صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 25

الموضوع: الســـــــــــــــــــيرة العطره

  1. #11
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

     

    فتى هاشم ... (عبد الله)



    لم يكن (عبد الله) بين الذين تقدموا لخطبة (زهرة قريش)
    مع انه الجدير بأن يحظى بيدها دونهم جميعا ..
    فما كان فيهم من يدانيه شرفا ورفعة وفتوة ..

    فهو ابن عبد المطلب بن هاشم
    وفيه العمود والشرف
    ولم يبق لهاشم عقب إلا منه..

    ولم يكن غريبا ألا يبادر (عبد الله) إلى خطبة (آمنة)
    مع المعروف من نذر أبيه .. لينحرنّ أحد بنيه عند الكعبة ..

    ويقول (بودلي) في كتابه الرسول ...

    "كان عبد الله قد اشتهر بالوسامة
    فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحرا وذيوع صيت في مكة
    ويقال أنه لما خطب آمنة بنت وهب
    تحطمت قلوب كثيرات من سيدات مكة"


    وبعد أن نجّى الرحمن .. عبد الله من الذبح ..

    توافدت الأخبار في مكة .. بفداء الشاب الكريم من الموت..

    فسمعت (آمنة) ضجة عالية تقترب من بيت سيد زهرة ..

    إذن.. فقد نجا فتى هاشم ..!

    ما أوسع رحمتك يا رب .. !

    وهمت (آمنة) بأن تسعى للباب ..

    تسأل أبيها القادم .. كيف كانت النجاة ...

    لكنها فوجئت .. بأبيها نفسه .. يقف بباب الدار ..

    مُرحّبا بالوافدين الكرام ..!!
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  2. #12
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نبض انسان مشاهدة المشاركة
    روعه عجبنى
    عليه الصلاه والسلام
    تسلمين نبض انسان
    قلت بنزل حلقات قبل مولد النبي عليه الصلاه والسلام دفعة وحده عقب بنزل الباقي
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  3. #13
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    العرس



    فيم كان مقدم الضيوف يا ترى ؟!!

    لم يطل بآمنة الوقت .. لتعرف الخبر السعيد ..
    فلقد أقبلت عليها أمها (برة) بعد قليل ..
    متهللة الوجه .. مشرقة الأسارير ..
    لتحدثها عن (عبد الله) .. كيف افتدي من النحر ...

    وبينما كانت الأم الكريمة .. تقص على ابنتها تلك الأخبار ...
    راحت تراقب أسارير ابنتها (آمنة) في لهفة ..

    لكن الفتاة ...
    أفلحت في أن تخفي رغبتها .. في معرفة بقية الحديث ..
    وراء قناع من المداراة ..
    بعد أن دلها قلبها .. على أن أمها ما جاءت تقص عليها قصة الفداء ..
    إلا تمهيدا لشأن آخر ..

    وفجأة ..

    يأتي الأب .. (وهب) ..

    ليقول لابنته في رقة وحنو ..

    "إن شيخ بني هاشم قد جاء يطلبك ِ زوجة لفتاه عبد الله"

    ثم عاد لضيوفه ..

    !!!!

    تاركا (آمنة) في شبه ذهول ..
    مالبثت أن أفاقت منه على صوت قلبها .. يخفق عاليا ..
    حتى ليكاد يبلغ مسمع أمها الجالسة إلى جوارها ..

    أ حقا آثرتها السماء بفتى هاشم زوجا ؟!

    ثم توافدن سيدات بني زهرة .. الواحدة تلو الأخرى ..
    مهنئات مباركات ..

    وأحطن بالعروس .. يتحدثن عما ترامى إليهن من تعرض نساءٍ من قريش .. لعبد الله..
    ووقوفهن في طريقه بين الحرم .. وبين دار (وهب)..
    يعرضن أنفسهن عليه عرضا صريحا ..

    وسمعت (آمنة) من حديثهن ذلك عجبا .. !

    سمعت أن بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية
    استوقفت (عبد الله) قريبا من الكعبة ..

    فقالت له .. أين تذهب يا عبد الله ؟!

    قال في إيجاز ... مع أبي ..

    قالت.. لك مثل الإبل التي نُحرت عنك اليوم ..
    إن قبلتَ أن أهب لك نفسي الساعة !

    فرد عليها معتذرا في تلطف .. أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.. !

    وقيل إن (فاطمة بنت مرة) ... وكانت من أجمل النساء وأعفهن
    كما ذكر الطبري وابن الأثير .. كاهنة من خثعم ..
    دعته إلى نكاحها فنظر إليها وقال ..

    أما الحرام فالممات دونه
    والحِلُّ .. لا حل فاستبينه
    فكيف بالأمر الذي تبغينه


    وقيل .. أن ليلى العدوية عرضت نفسها عليه يومئذ..
    فلم يستجب لها ..

    ولانكاد نشك في أن (آمنة) سمعت كثيرا .. وهي على وشك الزفاف ..
    عن تطلع غيرها من القرشيات إلى فتاها المرموق ..
    وأنها تلقت التهنئة الحارة بزواجها من الشاب الهاشمي
    الذي ملأ الاسماع بقصة فداءه ..
    كما ملأ الأعين بسحر فتوته ونضارة حيويته ..

    فأطالت التفكير في فتاها الذي لم يكد يُفتدى من الذبح
    حتى هرع إليها خاطبا ..
    زاهدا في كل أنثى سواها ..
    غير ملقٍ أذنية إلى ما سمع من دواعي الإغراء .. !

    فبدأت تتأمل ..

    هل فكر فيها عبد الله ؟!

    هل عانى وهو صامت ينتظر ؟!

    ولقد كانت قصة الفداء .. أمرا يهز قلوب أهل مكة ..
    تعلقا بالشاب الذي مسّت الشفرة منحره وهو صابر مستسلم لأمر الله ..
    راضٍ بقدره ..
    حتى إذا لم يبق بينه وبين الموت إلا قيد شعرة ..
    أنقذه الله بأغلى فدية عرفها العرب .. !



