماتوه بغضا كغريب,
أعطني...).
كانت ترتِّل, والدّموع في عينيها, وصوتها الأنثويّ الرفيع يتسلَّل من بين ثنايا صوت إلياس متري القويّ, والنَّاس يبكون, والنَّعش يدور, والموت يدور.
(لولاها لمات أبي).
قال جورج لأمّه.
(الله لا يردّه).
صرخت مدام لودي وبكت.
وبعد إلحاح أولادها زارته, وهناك رأت الشَّركسيّة البيضاء. لم تعد تشبه الخادمات, صارت امرأة. دخلت لودي البيت, وكانت ترتجف بالكراهية. الشَّركسيّة حين رأتها ركضت نحوها وقبَّلت يدها وبكت. ورأى جورج نفَّاع ذلك الجمال الأبيض وهو يتحوّل إلى حكاية.
قلت لمريم عن وداد الشَّركسيّة.
أخبرتها كيف خرجت وحدها من البيت. كانت قد عاشت أيَّاما صعبة. رفضت نصيحة ابن زوجها للمجيء والإقامة معه في بيته. كانت وحيدة تحت القصف والخوف, في منزلها الصغير الذي عاشت فيه ثلاثين عاما وهي تخدم إسكندر المريض, ثمَّ عاشت فيه ثلاثين عاما أخرى لا تزور ولا تُزار. تذهب إلى الكنيسة صباح كلّ أحد, وتعمل في مأوى العجزة كمتطوِّعة, وتحبّ الجميع. وعندما أُصيبت بالمرض, رفضت أن تغادر بيتها. قالت لجورج أن يهتمّ بعائلته وأغمضت عينيها, وسمعها الابن وهي تدندن بَيْتَي الشعر اللّذين كانت تقولهما لوالده لحظة احتضاره.
إسكندر شبه غائب عن الوعي, وداد إلى جانبه تمسك بيده, وجورج وكاتيا وربى وسمر وجاكلين في الغرفة. يفتح عينيه قليلاً, تهرع ابنته كاتيا إلى جانبه, يلتفت ناحية وداد, تنحني وداد إلى جانب رأسه, وتقول شعر امرئ القيس الذي كان يحبّه. وإسكندر يبتسم ثمَّ يغمض عينيه.
(مات مبتسما), قال جورج.
والآن, وداد في فراشها وترفض أن تغادر البيت. انحنى الابن فوقها, فقالت البيتين وابتسمت, لكنَّها لم تمت كما مات زوجها منذ ثلاثين سنة.
أجارتنا إنَّ المزار قريبُ
وإنّي مقيمٌ مـا أقــامَ عسيبُ
أجارتنا إنّا غريبان ها هنا
وكلُّ غريبٍ للـغريبِ نسيــبُ
قالتهما ولم تمت.
وبعد بضعة أيَّام خرجت إلى الشارع.
لا, لا, قبل أن تخرج, حدث ذلك الأمر الغريب.
وكانت النهاية أكثر غرابة من البداية.
قلت لمريم إنَّ النهاية قد تكون أكثر غرابة. هذه بيروت. فبيروت تحوّل الأشياء إلى نكهة من الغرابة الأليفة. يخبرونك حكاياتهم فتشعر أنّك سمعتها من قبل, ومع ذلك تُصاب بالدهشة. بيروت هكذا, دهشة الأشياء الغريبة التي تعطيك شعورا غامضا بالألفة.
(نحن لا نعرف البداية), قالت مريم. (نعتقد أنّنا نعرفها, ولكنَّنا لا نعرف شيئا). وقالت إنَّ بداية وداد الشَّركسيّة لا نعرفها لا نحن ولا هي. هي نسيت. ماذا ننتظر من فتاة تُخطف من إحدى قرى أذربيجان وهي في الحادية عشرة, ثمَّ تُرحَّل إلى الإسكندريّة, ومن بعدها إلى بيروت حيث اشتراها الخواجة إسكندر?
لم تكن شركسيّة.
إسكندر قال لزوجته إنّه سيتزوَّج الشَّركسيّة, عندما رأته وهو يحتضنها في المطبخ والفتاة تتأوَّه تحت ذراعيه. هذا ما جنَّن الرجل. ذلك التأوّه الذي كان يصدر من العينين اللَّتين لم يستطع إسكندر أن يحدّد لونهما طوال حياته.
دخلت لودي إلى المطبخ ورأتهما فصرخت.
أمّا هو فلم يتحرّك أو يرتبك.
(مع الصَّانعة يا كلب!).
روعة ,
يعطيكي الله العافية
موقنة بــــ أن أمانّي قد حان قطافها



[align=center]
بإنتظـــــــار الجزء التالــــي
[/align]
[SIZE=3][FONT=Arial]نَآخـذْ مِنْ الصدمَـآتْ وَ نرميْ ورآنَــا
[COLOR=white]....................[/COLOR] وَ نمشيْ الـطريقْ الـصَعبْ ونقُولْ
[COLOR=red]"[/COLOR][COLOR=dimgray] هآآآنــتْ [/COLOR][COLOR=red]"[/COLOR]
[COLOR=red][COLOR=white].................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=gray]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR]
[COLOR=red][COLOR=white]...................................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=silver]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR][/FONT] [/SIZE]
(اخرسي), صرخ, وتزوَّجها.
قال إنّه سيتزوّجها وتزوّجها. لم يصدّقه أحد. خرج إسكندر من بيته وأخذها معه, أشهر إسلامه, أعتقها وتزوّجها, وسكن معها هذا البيت الصغير المبنيّ من الحجارة الرمليّة السميكة, والمطليّ بالأصفر, وتحيط به حديقة فيها ثلاث أشجار فتنة وياسمينة وشجرة لوز. وصار يعزف على العود ويغنّي لها, وهي إلى جانبه. ترك عمله, أو على الأصحّ خفّف من حضوره في الدكّان, واختلف مع جميع النَّاس من أجلها وأحبّها.
لودي قالت لأولادها إنّه مجنون, وإنّ الرِّجال كلاب.
(داروين على خطإ), كانت تقول, (فأصل الإنسان ليس قردا, أصله كلب, والدليل هو الخواجة محمد إسكندر نفَّاع).
وكان إسكندر وزوجته الجديدة يذهبان صباح كلّ أحد إلى الكنيسة. لم يسأله أحد لماذا يصلِّي هنا, بعد أن أسلم, وكيف? وقيل إنّ الشَّركسيّة تعمّدت, ولكن لا أحد يعرف.
أمَّا بالنسبة إلى جورج وشقيقاته الأربع فكانت الحكاية فضيحة. تربّى الأولاد في بيت هجره رجله وتعبق منه رائحة الفضيحة. الأولاد رفضوا زيارة والدهم في البداية, أمّهم منعتهم وأطاعوا أمَّهم, ثم صار الامتناع عن زيارة الوالد طبيعيّا. ولكن حين مرض, وقد مرض بعد ثلاث سنوات من زواجه, بدأوا بزيارته, وأحبُّوا هذه المرأة الصغيرة التي تشبه السَّاحرات.
يذكر جورج نفاع تلك المرأة كظلٍّ أبيض.
عندما أُصيب والده بالذبحة القلبيّة ذهب إلى المستشفى ورآها. كانت تجلس على كرسيٍّ في الجانب الأسفل من السرير وتنظر إلى قدمي الرجل. وبين وقتٍ وآخر كانت تمسّد قدميه بيديها, والدموع متجمّدة في عينيها وكأنَّها بكت طويلاً, أو هي على وشك البكاء.
