نبلاء رغماً عن أنوفنا
كانت أمي تصر على ظهورنا أمام الضيوف بمظهر النبلاء والأرستقراطيين: نأكل ببطء، ونأكل قليلاً، ولا نمد أيدينا إلى ما مُتعوا هم به.
لذلك كنا ننتظر بفارغ الصبر إطلاق إشارة تنظيف المائدة، لنملأ الصواني بالأطباق الملأى بالطعام، فأمي واسعة العينين كانت تطبخ للضيف الواحد ما يكفي لعشرة، وللعشرة ما يكفي للمئة. ونبدأ نحن الأشقاء الأربعة في الانتقام من الطعام وهو فوق رؤوسنا على الصواني في طريقنا من مجلس الضيوف إلى المطبخ.
كل واحد يحمل صينية على رأسه، وأثناء ذلك يضع يده عشوائياً ويلتقط أي شيء: سمبوسة، فطيرة، قطعة لحم، كل واحد وحظه وما قدّره الله له. ثم يضع ما ساقه إليه القدر في فمه مباشرة محاولاً بلعه قبل الوصول إلى المطبخ حيث أمي وأخواتي بانتظارنا، أو يدسّه في جيب كندورته، ولا يهم أن تتلطخ الكندورة بالزيت، فالصابون كثير ولله الحمد. وفي بعض الأحيان كنا نضع الصينية على الأرض في الطريق بين المجلس والمطبخ، ونلتهم ما صغر حجمه ولذّ طعمه.
بعد وصول الصواني إلى المطبخ، كانت أمي تسمح لنا بفرش سفرة وتناول بقايا الطعام أو بالأحرى الطعام الزائد والكثير، أو نضع الصواني على طاولات المطبخ ونأكل منها ونحن واقفون.
وشتّان بين مَن يأكل قاعداً بمعدة مضغوطة مثل آلة الأكورديون الموسيقية، لا يمكن أن تستوعب الكثير من الطعام، وبين مَن يأكل واقفاً بمعدة مشدودة إلى الأسفل مثل بالوعة لا نهاية لها. وشتّان بين مَن يأكل ليسد جوعه، وبين مَن يأكل انتقاماً من اللحظات التي كان يصارع فيها نفسه ويأكل ببطء، وكمية قليلة، وبمنتهى الأدب والزهد والنُبل.
تروى في أسرتنا قصص للنُبل الإجباري، منها قصة إحدى شقيقاتي وكانت طفلة حين اصطحبتها أمي لزيارة أحد معارفنا. فبعد تبادل السلام والقبلات، قدمت المستضيفة فاكهة وحلوى، وأخذت تلحُّ على أمي بأن تتناول شيئاً وتعطي الصغيرة ما تشتهي. أعطت أمي موزة واحدة لشقيقتي وأخذت هي برتقالة وراحت تقشّرها ببطء.
لكن شقيقتي أخذت تشير إلى طبق حلوى عمانية وتطلب من أمي أن تأكل منها، بينما أمي تداري غضبها وتقرص أختي لتسكتها لئلا تمرّغ كرامة الأسرة في الأرض وتجلب لنا العار دنيا وآخرة.
وكلما تحدثت أمي في موضوع، قاطعتها المستضيفة وألحّت عليها لتعطي بعض الحلوى لشقيقتي التي لم تكن تكلّ ولا تملّ من الإشارة. هكذا بقي الثلاثة في شدّ وجذب: أختي تشير إلى الحلوى، وأمي تقرصها، والمستضيفة تلح. في طريق العودة بشّرت أمي شقيقتي بأنها ستشتري لها حلوى تكفيها أبد الدهر.
وفعلاً اشترت علبة ومشت معها شقيقتي وهي تقفز من الفرحة ومن حنان أمي الذي غمرها كأنه موجة عاتية مفاجأة.
في البيت وضعت أمي العلبة أمام أختي ومنعت البقية من مشاركتها، فأكلت أختي بسعادة غير مصدقة ما يحصل.
بعد أن أتت على ربع العلبة وشبعت وحمدت الله ربّ العالمين، وصلّت على رسوله وآله وصحبه أجمعين، همّت بالوقوف لكنها حصلت على ضربة موجعة على ظهرها من يد أمي، قالت لها: لن تقومي من مكانك إلا والعلبة فارغة تماماً يا حيوانة.
اضطرت أختي إلى أكل كل الحلوى بدموعها وضربات أمي.
هكذا كانت أمي تعلمنا الأخلاق الحميدة أمام المائدة، وأخلاق النبلاء أمام الضيوف والمستضيفين، لدرجة أن أختي كرهت الحلوى ولم تذقها منذ ذلك اليوم، حتى بعد أن أصبحت جدة عجوز.





رد مع اقتباس