    ولقد أضيئت المشاعل في شتى أرجاء البلد الحرام الآمن ..
    وحفلت دار الندوة بوجوه قريش وساداتها ..
    وسهرت مسامر البلدة المقدسة .. تسترجع قصة الذبيح الأول .. إسماعيل عليه السلام..
    حين مضى به أبوه إبراهيم .. عليه السلام .. لكي يذبحه طاعة وتعبدا ..
    فافتداه الله بكبش .. بعد أن كان من الموت قاب قوسين أو أدنى ..

    لكن المفتدى هذه المرة .. هو حفيد أصيل من ذرية إسماعيل ..
    التي انتشرت في الأرض وتوارثت مجد الجدود ...

    واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها ..
    كان (عبد الله) اثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على عادة القوم ..

    حتى إذا أشرق اليوم الرابع ..
    سبقها إلى داره ليهيئها لاستقبال الوافدة العزيزة ..

    وتم زف العروس ...



    ولم يكن البيت كبيرا ضخم البناء ..
    لكنه إذا قيس ببيوت مكة يومئذ ..
    عُدّ رحبا مريحا لعروسين يبدآن حياتهما المشتركة ..

    إذ كان كما وصفوه .. ذو درج حجري ..
    يوصل إلى باب يفتح من الشمال ..
    ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو 12 مترا في عرض 6 أمتار ..
    وفي جداره الأيمن باب .. يدخل منه إلى قبة ..
    وفي وسطها مقصورة من الخشب .. أعدت لتكون مخدع للعروس ..

    وترك (عبد الله) عروسه في مخدعها مع رفيقاتها .. من سيدات آل زهرة
    ثم خرج إلى رحبة الدار الواسعة .. حيث الضيوف الكرام ..
    الذين صحبوا العروس إلى بيتها ..

    ومضى القوم .. يباركون العتبة الجديدة التي انتقلت إليها ..
    زهرة قريش ..

    ويدعون للزوجين الكريمين ..

    أعز من عرفت الحجاز .. حسبا ..

    وأعرقهم نسبا ..

    وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

    __________________
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  4. #14
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    البشرى



    عاد الضيوف إلى منازلهم ..

    وهجع الكون .. وسكنت الدنيا ..

    وكان (عبد الله) يحدث (آمنة) .. عما رأى في رحلته إلى كاهنة الحجاز..

    ثم سألته (آمنة) .. هلا حدثتني ياعبد الله عن أولئك النسوة ..
    اللاتي شغلنك في أيامك هذه ؟

    فقال ..
    ما شغلني عنك قط يا آمنة .. ولكنه الذي سمعت ِ من تعرضهن لي ..
    وانصرافي عنهن إليك وحدك ِ .. على أن للقصة بقية لمّا تسمعي بها ..
    حدثت في يومنا هذا .. إذ كنت ُ عائدا من بيت أبيكِ لكي أهيء داري لاستقبالكِ ..
    وشغلتُ بهذا يومي كله .. فلم أكد أحدث أحدا بما كان .. !


    فسألته .. أ خاطبات جديدات ؟!

    قال..
    كلا يا آمنة .. بل زاهدات منصرفات عنه ..
    كأنه لم يكن هو نفسه الذي تعلقن به منذ أيام .. !

    فأومأت له أن يمضي بقصته .

    فقال ..

    أجل يا ابنة وهب ..
    زاهدات في فتاك ِ كأنه أبدل خلقا جديدا ..
    مررتُ بهن اليوم في طريقي بين دار أبيك ودارنا هذه ..
    فأشحن عني بوجوههن معرضات .. !
    إلى حد ٍ أثار عجبي وفضولي لمعرفة سر هذا الإنقلاب..!


    فسألت ُ إحداهن .. وهي بنت نوفل ..

    مالك ِ لاتعرضين علي اليوم .. ما كنت ِ تعرضين علي بالأمس ؟!


    قالت .. فارقك َ النور ُ الذي كان معك بالأمس .. فليس لي بك اليوم حاجة !!!

    واكمل عبد الله القصة ...

    وكذلك أعرضتْ عني (فاطمة بنت مر) .. فقالت ..

    "قد كان ذلك مرة .. فاليوم لا ..
    وإني والله ما أنا بصاحبة ريبة .. ولكني رأيت ُ في وجهك نورا
    فأردتُ أن يكون لي .. فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد ..
    فما صنعتَ بعدي ؟"


    فقلت لها .. زوجني أبي آمنة بنت وهب ..

    فانشدت ..

    لله ما زُهرية ٌ سلبتْ - منكَ الذي استلبتَ وما تدري !

    ثم قالت في تحسر ..

    ولما قضت منه أمينة ما قضت - نبا بصري عنه وكلَّ لساني

    واكمل عبد الله ..

    وسألت ُ ليلى العدوية .. ما صدك ِ عني ؟

    فأجابت ..

    "مررتَ بي وبين العين3 عندك... غرة بيضاء ..
    فدعوتك فأبيتَ علي
    ودخلت على آمنة فذهبتْ بها"


    وراح العروسان .. يفكران في ذلك الموقف الغريب
    الذي وقفته نسوة قريش .. من (عبد الله) ..!

    لكن .. استدركت (آمنة) أمرا .. فسألته .. هلا أعدت علي ما قالته بنت نوفل ؟!

    فقال .. ولماذا تسألين عن بنت نوفل دون سواها؟

    قالت .. ستعرف بعد .. فهلا أعدت لي ما قالت؟

    قال ..
    سألتها مالك ِ لاتعرضين علي اليوم ما كنت ِ عرضتِ علي بالأمس؟
    فأجابت .. فارقك النور الذي كان معك .. فليس لي بك اليوم حاجة ..


    فسكتت (آمنة) لتفكر .. ثم قالت ..

    والله يا ابن العم .. إني لأرى لهذا الأمر ما بعده
    فهذه المرأة أخت (ورقة بن نوفل)
    وهو كما تعلم وأعلم .. قد تنصّر وأتبع الكتب
    وبشّر بأن سيكون في هذه الأمة .. نبي !


    ثم استطردت .. تقول بعد صمت قصير ..

    تراني نسيت أن فاطمة بنت مر ..
    قرأت الكتب كذلك وهي بعد كاهنة خثعم ..