يومها رآها.
قال جورج لأمل التي سيتزوَّجها بعد خمس سنوات, إنّه رآها يومها. في البيت كانت غير موجودة, كانت كأنّها طيف, وأمّا في المستشفى فتحوّلت إلى شيء آخر. يومها رأى الضوء, رأى امرأة يحيط بها الضوء. كان بياضها يضيء. بياض ليس مائلاً إلى الاحمرار كما هو حال نساء بلادنا. بياضٌ خاصّ, كأنّه مزيجٌ من لونين أبيضين, والضَّوء يشعُّ من داخل فجوة سرّيّة بينهما.
عاد إسكندر إلى بيته بعد أسبوعين, وصار جورج يزور والده كلّ يوم. وفي كلّ يوم كان يراها تمشي بصمت وكأنَّها لا تمشي. يسمع خشخشة ثيابها ولا يسمع وقع قدميها أو صوت تنفُّسها. كأنّها ممرِّضة. في تلك الأيَّام لم يكن جورج ولا شقيقاته يتكلَّمون معها. كانوا يأتون لزيارة والدهم فيرونها لحظةً ثمَّ تختفي. يمدّ جورج يده فتعطيه يدا صغيرة طريّة, ثمَّ تنسحب إلى المطبخ, تعدّ الشاي والقهوة وتعود.
تجلس على كرسيٍّ في الجانب الأسفل من السرير, وبين وقت وآخر, تمدّ يدها وتمسّد قدمي الرجل. وقبل أن يطلب شيئا كانت تعرف. يرفع رأسه ليطلب الماء, فيكون الكوب قد وصل إليه قبل أن يطلبه. وجورج ينظر إليها ويخاف أن يسأل. هل يمكن أن ينام رجلٌ مع هذه المرأة? إنّها كالطّيف الشفَّاف, فهل يمكن تمزيق هذا الحجاب من الصَّمت الذي يحيط بها?
ومرَّت الأيَّام.
لم يسأل جورج والده شيئا عنها. مرّة واحدة سأل عن الذكريات وعن أهل الفتاة واسم قريتها أو مدينتها. نظر إليه الأب بعينين نصف مغمضتين, حين يريد أن يوحي لزوجته لودي أو لأولاده بالغضب. نظر الأب بعينيه نصف المغمضتين إلى ابنه كي يجبره على إقفال الموضوع. ولكنّ جورج لم يقفله. لم يكن جورج آتيا في الأصل لمناقشة هذا الموضوع مع والده, كان قد قرّر أن يفاتح والده في موضوع العمل والزواج. قرّر جورج بعد أن أنهى دراسة إدارة الأعمال في الجامعة الأميركيّة في بيروت, أن ينزل إلى الشغل ويستلم الدكَّان. هكذا اتّفق مع أمّه لودي. قالت له أمّه إنّ عليه أن يرث الآن.
(أبوك مريض ويمكن يموت بأيّ لحظة. روح وخود كلّ شي, ما تقبل إلاَّ تستلم وحدك, وكلّ شي إلك. بكرا بيموت وبتورثنا الصَّانعة).
تابع جورج أسئلته عن الذكريات, فقال له أبوه (اسألها أنا لا أعرف). لم يسألها جورج, خاف أن تكون عارفة, خاف أن تجاوبه بأشياء لا يريد سماعها.
لو سألها لكان حصل على الجواب نفسه الذي سمعه من والده. فوداد البيضاء كانت لا تعرف. ما تعرفه يعرفه إسكندر, وما لا يعرفه إسكندر مُحي من الذَّاكرة. حتَّى تلك السنة التي قضتها في الإسكندريّة خادمةً في منزل آل خيَّاط اللبنانيّي الأصل الذين كانوا يملكون باخرتيْ شحن تعملان على خط الإسكندريّة - بيروت - مرسيليا, غابت في ذاكرتها, وتحوّلت إلى ما يشبه الطَّيف.
سكت جورج, وكان الأب مستلقيا على السرير يتنفَّس بصعوبة.
قال جورج عن العمل..
فتح إسكندر عينيه وقال طبعا. قال له أن ينزل إلى الشغل غدا, وأنَّ وديع السخن سوف يعطيه كلّ شيء ويعلّمه كلّ شيء. (هو مثلي), قال إسكندر, (عامله كما تعامل والدك). ثمَّ طلب من البنت أن تأتي. أتت راكضة. يومها فهم جورج سرّ مشيتها الصَّامتة. كانت لا تلبس حذاء, تمشي في البيت حافية. لم يرها جورج إلاَّ مرّة وهي تلبس حذاء, حتَّى عندما تخرج من البيت, كانت تلبس إسكربينة مطَّاطيّة لا كعب لها, وتمشي وكأنَّها حافية. رآها جورج وهي تأتي مسرعة وتمشي كأنّها تطير.
جاءت البنت.
أشار لها إسكندر بيده. ذهبت وعادت وهي تحمل الأوراق. أعطى إسكندر الأوراق لابنه. كانت أوراقا رسميّة موقّعة عند كاتب العدل, وتحتوي على تنازل عن الدكّان ومحتوياته للابن. أخذ جورج الأوراق وقرأها, وانحنى يريد تقبيل يد والده. أزاح الوالد يده وأشاح بوجهه. كان إسكندر نفَّاع يبكي.
ذهب جورج دون أن يسأل عن الأمر الثاني. جاء من أجل الزواج لا من أجل الدكَّان. لم يكن مقتنعا باقتراح والدته. كان يعتقد أنَّ الأمر سابق لأوانه, وأنَّه لن يستطيع أن يحدّث والده عن الميراث والموت. ولكن إسكندر والشَّركسيّة كانا قد أعدّا كل شيء. أخذ جورج الأوراق وجلس صامتا, يستمع إلى بكاء والده الصَّامت, ويرى انحناءة الشَّركسيّة البيضاء على قدميه.
في زيارات جورج المتكرِّرة لوالده, لم يكن إسكندر يريد أن يسمع شيئا عن الدكَّان. كان يكتفي بمراجعة الحسابات وتوزيع الأرباح بينه وبين ابنه. شفي إسكندر. كان الدكتور نجيب قد قال لجورج, بعد الذبحة القلبيّة الثالثة التي أصابت والده, إنّ إسكندر لن يعيش. فانسداد الشرايين لن يترك له متّسعا من الوقت. ولكنّه عاش كما في أعجوبة. لودي التي انتظرت موته, وانتظرت تلك اللَّحظة التي ستركع فيها الشَّركسيّة البيضاء تحت قدميها, كي تطلب منها أن لا تطردها من البيت, أو أن تعيدها إلى العمل عندها كخادمة, انتظرت طويلاً, وماتت قبل أن يتحقَّق حلمها.
عاش إسكندر بأعجوبة الحبّ, هكذا قال لابنه عندما جاءه ليحدّثه عن الزواج. جاء جورج في الصباح الباكر, كان ذلك في أيلول. الأرض مبلّلة بمطر الصيف الذي يفتح الرئتين على رائحة الأرض. جاء, وكان الأب كعادته كلّ صباح, يجلس في الحديقة قرب شجرة الياسمين, يشرب القهوة ويدخِّن نارجيلته. لم تكن الشَّركسيّة معه. كانت في الداخل تتحمّم. هكذا كانت صباحات إسكندر الصيفيّة في الحديقة, قرب شجرة الياسمين, يشرب القهوة وينتظر خروجها من الحمَّام. تخرج من الحمَّام بشعرها الطويل المبلّل بالماء ورائحة عطر الصابون, وتجلس إلى جانبه صامتة وهو يحكي. يحكي لها ما يشاء. ينسى ما رواه, ويعيد روايته بطريقة مختلفة. ينظر إليها فيراها تصدّق. كانت تصدّق كلّ شيء أو هكذا اعتقد إسكندر. جورج عرف بعد موت والده بعشر سنوات أنَّ المرأة البيضاء لم تكن تصدّق شيئا من كلام أبيه. طرحت عليه جميع الأسئلة عن أصل العائلة والعمل وكلّ شيء.