    وسكت العروسان .. وهما يفكران بما يمكن أن يحدث ..
    ثم ناما .. واستيقظت (آمنة) عند الصباح ..
    تحدث فتاها برؤيا عجيبة ..



    إذ رأت كأن شعاعا من النور ينبثق من كيانها اللطيف
    فيضيء الدنيا من حولها ..
    حتى لكأنها ترى به قصور بصرى من أرض الشام ..

    وسمعت هاتفا يهتف بها ...

    إنك ِ قد حَمِلتِ بسيّد هذه الأمة


    ولقد بقي (عبد الله) مع عروسه أياما .. لم يحدد لنا التاريخ عددها ..
    ولكنها عند جمهرة المؤرخين لم تتجاوز عشرة أيام ..
    إذ كان عليه أن يلحق القافلة التجارية المسافرة إلى الشام .. مع قريش ...
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  5. #15
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره



    حانت ساعة الفِراق ...

    فودع (عبد الله) زوجته الحبيبه ....حين أذن المؤذن برحيل القافلة ..
    فتشبثت به (آمنة) .. وقد ساورها هاجس .. من قلق وتوجس ..

    فيربت الزوج الحنو على يدها .. ويقول ..

    لاتحزني .. إن هي بضعة أسابيع .. ثم اعود إليك ِ

    قالت في يأس ... لكن ليالي سفرك طويلة ياعبد الله ...

    فقال ..

    يا آمنة .. أ فنسيت ِ حديث بنت نوفل .. وفاطمة بنت مر .. ورؤيا الأمس القريب ..
    اشغلي نفسكٍ بالرؤى المؤنسة ... وبتلك المبشرات .. حتى أعود ..


    وإذ بلغ (عبد الله) الباب ..
    انفلت مسرعا قبل أن تخونه شجاعته وتغلبه عواطفه



    على حين بقيت (آمنة) واقفة بباب مخدعها الموحش..
    وقد وضعت يداها على قلبها .. تترقب عودته .. حتى من قبل ذهابه ..

    وأدركتها بعد ساعة .. جاريتها (بركة أم أيمن)
    فقادتها برفق إلى فراشها ..
    ثم جلست إلى جانبها ترعاها .. مشفقة عليها مما تلاقي ..

    ومرت أيام وليال ..



    و (آمنة) في فراشها لا تبرحه ..
    تجتر أشجانها وترسل قلبها في أثر الحبيب الراحل ..

    وقد حاول أهلها .. كما حاول (عبد المطلب) .. أن يصرفوها عن وحدتها ..
    حرصا على صحتها ..
    لكنها آثرت العزلة على الأنس بالأهل والصواحب ..
    بل لعلها كرهت أن يفسد أحد عليها هذه العزلة ..
    لما كانت تجده في مسامرة طيف الغائب .. من شجن ٍ وشجوّ ..

    ومضى شهر ... لا جديد فيه ..

    سوى أن (آمنة) شعرت بالبادرة الأولى للحمل ..
    وكان شعورها به رقيقا لطيفا ... ليس كباقي النساء ..

    فقد روى الحافظ ابن سيد الناس من طريق الواقدي بسنده
    إلى وهب بن زمعة عن عمته .. قالت ..

    كنا نسمع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما حملت به أمه ..
    كانت تقول ..

    "ما شعرتُ بأني حامل به
    ولا وجدتُ له ثقلةً كما تجد النساء
    إلا أني أنكرت رفع حيضتي على أنها كانت ربما ترفعني وتعود
    فأتاني آت وأنا بين النوم واليقظة ..
    فقال .. هل شعرت ِ أنكِ حملتِ ؟
    فكأني أقول .. ما أدري ..
    فقال: إنك حملت ِ بسيد هذه الأمة ونبيها ..
    وذلك يوم الاثنين .. فكان ذلك مما يقّن عندي الحمل "


    وعن الزهري .. قال ..
    قالت آمنة ..

    "لقد علقت ُ به فما وجدت مشقة حتى وضعتُه"

    وكانت (آمنة) تود لو طارت بالبشرى إلى (عبد الله) ..
    واستعادت شيئا من إشراقها ..

    وقد هون عليها مرارة الفراق .. أن أكثر أيامه قد تصرمت
    وأن كل يوم يدنيها من اللقاء المنتظر
    ويزيدها يقينا من الحادث السعيد .. الذي ترجو أن تلقى به زوجها ..
    في اللحظة التي يؤوب فيها .. !

    وجاء الشهر الثاني ....!

    ثم مضت قطعة منه ..

    وآن للقافلة أن تعود ..

    فتهيأت الحبيبة الغالية .. للقاء الوشيك ..

    وراحت تعد ما بقي من أيام وليال ..

    وتتمثل زوجها وقد عاد إليها متلهفا .. يحدثها عن رحلته ..

    فهل تراها تستطيع أن تصبر ... فلا تفاجئه ببشرى الحمل ؟!

    أم هل تراها قادرة على أن تكتم عنه .. ماتراه من رؤى وبشريات ؟!

    بهذا شغلت (آمنة) نفسها .. في الفترة التي سبقت عودة القافلة ..

    ثم لما لاحت طلائعها ..
    خفق قلبها ووقفت في ساحة الدار ..
    تنتظر أن يفتح بين آونة وأخرى ..
    وتشرق منه طلعة الحبيب ..

    وطال الانتظار ..

    حتى ساورتها شكوك مبهمة وخوف طاريء
    فتنبهت فجأة إلى غيبة جاريتها (بركة)
    وكانت قد ذهبت منذ شاع خبر قدوم المسافرين ..
    كي تعجل بالبشرى .. إلى سيدتها ..

    ثم سمعت (آمنة) .. ضجيج لقاء جيرانها .. بمسافريهم في الرحلة ..



    فأين عبد الله ؟

    ما الذي أخّره ؟!

    هل هو في الكعبة يطوف ؟!

    أو لعل أباه الشيخ آت في صحبته .. فانتظر أبيه على مهل ؟!

    أو لعلّ ... ولعلّ ..
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  6. #16
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    الغائب الذي لم يأت



    بعد فترة ..

    عاد (الحارث بن عبد المطلب) ... وحده !!!

    عاد .. لينعى أخاه الشاب .. عبد الله .. إلى أبيه الشيخ ..
    وزوجه العروس ..
    وبني هاشم والقرشيين جميعا ....!!

    لقد اختطف الموت (عبد الله) وهو بين أخواله بين بني النجار ..
    أثر رحيل القافلة التي تخلف عنها ..

    ودُفن هناك .. على أرجح الأقوال ..
    ولم يُقبل فيه هذه المرة .. أي فداء ...!!!

    ووجمت (آمنة) للخبر.. وقست عيناها فما تسعفانها ببكاء ..
    وأعفاها ذهولها من الانهيار والتصدع ..
    فلبثت أياما لاتكاد تصدق النعي ..
    حتى إذا تيقنت من الكارثة .. فاضت عبراتها ..

    وحزن عليه (عبد المطلب) وإخوته وأخواته .. حزنا شديدا ..

    ولبست مكة كلها .. ثوب الحداد على فتاها الذي غالته المنون ..

    رحل (عبد الله) .. بعمر .. ثمانية عشر عاما فقط .. !

    وترملت العروس الشابة .. وما يزال في يديها .. خضاب العرس .. !



    وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  7. #17
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    الخوف



    انفضّ المأتم ..

    لكن القوم لم يفرغوا .. من صاحبه الثاوي في لحده ..
    بعيدا عن يثرب ..

    كانوا في حيرة من أمره ..

    ما دام الله قد كتب عليه الموت هكذا سريعا ..
    ففيم كان الفداء .. ؟!!

    ومن كان يظن .. حين نُحرت له الإبل المائة بالحرم ..
    وتُركت لايُصد عنها إنسان ولا سبع ..
    أن المنايا واقفة بالمرصاد للذبيح المفتدى .. على قيد خطوات معدودات ..؟!!!

    وفي مثل هذا ..

    كانت تفكر الغالية (آمنة) ..
    وهي في وحدتها تجتر أحزانها ..
    وتكابد الذي تجد من لوعة المَصاب .. حتى خيف عليها ..

    فتتابع أهلها يحاولون أن يعزوها ..
    وهي تأبى أن تقبل .. في (عبد الله) .. عزاء .. !

    وناشدوها الصبر الجميل ..
    فأنكرت على نفسها الصبر ..
    ووجدت فيه غدرا .. بالحبيب الذي رحل ..

    وأوجس (آل هاشم وزهرة) في نفوسهم خيفة ..
    أن تشتد وطأة الحزن على (آمنة) فتذهب بها ..

    ولبثت (مكة) شهرا .. وبعض شهر ..
    وهي ترقب في قلق .. إلى أين تنتهي الأحزان بالأرملة العروس ...

    حتى كانت ليلة من ليال شوال ..
    أحاط فيها العوّاد بفراش (آمنة) .. وهي في غمرة أحزانها ..
    لاتفتأ تسائل كل وافد ووافدة من أهلها ..

    فيم كان فداءه إذن .. مادام الله قد كتب عليه الموت العاجل ؟!

    وفيم كان العرس الحافل .. ويد القدر تحفر له لحده في يثرب ؟!

    على أنها ... ما لبثت أن أُلهمت في نجواها ..

    "كأني عرفت ُ سر الذي كان ..
    إن عبد الله لم يُفتد من الذبح عبثا .. !
    لقد أمهله الله ريثما يودعني هذا الجنين ..
    الذي أحسست به اللحظة يتقلب في أحشائي ..
    والذي من أجله يجب أن يعيش.."


    ومن تلك اللحظة الحاسمة .. أنزل الله سكينته على (آمنة) ..
    فطوت أحزانها في أعماقها ..
    وبدأت تفكر في ابنها الذي يحيا بها .. ويحييها ..

    وبعد أن انقضت أشهر الحمل .. وحانت وقت الولادة ..
    تسامعت بيوتات مكة بالنبأ السعيد ..
    فتوافدت عقائل قريش على دار عبد الله .. يهنئن آمنة ..
    ويصغين إلى ما كان من بشريات المولد المبارك ..

    وكانت بلاد العرب آنذاك .. تموج بأقوال مرهصة بنبيّ منتظر .
    قد تقارب زمانه ...
    يتحدث بها الأحبار من يهود .. والرهبان من النصارى .. والكهان من العرب ..!

    ولعل العرب لم يلقوا بالا أول الأمر .. إلى هذا الذي ذاع وانتشر..
    غير أننا نطمئن إلى أن (آمنة) ..
    قد ألقت كل بالها إلى تلك المبشرات ..
    فما نسيت قط أن زوجها هو الذي أستأثر من دون شبان قريش ورجالها .. بمجد الفداء ..
    الذي لم يحدث منذ افتدى إسماعيل .. عليه السلام ..

    وقد بقي في مسمعها .. صدى قوي مما ذكرته أخت ورقة بن نوفل ..
    وفاطمة بنت مر .. وكاهنة من خثعم ..
    عن النور الذي انتقل من (عبد الله) إثر زواجه ..
    والغرة التي ذهبت بها (بنت وهب) ..
    فلم تدع لغيرها من النساء في (عبد الله) مأربا ..

    ثم هي قبل هذا كله ..
    سيدة من صميم البيئة الرفيعة الحاكمة في مكة ..
    ومن شأن نساء هذه البيئة .. أن يرنون إلى بعيد ..
    وأن يرجون للأجنة في بطونهن مجدا .. لم يسبق إليه أحد ...!

    وفي يوم من الأيام ..
    جاءها (عبد المطلب) .. يطلب إليها أن تتهيأ للخروج من مكة مع قريش..
    حيث رأى لهم أن يتحرزوا في شعف الجبال والشعاب
    تخوفا من الجيش .. الذي جاء به (إبرهة الحبشي) من اليمن ..

    وكانت (آمنة) .. قد سمعت بقدوم (إبرهة) هذا في جيش عرمرم
    لكنها لم تقدّر أن الأمر قد بلغ من الخطر حدا ..
    يدفع قريشا إلى الخروج من بلدهم الأمين ...
    فسألت (آمنة) ... عبد المطلب ...

    "علمتُ يا عم أن قريشا وكنانة وهذيلا ومن بالحرم من سائر الناس
    قد أجمعوا على قتال الطاغية..
    فما الذي جدّ في الموقف.. حتى يتركوا الكعبة لايقاتلون عنها؟"


    أجاب ..