بعد موت الزوج, والعمل الطويل في مأوى العجزة, وحكاية العلاقة مع الصيدلاني الأرمني سيرافيم التي لا يستطيع جورج أن يؤكّدها أو ينفيها, رآها جورج بطريقة مختلفة. رأى في ابتسامتها الصَّامتة مكرا ودهاءً ونظرة إلى باطن الأشياء. سألته كالجاهلة وكانت تعرف, أخبرها عن العمل, وعن وديع السخن وابنه موسى, وعن تجارة الثياب الداخليّة التي كانت أحد فروع تجارتهم, وكانت تستمع كمن يشكِّك في كلّ شيء. كأنّها أرادت أن تعرف دون أن تسأل. كان يجد نفسه منقادا إلى الكلام معها. كأنْ لا حول له. يومها فهم جورج سرّ والده. فهم معنى ذلك الكلام الكثير الذي قاله والده عندما طلب منه الموافقة على زواجه من أمل تبشراني زميلته في الجامعة. لم يسأل إسكندر الأسئلة التقليديّة عن أصل الفتاة وفصلها, كما فعلت لودي وهي تحاول إقناع ابنها بالعدول عن الزواج من أمل, وبالتفتيش عن فتاة غنيّة. سأله فقط عن الحبّ.
(هل تحبّها?).
(طبعا), قال جورج.
(شو طبعا), (عم بسألك عن الحبّ, يعني أنت شفت لمن أنا حبّيت شو عملت وشو صار فيّ, بتحبّها هيك)?
(كيف هيك?).
(يعني متل ما أنا كنت أحبّ وداد).
(وهلق بطَّلت تحبّها?).
(هي مش الموضوع, الموضوع أنت).
(ما بعرف), قال جورج. (بعرف إنّي بحبّها وبدِّي أتزوَّجها).
(الزواج غير الحبّ يا ابني).
(أنت تزوَّجت لأنّك بتحبّ).
(صحيح, أنا تزوَّجت وداد لأنّه ما كان في حلّ تاني. بس وداد كانت قصّة حبّ).
في ذلك الصباح تأخَّرت وداد كثيرا في الحمَّام. لم تأتِ برائحة عطر الصابون لتجلس إلى جانب زوجها, وتسكت كما كانت تفعل كلّ صباح. تركته وحده مع ابنه يتحدّثان حتَّى الظهر, ويومها عرف جورج الحكاية. عرف أنّ والده أصيب بما يشبه الجنون عندما احتضن الفتاة البيضاء في المطبخ, وأنّه لم يعد يعرف كيف يتصرّف, (كأنّني شربت برميل عرق, صرت دائخا في البيت وفي العمل. كنت أريدها. لا, ليس النوم معها فقط, ليس الجنس, الجنس مسألة أخرى, كنت أريدها لي, أريدها كلّها, أريد كلّ شيء).
و(الآن?), سأل جورج.
(الآن, ماذا الآن?), جاوب الأب, (من يحكي عن الآن?, الآن هي لي, لكنّني لا أعرفها, عندما أخذتها إلى فندق (صوفر الكبير) وتزوّجتها اعتقدت أنّها صارت لي, وهي صارت لي بكلّ المعاني, لكن الحبّ يا ابني هو أن لا يكون الآخر لك, هو أن تبقى الهوّة مفتوحة. وداد بقيت هوّة مفتوحة. حاولت أن ألغي الحبّ بالزواج, أن أدجّن الرغبة في السَّرير, ولكنَّني اكتشفت الهوّة, ربَّما لأنّها امرأة غريبة, ربَّما لأنّى أشمّ فيها رائحة غريبة. أرى في أنفها أنّها تشمّ روائح لا نعرفها. ربَّما لأنّها ليست امرأة, والله هذه ليست امرأة, أنت لا تعرف بالنسوان).
(...)
جورج قال لأبيه إنّه لا يشعر هكذا, وأنَّ الأمر مختلف. قال إنّه يريد الزواج من أمل لأنّه يشعر أنّها زوجته. يشعر أنّه لا يستطيع شيئا من دونها وأنّه يحبّها, ويريد منها ولدا.
ضحك إسكندر, (تريد ولدا, أنا عندي خمسة أولاد, لكن في الحبّ لم أنجب أحدا. في الحبّ عشت أنا وهذه البنت ولم نكن بحاجة لأحد).
(لأنّها من عمر أولادك), قال جورج.
(من عمر أولادي, صحيح, لكنّها من عمر أجدادي أيضا. أنت لا تفهم في الأعمار, العمر لا معنى له, العمر شيء خارجيّ, الإنسان لا عمر له, هل تعرف عمرها? أنا لا أعرفه, لكنّني أعرف أنّه قديم وعميق, اذهب واسألها, لن تجاوب, هي لا تجيب, حاولت ألف مرّة أن أسألها, قلت لك إنّني لم أسألها شيئا, كذبت عليك, سألتها ولم تجب. أعرف أنّها لا تعرف الجواب, الجواب في داخلها ولا تعرفه. هي مثل أولادي, صحيح, وهي مثل لا أعرف... مرّات أعتقد أنّني أمام كائن غريب. لم أشعر معها بحاجة إلى الأولاد, وهي أيضا لم تشعر, عشنا بلا أولاد, الأولاد قبل الحبّ أو بعده. لكن لا تخلط بين الحبّ والأولاد).
كان إسكندر يكذب على ابنه, وكان الابن يعرف أن الأب يكذب عليه, ولكنّه لم يقل له ذلك. كان جورج يعرف قصّة طلب وداد لميرنا, وكيف صارت تبكي وتتحوّل إلى ثياب مبلّلة بالدموع, بعد أن رفض إسكندر طلبها تبنِّي الفتاة اليتيمة السمراء التي كانت تعيش في ميتم (زهرة الإحسان). كان جورج يعرف أنَّ الكلام في موضوع الحبّ والزواج والأولاد لا يوصل إلى نتيجة, لا لأنَّ والده يكذب, بل لأنَّ الموضوع يولِّد الكذب. ففي هذه الأمور يصبح الكلام تبريرا للرغبة والحالة. لا يعود الكلام موقفا, وأمّا حكاية العمر التي كانت حجّة والده في دعوته إلى التريّث قبل الزواج من أمل فهي حجّة مضحكة. استمع طويلاً إلى رأي والده في الأعمار, وإلى نظريّته عن وداد التي لا عمر لها, وكاد يقتنع, بل هو اقتنع. ثمّ جاءه إسكندر بتلك الحجّة عن أنّ عمر أمل هو من عمره, وأنّه من الأفضل أن يتزوَّج الرجل امرأة تصغره بعشر سنوات, لأنَّ البيولوجيا النسائيّة مختلفة عن البيولوجيا الرجاليّة, عندها نهض جورج وقال لوالده إنَّ حجّته تافهة.
(طز على البيولوجيا, ما أنا اقتنعت بإنّو مرتك ما إلها عمر, ليش مرتي لازم يكون إلها عمر).
(لأنّو ما بعرف), قال إسكندر, وصمت علامة الموافقة على الزواج.
حكاية العمر كانت تحيّرني وأنا أستمع إلى مريم وهي تروي لي عن ذلك الجنديّ الذي ذهبت معه قرب مطعم (لوكولوس). كان الجنديّ فتى في السابعة عشرة, أو هكذا بدا لي, وكانت مريم في الثالثة والثلاثين. عمرها من عمر المسيح. عندما أخذتها في تلك الأرجوحة على شرفة البحر, كنت أعرف أنّها في الثالثة والثلاثين. شممت فيها رائحة المسيح. هذا هو العمر الذي يتوّج الأعمار. هكذا كنت أعتقد من زمان. يوم علمت أنّهم صلبوه وهو في الثالثة والثلاثين, وقلت أنا أيضا, سوف أموت في الثالثة والثلاثين. وعندما وصلت إلى عتبة ذلك العمر ركبني خوفٌ لا مثيل له. هو كان يعرف أنّه إذا مات لن يموت, وخاف. وأمَّا أنا فلم أكن أعرف, فكيف لا أخاف? مرّ العمر, ونسيت تلك الحكاية عن الخوف من الثالثة والثلاثين إلى أن ذهبت مريم مع ذلك الجنديّ الطويل الأسمر, وتركته يموت. عندما ذهبت معه, ورأيتهما يبتعدان وسط الأزقّة المهدّمة قلت مريم ستموت. أردت أن أصرخ لها بأن لا تموت. وسمعت الانفجار ورأيتها تعود بخطى واثقة ونظرات بعيدة وكأنَّها لم تسمع أو تَرَ. تركتْ الفتى يموت وعادت. كنت أعلم أنَّها تملك نظريّتها الخاصّة في الأعمار. هي أيضا كانت تريد أن تمضي, لأنّها كانت تبحث عن ذلك الوهن الذي يكتسح العينين لحظة تبدأ الرغبة. أرادت أن ترى كيف يبدأ الجنديّ. ولكنّه بدل أن يبدأ مات. لم تقل لي مريم شيئا عن هذه المسائل, لم تقل لي إنَّ الرغبة تبدأ عندما تنتهي العيون. قالت إنّ مروان العاصي لم يكن يحبّها لأنّه كان ملتصقا بعينيه. كانت عيناه تقودانه إلى النَّظر في الأشياء. وأمَّا الجنديّ فقد ضاعت عيناه قبل أن يبدأ بالأكل. حملت طنجرة الفاصوليا وجلست قربه, كان جائعا, ولكنّه لم يأكل. أكل لقمة واحدة وقال إنّه شبع, وكانت هي تأكل. أكلت معي فوق في المطعم المهدّم, ثمَّ نزلت وأكلت مع الجنود. أنا لم آكل, والجنديّ لم يأكل, لكن الفرق أنّه مات وأنا لم أمت. هذه هي المسألة التي تحيّرني في حكايتي مع مريم. لا أريد أن أروي حكايتها الآن, أريد أن أروي رأي إسكندر نفَّاع بالأعمار, وأنا أوافقه, فالأعمار ليست قط بيد الله, وهي طبعا بيده, ولكنَّها أيضا مسألة لا تنتهي عن ماضٍ لا نعرفه. وداد البيضاء كانت بلا عمر, لأنّها جزءٌ من كهف أسود مليء بالذكريات الممحوّة, وأمّا مريم فحكاية أخرى. كنت أراها تنزلق إلى عمرها وتخاف من الكهولة. كنت أراها وأقول لها إنّه لا عمر لها, ولم تكن تصدّقني, ظلّت لا تصدّقني حتَّى ذهبت مع ذلك الجندي وتركته يموت, يومها عادت وقالت إنّها صدّقتني, ولكن الأوان كان قد فات. لم أعد أنا أصدِّقها. صرت أراها مثل ثوب ينزلق عن جسدها الأبيض. لم أصدّق الثوب ولم أصدّق الجسد. لم أقل لها إنّني مريض وأريد أن أغمض عينيّ كي أرى. وتركتها تذهب. رأيتها تذهب, هي لم تذهب, ربَّما ألّفتُ القصّة عن الجنديّ حتَّى أعطيها حرّيّة الذَّهاب. وذهبت.
سألتني مريم عن المريمات.
قالت إنّ ما يحيّرها في المسيح هو عدد المريمات اللَّواتي كنّ حوله.
و(أنتِ من تكونين?), سألتها.
قالت إنّ حكاية المريمات هي حكاية إسكندر. كان إسكندر يبحث عن مريمته الخاصّة كي يقوم بأعجوبته, (تذكّر قانا), قالت. (في قانا كانت أمّه, وهي التي دفعته إلى صنع أعجوبته الأولى, وأمام قبر لعازر كانت مريم أخرى, وفي القيامة كنّ جميعهنّ. إسكندر كان يبحث عن أعجوبيه, عن مريمته التي نسيت الملح وراحت. كان يريد أن يستعيد الملح الذي أغرق البحر الميِّت, وأغرق العالم).
في وادي الأردن, على ضفّة البحر الميّت الشرقيّة, رأيت ذلك الأفق الرصاصيّ الذي يغلّف العالم. كأنّنا في نهاية الكون, حيث الغيوم تمتدّ فوق الغمر وتبقى شفَّافة, كأنّها مرايا منثورة فوق التِّلال التي تحجب الوادي عن مدينة القدسَ. أضواء الغروب, والشَّمس تنام داخل المياه المالحة.
تقول الحكاية إنّها امرأة.
في ذلك الزَّمان, حيث كان الزَّمان وكأنّه لم يبدأ بعد, جلست امرأة تُدعى مريم. ربّما كانت مريم أخت موسى وهارون وابنة عمران, وربَّما كانت مريم.
(... )
ما حكاية المريمات?
سبع مريمات أحطن به في حياته القصيرة.
مريم أمّه التي ولدته ملفوفا بالكفن, ومات فخلع الكفن, وظهر لمريماته اللَّواتي لم يعرفنه في البداية. كان مشرقا كشمس العدل وكنّ حوله:
مريم أمّه.
ومريم أخت لعازر.
ومريم المجدليّة.
ومريم أمّ يعقوب.
ومريم كَلُوبا.
ومريم أمّ يوحنَّا مرقص.
ومريم الأخرى.
سبع مريمات يحطن بالشمس المتلألئة فوق البحر الميِّت الذي شُفيت مياهه وصارت طيِّبة, وهو يقف بينهنّ كغريب.
قلت له يا سيِّد.
كنت واقفا على ضفَّة البحر أنتظره, فقلت يا سيِّد. ثمَّ التفتُّ فرأيت عيون الجنود الأردنيّين من خلف التِّلال ولم أرَ المسيح.
قلت لمريم إنّني لم أرَ المسيح.
هل تعرف مريم ماذا تعني مريم?
إنّها تعتقد أنّ مريم اسم ككلَّ الأسماء, وهو يحيل على النساء اللَّواتي أحطن بالمسيح. لكن مريم شيء آخر. إنّها اسم مليء بالمعاني, مريم تعني العاصي, إنّها كلمة عبريّة تعني العاصي.
هل لأجل ذلك جعل من مريم حوَّاء الجديدة وأحاطها بالمريمات?
مريم الأولى عصته, تقول الحكاية. ومريم الثانية قبلت. لكن أين العصيان الحقيقيّ: في الرفض, أم في القبول?
قال جورج لزوجته إنّ وداد قبلت كلّ شيء. أعطاها إسكندر الصغير, كان يريد أن يعطيها إسكندر الصغير كي تشعر أنَّ لحياتها معنى, لكنَّها قبلت أن لا تعيش المعنَى (الله يخلِّيه لأمّه), قالت, طلب منها أن تكون عرّابة ابنه. إسكندر الابن جاء بعد انتظارٍ طويل. الوالد لم يبدِ رأيا, كان غير مهتمّ بمسألة عجز جورج وأمل عن الإنجاب. وأمّا هي فاهتمّت كثيرا. نصحت جورج بأن يفطر كلّ يوم عسلاً ممزوجا باللبن. (هذا طعام أهل الجنَّة), قالت له. نصحته أن يأكل اللَّبن والعسل ويتَّكل على الله ويتوقَّف عن استشارة الأطبَّاء. وبقي جورج عشرين سنة يأكل طعام أهل الجنّة وينظر إلى فراغ حياته وفراغ بطن زوجته. إلى أن حبلت أمل. فجأة, ودون مقدّمات حبلت أمل, ولم تتوقَّف بعد ذلك عن الإنجاب. أنجبت ستَّة أولاد, أربع بنات وصبيّين. كان إسكندر الصغير يحمل الرقم خمسة بينهم.
عندما وُلِد إسكندر, كان إسكندر الأب قد مات. جاء جورج إليها. جاء راكضا من المستشفى وضمّها إلى صدره وبدأ يبكي.
لحظة رأته يدخل باب بيتها, وقبل أن يفتح فمه, سألته (كيف إسكندر?).
(مَنْ أخبركِ?), سأل.
(رأيته), قالت. (رأيته في منتصف اللَّيل, كنت نائمة, استيقظت على صوت بكائه, فتحت عيني فرأيته).
(وُلِد في منتصف الليل), قال.
ضمَّها جورج وصار يشهق بالبكاء.
قبل العمادة بيوم, جاءها وقال لها إنّه اختارها لتكون عرّابة الصبيّ. قبلت دون أن تناقش أو تفرح بشكلٍ خاصّ. كان جورج يعتقد أنّه يعطيها فرح حياتها. بقيت جامدة, وافقت بحياديّة كأنَّها تستمع إلى اسم امرأة أخرى اختيرت لتكون العرّابة.
وفي حفل العمادة الذي جرى في البيت, لأنّ أمل كانت مريضة, وتعاني من آلام الأسنان الرهيبة التي تصاحب كلّ مولود تضعه, حتَّى انتهى بها الأمر مع مولودها السادس إلى ضرورة قلع جميع أسنانها. في البيت, أمام جرن المعموديّة, وقفت وداد بثوبها الأزرق وطرحتها البيضاء, وأخذت الطفل عاريا من يد الكاهن, ضمّته إلى صدرها حيث كانت تربط منشفة كبيرة بيضاء, لفّته بالمنشفة, وبدأت ترتِّل بصوت منخفض. لم تكن الترتيلة جزءا من طقوس العمادة. رتَّلت بصوتٍ منخفضٍ يكاد لا يسمعه أحد. توقّف الكاهن عن تلاوة صلاته, والتفت إليها بتأفّف واضح, وأراد أن يطلب منها أن تسكت, ولكنّه لم يفعل, تركها تنهي ترتيلتها, وعاد إلى صلاته التي اختصرها كي يذهب إلى الكنيسة حيث تنتظره عمادة أخرى.
أمل قالت إنّها كانت تشبه سيّدتنا مريم العذراء.
قالت لزوجها في المساء, بعد أن ذهب المدعوون, إنّها خافت عندما رأتها تحمله. كأنّها مريم العذراء, تحمل طفلها وتأخذه إلى الموت.
(دخيلك بلاها هالمرأة, دخيلك ما بدِّى ياها تشوف ابني).
ضحك جورج, وقال لها إنّها هكذا تدندن ترتيلة (أعطني هذا الغريب) دائما, لأنّها تحبّ اللّحن. وشرح جورج لزوجته بشكل مفصَّل أهميّة الألحان البيزنطيّة, ونظريّته في أنّ الكنيسة الشرقيّة لم تضمحل في العالم العربي بفضل الموسيقى, وأنّ الموسيقى البيزنطيّة تمتلك ميزة الخلود, لأنّها تحمل إيحاءً بأنّها ليست من صنع بشريّ. إنّها موسيقى تتداخل فيها بساطة الإنسان وعظمة الموت.
حاول أن يشرح لزوجته أنّ وداد غنَّت لأنّها تحبّ الغناء. وأنّ المقصود هو الأغنية لا مضمونها.
أمل قالت إنّها لا تريد أن ترى هذه المرأة في بيتها.
وداد لم تزر جورج في بيته مرّة أخرى. كانت ترفض جميع دعواته للزيارة, وتكتفي بأن تقول له بأنّها تدعو له ولأولاده.
وعندما أصيب إسكندر الصغير بشظايا القذيفة, وصار مشلولاً, ذهبت وداد إليه وخدمته ستَّة أشهر في المستشفى, وحملته بين ذراعيها كما حملته في عمادته, وبكت كما بكت قبل ذلك بعشر سنوات.
ماذا أكتب?
أين الخلل في هذه الحكاية?
الكتابة عن مريم مستحيلة, ليس لأنّني أحببتها, بل لأنّني أراها أمامي الآن وهي ترتجف بالخوف, ونحن نمشي في ممرّات الخطّ الأخضر الذي كان يفصل بيروت عن بيروت. وأنا أردّد الأسماء. استطعت أن أصل إلى تسعة وتسعين اسما, وصلت إلى العدد الأقصى وأنا أردّد أسماء الأصدقاء الذين ماتوا بين حجارة هذا الخط الدمويّ الذي صنعته الحرب.
وكانت الدمية الشَّركسيّة.
هل كان إميل آزاييف سيفهم مأساة وداد في أيَّامها الأخيرة, أم سيصرّ على تغيير حكاية جرجي الرَّاهب بوصفها حكاية معادية للسَّاميّة? سمعت الحكاية للمرّة الأولى من امرأة كهلة تسكن مخيَّم (الميّة وميّة), قرب صيدا. أخبرته الحكاية كما سمعتها معتقدا أنّها حكاية شعبيّة, وأنّه يجب جمع الروايات المختلفة للحكاية, كي نعيد صياغتها بوصفها جزءا من الأدب الشعبيّ الفلسطيني.
المفاجأة كانت أنّني في بحثي داخل مكتبة جامعة (كولومبيا) في نيويورك عثرت في صحيفة كانت تُدعى (القدس) على وصف لحادثة مقتل الرَّاهب جرجي خيري الدوماني اللبناني.
كتبت الصحيفة في عدد 17 أيَّار 1946 أنَّه عُثِر على جثّة الرَّاهب قرب (باب العمود) في القدس, وهي مصابة بعشر طلقات رصاص. إذن, فما روته لي المرأة الفلسطينيّة لم يكن حكاية شعبيّة, كان حادثة حقيقيّة. هنا يطرح السؤال: ما الفرق? كيف أتعامل مع حكاية الرَّاهب اللبنانيّ? هل أعيد تنظيم رواية المرأة الفلسطينيّة بحسب اقتراح (فلاديمير بروب) بشأن الحكايات الشعبيّة, أم أبحث عن الحقيقة?
وكانت مريم تسخر دائما منِّي حين أخبرها أنّني أبحث عن الحقيقة.
كانت تعتقد أنّني لا أبحث عن الحقيقة إلاَّ من أجل كتابتها, وعندما نكتبها نخونها ونحوّلها إلى حكاية.
ومريم معها حقّ.
ولكن ماذا نفعل غير ذلك?
نكتب أي نكذب, كما كتب غالب هلسا قبل أن يموت من انفجار قلبه في دمشق, بعيدا عن (سلطانة).
لكنّني أحاول أن لا أكذب.
(أنت مثله), قالت مريم.
(من?), سألتها.
(مروان العاصي), تعرفه?
(لا).
قالت إنّه كان, و(كان يحبّني, كنت في الثامنة عشرة, وكان في الأربعين. أحببته كما تحبّ طالبة في الجامعة اللبنانيّة أستاذها, وكان أستاذي. أحببته سنة كاملة. نخرج ونتعشَّى في المطاعم ويحكي لي أجمل الغزل, ويتنهَّد. ثمَّ غبت عنه. لم أغب أنا, بل الحبّ غاب. وتزوّجت وأنجبت. وبعد عشر سنوات التقيته صدفة في أحد شوارع روما. مشينا وذهبنا إلى المطعم والمقاهي, وحكى الغزل نفسه. وفي الفندق قضينا الليل في غرفته, وكان طوال اللَّيل كأنّه سيغمى عليه, أمسك يدي وقبَّلها, ثمَّ انتشرت فوق وجهه غيمة الإغماء ولم ينم معي. في سنة الحبّ تلك كان يكتب لي رسالة كلّ يوم. أحبّني على امرأة تُدعى مريم. ربّما كانت مريم أخت موسى وهارون وابنة عمران, وربَّما كانت مريم.
(... )
ما حكاية المريمات?
سبع مريمات أحطن به في حياته القصيرة.
مريم أمّه التي ولدته ملفوفا بالكفن, ومات فخلع الكفن, وظهر لمريماته اللَّواتي لم يعرفنه في البداية. كان مشرقا كشمس العدل وكنّ حوله:
مريم أمّه.
ومريم أخت لعازر.
ومريم المجدليّة.
ومريم أمّ يعقوب.
ومريم كَلُوبا.
ومريم أمّ يوحنَّا مرقص.
ومريم الأخرى.
سبع مريمات يحطن بالشمس المتلألئة فوق البحر الميِّت الذي شُفيت مياهه وصارت طيِّبة, وهو يقف بينهنّ كغريب.
قلت له يا سيِّد.
كنت واقفا على ضفَّة البحر أنتظره, فقلت يا سيِّد. ثمَّ التفتُّ فرأيت عيون الجنود الأردنيّين من خلف التِّلال ولم أرَ المسيح.
قلت لمريم إنّني لم أرَ المسيح.
هل تعرف مريم ماذا تعني مريم?
إنّها تعتقد أنّ مريم اسم ككلَّ الأسماء, وهو يحيل على النساء اللَّواتي أحطن بالمسيح. لكن مريم شيء آخر. إنّها اسم مليء بالمعاني, مريم تعني العاصي, إنّها كلمة عبريّة تعني العاصي.
هل لأجل ذلك جعل من مريم حوَّاء الجديدة وأحاطها بالمريمات?
مريم الأولى عصته, تقول الحكاية. ومريم الثانية قبلت. لكن أين العصيان الحقيقيّ: في الرفض, أم في القبول?
قال جورج لزوجته إنّ وداد قبلت كلّ شيء. أعطاها إسكندر الصغير, كان يريد أن يعطيها إسكندر الصغير كي تشعر أنَّ لحياتها معنى, لكنَّها قبلت أن لا تعيش المعنَى (الله يخلِّيه لأمّه), قالت, طلب منها أن تكون عرّابة ابنه. إسكندر الابن جاء بعد انتظارٍ طويل. الوالد لم يبدِ رأيا, كان غير مهتمّ بمسألة عجز جورج وأمل عن الإنجاب. وأمّا هي فاهتمّت كثيرا. نصحت جورج بأن يفطر كلّ يوم عسلاً ممزوجا باللبن. (هذا طعام أهل الجنَّة), قالت له. نصحته أن يأكل اللَّبن والعسل ويتَّكل على الله ويتوقَّف عن استشارة الأطبَّاء. وبقي جورج عشرين سنة يأكل طعام أهل الجنّة وينظر إلى فراغ حياته وفراغ بطن زوجته. إلى أن حبلت أمل. فجأة, ودون مقدّمات حبلت أمل, ولم تتوقَّف بعد ذلك عن الإنجاب. أنجبت ستَّة أولاد, أربع بنات وصبيّين. كان إسكندر الصغير يحمل الرقم خمسة بينهم.
عندما وُلِد إسكندر, كان إسكندر الأب قد مات. جاء جورج إليها. جاء راكضا من المستشفى وضمّها إلى صدره وبدأ يبكي.
لحظة رأته يدخل باب بيتها, وقبل أن يفتح فمه, سألته (كيف إسكندر?).
(مَنْ أخبركِ?), سأل.
(رأيته), قالت. (رأيته في منتصف اللَّيل, كنت نائمة, استيقظت على صوت بكائه, فتحت عيني فرأيته).
(وُلِد في منتصف الليل), قال.
ضمَّها جورج وصار يشهق بالبكاء.
قبل العمادة بيوم, جاءها وقال لها إنّه اختارها لتكون عرّابة الصبيّ. قبلت دون أن تناقش أو تفرح بشكلٍ خاصّ. كان جورج يعتقد أنّه يعطيها فرح حياتها. بقيت جامدة, وافقت بحياديّة كأنَّها تستمع إلى اسم امرأة أخرى اختيرت لتكون العرّابة.
وفي حفل العمادة الذي جرى في البيت, لأنّ أمل كانت مريضة, وتعاني من آلام الأسنان الرهيبة التي تصاحب كلّ مولود تضعه, حتَّى انتهى بها الأمر مع مولودها السادس إلى ضرورة قلع جميع أسنانها. في البيت, أمام جرن المعموديّة, وقفت وداد بثوبها الأزرق وطرحتها البيضاء, وأخذت الطفل عاريا من يد الكاهن, ضمّته إلى صدرها حيث كانت تربط منشفة كبيرة بيضاء, لفّته بالمنشفة, وبدأت ترتِّل بصوت منخفض. لم تكن الترتيلة جزءا من طقوس العمادة. رتَّلت بصوتٍ منخفضٍ يكاد لا يسمعه أحد. توقّف الكاهن عن تلاوة صلاته, والتفت إليها بتأفّف واضح, وأراد أن يطلب منها أن تسكت, ولكنّه لم يفعل, تركها تنهي ترتيلتها, وعاد إلى صلاته التي اختصرها كي يذهب إلى الكنيسة حيث تنتظره عمادة أخرى.
أمل قالت إنّها كانت تشبه سيّدتنا مريم العذراء.
قالت لزوجها في المساء, بعد أن ذهب المدعوون لن يستطيعوا البقاء لحظة واحدة بعد انسحاب قوَّات الانتداب البريطاني?
هل قُتِل من أجل هذه الجملة المكتوبة على صليبه? ومن يكون القاتل? لا أحد يدري. هل هم الصهاينة, أم هم جماعة الحاج أمين, أم هي (أخويّة القبر المقدَّس) التي أصبحت سمعتها مهدّدة بسبب أفعال الرَّاهب الجنونيّة?
لا أدري, قلت لمريم.
ووداد البيضاء, لم تكن تدري لماذا كلّ هذا.
الشَّركسيّة البيضاء لم تنجب أولادا. عاشت وحيدة وماتت. وحكاية موتها هي الحكاية.
ولكن لماذا?
لماذا نضع الموت في المرتبة الأولى, ونجعله هو الحكاية?
هل لأنّ النهاية تفسّر البداية?
ومن قال إنّ الموت هو النهاية? هل موت الرَّاهب اللبنانيّ يفسّر بدايته, أم أنّ موته كان البداية التي تحتاج إلى تفسير?
أسئلة وأسئلة, والجواب بقي معلّقا. كتبت رسائل إلى (دير مار سابا) في القدس أطلب فيها معلومات عن الرَّاهب, ولكنّي لم أتلقَّ جوابا. فقرّرت زيارة قرية (دوما) علّني أعثر على الحقيقة, وهناك وجدت حكايات أخرى.
ذهبت إلى (دوما). لم أكن قد زرت هذه القرية من قبل. ذهبت إليها في أعالي (البترون), لأجدها وكأنّها تنزلق إلى الوادي. من الأعلى, من طرف قرية (بشعلة) الموصولة ببلاد تنورين, تبدو (دوما) وكأنّها تسقط في الوادي. بيوت قرميديّة تتدرَّج نزولاً, ووادٍ سحيق يبدو وكأنَّه جزء من منخفض لا نهاية له. مشيت في الطريق الرئيسيّ الذي يشقّ القرية ولم أعرف كيف أبدأ أو ماذا أسأل ومن? لم أكن أملك معطيات محدّدة تسمح لي بأن أبدأ. كلّ ما كنت أعرفه هو الأسماء. اسم الرَّاهب واسم عمّه (الأكسرخوس). حتَّى الأسماء لست متأكّداً منها. ففي الكنيسة يغيّرون الأسماء, كما كنَّا نفعل نحن في غور الأردن. قلت إنّ أفضل بداية هي الذهاب إلى الكنيسة, هناك أستطيع أن أجد الأجوبة الأولى عن أسئلتي.
في الكنيسة, أصرّ القندلفت أنّها بُنيت في القرن التاسع عشر, وأنّ القنصل الروسيّ جاء بنفسه ليحضر حفل تكريس الكنيسة, وتبرَّع من ماله الخاص بثمن الجرس الذي كان واحدا من أوّل الأجراس التي علّقت في لبنان. وروى لي عن الأيقونات وأنّها تعود إلى القرن الثالث عشر, وأنّها تنتمي إلى المدرسة الحمصيّة في رسم الأيقونات, وأشياء لا أتذكَّرها لأنّها لم تكن تعني لي شيئا في ذلك الوقت.
كنت أبحث عن الرَّاهب وعن حكايته. هل صحيح أنّه خرج من (دوما) وقاد عصابة في (الجليل), أم أنّ الحكاية ليست سوى حكاية روتها لي امرأة في مخيَّم (الميّة وميّة) قرب صيدا? هل أبحث فعلاً عن جذور الحكاية الشعبيّة, أم أنّني أريد إقناع صديقي إميل آزاييف أنّ الرَّاهب لم يكن لا ساميا, لأنّنا في بلادنا لا نعرف معنى اللاَّساميّة? وما الفرق? إميل لن يعرف نتائج أبحاثي هذه, والرَّاهب لم يعد موضوعا بعد أن احتُلَّت القدس بأسرها وجرى تسويرها بالمستوطنات الإسرائيليّة, وحكاية الصَّليب الذي كُتِب عليه ما كتب لم تعد تعني شيئا كثيرا بعد أن تجاوز عذابنا نصف المدّة التي تنبّأ بها الرَّاهب. صبرنا خمسين سنة, فلماذا لا نصبر خمسين سنة أخرى ونرى?! لكنّنا لن نرى. بعد خمسين سنة تكون مريم قد ماتت, وأنا أيضا, والذين سيقرأون الحكاية, هذا إذا وجد من يريد قراءتها, سيضحكون من سذاجتي, وسذاجة الرَّاهب, لأنّ نهاية العذاب سوف تأتي عبر المرور بعذابٍ كبير أين منه هذا العذاب, وبعد ذلك لن يكون أحفادنا قادرين على التمتّع بنهاية العذاب.
أعود إلى الحكاية.
ذهبت إلى الكنيسة في (دوما), وهناك استمعت من (القندلفت) إلى حكاية (الأكسرخوس). لم يكن يعلم شيئا عن جرجي الرَّاهب, قال إنّه يذكر وجود (أكسرخوس) من عائلة خيري, وكان اسمه أبانا (جراسيموس). وروى عن الكاهن العائد من إقامته الطَّويلة في دمشق حيث كان مرافقا للبطريرك. قال إنّ الأب (جراسيموس) مات بعد عودته من دمشق بخمس سنوات, وأنّه قضى السنة الأخيرة من حياته وحيدا بعد أن قرّرت زوجته النزول إلى بيروت والإقامة مع ولديها الشَّابّيْن اللّذيْن كانا يدرسان في جامعة القدِّيس يوسف التابعة للآباء اليسوعيّين. بقي الكاهن وحيدا في البيت, ولم يكن يخرج منه إلاَّ للذهاب إلى الكنيسة. فجأة تقوّس ظهره وابيضّت لحيته وصار يمشي مثل سيّدنا البطريرك. (يا ربّ تسامحني, بسّ لو شفته يا أستاذ, صار متل كيف بدّي قلّك, متل ما عم بقول, صار كأنّه هو, كأنّه البطرك بسّ ما كان يحمل عصا. يا ربّ تسامحني, وبعدين الله يرحمه وقع وبرك, وما عاد فيه يمشي, والخورية أجت وزارته يومين, ونزلت على بيروت وتركته, قالت إنّه هو كان بدُّو هيك. ولولا رحمة الله كان تبهدل. تركته وبعد ثلاثة أيَّام مات. مسكين قضى كلّ عمره يخدم البطرك, وبسّ إجا وقته تركوه, بسّ الله كبير. أنا زرته وكان عم بموت. عرفت إنّو عم بموت لأنّو هو قال لي. وبعدين مات وخلصت القصّة).
لم أكن أريد حكاية (الأكسرخوس) أو (جراسيموس) أو لا أدري... كنت أبحث عن الرَّاهب. (القندلفت) أصرّ على أنّه لا وجود لراهب من القرية باسم جرجي.
(أنت بتعرف يا أستاذ, يمكن غيّر اسمه, هنِّي بالسلك بغيِّروا أساميهم, أنا ما بعرف راهب بهالاسم, يمكن لازم تسأل عن اسم تاني).
(شو منعمل?), سألته.
(ما بعرف), قال, (يمكن أحسن حدا بيقدر يفيدك هي زوجة ابن عمّ المحترم).
قلت إنَّني أريد زيارتها.
قادني وسط زقاقٍ شبيهَ بأزقّة المدن, وعلى جانبيه دكاكين مغلقة أو شبه مغلقة, من الواضح أنَّ القرية كانت مدينة أو حاضرة للقرى المحيطة, غير أنّ طابعها المديني بدأ يزول, ولم يبقَ منه شيء يذكّر بذلك الطَّابع سوى الدكاكين ذات الأقواس, والمقهى المكتظّ بالرجال والنراجيل وصوت طاولات الزَّهر.
ذهبنا إلى زوجة ابن عمّ المحترم, لنجد أمامنا امرأة في الثمانين من العمر تبلع ريقها بشكل دائم كأنّها تبتلع زلعومها. قال لي القندلفت إنّها مصابة بنشافٍ في الحنجرة والفم, جاء نتيجة التهاب في فكّيها وأسنانها كاد يودي بها.
كانت أمّ حليم, وهذا اسمها, تعيش وحيدةً في بيتٍ معتمٍ تفوح منه رائحة زيتون متعفِّن. روت عن الكاهن وأجهشت في البكاء.
قالت إنّها تخاف. قالت إنّ الليل يخيفها لأنّه يشبه عباءة سوداء تلفّها, وأنّها أصيبت بشحٍّ في البصر, وصارت ترى كما يرون هناك. وأشارت إلى فوق. فهمت أنّها تقصد الآخرة. لم أسألها كيف عرفت أنّهم يرون كما ترى, فأنا كنت مستعجلاً للوصول إلى حكاية الرَّاهب, ومعرفة الصدى الذي تركه في قريته, وهل تحوّل إلى حكاية هنا, أم أنّ حكايته هاجرت معه إلى فلسطين ولم تبق حيّة إلاَّ في ذاكرة امرأة كهلة تعيش في مخيَّم فلسطينيّ قرب صيدا.
أمّ حليم لم تكن مستعجلة للوصول إلى حكاية الرَّاهب. كان يهمّها أن تخبرني كيف يرى الناس فوق, وأنّها عندما أصيبت بالماء (الزرقاء) في عينيْها قرّرت أن لا تجري عمليّة جراحيّة.
قالت إنّها تعرف بأنَّ العمليّة ليست خطرة ولكنَّها تفضِّل هكذا, ترى كما سترى, (لماذا أعود إلى الوراء), قالت. (الموت قدَّام, وأنا بشوف لقدَّام, بشوف الأبونا سليم, قلت له ما بغيّر اسمه, شو هالاسم (جراسيموس), بكرا إنشالله فكره إنّو هونيك رح سمِّيه (جراسيموس), هونيك رح سمِّيه متل ما بعرفه, سليم. الله يرحمه شو كان آدمي, مات لوحده وما زعج حدا. إيه يا ابني.. هيدي حكايتي حكيتها. حضرتك باعتك سيدنا البطرك, دخلك ليش هيك بيموتوا البطاركة, لَمَّنْ مات أبيفانيوس بعث لي الأبونا سليم ورحت, كان البطرك ميّت وكانوا مقعّدينو على كرسي العرش ومحنّط. وبعدين نزّلوه على الأوضة لتحت. ما حطّوه بقبر, حطّوه بغرفة كبيرة حدّ البطاركة التانيين. أنا فتت لجوّه, يا لطيف, كلّهم محنّطين وقاعدين مع بعضهم على كراسي العرش كأنّهم باجتماع. يا لطيف. كلّهم محنّطين, واحد هرّت نُصّ لحيته, وواحد فاتح تمّه, وواحد أسود متل الفحمة. صلّبت إيدي على وجهي وصرت أبكي. يا دلّي شو بكيت. فكَّروني متأثّرة على البطرك, وأنا كنت عم ببكي من الخوف. متّ من الخوف وصرت أرجف كلّني سوا. أرجف وأبكي, ومن وقتها بلّشِتْ قصّة عيوني).
قلت لها إنّني لم أذهب للتفرُّج على قبر بطاركة إنطاكية وسائر المشرق, فأنا لا يهمّني هذا الموضوع, وشرحت لها أنّني أعدّ أطروحة دكتوراه عن الحكايات الشعبيّة, ورويت ما أعرفه عن الرَّاهب الدوماني. أبدت المرأة استغرابا. ثم أصرّت على القول بأنّ القصة مستحيلة, لأنّه من غير الممكن أن يقوم راهب بنشاطات عسكريّة وسياسيّة أو أن يسرق, وظيفة الرَّاهب أن يصلِّي ويبكي.
(كلّ الرهبان نُصّ عميان), قالت. (الرَّاهب يلِّلي ما بيعمى ما بصير قدِّيس. الرَّاهب لازم يبكي وتعمى عيونه حتَّى يكفّر عن ذنوب الكون كلّه, كيف هيدا راهب, لا ما بعرفه).
كنت أهمّ بالانصراف, والقندلفت ينظر إلى ساعته كأنّني أخّرته عن موعدٍ هامّ, عندما قالت المرأة إنّها تذكّرت. قالت إنّ الأبونا حدّثها عن قريب له لبس الأسكيم الرهباني, لكنّها لا تذكر أنّه حدّثها عن القدس, وأنّها لم ترَ هذا القريب إلا مرّة واحدة, عندما جاء لزيارة عمِّه في (دوما). قالت إنّه كان قصيرا وسمينا وشعر لحيته مبقّع بما يشبه الزيت ورائحته. كانت رائحته مثل رائحة الخنزير, وأنها اعتقدت أنّه من جماعة الرهبان الذين ينذرون عدم الاستحمام طوال حياتهم, وأنّها لم تستطع أن تبقى حيث كان أكثر من خمس دقائق. وأنَّه لم يكن يحكي, بل كان يهمهم. وأنَّه عاش في دير في منطقة الكورة, يدعي (دير مار يوحنا كفتين), وأنّه كان يعيش قرب بئر الدَّير, وكان راعيا للمواشي التي يملكها الدَّير, وأنّه لم يعد إلى زيارة (دوما) مرّة أخرى.
(والقدس?), سألتها.
(والله ما بعرف يا ابني, يمكن من دير مار يوحنا كفتين راح على القدس, أنا ما بعرف).
هذا كان حصاد زيارتي (لدوما).
بدل أن أجمع معلومات عن جرجي الرَّاهب عرفت أنّهم في الآخرة يرون ظلالاً زرقاء كما ترى السيِّدة أمّ حليم, وأنّ مشهد البطاركة المحنّطين في قبرهم أثار فيها الخوف, وأنَّ الخوري سليم أو (جراسيموس) صار في آخر أيَّامه يمشي كما كان يمشي سيِّده, وصار مقعدا مثله, وأنَّ جرجي الرَّاهب الذي أبحث عنه لم يذهب إلى (دير مار سابا) في القدس, بل ذهب إلى (دير مار يوحنَّا) في الكورة. ربَّما من (الكورة) عاد وذهب إلى القدس, لكن لا أحد يعرف.
من أين جاء الخبر في الجريدة? وكيف تحوّل الرَّاهب إلى حكاية? ومن أخبرني الجزء الآخر من الحكاية الذي لم تروِه المرأة الفلسطينيّة?
أسئلة لا أملك جوابا عنها, كلّ ما أعرفه أنّني شممت في قرية (دوما) رائحة تشبه رائحة الحرائق, وأنّ الرَّاهب الذي أبحث عنه لم يكتفِ بحمل صليبه, بل قرّر أن يموت عليه كما فعل سيِّده منذ ألفي سنة, وأنَّ الحكاية التي رويتها لصديقي إميل آزاييف صحيحة, لأنّني مقتنع بها.
لماذا أسمّي إميل صديقي?
لا أدري. هل لأنَّه روى لي حكايته? أَوَكلَّما استمعنا إلى حكاية إنسان نصبح أصدقاءه? هل أنا الآن صديق الجميع وصديق وداد?



[align=center]
تسلميـــــن " رذاذ " عالروايــــة
متابعـــــــــــــة
[/align]
[SIZE=3][FONT=Arial]نَآخـذْ مِنْ الصدمَـآتْ وَ نرميْ ورآنَــا
[COLOR=white]....................[/COLOR] وَ نمشيْ الـطريقْ الـصَعبْ ونقُولْ
[COLOR=red]"[/COLOR][COLOR=dimgray] هآآآنــتْ [/COLOR][COLOR=red]"[/COLOR]
[COLOR=red][COLOR=white].................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=gray]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR]
[COLOR=red][COLOR=white]...................................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=silver]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR][/FONT] [/SIZE]