    "عرفوا ألا طاقة لهم بإبرهة .. فكرهوا معركة غير متكافئة ..
    تذوب فيها قريش أمام العدو .. ثم تؤوب بعار الهزيمة"


    وسكتت (آمنة) برهة ..
    ثم تذكرت ما سمعت عن لقاء ٍ كان ..
    بين شيخ مكة وطاغية الأحباش ..

    فعادت تسأل عما تم في هذ ذاك اللقاء ..

    فأجابها (عبد المطلب) ..

    "أجل كان بيننا لقاء
    سعى إليه إبرهة ولم أسع إليه..
    ذلك أنه حين بلغ مشارف مكة ..
    بعث (حناطة الحميري) وقال له ..
    اسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها
    ثم قل له إن الملك يقول لك.. إني لم آت لحربكم ..
    إنما جئت ُ لهدم هذا البيت ..
    فإن لم تعرضوا دونه بحرب .. فلا حاجة لي بدمائكم ..
    فإن هو لم يُرِد حربي .. فائتني به"


    ثم أكمل الشيخ ..

    "وجاءني حناطة .. فابلغني برسالة إبرهة .. وقلتُ له ..
    والله ما نريد حربه .. وما لنا بذلك من طاقة ..
    هذا بيت الله الحرام .. وبيت خليله إبراهيم عليه السلام..
    فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ..
    وإن يُخلِ بينه وبين إبرهة .. فوالله ما عندنا دفعٌ عنه"
    قال حناطة ..

    "فانطلق معي .. فإنه قد أمرني أن آتيه بك"
    ففعلت ُ .. ومعي بعض أبنائي ..
    وهناك .. مضى بي إلى إبرهة أحد رجاله ..

    فقال له ...

    "أيها الملك .. هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك
    وهو صاحب عير مكة
    وهو يُطعم الناس في السهل .. والوحوش في رؤوس الجبال"

    فأكرمني إبرهة .. أن أجلس دونه ..
    وكأنما كره في الوقت نفسه .. أن تراه الحبشة معي على سرير ملكه ..
    فنزل عن سريره ..
    وجلس على بساطه .. وأجلسني إلى جانبه ..

    ثم قال لترجمانه ..

    "قل له .. ما حاجتك ؟"

    فقلتُ.. حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي..

    فبدا على الملك كأنما صغرتُ عنده .. وخيبتُ ظنه فيّ..

    فقال لترجمانه في جفوة ..

    "قل له .. قد كنت َ أعجبتني حين رأيتك .. ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني ..
    أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك .. وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك لاتكلمني فيه؟

    فقلت على الفور ..

    "إني أنا رب الإبل .. وإن للبيت ربٌ يحميه .."

    فقال إبرهة متفاخرا .." ما كان ليمتنع مني ..!"

    أجبته .. "أنت وذاك" ..

    وكان معي سيد هذيل ..
    فعرض على إبرهة ثلث أموال تهامة .. على أن يرجع ولايهدم البيت ..
    فأبى متكبرا .. وأكتفى بأن أمر برد إبلي إليّ ..

    وانصرفنا .. فحدثتُ قريشا بالخبر .. وأمرتهم بالخروج من مكة ..
    ثم قمت ُ وأخذتُ بحلقة باب الكعبة ..
    وقام معي نفر من قريش .. يدعون الله ..
    ويستنصرونه على إبرهة وجنده ..

    وقلت ُ ..

    إلاهُمّ (اللهم) إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
    جروا وجموع بلادهم .. والفيلَ .. كي يسبوا عيالك
    إن كنت َ تاركهم وكعبتنا .. فأمرٌ ما بدا لك ؟
    يارب .. لا أرجو لهم سواكا
    يارب .. فامنع منهم حِماكا
    إن عدو البيت ِ من عاداكا
    امنعهمو أن يخربوا فناكا ..


    فرددت آمنة من بعده ... يارب .. لاأرجو لهم سواكا ..

    وودعها الشيخ وخرج ..
    على أن يبعث إليها في غد .. من يصحبها في خروجها ..
    لتلحق بالجمع الراحل ..

    وبقيت آمنة.. مختلية بنفسها .. تفكر في الجنين الغالي ..
    الذي قاربت أن تضعه ..
    فعز عليها أن تلده بعيدا عن البلد الحرام ..
    وفي غير دار أبيه عبد الله ...

    وكان هذا الخاطر يقلق مضجعها .. ويسهر ليلتها ..
    لكنها أوت إلى فراشها .. وما يتخلى عنها إيمانها ..
    بأن الله مانع بيته ..
    ومتى كان للطاغين والجبابرة على البلد الحرام .. سبيل ؟!

    نامت (آمنة) مطمئنة .. حتى انبلج الصبح ..
    وهي تتمنى ألا تبرح مكانها من جوار الحرم ..
    إلى أن يقضي الله أمره ..

    وارتفعت شمس الضحى .. دون أن يأتي من قومها أحد ..!!

    ثم مضى النهار إلا أقله .. وهي في عجب .. !

    لِمَ لم يبعث عبد المطلب رسوله إليها؟

    وفيم هذا الصمت المريب الذي يخيم على أحياء مكة..
    كأنما قد أمسك كل حي فيها أنفاسه؟!

    ثم تناهى إليها من بعيد .. من أقصى الجنوب..
    ضجيج مبهم مختلط ..
    لاتكاد تميزه .. أ هتافٌ هو ودعاء .. أم صراخ وعويل ؟!

    إلا أن وراء ذلك كله أمرا ..
    وأقامت السيدة (آمنة) تترقب ..
    حتى إذا آذنت الشمس بمغي ..
    جاءتها الرسل من قومها تسعى .. لا لتطلب إليها الخروج إلى شغف الجبال..
    ولكن لتبشرها بالنجاة ..

    فقالوا لها ..
    إن (أبرهة) كان قد تهيأ لدخول البلد الحرام ..
    وهيأ فيله وعبّى جيشه مجمعا لهدم البيت العتيق ..
    ثم الانصراف لى اليمن ..
    فلما وجهوا الفيل من معسكره في ظاهر البلدة من ناحية الجنوب..
    برك .. وأبى أن يتحرك ..
    فضربوه في رأسه بآلة من حديد ..
    ثم أدخلوا محاجن لهم في أسفل بطنه ..
    وهو بارك لايقوم ..
    فوجهوه راجعا إلى اليمن .. فقام يهرول ..
    ووجهوه نحو الشام .. ففعل مثل ذلك ..
    ووجهوه إلى المشرق .. فتهيأ للانطلاق ..
    ولما عادوا يوجهونه نحومكة .. برك .. !

    ثم كان أن سلط الله نقمته على أصحاب الفيل
    فانتشر فيهم فجأة وباء مهلك ..
    رمتهم بجراثيمه طير أبابيل .. فجعلتهم كعصف مأكول ..
    وجُنّوا من خوف ورعب ..



    فولوا مدبرين يبتدرون الطريق الذي جاءوا ..
    ويسألون عن (نفيل بن حبيب الخثعمي)..
    وكان قد خرج مع قومه لقتالهم حين مروا بأرض خثعم ..
    فلما أسره أبرهة ..
    افتدى نفسه بأن يكون دليل الحبشان بأرض العرب ..

    فما كان نفيل يسمع صياحهم وضراعتهم ..
    حتى رد عليهم بأعلى صوته ..

    أين المفر والإله الطالبُ ؟
    والأشرم المغلوب ليس الغالبُ !


    ونُسب إليه قول ..

    وكل القوم ِ يسأل عن نفيلٍ
    كأن عليّ للحبشان ِ ديْنا !


    فخرجوا يتساقطون بكل طريق
    ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ..
    وأبرهة معهم ينتثر جسمه وتسقط أنامله أنملة أنملة ..

    ولم تكن أرض ارب قد شهدت الحصبة والجدري..
    قبل ذاك العام المشهود ...

    وأقبلت قريش على كعبتها المقدسة تطيف بها حامدة شاكرة
    وتجاوبت أرجاء البلد الأمين بدعوات المصلين .. وأناشيد الشعراء ..

    وبلغت الأصداء مسمع الحبيبة (آمنة)..
    فقامت تصلي وقد أشرق وجهها بنور اليقين والإيمان..
    وأحست بغبطة غامرة أن استجاب الله لدعائها ..
    فلم يكتب لولدها (ابن عبد الله) الولادة بعيدا عن البلد الحرام ..
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  8. #18
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    الوليد



    لم تكُ إلا فترة قصيرة المدى بعد يوم الفيل
    حتى ذاعت بشرى المولد ..
    حدد قوم هذه الفترة بخمسين يوما .. وهو الأكثر والأشهر ..

    وكانت الرؤى قد عاودت (آمنة).. في صدر ليلة مقمرة من ليالي ربيع ..
    وسمعت من يهتف بها من جديد .. أنها توشك أن تضع سيد هذه الأمة ..
    ويأمرها أن تقول حين تضعه ..

    "أعيذه بالواحد من شر كل حاسد"


    ثم تسميه .... "محمدا"..

    وجاءها المخاض في أوان السحر من ليلة الاثنين
    وهي وحيدة في منزلها ليس معها أحد سوى جاريتها ..
    فأحست ما يشبه الخوف ..
    لكنها ما لبثت أن شعرت بنور يغمر دنياها ..

    ثم بدا لها كأن جمعا من النساء يحطن بمضجعها ويحنون عليها ..
    فحسبتهن من بنات هاشم ..
    وعجبت كيف علمن بأمرها وما أخبرت به من أحد
    غير أنها أدركت على الفور .. أن هؤلاء اللواتي حسبتهن من نساء البيت الهاشمي ..
    لسن سوى أطياف سارية ..
    وخيل إليها أن من بينهن ..
    "مريم ابنة عمران .. وآسية امرأة فرعون .. وهاجر أم إسماعيل" !

    ولقد زايلها كل ما كانت تحسه من خوف..
    فتجلدت للحظة الحاسمة ..
    وما كاد نور الفجر ينبثق .. حتى كانت قد وضعت وليدها ..
    كما تضع كل أنثى من البشر ..

    وتقول (أم عثمان بن أبي العاص)..

    "فما من شيء أنظر إليه من البيت إلا نوّر ..
    وإني لأنظر إلى النجوم تدنو مني
    حتى إني لأقول .. لتقعنّ عليّ"


    وحسبنا أنه ..

    ولد الهدى فالكائنات ُ ضياءُ - وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ
    الروح ُ والملأ الملائكُ حوله ُ - للدين والدينا به بشراء ُ
    والعرش يزهو والحظيرة تزدهي - والمنتهى والدرةُ العصماءُ


    وتوارت الأطياف النورانية السارية
    حين لم تعد (آمنة) وحدها ..
    كان ولدها إلى جانبها يملأ الدنيا حولها نورا وأنسا وجمالا..
    ومضت ترنو إلى طلعته البهية وكيانه اللطيف المشرق ..
    وتذكر به الحبيب الذي أودعها إياه .. ثم رحل ..

    ولما انبلج الصبح ..
    كان أول ما فعلته الوالدة .. أن أرسلت إلى (عبد المطلب)..
    تبشره بمولد حفيده ..
    فأقبل مسرعا ..
    وانحنى في حنو على الوليد .. يملأ منه نظره ..
    وقد ألقى كل سمعه إلى (آمنة)..
    وهي تحدثه عما رأت وسمعت حين الوضع ...

    ثم حمل حفيده العزيز بين ذراعيه في رفق ..
    وانطلق خارجا حتى أتى الكعبة ..
    فقام يدعو الله ويشكر له أن وهبه ولدا .. من ابنه الفقيد الغالي ..

    وكان يردد ..

    الحمد لله الذي أعطاني
    هذا الغلام الطيب الأردان ِ
    قد ساد في المهد ِ على الغلمان ِ
    أعيذه بالبيت ذي الأركان ِ
    حتى أراه بالغ البنيانِ
    أعيذه من شر ذي شنآنِ
    من حاسد مضطرب العنان ِ


    ثم رده إلى أمه
    وعاد لينحر الذبائح
    ويطعم أهل الحرم وسباع الطير ووحش الفلاة ..
    وكانت مكة حين ذاعت فيها بشرى المولد ..
    ما زالت تحتفل بما أتاح الله لها من نصر على أصحاب الفيل ..
    فرأى القوم في مولد "محمد" ..آية تذكر بأخرى ..
    يوم اختير أبوه للنحر .. ثم افتدي بالإبل المائة ..

    وبلغ من غبطة البيت الهاشمي بالمولود العزيز ..
    أن (ثوبية الأسلمية) جارية عمه (عبد العزى بن عبد المطلب)
    الملقب .. بـ أبي لهب ..
    لم تكد توافي سيدها ببشرى المولد .. حتى اعتقها .. !
    ولو قد كشف له الحجاب عن الغد المغيب ..
    لروعته رؤية دوره في الحرب الدامية..
    التي قدر لقريش أن تصلاها بعد أربعين عاما ..
    عندما جاءها الهاشمي اليتيم .. برسالة الإسلام ..

    ونختم هذه المداخلة بقصة ..
    حين أعطى كفار قريش الشاعر حسان بن ثابت مبلغاً من المال وذلك قبل إسلامه
    ليهجوَ النبي صلى الله عليه و سلم...

    فوقف حسان على ربوة..
    ينتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي..
    لينظر إلى صفةٍ من صفاته فيهجوه بها

    و مرّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم

    فلما رأه حسان رجع إلى قريش فرد لهم المال..

    و قال هذا ... مالكم ليس لي فيه حاجه..
    و أما هذا الذي أردتم أن أهجوهُ
    اللهم إني أشهدك أني أشهد أنه رسول الله..!


    فقالوا... ما دهاك ما لهذا أرسالناك

    فأجابهم بقوله :

    لما رأيتٌ أنواره سطعت - وضعتٌ من خيفتي كفي على بصري
    خوفاً على بصري من حسن صورته - فلست أنظره إلا على قدري
    روحٌ من النور في جسم من القمر - كحليةٍ نسجت من الأنجم الزهر


    وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

    __________________
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  9. #19
    عضو ذهبى الصورة الرمزية الكتووومة
    تاريخ التسجيل
    12 - 5 - 2009
    الدولة
    rak
    المشاركات
    1,962
    معدل تقييم المستوى
    121

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    الرضيع المبارك



    أحست السيدة (آمنة) بعد أن وضعت وليدها
    أن الشطر الاهم من رسالتها قد انتهى .. بمولد ابنها المبشّر بأنه سيد الأنام ..
    كما انتهت رسالة أبيه (عبد الله) .. منذ أن أودعه جنينا في أحشاءها ..
    فأسلمت نفسها من جديد لأشجان الذكرى ..
    إلى حد أثر في صحتها ..
    وإن لم يُفض بها إلى التلف.. أو قريب منه ..

    ذلك أن جزءا من رسالتها لم ينته بعد ..
    فما يزال عليها أن ترعى ولدها حتى يبلغ معها السعي ..
    فتحدثه عن أبيه .. ثم تصحبه إلى يثرب ..
    حيث يزوران قبر فقيدهما الغالي ..

    وأقبلت الأم على صغيرها ترضعه ...
    لكن لبن (آمنة) جفّ بعد أيام .. وقد يكون ذلك لما أصابها من الحزن ..
    الذي لم يكن لينتهي من نبع فؤادها ..

    ثم لم تمض إلا أيام معدودات ..
    حتى وفدت المراضع من بني سعد بن بكر .. يعرضن خدماتهن..
    على نساء الطبقة الموسرة من قريش ..

    فعُرض عليهن (محمد بن عبد الله) ..
    فتركوه لكونه يتيما ..
    مؤثرات عليه أطفال الأحياء ممن يرجى منهم الخير الوافر ..
    وكانت من هؤلاء المرضعات .. السيدة (حليمة السعدية) ...

    إذ خرجت (حليمة) من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه..
    في نسوة من بني سعد بن بكر .. وكانت سنة شهباء لم تبق لهم شيئا ..
    وكان معهم ناقة مسنة ليس لها لبن ..
    دون أن يناموا ليلتهم بسبب الجوع ..

    ولما وصلوا إلى مكة ..
    لم تبق امرأة قدمت معها إلا وأخذت رضيعا .. إلا (حليمة)
    فلما أوشكت على الرحيل ..
    قالت لزوجها ..

    "والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا
    والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه"


    فقال زوجها ..

    "لاعليك أن تفعلي .. عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة"

    فذهبت (حليمة) إلى الرضيع (محمد) فأخذته..
    فلما وضعته في حجرها .. بدأ اللبن يدر منها ..
    فشرب (محمد) حتى روي .. وشرب معه أخوه حتى روي..
    ثم ناما ..

    وقام بعدها زوج (حليمة) إلى تلك الناقة المسنة
    فوجدها مليئة باللبن ..
    فحلب منها ما شرب .. وشربت (حليمة)..
    فباتوا بخير ليلة ..

    فقال زوجها لها في الصباح ..

    "تعلمي والله يا حليمة .. لقد أخذتِ نسمة مباركة!"

    قالت ...

    "والله إني لأرجو ذلك .. "

    ثم خرجت (حليمة) وركبت الحمار الهزيل الذي أتت به ..
    وحملت (محمدا) معها ..
    فسبقت حمير صويحباتها .. فقلن لها ..

    "يا ابنة أبي ذؤيب .. ويحكِ !
    أليست هذه أتانك التي كنتِ خرجتِ عليها؟"


    قالت ..

    "بلى والله إنها لهي هي"

    فيقلن ..

    "والله إن لها لشأنا ..!"

    ثم وصلت (حليمة) وعائلتها منزلها في بلاد بني سعد ..
    وما تعلم أرضا من أرض الله أجدب منها ..
    فكانت غنم (حليمة) شباعا لبنا ..
    فتحلب العائلة وتشرب .. ولايحلب إنسان غيرهم قطرة لبن ..
    حتى كان الحاضرون من القوم يقولون لرعيانهم ..

    "ويلكم .. اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب!"

    فتروح أغنامهم جياعا وتأتي جياعا ..
    وتروح أغنام (حليمة) جياعا .. وتعود شباعا لبنا .. !

    فلم تزل (حليمة) وعائلتها تتعرف من الله الزيادة والخير ..
    حتى مضى على ذلك عامين ..

    ثم آن الأوان ..
    فعادت (حليمة) بالطفل إلى أمه .. آمنة .. التي كانت في شوق إليه ..

    لكن (آمنة) .. فوجئت بـ (حليمة) تقول لها ..

    "لو تركتِ بُنيّ عندي حتى يغلظ.. فإني أخشى عليه وباء مكة"

    فأنكرت الأم الحنون ما سمعت ..
    ونظرت إلى (حليمة) نظرة عتاب ...
    فكيف خطر لها أن (آمنة) تستطيع أن تفارقه للمرة الثانية ..
    وهو فلذة كبدها ونور عينيها وأنس دنياها ؟!

    لكن (حليمة) لم تيأس .. ولم تتراجع ..
    بل ألحت في أخذ الصبي ...
    متوسلة إلى والدته ..
    ومؤكدة لها أن من الخير لولدها أن يظل بعيدا عن مكة..
    وأن يعود معها فيسرح في البادية ملء الصحة والانطلاق .. !

    وعادت الأم تنظر إلى ابنها ..
    فتراه حقا قد أينع في جو البادية النقي الطليق..
    وحملها قلبها النابض بالإيثار .. على مزيد من الاحتمال والتصبر ..
    في سبيل ما تعلم حقا أنه انفع لولدها .. وأفضل..

    فودعت (آمنة) ولدها للمرة الثانية ..

    وانطلقت به (حليمة) راجعة إلى مراعي بني سعد
    والدنيا لا تكاد تسعها من فرط غبطتها وفرحها ..
    إذ كانت شديدة الحرص على مكثه فيهم .. لما رأوه من بركته ..

    لكن لم تمض إلا بضعة أشهر ..
    حتى عادت (حليمة) من تلقاء نفسها بالصبي المبارك إلى أمه..
    وهي بادية القلق ..

    فسألتها (آمنة)...

    "ما أقدمك به يا ظئرُ وقد كنتِ حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟"

    قالت (حليمة)..

    "قد بلغ الله بابني .. وقضيتُ الذي علي..
    وتخوفت الأحداث عليه .. فأديته إليك كما تحبين"


    لكن جوابها .. لم يقنع (آمنة) ..
    فسألتها مرة ثانية عن صحة الخبر ..

    فقالت (حليمة)..

    "فوالله انه بعد مقدمنا به بأشهر ..
    وكان مع أخيه بالرضاعة لفي بهم لنا خلف بيوتنا
    إذ أتانا أخوه يشتد .. فقال لي ولأبيه ..
    ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض
    فأضجعاه .. فشقا بطنه .. فهما يسوطانه..
    فخرجتُ أنا وأبوه نحوه .. فوجدناه قائما ممتقعا وجهه
    فقلنا له .. مالك يا بني ؟
    قال.. جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني..
    فالتمسا شيئا لا أدري ما هو ..
    فرجعنا به إلى خبائنا ..
    وقال لي أبوه .. ياحليمة .. لقد خشيتُ أن يكون الغلام قد أصيب..
    فألحقيه باهله قبل أن يظهر ذلك به ..
    فاحتملناه فقدمنا به .. والله إنا لا نرده إلا على جدع أنفنا"


    وأصغت الأم (آمنة) إلى القصة .. دون أن يبدي عليها بادرة خوف أو قلق..
    حتى فرغت (حليمة) من حديثها ..

    فقالت لها (آمنة).. أ فتخوفتِ الشيطان؟

    أجابت (حليمة).. نعم ..

    قالت (آمنة)..

    كلا والله .. ما للشيطان عليه من سبيل ..
    وإن لبنيّ لشأنا.. أ فلا أخبرك خبره؟


    فوافقت (حليمة) وكلها آذان صاغية ..

    فحدثتها (آمنة) بما رأت وسمعت .. حين حملت به ..
    ثم قالت لها ..

    "دعيه عنك وانطلقي راشدة"

    فتذكرت (حليمة) شيئا مهما كان قد غاب عنها..

    قالت ..

    "الآن فهمت ما لم أفهمه من قبل ..
    ذلك أن نفرا من نصارى الحبشة رأوا ابني محمدا معي..
    حين رجعتُ به بعد فطامه ..
    فنظروا إليه وسألوني عنه ..
    وفحصوه مليا ثم قالوا .. لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا..
    فإن له شأنا نحن أدرى به وأعرف..
    فاختطفته منهم .. وقد هاجني ذلك على رده إليك ِ..
    وهممت أن أفعل ..
    لولا أن مضارب بني سعد كانت أقرب إلي منك ِ
    ولم أشعر بالاطمئنان حتى دخلتُ به إلى الحِمى"


    ثم استعادت (حليمة) ذكرى بعيدة .. كانت قد نسيتها لطول المدى ..
    فقالت ..

    "وأذكر كذلك يوم انطلقت بولدي محمد من مكة لأول مرة
    فمر بي اليهود فسألتهم .. ألا تحدثوني عن ابني هذا ؟
    وسردت ُ لهم ما لقيت من بركته ..
    فما راعني إلا ان قال بعضهم لبعض .. اقتلوه !
    ثم سألوني .. أ يتيمٌ هو ؟
    قلت وأنا أشير إلى زوجي: لا هذا أبوه وأنا أمه ..
    فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه !


    ولكن .. لأن الله غالبٌ على أمره ..
    كانت إرادته .. أن يحمي الرضيع هذا تحديدا .... من كل سوء ..

    وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
    اذا كنت تصدق كل ما تقرأ.....لا تقرأ

  10. #20
    مشرفة نبض الوطن الصورة الرمزية نبض انسان
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2011
    الدولة
    فوق البيــــــت
    المشاركات
    36,428
    معدل تقييم المستوى
    1553

    رد: الســـــــــــــــــــيرة العطره

    بارك الله فيج اختى روعه عن جد طريقه السرد
    [flash=http://download.mrkzy.com/e/1912_md_13374412136.swf]WIDTH=400HEIGHT=350[/flash]


ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •