صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3
النتائج 21 إلى 25 من 25

الموضوع: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪

  1. #21
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪

     

    [align=center]- 1 -

    لا هذا الليل أنا
    ولا ذاك النهار أنتِ
    كلّ سيمضي إلى منفاه
    مثل شجرة رمان خاصمها الربيع.
    لم يكن شتاء، ولا كان ربيعاً. فصل ما: خرّت السحابة البيضاء خلف السور، وكانت قُبّرةٌ بلون الرمل تتكىء على نهاية عمود صغير مدبب عند الرأس، وتضرب بمنقارها الذي بلون الديرم على السلك الشائك المكهرب، رفعت القبّرة جسدها قليلاً فوق السور، مصطفقة الجناحين، ثم عادت إلى مطرحها، وطفقت تنود لفترة وجيزة، ومدت رقبتها باتجاهي، حتى خلتُ أنها تريد مساررتي بشيء ما.
    كنت مبتلاً بالمطر الصحراوي المفاجىء »عادت السحابة بيضاء بعد أن نفضت ريشها الداكن فوق المكان« بينما بقيت القبّرة منفردة تنظف ساقيها ومفارق أصابعها من وضر المطر الصحراوي.
    قبّرة بحجم قلب مراهق دَيْرَمَتْ منقارها »كانت مثل عروس تخرج من الحمام توَّاً« ولم تمهلني لحظات قليلة لاستقصاء تاريخها، بيد أني أعرف هذا السور وتاريخي »هل للفتيان المراهقين تاريخ؟« ومع ذلك لم يكن تاريخي سوى مكتبة متنقلة، وحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة لا تتخلى عن الله، وكان هذا كله يحدث في الرأس، أحلام: ترى بماذا تحلم القبّرة الآونة؟ ولماذا عليّ - أنا فقط - مواجهة قبّرة لا تعرف سوى الطيران بين فسحات السور، منطلقة من الغدير، بينما السحابة البيضاء، »كانت غيمة غير ولود« ارتفعت بعيداً، في قلب السماء النائية عن السور، مفردة جناحين أرجوانيين، مثل قبّرة لا تعرف إلا حرية الطيران.
    تعثرتُ بأطماري وكيس من الدفاتر التي دونت فيها تاريخ السور »نعم تاريخي هو تاريخ السور« بينما أخذ السور يتقدم نحوي، مهيباً مثل طائر الرُّخ ففزعت إلى القبّرة أشاكيها:
    تعالي أيتها المفتونة بالطيران، المتديرمة بحناء أول أيام العيد، نتبادل المواقع ونتقايض الأدوار، أنت أنا، وأنا القبّرة، بي شوق إلى أن أسقط خلف هذا السور لتذروني الرياح مثل أزهار شجرة تفاح أو رمان خاصمها الربيع.
    قالت القبّرة:
    أنت لا تطلب مستحيلاًً، هيا... افرد جناحيك »مثلي هكذا« وعندها ستطير.
    توهمت أنَّ لديَّ أكثر من جناحين، حاولت الطيران، لكن ساقيّ انشدتا إلى الأرض.
    عندها سمعت القبّرة تصيح عليّ:
    أيها الطيني المنذور للعدالة، المحكوم عليك بنعمة الابتلاء...
    أنت تحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة، ولا تتخلى عن الله، لكنك نسيت معاينة هذه الطيور التي في مملكة الله!
    من أين - إذن - يتأتى لي مجاورة الحكمة، إذا لم أكن، من قبل، قد فكرت في حكمة القبّرة؟



    - 2 -

    هذا النهار أنتِ
    وذاك الليل أنا
    سنمضي معاً، مثل قبّرة بساقين سليمتين يوحدنا الموت بعد أن فرقتنا الحياة.
    شتاء. شتاء جديد، فصل دافىء أورقني شجيرة حناء على قوس بحيرة ميسان، ومثل هزار ارتوى من جاني التين، أسكرتني نهايات الفجر »لماذا ينتهي الفجر يا عذابي؟« عندما طلعت الشمس، كرة برتقالية من أفق البحيرة: نصف برتقالة فوق البحر، والنصف الثاني هو أنا، لا لم أكن أحلم، اكتملت مملكتي، ولم يكن ثمة أي سور »إلا ذكرى الحجل الذي ما تزال آثاره في خاصرتي« كما لم تكن هناك قبّرات بينما اصطخبت النوارس، ولبطت الاسماك الصغيرة دافعة أفواهاً حُمراً دقيقة إلى سطح الماء.
    فجأة تعالت الشمس البرتقالية فوق الأفق، امرأة محناة اليدين بخضاب قهوائي، تلمع شفتاها بالديرم الأرجواني، فعرفت أنني اكتملت وانكشفت، فنادتني شجيرة الحناء:
    أيها »الحوار« الصغير الأعمى.. أية حظيرة تليق بك؟
    كانت هي زينب.


    10- نيسان


    - 1 -

    شقوتي في حبي وهجراني
    في محبتك لا مفرّ منك
    وفي هجرانك لا فرار إلا إليك
    أنت الذي اصطفيتني لنفسك
    فلمَ تطيل أمد قبضتي؟
    يا معاشر العشاق:
    أنا شاهنشاه العُصاة
    لكن التي تحبني وأهجرها
    تراني سيد الشهداء
    من ذاك الذي سطا على ماضيَّ: العائلة.. السلطة.. مارتوف، أم نخلة خرَّت على دجلة، فسقطت مع طلّيعها إلى ماء يغتسل فيه الشرف، وتسبح فوق سطحه جنوبيات تحنَّين بالدم واغتسلن بالفضيلة؟
    يا شبابي:
    يا أيام الصهد وعواصف الرمل والحجرات المظلمة.. الأسلاك الشائكة والانهداد في آخر الليل متوسداً خاصرة جواد نفق تواً، صخب الحانات وافتقاد الصداقة.. القبلة الأولى وانتحاب المنابر... القراءات الغجرية والرضع يموتون بعد التهليلة الأولى..
    من صادرك: نيزان، فوشيه، الجيلاني، رابعة، أم طاووس النساء: زينب؟


    - 2 -

    نخلةٌ توضأت بالعود ومالت إلى النهر
    وصلَّتْ »ركعتين للعشق«
    أبعد من كل الآفاق
    فضيلة ما بعد الحب
    عين ولام وياء الاسم
    تلك هي: زينب
    هَجَرْتُ الطريق، فاختارتني الطريقة
    أودى بي الطريق إلى السوق والخان والمؤسسة، بينما قادتني الطريقة إلى قارعة نفسي: الوحشة، حيث أنا صورته، وزينب صورته، وحيث شاهدني الشاهدُ والمشاهد.
    نعم، أنا الجمل الأجرب منبوذاً من القافلة، لكن رغائي لا تسمعه سوى العصافير الحمر النجائب.
    نعم، أنا المريض الميؤوس من شفائه كما تقولون: لكن علتي لن تبريها سوى زينب: سمراء ميسان.
    نعم، قفر هذا الطريق،
    والطريقة سيدة الفراديس.. زينب.

    * *

    خلع عليّ الملكُ تاجه
    والسلطان ناولني صولجانه
    لم أشكرهما
    قلت للملك: أتعرف كم تاجاً طوته الغبراء؟
    وقلت للسلطان: لك الصولجان ولي قلبي.
    بعد هذا وجهت وجهي إلى فاطر السماوات والأرضين، وقلت:
    سبحانك ما أعظم شأنك.
    فترجّع الصدى:
    سبحانك ما أعظم شأنك.


    14 – رجب

    * البتول في القيلولة *

    مرمدة مدلاة فوق الأفق الغربي.
    وتحت الرماد روحي جمرة صفراء فاقع لونها/ تستقي زيتها منها/ هي تستحم في محطة من عينك، عينك التي حجابها سيف بابلي/ فلماذا أيتها الجميلة وهبتني رطلاً من كافور وحفنة من حنطة ونصف أوقية من زبيب وجوز، فلم يبق في ملكوت روحك إلا مرديّ من رحمة/ وهذا أنا زندي موسوم باسمك، وتحت ثديي الأيسر بقية من خضابك/ وبين عينيّ نجمة زيت، ولبان ومرّ، وخاتم استدار على سبابتك ذات مساء.
    يا جميلات ميسان وفارعات الخليج:
    اطلعن إلى حافات قلبي/ من دلمون والوصل/ من الحيرة وداس/ من جبيل وجميرا/ من الدوحة والطائف/ من الماجدية والخرّان/ من الصحراء والحضر/ من اليابسة والبحر/ من باطن الآبار وماء أعذاق النخيل/ من المكتبات المنسية ونزهات العشاق/ من الرماد والجمر/ من المكاحل وهفهفة النفانيف/ لأن التي تهواها نفسي وترغب بها روحي/ استفاقت الآن من رقدة القيلولة/ ووقفت في حوش قلبها نوراً يستضاء به ومرديّاً من رحمة.

    * الخضر *

    بين مسافي ودبا، أوقفني الخضر.
    وقال:
    أيها المنذور للمحبة/ المحنّى بطين الفراتين/ المعترك مع نفسه/ المزنّر بسبعة أقواس من لهب/ الغريب حتى بين أهله/ السائح العابد التائب وسط فساد السوق/ المنجذب والمجذوب/ المقفل على نفسك كل الأبواب إلا بابه هُوْ/ الغارق في فتر ماء والعوّام في بحر الظلمات/ من أين احتطبت كل هذا الصبر لتصل إلى هذه القمة؟
    لم أحر جواباً.
    فهذا أمير العشاق يسأل عن حال من يجهل حاله، ويتحرى أمر من استوحش الطريق وقلة الصحب والزاد، ويعاين مهزولاً لم يبق منه سوى قلب، قلب بحجم عين حوار.
    غير أني بعد أن حمدت الله وأثنيت عليه وصلّيت على محمد وآله وصحبه، رأيتني مَرْمَدة مدلاّة فوق الأفق الغربي، ثم خرجت روحي، جمرة كروية صفراء فاقع لونها.
    وقلت:
    يا عم
    البتول التي شعر رأسها حتى حجليها
    الطالعة كسفينة من غمار أدخنة بحر دلمون
    المانحة للظل السكينة كما شجرة لوز في الحيرة
    الفاتنة كما رازقية باذخة في مساء ميسان
    الصابرة مثل »غويفة« في بحر رمل
    يا عم
    تلك البتول التي تآخت مع الفضيلة، مرت الآونة من هنا.
    وعند هذا الموقف تخشب لساني داخل فمي، وتجمدت دموعي عند مآقي عينيّ، وارتجفت ساقاي، ولم أعد أسمع دقات قلبي، وغادرني تنفسي، وانطبقت عليّ السماء والأرض
    ولم يبق لدي إلا سمعي
    وسمعت الخضر يصيح:
    يا رؤوس الجبال
    أنت أيها البحر، وأنت يا صحراء
    يا برق يا رعد يا عواصف
    يا كل الطير والشجر والحجر والهوام
    أشهدكم جميعاً، أنا راشد الخضر
    أن هذا الفتى روح البتول.

    * جدائل البتول في ميسان *

    في ذلك المساء الماطر افتقدت جسدي.
    هذا أنا أبدو للمعاين عبر زجاج حائط المطعم الخشبي، مثل مَرْمَدةِ عُرفاء بين نخلتين بصراويتين، بينما نفسي تحت الرماد الذرّي المتماسك، تبدو لقلبي مثل جمرة صفراء فاقع لونها، أضيئت فسحة من ظلام أبيد يتأبى أن يسترشد بالنور.
    تجلس نفسي إلى طاولة خشب مستديرة.
    ثمة قدح وماء، قصاصات ورق تنتظر مشروعاً مؤجلاً منذ أربع عشرة سنة، لا بل أحقاب.
    أنا هو ذلك المشروع المؤجل.
    وإذ تقابلني سنوات العمر، وتبدأ إحداها بتلاوة سورة الإخلاص، يعود جسدي إلى نفسي، ألملم أوراقي، وأغادر المكان.
    مطر، مطر سماوي تستقبله اليابسة والأشجار والناس، ومطر داخل روحي، أتنزه بكليتي تحت المطر، ثمة رايات وجنود، جنود بسيوف من فضة وعمائم من حرير، جنود بدروع من عقيق وأحزمة من لهب، جنود مجندون لمنازلة الدجال، جنود مجتبون ليوم من أيام الله.

    أرتصف مع الكتيبة النورانية، فتظلني رايات سود من كل حدب وصوب، بينما الشمس تنهض فوق مغربها، كرة صفراء فاقع لونها، ترسل إلى الكتيبة أحزمة ضوء مبصرة، مثل جدائل تلك البتول التي اختارت النور مقاماً. جدائل تمطر نوراً.. تلك هي زينب وليست مرمدة!



    تجليات

    وقف سعدون المجنون على حلقة ذي النون المصري في الفسطاط فسأله: يا ذا النون...متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟
    فقال ذو النون: إذا اطَّلع الخبير على الضمير، فلم ير في الضمير إلا الخبير.
    قال الراوي: حلَّ علينا رجل من بابل، يبدو عليه الوقار وَسَمْتُ الأحبار، فأفردنا له مجلساً، ذات يوم جمعة، بعد صلاة الجمعة، على شاطىء نهر الكرخة.
    تحدث البابلي طويلاً عن بلده وأهله، وأنشد شعراً يحكي قصة مليكهم جلجامش الذي ذهب يبحث عن سر الخلود في بلاد الأرز.
    قال الراوي: وكان المجنون حينها، منتصب الأذنين، يتابع باهتمام ما يرويه البابلي، وما إن وصل ضيفنا إلى ذكر جلجامش، حتى هبَّ المجنون منادياً: انكيدو.. انكيدو..
    قال الراوي: وبينما نحن ننظر متعجبين إلى ضيفنا البابلي، أخذ المجنون بأطراف دشداشته وأنشد يقول:



    كانت في النية

    عند السور
    امرأة
    أم طيف
    تدهن نهديها
    بالكافور
    وروح الصيف
    عند السور
    طيفٌ
    امرأة حبلى
    تدهن نهديها
    بالكافور وروح الصيف
    وتناجي الربّ
    عند السور
    امرأةٌ
    بابلُ هي
    وروح الرب

    * *

    عند السور
    امرأة
    في النية
    يا امرأةً في النية
    لم يخلقها إلا الله
    عند السور
    امرأة،
    لم يعرفها
    إلا هو
    يا هُوْ:
    يا الأسماء الحسنى
    وقدس الأقداس
    هبني امرأتي
    التي
    في النية.
    هبني امرأةً
    هي مجدك
    كانت في النية
    قبل أن يتشكل
    هذا الكون
    في النية


    * *

    يا امرأة في النية
    عند السور
    سبيَّة
    لست أُخيَّة هارون
    ولست المجدلية
    سوسنة العرش
    أنت؟
    أم روح نبيَّة؟
    كعبتي أنت
    مصلاّي و»تربتي«
    وأول حلم الله
    قبل أن يوجِد الله
    هذي البرية
    يا امرأة كنت أردتها
    قبل أن يتشكل
    هذا الكون
    في الذات العلية


    وحي


    أوحى إليّ الله
    أن عينيك
    فردوسي وناري
    وأنك
    مكتبتي وداري
    وقال لي
    - إذ رآني أبوس باطن كفيك -
    يا فتى:
    هذي نعمتي إليك
    فتقدم من نعمتي ولا تداري
    وخذ ما تشاء من رحمتي
    ولا تداري
    وحدي - يا مناي -
    آخر السكارى
    أقودك إلى المسجد
    قلبي
    آخر المحاريب
    فادخلي بسلام
    دار السلام
    قلبي: الكعبة الأولى
    فصُّ عقيق
    إني أصلّي
    - بين يديك -
    لفاطرك
    فسبحان شفتيك



    صبوة

    أشتهيك.
    كما أنت. كما كنت
    امرأة
    أو جدولاً يلتقي نهراً
    أو نهراً يصل بحراً
    وبحراً.
    أشتهيك
    كما كنت. كما أنت
    امرأة
    وبحراً.
    اشتهاك الله
    فخلقك
    وبعث بك إليّ
    أحببتك
    فأهديتك
    إلى الله
    يا صاحب الجلالة!
    هذي محبتك
    ردَّتْ إليَّ.
    سبحانه..
    ما أعظمه،
    أفاض على نفسه
    فسوَّاك
    وصلّى عليّ
    سبحانه ما أعظمه
    سوَّاك
    وصلّى علينا
    ثم سوَّاك
    وصلّى على عباده الصالحين
    أنا الأعمى والمجنون
    أنا السكران
    أشتهي بابلية تقودني
    إلى السور
    وحدي..
    أرفع العرش
    وحدي
    أحرس المسجد
    وحدي
    أصلّي على زينب.


    صلاة.. فوق العرش

    - 1 -

    أجلسني على عرشه
    وقال: تمنَّ
    قلت: أنت وهي
    زينب المحبة
    وأنت الحبيب
    وأنا - بينكما - المعذب


    - 2 -

    لقد أغلقت أسيجة حدائقي
    وأقفلت أبواب قلبي
    وها أنا وحدي
    أواجه وحدتي
    إذن لم يبق - يا مناي -
    إلا إياي مع إياي
    ولم تبق إلا صورتي
    في المرآة
    وأنت صورتي التي في المرآة


    - 3 -


    رباه..!
    لأنني أحبك
    لا أقبل غيري
    في شراكة محبتك
    رباه..
    ما سجدتُ لغيرك
    فكيف أسجد لغيرك؟
    إن غفرت لي فأنت الرحيم
    وإن عاقبتني فلأنت العدل


    - 4 -

    ومن هي روحي؟
    وهذا البوح، لِمَ يأتي في هذه اللحظة؟
    ألأني ثمل،
    أم لأنني ألبس التاج؟
    رباه..
    يا من قَسَّمت الرحمة
    على نفسك،
    وأقسمت بالرحمة
    على نفسك
    لماذا بقيت روحي عزلاء
    وفوق رأسي تاج ملكوتك؟


    - 5 -

    يا روحي:
    لماذا أهيم بك
    وهذا التاج فوق رأسي؟



    سبحانيات

    في الصباح..
    ومع بداية المساء
    وكما أقف أمام الله
    خمس مرات في اليوم..
    يتوجه قلبي إليك
    متوسلاً قلبكِ
    ورحمتك الوسيعة
    لقد دعوت »الروح«
    إلى سفرة العشاء
    فاختار الجلوس بين يدي
    ولم يكن أحدٌ
    على يساري أو يميني
    لأنك غائبة عن هذا المكان
    في الفجر
    يوماً بعد يوم
    يُقرِئني اللهُ السلامَ
    لكنني أرجوه دوماً
    أن يُرسل سلامه إليكِ،
    إليكِ فقط.
    تضطربُ الأشجارُ
    عندما تلامس جذورها الأرضَ
    وتفرح قيعان المحيطات
    بصمتها.
    أنا - وحدي - الفَرِحُ بك
    حاضرةً وغائبة:
    في حضورك أقبّل باطن كفيك
    وفي غيابك
    يُطهرني عطرُ أصابعك
    استويتُ لا أتذكرك
    لفرط ما أتذكرك
    كلٌّ له أمل
    وحلم.
    كلّ له امرأة وحبيبة
    أو عشيقة
    كلّ له حياته وموته
    أنتِ وحدكِ
    روحي الأخرى
    طريق جلجلتي
    وزلزالي الذي لن يهدأ
    ليسَ عجباً
    أننا التقينا
    قبل أن نولد
    ابسطي كفكِ
    ها أنا خط المصير
    في راحة كفك اليسرى
    تكتمي عليّ كما تشائين
    لا فرق عندي
    بين المعالنة والتستر
    فأنا الفضيحة
    عندما أحب.
    ولأنني صرت
    الفضيحة
    بعدما أحببتك!
    لو أنني
    رقيتُ سُلّماً إلى جبهتك
    فرأيت عينيك
    ولمست خديك
    وعاينت علامات قيامتي في نحرك
    فإني..
    سأهبط ثم سأهبط
    حتى ألامس قدميك
    ومثل صرخة الرضيع الأولى
    سأصرخ:
    أحبك
    لا تغسلوني بالماء
    ولا تطهروا ثيابي بالكافور
    لا تدلكوا شفتي بأوراق السدر،
    أبعدوني عن هذا كله
    وخذوني إلى صدر زينب
    لنا يومان
    يوم لك
    ويومنا الثاني
    هديتي إليك
    في لغتي
    كلمتان:
    أولاهما أنت
    والثانية أنت


    محراب


    تزهر أشجار الشوق
    في بساتين قلبي
    لأنك مسجد صغير
    في قلبي
    وأنا المحراب
    سلام عليك
    تزيَّني.
    سلامي عليك
    تزيَّني وادخلي بسلام
    محراب قلبي.
    أخفُّ من ريشة
    أجمل من زهرة
    أكبر من البحر
    أوسع من السماء
    تلك هي زينب
    ماذا أبقيتِ لي فيَّ
    بعد أن أخذتني
    مني إليك؟
    سلامٌ عليّ
    يوم وَلدتُ
    ويوم عرفتكِ
    ويوم أموتُ بين ذراعيك
    سلام علينا
    يوم نبعثُ من جديد
    توأمين
    مثل زهرتين
    جاورتا العرش
    من عليائه
    نظر إليَّ الله
    فرآني أقبل يديك
    استحيا - سبحانه-
    وجلس ينظر إلى نفسه
    فرآنا قبالته
    لا تخافي
    فلا شيء سواك
    هنا أو هناك
    لا شيء سواك.
    لماذا أنت
    حلوة كخمرة العنب؟
    لماذا أنت
    جميلة
    كعاصفة في دمي؟
    لماذا أنت
    ألذ من الخمرة
    وأجمل من العاصفة؟
    لماذا أنت
    خُلقت كما أنت؟
    [/align]

  2. #22
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]في الحضرة

    يبدو لنا أن طيران العصافير في النهار بلا هدف، إلا أن العصافير في المساء تبدو كأنها وجدت لنفسها مقصداً، فهي تطير صوب مقصدٍ معين. وهكذا، ربما، في مساء الحياة..


    (ألبير كامو)


    قال الراوي:
    رأينا المجنون - في أحد أيام شهر تموز - يدخل سوق القماشين، وقد بدا في حبور وسرور، ثم توقف قليلاً عند دكان يعرض عباءات وشالات نسائية.
    فجأة وقع المجنون على الأرض جثة هامدة.
    تجمع السابلة من الرجال حوله، لكن النسوة تجنبن الوقوف عنده، إلا زينب... فقد دنت منه وأسرَّت في أذنه بضع كلمات.
    وما هي إلا هنيهات، حتى استفاق المجنون، فجلس متربعاً والعرق يتفصد من جبهته، وقال: زارتني الحبيبة قبل لُحيظات، وقالت: صفني.
    وقف المجنون على قدميه، وأنشأ يقول:


    في حضرة البتول

    كُنْتِ
    قبل الماء
    وأنتِ
    سوسنة الكون بعد الماء
    وأنت
    روحي الأولى
    وقصيدتي المؤجلة


    * *

    لَسْتِ ليلى
    ولن تكوني بثينة،
    أنتِ
    كلمة لم يطلقها أحد
    أنتِ
    أهديت السماء لونها
    وأنت
    سفينة نجاة الأمم
    إلى الله

    * *
    في صباي
    كتبت اسمكِ على جدار المدرسة
    في شبابي
    كنت حلمي بين البنات
    في كهولتي
    أنت حلمي وخبزي الكفاف
    وفي شيخوختي
    أنت ريحانة الدنيا

    * *

    لقد خُلِقْتُ مرّتين:
    الأولى بـ »كن«
    والثانية بين شفتيك

    * *

    تمنّى الليل
    أن يكون بعضاً
    من كحل عينيك
    وعندما حلم بك النهار
    كنت ضياءه


    * *

    ذات أصيل
    مَرَرْتِ في خاطرالربيع
    فاستحيا من نفسه
    لأن الأزهار تعلقت بأذيال نفنوفك
    والأرض تنفست تحت قدميك

    * *

    والخريف - نسيت أن أخبرك -
    ينسى اصفراره
    عندما تجاورين أشجاره


    * *

    أنا المنفيّ عن وطني والناس
    أيقظني الملاك المخلّص
    عندما تمتم بحرفين
    من اسْمكِ
    اسمكِ:
    أملٌ وحلمٌ وارتقابٌ
    وكل الحنين
    اسمُكِ:
    حِرزٌ يحرس بابل
    اسمكِ:
    دعاء الحزانى في ميسان
    ونخلة فرعاء في جلفار
    وأنت
    التين والزيتون
    وباسمك
    يأمن البلد الأمين

    * *

    للزاهد صومعته
    للنواسي خمرته
    لجميل فتنة بثينة
    مثلما لقيس فراق ليلى
    وللناس - كل الناس - الفراديس المرتجاة
    أنت وحدك
    فردوسي

    * *

    غَيْري سيعرض عليكِ
    قصوراً ورياشاً
    سواي سيقول فيك شعراً
    أنا...أهديك
    مكحلة أمي
    واسمي »الحزبي«.
    قال الراوي:
    خرجت البتول من خيمتها ذات صباح مسفرة عن وجه نوراني، وقامة هي عمود من نور إلهي، وقالت تحدث نفسها لتسمعها المخلوقات والعناصر:
    - اليوم اكتملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
    سمعت الرويح ما قالت البتول، وكذلك البشر والمخلوقات الناطقة والعجماء، الجبال والمياه والنار، الجن وسكان العوالم السفلى، النمل والهوام والطير، السماوات والأرضون..
    كانت خيمة البتول على منحدر في مواجهة النهر، تحيطها الأزهار، وتطير في فضائها الطيور، تحرسها سباع الأرض وحيّات المياه والرمال،
    وكانت وفود البشر والجن والطير والدواب والماء والنار والجبال، تتجه إلى الخيمة حيث البتول أسفرت كشمس الربيع.
    وحده، انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ينظر منه إلى البتول، ويستمع إلى حديث الكائنات.
    ا

    الأمم في حضرة البتول


    عربٌ
    بَدوٌ، حَضَرٌ، وأعراب
    أبناء عدنان وقحطان
    عَرَبٌ من كنانة
    آخرون من طيِّئْ ولام وكَعْبْ
    أناخوا حمر النعم حول خيمتك
    بَدْوٌ من نجد
    بَدْوٌ ملثمون من إفريقيا
    بَدْوٌ من سوريا ومصر
    والعراق
    عرافون من سِنَّار وشعراء من مَرَوِي
    حَضَرٌ سومريون وأشوريون
    عَرَبٌ من رؤوس الجبال
    ومزون
    حَضَرٌ من تطوان حتى جلفار
    بَدْوٌ وحَضَرٌ قال قائلهم:
    هذي هدايانا لبتول النساء
    هدايانا،
    أسلحتنا، حجول نسائنا،
    كتبنا الأولى ومرّ عمان،
    هدايانا،
    نياقنا والصافنات،
    أشعارنا وحرف الضاد
    وها نحن بين يديك
    نقول: أسلمنا
    قال الراوي:
    قالت البتول:
    اليوم أكملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني
    قال الراوي: منفرداً وحيداً، حيث انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ارتقى صخرة تطل على النهر وخيمة البتول، وأنشد يقول:
    وحدي..
    بعيداً عن قوافل البدو والحضر
    أناديك باسمك
    وأتعبدك
    الكعبة
    هاجرت مرتين
    الأولى اليك
    والأخيرة اليك
    وصيّتي:
    احفظيني فَصّآً
    في محبسك
    للناس مواقيتهم
    قلبك وحده
    ميقاتي
    أخذ »ابن صيفي« بيدي
    وقال: يا ولدي
    دُلّني على بتول العرب؟
    قلت: لمَ.. يا أبه؟
    قال: لأرى نور الله في عينيها
    ولأحدث عنها الأمم
    في صحراء الطّف
    وحدي رأيتك
    تعيدين رأس الحسين
    إلى جسده
    في حضرتك ينساني الكلام
    تهجرني الأبجدية
    بيد أنك - يا صنو روحي -
    آخر الأرصفة.
    قال الراوي: أصبحنا ذات يوم - والملك كلّه لله - على صباح ما ألفناه. وجدنا »المجنون« وقد نصب خيمة قصاد دار »البتول« خيمة خلقة، بباب واحد، جلس »المجنون« يطيّر طيّارة من قرطاس، فوق دار »البتول« وعندما لم تساعدها الرياح سقطت، فوجدنا هذه السطور مكتوبة على ورقها:


    قلب في طيّارة من ورق


    * معجزة *

    عقب أن ولدتني أمي بساعة..
    مُتُّ
    قالت: دعوه في مهده ولا تدفنوه
    مرّ يوم وأسبوع وشهر
    مرّت سنة، تبعتها عشر
    ثم عشر عجاف وعشر سمان،
    وكان
    جسدي الرضيع في المهد مزهراً
    مثل نار لم تنس ذاكرتها
    وكما حدث ليعقوب
    حَدَثَ أن مررتِ جوار مهدي
    ألقيت بمنديلك عليْ
    فَعُدْتُ للحياة... كهلاً

    * أحجية *
    هي امرأة تختصر كل النساء
    واسم رددته قبلي الملايين
    الأرض قرطاس بيانها
    الماء مداد يراعها
    وقلبي الدواة


    * قسم *
    والحُبِّ
    والصُّبْحِ وما رأى
    ما ضرّني
    إن كنت شاعراً
    أو مجنونك الأخير؟


    * حلول *
    يا عين الاسم
    لم يبقَ إلاّ إيّانا
    بعد أن باركنا ياؤه

    * حنوط *
    ترابُ خَطوكِ حَنوطي
    يا أصغَرْ الأمهات
    يا أميّ
    يا.....


    * وصية *

    لا تخذليني..
    أقولها للمرة الألف
    وقبل أن يهيلوا عليّ التراب
    أنا آخِرُ البكائين في حضرتك
    وأنا ضجيج
    آخر حرفين من اسمك


    * مقارنة *
    ما أكثر الحور العين في غيابك
    وما أقلهن
    في حضورك.


    قال الراوي: »وفي يوم تالٍ أصبحنا - والملك كلّه لله - فرأينا المجنون عائداً إلى حيث دار »البتول« بعد أن دمّر الرعاع خيمته. كان يرْتدي دشداشة بيضاء نظيفة، وحول وَسطِهِ حِزامٌ من جلد سمك القِرْش، حاسر الرأس، حافي القدمين. وقف المجنون طويلاً قصاد بوابة دارة »البتول« دون أن يطلق نأمة، وبعدها سقط مغشياً عليه، عند ذلك هجم عليه نفر من الرعاع وسرق أحدهم حزامه، لكن أحد عقلاء الحي، استرد الحزام، وعرضه بعد يومين على جلاّسه، وعندما تملينا الحزام جيداً وجدنا هذه الأسطر على أحد وجهي الحزام..«.





    لحظات من الساعة الخامسة والعشرين
    في يوم من أيام المجنون



    1


    ا لهنائي!
    جنة المأوى والغُرفة
    بين يديكِ،
    بينما الفراديس تتبع خطاك
    يا لهنائي!
    حدث هذا، لأن الله أراد أن تكوني
    أجمل من يوسف، وأرقَّ من الرحمة
    حدث هذا لأنَّ الله استجاب لدعائي
    فالتفت إليك


    - 2 -

    رأى يوسف أحد عشر كوكباً
    والشمسَ والقمرَ
    له ساجدين
    عندما حباني الله بمنزلة العبودية
    رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً
    والشمس والقمر، ومثلها أضعافاً
    صافنة في حضرتك
    تُسبّحُ لله الذي فطرَك، وجاد عليك بنور منه، هو صبغتك التي في قلبك
    وإذ كنتُ أقترب منكِ، رأيت تلك الكواكب والشموس تدنو ثم تدنو منك، لتستوي حبات لؤلؤ في راحة كفك اليمنى، أخذت أجمعها لؤلؤة إثر أخرى حتى صارت عقداً
    عند ذلك زنّرت جيدَك بالعقد
    آه...يا جميلات الكون!
    آه...أيتها الحور العين.
    ها هي الجميلة، مشرقة كما الكوكب الدريّ، توقد بابتسامتها كواكب الفراديس، وتنير بالتفاتة من جيدها أرواح الغابات وقلوب الجبال وأعماق المحيطات.
    آه...أيتها الجميلات!
    ما أجمل حبيبتي


    - 3 -

    أيتها الحبيبة!
    عندما كان الصّمْتُ أنتِ، تَحَدَثْتِ إليّ طويلاً، في لغةٍ غير لغةِ البشر، عن العشّاق المهابيل، والشعراء المجانين، والقلوب التي صارت حبَّاً خالصاً.
    إذ ذاك، كنت أنا الصمت، فلم ينطق لساني بحرف، لأنني رأيتُ اللّه في عينيك.
    حينها خرَّ كلانا ساجديْن لله، شكراً وضراعة وخشية.
    يا مولاي العظيم!
    ما أجمل الصمت.
    لأنه حبيبتي.


    - 4 -

    ارتحلتْ ليلى إليكِ، وتبعتها فَرَحْ
    أنتِ، وحدكِ، الواقفة عند السدرة، أصفى من بحيرةٍ صامتةٍ، بل إنّكِ الصمتُ.
    قُلت لليلى: ماذا بعد التبتل؟
    وقلت لفرح: الآن.. استويت أقرب إلى الصمت.
    وكنتُ، جوارك عند السدرةِ، أرقبُ صعود الجميلتين إلى قلبك، وقلبي الصغير الذي مثل قبضة كفّ رضيع، كان يحاور قلبك الصغير الذي مثل رحيق زهرة بنفسج. توقفنا نحن الثلاثة: القلوب الثلاثة، قلبي وقلب ليلى وقلب فرح، نرقب صمتكِ، بينما زهرة البنفسج تُدخلنا في إهابها، لنصير صمتاً
    آه... أيها الصمت
    ما أجملك... لأنك فيضٌ من حبيبتي


    - 5 -

    أيتها الحبيبة!
    ما كان ليدي أن تتحرك، إلاّ لأنها صافحت يدك
    وما كان لعيني أن تبصر الأشياء إلاّ لأنها بعضٌ من كحلِ عينيك
    ما كان للساني أن يكون »ترجمان الأشواق« إلا لأنه سمع منك الآفاق التي هي أكثر بعداً من الأشواق
    وما كان لقلبي أن يكون معبداً، إلا لأن نقطة من دم قلبك، امتزجت بنقطة من دم قلبي.
    ما كان لهذا الفقير الذي يخاطبك بهذه الجسارة، أن يعاف ثروة قارون، إلاّ لأنه اكتفى بهمسة منكِ
    يا إلهي العظيم... تقدست أسماؤك الحسنى
    ما أكبر نعماءَك
    لأن الحبيبة، أهدتني..
    لحظة من صمتها..



    فواصل الرضا والهجر


    ما أشدَّ تلفي!
    في القربِ يُبعدني الامتثالُ
    وفي البعد تدنيني المحبّةُ
    ما أشدَّ تلفي
    وَحدي مَعي
    وَحْدي.. زرعتُ قلبي في أصيصِ القُرب
    وارتحلتُ إلى مجرات الهجران
    ما أشدَّ تلفي:
    وحْدي.. أحْمِلُني
    إلى أين الامتثالَ
    ما أشد تلفي:
    وحدي.. أمضي إليّ
    تنعاني العواصفُ
    وترثيني المجراتُ
    أيّها الأحباءُ
    ما أشدّ تلفي:
    وُلِدْتُ فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
    بين أينٍ وأيْن:
    المسجدُ، وزاويةٌ في جُلفار


    2 -

    يُناديكِ..
    بيتٌ في ميسان
    أو عريش في الهُور
    يفتديكِ..
    بيتٌ في جُلفار
    أو كهف في رؤوس الجبال
    يشتاقُ إليكِ..
    بيتٌ في الخانِ
    أو معتزلٌ في الخُوْر
    يَتضرَّعُ إليكَ..
    قصر الرمل في عجمان
    أو دربٌ في الذيد
    ما أشدّ تلفي:
    ولدتُ، فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
    بين أينٍ وأينْ:
    قلبكِ وزاويةٌ في جُلفار


    - 3 -

    قَبِلْتُكِ
    فَرَعَفَتْ روحي، مثل شجرةِ سدر مجروحة،
    في غفلةٍ من حراس الفضيلة.
    قَبِلْتُكِ..
    فوَجَدْتُني نخلةً يتيمةً، بعيداً عن غدران
    الفراديس
    َبِلْتُكِ
    فباركتُ نفسي، ورضيتُ لها مقامها الذي
    في الميقات
    قَبِلْتُكِ..
    في نقطة الرضا
    وخط الهجران
    قَبِلْتُكِ..
    فقامتْ من رقدتها الأسماء
    قَبِلْتُكِ..
    فَكنتُ الفراغْ



    - 4 -

    لماذا هَجَرَتْ بساتينُ الأكوان مطارحها
    والبحارُ غيرت أسماءها؟
    ولماذا عافت الأرض خزائنها، والأبراجُ بدَّلتْ
    أبعادها؟
    والجبال..لماذا خَشَعَتْ.. وبكتْ؟
    وعندما أشرقتْ روحي على نفسها.. لماذا
    هَجَرَتْني وامتثلتْ لبُعدك؟



    - 5 -

    بين أينٍ وأينْ
    توقظني يقظتي
    ناعساً ومُتّقداً
    مثل زهرةٍ منسية في كتاب



    - 6 -

    أيها العشّاقُ:
    ما أكثر العقلاء
    ما أقل المخابيل



    - 7 -

    ما أشدّ تلفي
    في القرب يُبعدني الامتثال
    وفي البعد تُدنيني المحبة![/align]


  3. #23
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]في الحضرة

    يبدو لنا أن طيران العصافير في النهار بلا هدف، إلا أن العصافير في المساء تبدو كأنها وجدت لنفسها مقصداً، فهي تطير صوب مقصدٍ معين. وهكذا، ربما، في مساء الحياة..


    (ألبير كامو)


    قال الراوي:
    رأينا المجنون - في أحد أيام شهر تموز - يدخل سوق القماشين، وقد بدا في حبور وسرور، ثم توقف قليلاً عند دكان يعرض عباءات وشالات نسائية.
    فجأة وقع المجنون على الأرض جثة هامدة.
    تجمع السابلة من الرجال حوله، لكن النسوة تجنبن الوقوف عنده، إلا زينب... فقد دنت منه وأسرَّت في أذنه بضع كلمات.
    وما هي إلا هنيهات، حتى استفاق المجنون، فجلس متربعاً والعرق يتفصد من جبهته، وقال: زارتني الحبيبة قبل لُحيظات، وقالت: صفني.
    وقف المجنون على قدميه، وأنشأ يقول:


    في حضرة البتول

    كُنْتِ
    قبل الماء
    وأنتِ
    سوسنة الكون بعد الماء
    وأنت
    روحي الأولى
    وقصيدتي المؤجلة


    * *

    لَسْتِ ليلى
    ولن تكوني بثينة،
    أنتِ
    كلمة لم يطلقها أحد
    أنتِ
    أهديت السماء لونها
    وأنت
    سفينة نجاة الأمم
    إلى الله

    * *
    في صباي
    كتبت اسمكِ على جدار المدرسة
    في شبابي
    كنت حلمي بين البنات
    في كهولتي
    أنت حلمي وخبزي الكفاف
    وفي شيخوختي
    أنت ريحانة الدنيا

    * *

    لقد خُلِقْتُ مرّتين:
    الأولى بـ »كن«
    والثانية بين شفتيك

    * *

    تمنّى الليل
    أن يكون بعضاً
    من كحل عينيك
    وعندما حلم بك النهار
    كنت ضياءه


    * *

    ذات أصيل
    مَرَرْتِ في خاطرالربيع
    فاستحيا من نفسه
    لأن الأزهار تعلقت بأذيال نفنوفك
    والأرض تنفست تحت قدميك

    * *

    والخريف - نسيت أن أخبرك -
    ينسى اصفراره
    عندما تجاورين أشجاره


    * *

    أنا المنفيّ عن وطني والناس
    أيقظني الملاك المخلّص
    عندما تمتم بحرفين
    من اسْمكِ
    اسمكِ:
    أملٌ وحلمٌ وارتقابٌ
    وكل الحنين
    اسمُكِ:
    حِرزٌ يحرس بابل
    اسمكِ:
    دعاء الحزانى في ميسان
    ونخلة فرعاء في جلفار
    وأنت
    التين والزيتون
    وباسمك
    يأمن البلد الأمين

    * *

    للزاهد صومعته
    للنواسي خمرته
    لجميل فتنة بثينة
    مثلما لقيس فراق ليلى
    وللناس - كل الناس - الفراديس المرتجاة
    أنت وحدك
    فردوسي

    * *

    غَيْري سيعرض عليكِ
    قصوراً ورياشاً
    سواي سيقول فيك شعراً
    أنا...أهديك
    مكحلة أمي
    واسمي »الحزبي«.
    قال الراوي:
    خرجت البتول من خيمتها ذات صباح مسفرة عن وجه نوراني، وقامة هي عمود من نور إلهي، وقالت تحدث نفسها لتسمعها المخلوقات والعناصر:
    - اليوم اكتملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
    سمعت الرويح ما قالت البتول، وكذلك البشر والمخلوقات الناطقة والعجماء، الجبال والمياه والنار، الجن وسكان العوالم السفلى، النمل والهوام والطير، السماوات والأرضون..
    كانت خيمة البتول على منحدر في مواجهة النهر، تحيطها الأزهار، وتطير في فضائها الطيور، تحرسها سباع الأرض وحيّات المياه والرمال،
    وكانت وفود البشر والجن والطير والدواب والماء والنار والجبال، تتجه إلى الخيمة حيث البتول أسفرت كشمس الربيع.
    وحده، انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ينظر منه إلى البتول، ويستمع إلى حديث الكائنات.
    ا

    الأمم في حضرة البتول


    عربٌ
    بَدوٌ، حَضَرٌ، وأعراب
    أبناء عدنان وقحطان
    عَرَبٌ من كنانة
    آخرون من طيِّئْ ولام وكَعْبْ
    أناخوا حمر النعم حول خيمتك
    بَدْوٌ من نجد
    بَدْوٌ ملثمون من إفريقيا
    بَدْوٌ من سوريا ومصر
    والعراق
    عرافون من سِنَّار وشعراء من مَرَوِي
    حَضَرٌ سومريون وأشوريون
    عَرَبٌ من رؤوس الجبال
    ومزون
    حَضَرٌ من تطوان حتى جلفار
    بَدْوٌ وحَضَرٌ قال قائلهم:
    هذي هدايانا لبتول النساء
    هدايانا،
    أسلحتنا، حجول نسائنا،
    كتبنا الأولى ومرّ عمان،
    هدايانا،
    نياقنا والصافنات،
    أشعارنا وحرف الضاد
    وها نحن بين يديك
    نقول: أسلمنا
    قال الراوي:
    قالت البتول:
    اليوم أكملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني
    قال الراوي: منفرداً وحيداً، حيث انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ارتقى صخرة تطل على النهر وخيمة البتول، وأنشد يقول:
    وحدي..
    بعيداً عن قوافل البدو والحضر
    أناديك باسمك
    وأتعبدك
    الكعبة
    هاجرت مرتين
    الأولى اليك
    والأخيرة اليك
    وصيّتي:
    احفظيني فَصّآً
    في محبسك
    للناس مواقيتهم
    قلبك وحده
    ميقاتي
    أخذ »ابن صيفي« بيدي
    وقال: يا ولدي
    دُلّني على بتول العرب؟
    قلت: لمَ.. يا أبه؟
    قال: لأرى نور الله في عينيها
    ولأحدث عنها الأمم
    في صحراء الطّف
    وحدي رأيتك
    تعيدين رأس الحسين
    إلى جسده
    في حضرتك ينساني الكلام
    تهجرني الأبجدية
    بيد أنك - يا صنو روحي -
    آخر الأرصفة.
    قال الراوي: أصبحنا ذات يوم - والملك كلّه لله - على صباح ما ألفناه. وجدنا »المجنون« وقد نصب خيمة قصاد دار »البتول« خيمة خلقة، بباب واحد، جلس »المجنون« يطيّر طيّارة من قرطاس، فوق دار »البتول« وعندما لم تساعدها الرياح سقطت، فوجدنا هذه السطور مكتوبة على ورقها:


    قلب في طيّارة من ورق


    * معجزة *

    عقب أن ولدتني أمي بساعة..
    مُتُّ
    قالت: دعوه في مهده ولا تدفنوه
    مرّ يوم وأسبوع وشهر
    مرّت سنة، تبعتها عشر
    ثم عشر عجاف وعشر سمان،
    وكان
    جسدي الرضيع في المهد مزهراً
    مثل نار لم تنس ذاكرتها
    وكما حدث ليعقوب
    حَدَثَ أن مررتِ جوار مهدي
    ألقيت بمنديلك عليْ
    فَعُدْتُ للحياة... كهلاً

    * أحجية *
    هي امرأة تختصر كل النساء
    واسم رددته قبلي الملايين
    الأرض قرطاس بيانها
    الماء مداد يراعها
    وقلبي الدواة


    * قسم *
    والحُبِّ
    والصُّبْحِ وما رأى
    ما ضرّني
    إن كنت شاعراً
    أو مجنونك الأخير؟


    * حلول *
    يا عين الاسم
    لم يبقَ إلاّ إيّانا
    بعد أن باركنا ياؤه

    * حنوط *
    ترابُ خَطوكِ حَنوطي
    يا أصغَرْ الأمهات
    يا أميّ
    يا.....


    * وصية *

    لا تخذليني..
    أقولها للمرة الألف
    وقبل أن يهيلوا عليّ التراب
    أنا آخِرُ البكائين في حضرتك
    وأنا ضجيج
    آخر حرفين من اسمك


    * مقارنة *
    ما أكثر الحور العين في غيابك
    وما أقلهن
    في حضورك.


    قال الراوي: »وفي يوم تالٍ أصبحنا - والملك كلّه لله - فرأينا المجنون عائداً إلى حيث دار »البتول« بعد أن دمّر الرعاع خيمته. كان يرْتدي دشداشة بيضاء نظيفة، وحول وَسطِهِ حِزامٌ من جلد سمك القِرْش، حاسر الرأس، حافي القدمين. وقف المجنون طويلاً قصاد بوابة دارة »البتول« دون أن يطلق نأمة، وبعدها سقط مغشياً عليه، عند ذلك هجم عليه نفر من الرعاع وسرق أحدهم حزامه، لكن أحد عقلاء الحي، استرد الحزام، وعرضه بعد يومين على جلاّسه، وعندما تملينا الحزام جيداً وجدنا هذه الأسطر على أحد وجهي الحزام..«.





    لحظات من الساعة الخامسة والعشرين
    في يوم من أيام المجنون



    1


    ا لهنائي!
    جنة المأوى والغُرفة
    بين يديكِ،
    بينما الفراديس تتبع خطاك
    يا لهنائي!
    حدث هذا، لأن الله أراد أن تكوني
    أجمل من يوسف، وأرقَّ من الرحمة
    حدث هذا لأنَّ الله استجاب لدعائي
    فالتفت إليك


    - 2 -

    رأى يوسف أحد عشر كوكباً
    والشمسَ والقمرَ
    له ساجدين
    عندما حباني الله بمنزلة العبودية
    رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً
    والشمس والقمر، ومثلها أضعافاً
    صافنة في حضرتك
    تُسبّحُ لله الذي فطرَك، وجاد عليك بنور منه، هو صبغتك التي في قلبك
    وإذ كنتُ أقترب منكِ، رأيت تلك الكواكب والشموس تدنو ثم تدنو منك، لتستوي حبات لؤلؤ في راحة كفك اليمنى، أخذت أجمعها لؤلؤة إثر أخرى حتى صارت عقداً
    عند ذلك زنّرت جيدَك بالعقد
    آه...يا جميلات الكون!
    آه...أيتها الحور العين.
    ها هي الجميلة، مشرقة كما الكوكب الدريّ، توقد بابتسامتها كواكب الفراديس، وتنير بالتفاتة من جيدها أرواح الغابات وقلوب الجبال وأعماق المحيطات.
    آه...أيتها الجميلات!
    ما أجمل حبيبتي


    - 3 -

    أيتها الحبيبة!
    عندما كان الصّمْتُ أنتِ، تَحَدَثْتِ إليّ طويلاً، في لغةٍ غير لغةِ البشر، عن العشّاق المهابيل، والشعراء المجانين، والقلوب التي صارت حبَّاً خالصاً.
    إذ ذاك، كنت أنا الصمت، فلم ينطق لساني بحرف، لأنني رأيتُ اللّه في عينيك.
    حينها خرَّ كلانا ساجديْن لله، شكراً وضراعة وخشية.
    يا مولاي العظيم!
    ما أجمل الصمت.
    لأنه حبيبتي.


    - 4 -

    ارتحلتْ ليلى إليكِ، وتبعتها فَرَحْ
    أنتِ، وحدكِ، الواقفة عند السدرة، أصفى من بحيرةٍ صامتةٍ، بل إنّكِ الصمتُ.
    قُلت لليلى: ماذا بعد التبتل؟
    وقلت لفرح: الآن.. استويت أقرب إلى الصمت.
    وكنتُ، جوارك عند السدرةِ، أرقبُ صعود الجميلتين إلى قلبك، وقلبي الصغير الذي مثل قبضة كفّ رضيع، كان يحاور قلبك الصغير الذي مثل رحيق زهرة بنفسج. توقفنا نحن الثلاثة: القلوب الثلاثة، قلبي وقلب ليلى وقلب فرح، نرقب صمتكِ، بينما زهرة البنفسج تُدخلنا في إهابها، لنصير صمتاً
    آه... أيها الصمت
    ما أجملك... لأنك فيضٌ من حبيبتي


    - 5 -

    أيتها الحبيبة!
    ما كان ليدي أن تتحرك، إلاّ لأنها صافحت يدك
    وما كان لعيني أن تبصر الأشياء إلاّ لأنها بعضٌ من كحلِ عينيك
    ما كان للساني أن يكون »ترجمان الأشواق« إلا لأنه سمع منك الآفاق التي هي أكثر بعداً من الأشواق
    وما كان لقلبي أن يكون معبداً، إلا لأن نقطة من دم قلبك، امتزجت بنقطة من دم قلبي.
    ما كان لهذا الفقير الذي يخاطبك بهذه الجسارة، أن يعاف ثروة قارون، إلاّ لأنه اكتفى بهمسة منكِ
    يا إلهي العظيم... تقدست أسماؤك الحسنى
    ما أكبر نعماءَك
    لأن الحبيبة، أهدتني..
    لحظة من صمتها..



    فواصل الرضا والهجر


    ما أشدَّ تلفي!
    في القربِ يُبعدني الامتثالُ
    وفي البعد تدنيني المحبّةُ
    ما أشدَّ تلفي
    وَحدي مَعي
    وَحْدي.. زرعتُ قلبي في أصيصِ القُرب
    وارتحلتُ إلى مجرات الهجران
    ما أشدَّ تلفي:
    وحْدي.. أحْمِلُني
    إلى أين الامتثالَ
    ما أشد تلفي:
    وحدي.. أمضي إليّ
    تنعاني العواصفُ
    وترثيني المجراتُ
    أيّها الأحباءُ
    ما أشدّ تلفي:
    وُلِدْتُ فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
    بين أينٍ وأيْن:
    المسجدُ، وزاويةٌ في جُلفار


    2 -

    يُناديكِ..
    بيتٌ في ميسان
    أو عريش في الهُور
    يفتديكِ..
    بيتٌ في جُلفار
    أو كهف في رؤوس الجبال
    يشتاقُ إليكِ..
    بيتٌ في الخانِ
    أو معتزلٌ في الخُوْر
    يَتضرَّعُ إليكَ..
    قصر الرمل في عجمان
    أو دربٌ في الذيد
    ما أشدّ تلفي:
    ولدتُ، فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
    بين أينٍ وأينْ:
    قلبكِ وزاويةٌ في جُلفار


    - 3 -

    قَبِلْتُكِ
    فَرَعَفَتْ روحي، مثل شجرةِ سدر مجروحة،
    في غفلةٍ من حراس الفضيلة.
    قَبِلْتُكِ..
    فوَجَدْتُني نخلةً يتيمةً، بعيداً عن غدران
    الفراديس
    َبِلْتُكِ
    فباركتُ نفسي، ورضيتُ لها مقامها الذي
    في الميقات
    قَبِلْتُكِ..
    في نقطة الرضا
    وخط الهجران
    قَبِلْتُكِ..
    فقامتْ من رقدتها الأسماء
    قَبِلْتُكِ..
    فَكنتُ الفراغْ



    - 4 -

    لماذا هَجَرَتْ بساتينُ الأكوان مطارحها
    والبحارُ غيرت أسماءها؟
    ولماذا عافت الأرض خزائنها، والأبراجُ بدَّلتْ
    أبعادها؟
    والجبال..لماذا خَشَعَتْ.. وبكتْ؟
    وعندما أشرقتْ روحي على نفسها.. لماذا
    هَجَرَتْني وامتثلتْ لبُعدك؟



    - 5 -

    بين أينٍ وأينْ
    توقظني يقظتي
    ناعساً ومُتّقداً
    مثل زهرةٍ منسية في كتاب



    - 6 -

    أيها العشّاقُ:
    ما أكثر العقلاء
    ما أقل المخابيل



    - 7 -

    ما أشدّ تلفي
    في القرب يُبعدني الامتثال
    وفي البعد تُدنيني المحبة![/align]


  4. #24
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]الصحيفة الميسانية


    هنا، لا أتوقع أن أعثر إلا على الفن، والموت.

    مالرو - اللامذكرات



    قال الراوي: بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وتقبل ليلة النصف من شعبان، كنا نقيم مجلساً في مثل هذا الوقت من كل سنة، يحضره بنو قومنا - رجالاً ونساء - وهم في أتم زينتهم. يجلس الرجال داخل خيمة نسجت من شعر الماعز تُنصب على الضفة اليمنى من نهر الكرخة، بينما تختلي النساء في خيمة أخرى نسجت من وبر الإبل، تنصب على الضفة اليسرى من نهر الكرخة، أما في وسط النهر فيجلس الروح العالي والعلماء وحاملو الألواح في قارب من خشب مطليّ بالقار، تحت عريش من شجر الآس.
    قال الراوي: وفي هذا العام، عام السمك الكثير، وعام الشلب الوفير، بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وعندما كنا نستقبل ليلة النصف من شعبان، جاء القوم من حرّان وبابل وفلسطين وجبال ميديا وحافات الأهوار في ميسان، يرتدون دشاديش بيضاً، حاسري الرؤوس، حفاة الأقدام، وجلسوا في خيمتهم عند الضفة اليمنى من نهر الكرخة.
    كذلك جاءت النساء، بثياب بيض حافيات الأقدام، وقد ضربن بخمرهن على وجوههن، وجلسن في خيمتهن، عند الضفة اليسرى من نهر الكرخة، وكانت زينب تتقدم صفوفهن.
    قال الراوي: وبعد أن أزف الموعد، أذن الروح العالي ببدء الاحتفال، فتقدم شاعر من حران، قرأ شعراً في مدح الحقيقة كان محفوراً على لوح من رصاص، تبعه آخر قدم من جبال ميديا، فألقى خطبة في مدح الماء الحي، ثم تتابع الخطباء والشعراء، حتى قام شاعر من بابل، وألقى بين يدي مجمع القارب الخشبي كلاماً عجيباً، هذا بعض منه:


    إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
    إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
    فقال لتابعه أنكيدو:
    أي أنكيدو، إن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصير المحتوم
    ولسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
    ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
    وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي
    فأجابه تابعه انكيدو:
    بلغ أوتو، البطل أوتو
    فتلك الأرض في رعاية أوتو
    أرض الأرز المقطوع، في رعاية أوتو، بلّغ أوتو
    فرفع جلجامش بيديه جدياً تامَّ البياض
    وضغط إلى صدره جدياً أسمر، قربانا
    وبيده أمسك العصا الـ... الفضية
    وقال مخاطباً أوتو:
    أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء، فكن نصيري.
    فأجابه أوتو:
    إنك لـ... حقا، ولكن ما بغيتك من تلك الأرض؟
    أي »أوتو« سأتوجه لك بكلمة علّك تصغي إليّ
    وكلامٍ أسمعه لك، علّك تصغي إليّ.
    في مدينتي يموت الرجل كسير القلب.
    يفنى الرجل حزين الفؤاد.
    أنظر من فوق السور
    فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر
    وأرى أني سأغدو مثلها حقاً
    فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً
    ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً
    وإن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصيرالمحتوم
    سأدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
    ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
    وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي.
    فتقبل أوتو دموعه قرباناً

    قال الراوي: توقف البابلي هنيهة لالتقاط أنفاسه وسط صمت الناس والسماء والماء، وعندما رفع إلى فمه طاسة الماء، كان المجنون يتقدم إلى مكان الحفل، وقعت الطاسة على الأرض، وانسحب البابلي إلى داخل الخيمة، بينما كان المجنون، شبه عارٍ، يسير الهوينا، لكنه لم يدخل خيمة الرجال، ولم يكن راغباً أن يكون قريباً من خيمة النساء، كما أنه لم يخض في مياه نهر الكرخة، ليقترب من عريش الروح العالي والعلماء وحاملي الألواح، تقدم مسافة مرديين في مياه النهر، ثم توقف وكان وجهه إلى الشمال.
    عَلَتْ أصوات كثيرة من داخل الخيمتين مطالبة بإبعاد المجنون عن منطقة الاحتفال، بل إن بعض الشباب من خيمة الرجال توجهوا نحوه لإبعاده، إلا أن الروح العالي، بإشارة من يده اليمنى، أوقف هياج المهتاجين، فتوقف كل عند موطىء قدمه، حتى أولئك الذين كانوا يهمون بجرّ المجنون من الماء توقفوا أيضاً.. وعند ذلك رفع المجنون يديه إلى السماء حتى رأينا بياض إبطيه، ثم نادى بصوت عالٍ:
    يا أحمد... يا نور النور
    بحقك..
    يا هرمس الهرامسة
    قال الراوي: عقدت الدهشة ألسنتنا، فهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها من المجنون هذا النداء، كنا نراه يكلم السماء، وكنا نراه يتحدث إلى بساتين القصب، وكنا نسمعه، أحياناً يتحدث بصوت خافت إلى نهر الكرخة.
    ولكنه عندما توجه بندائه إلى »أحمد« و»هرمس الهرامسة«، بصوت جهوري يشبه بدايات عاصفة، طفق الروح العالي ينشج حتى غطت دموعه لحيته البيضاء. وما هي إلا برهة أخرى حتى سمعنا نحيباً صادراً من خيمة النساء، عرفنا فيه صوت زينب.
    قال الراوي: قام الروح العالي على حيله وهو يقول: دعوه. ومن خيمة النساء قامت زينب واقفة على كعبي قدميها لتقول: دعوه. بينما كان المجنون ما يزال يرفع يديه نحو السماء، ويقول:
    »يا أحمد
    إن هو إلا وحي يوحى من النور
    إلى النور«
    بسط المجنون يديه، لكأنما كان يتقبل شيئاً من السماء، وأدار بصره بين القوم، ثم أنشأ يقول:
    لستُ هرماً، ولم أكُ طفلا
    أنا خشب يتيم لم يتيبس بعد
    نَظَرْتُ إلى حياتي في الأسماء
    فَسَقَطَتْ جزيرة العرب
    في الماء
    لست طفلاً، ولم أعدْ شيخاً
    أنا خشب يتيم فيّ قطرة ماء * محبوس في جبّ * الجبّ في فلاة * الفلاة في بيداء * البيداء في صحراء * الصحراء في قفر * القفر في مدى * المدى في سماء * السماء في عماء * والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.
    لستُ زين الشباب
    يُتْمٌ صافٍ - أنا -
    وخشب ينزف ماء
    فتعالي - يا روح ميسان -
    نمزج ماء بماء
    قال الراوي: توقف المجنون عن الكلام لحظات، ثم توجه بنظره إلى خيمة البتول زينب وهو ينشد ويقول:
    التي أحبها... أهدتني ورداً
    وخداً
    وقالت: أُدْنُ
    التي تحبني.. أهديتها ورداً
    وقبلة
    ثم ذبنا
    التي أحبها..هي كل الأسماء
    من قبل همزة الألف
    إلى أبعد من لا نهايات الياء
    هي ماء ينزف ماء
    وهي الراية الحمراء
    في كربلاء
    التي أحبها... لم أرها ولم تلمسني
    التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها
    فمبارك - يا مجنون -
    هذا الحب.
    الذي يقود الفناء إلى الفناء
    قال الراوي: وقفنا جميعاً، رجالاً ونساءً، نرى إلى هذا المجنون الذي أتى بعجب لم نألفه من مخابيلنا القلة. ومما زاد في عجبنا أكثر، أن المجنون غرف بكفيه غرفتين من ماء نهر الكرخة، ورشهما.. واحدة باتجاه خيمة الرجال، والثانية باتجاه خيمة النساء، وواصل إنشاده:
    حُبي، قنطرة خشب شائخ
    وقصب مزرق الشفتين
    يرتقب قطرة ماء
    وأنا آخر غرغرة روح
    لوتر واحد في عود
    لم تهزمه الأنواء
    فتعالي - يا ناسخة الألواح -
    نجمع قلبينا
    ونرتحل في نور الماء

    قال الراوي: عند هذا الحد، رأينا الروح العالي، يهبط من قارب العلماء، وحاملي الألواح، ويقف وسط مياه نهر الكرخة.
    ثم رأينا زينب تشق صفوف النساء وتقف قريباً من جرف النهر، بينما أخذ المجنون يتمايل كقصبة في مهب الريح، وهو يقول:
    يا لزاي... يا لياء
    يا لنون.. وأنت يا لباء
    يا أصل الماء
    يا نجوى السماء
    هبيني قداسة »الكاف« ودورة »النون«
    لأحتمل هذا العناء
    قال الراوي: تقدم الروح العالي حتى وقف جوار المجنون، رافعاً يديه باتجاه الشمال، بينما خاضت زينب في الماء، أما المجنون، فإنه أطلق صوته عالياً ليقول:
    أيتها الشفيعة!
    اسفري
    - فدى عينيك -
    اسفري
    فهذا زمن
    لم يعد يليق.. لنقاب
    كان الغروب يقترب عندما انحدرت الشمس ليختفي نصفها عند الأفق القصي من نهر الكرخة، وفجأة تحركت جموع الرجال والنساء إلى النهر، وأحطنا بالمجنون الذي اقتربت منه زينب، وكانت كتفه اليسرى تحتكُّ بالكتف اليمنى للروح العالي.
    وسمعنا زينب تعيط بأعلى صوتها: لبيك.. لبيك أيها الحبيب.
    قال الراوي: كان أمراً عجباً ذلك الذي رأيناه بعد ذلك، فلقد اقترب الروح العالي من زينب والمجنون، ثم ضم كفيّ زينب إلى كفيّ المجنون، ونثر على جسميهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة.
    علا صوت الروح العالي باكياً، وأطلت أسماك النهر برؤوسها فوق سطح الماء، ومرقت علينا نسمات رقيقة حملت معها عطر عذوق النخيل، بينما كان النجم الأحمر يتوسط كبد السماء.
    قال الراوي: ثم سمعنا كلاماً من المجنون، لم نسمعه لا من العرب ولا من العجم. كان المجنون يبكي صامتاً، ثم إنه قال كلاماً أنقله دون أن أعرف معناه:
    »..روشمي إلاوي لا هو بنورا ولا هو بمشا ولو هو دْشيها
    روشمي مشا رشومي يردنا ربا دميا هي دافش بهيلي لا مصي«.
    استغلق الأمر علينا، فنحن لم نفقه شيئاً من كلام المجنون، ولكن الذي زاد في حيرتنا أن النجم الأحمر أخذ يتّقد بنور أحمر لم نعهده فيه قبلاً، كما أن الروح العالي طفق في نوبة بكاء لم نألفها عنده. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: اقترب جسدا زينب والمجنون حتى التصقا تماماً ببعضهما، ثم رأيناهما حزمة نور أحمر، تماماً كما كان النجم الأحمر يتقد حينها. وإذ ذاك سمعنا صوتاً صادراً من زينب والمجنون:
    ».. صم لغريكون من فرجيا بنكيلا
    ولا تشرون آلما دْ نافقتون من فقر يكون
    لا نهفيكون روهنانا لملكيا وشلطانا
    ومريا هازن آلما، ولا لدهبا وكسبا
    شاجيش تغرا وازليا بنورا باشليا«.
    قال الراوي: هبط الليل علينا، لكن عمود النور الذي يشع من جسدي زينب والمجنون، كان يضيء البرية كلها. ثم إنهما افترقا، وعمود النور ما يزال منتصباً، وغطسا في الماء ثلاث مرات، ثم سمعنا المجنون ينشد ويقول:
    »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد، حاء وميم ثانية، والدال وميم أوله، داله دواؤه، ميمه محله، حاؤه حاله، ميم ثانية مقاله«.
    قال الراوي:رجعنا إلى بيوت القصب، لنختلي، كعادتنا في ليلة النصف من شعبان. إلا زينب والمجنون، فقد بقيا في وسط مياه الكرخة، والعمود النوراني بينهما، يتبعهما ذات اليمين وذات الشمال. أما مياه نهر الكرخة، فكانت بيضاء مثل لبن جاموسنا.
    قال الراوي: وما حدث بعد ذلك، كان هو العجب العجاب، عندما أخذ العمود النوراني يبث أشواقه في حضرة زينب والمجنون:
    إلهي..
    أَتُراكَ بعد الإيمان بك تعذبني؟ أم بعد حبي إياك تبعدني؟ أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني؟ أم مع استجارتي بعفوك تسلمني..
    حاشا لوجهك الكريم أن تخيّبني.
    ليت شعري.. أللشقاء ولدتني أمي؟ أم للعناء ربتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربني
    وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني/ وبقربك وجوارك خصصتني/ فتقرّ بذلك عيني/ وتطمئن له نفسي
    إلهي..
    هل تسوِّد وجوهاً خرَّت ساجدة لعظمتك/ أو تخرس ألسنةً نطقت بالثناء على مجدك وجلالتك/ أو تطبع على قلوب انطوت على محبتك/ أو تصم أسماعاً تلذذت بسماع ذكرك في إرادتك/ أو تغل أكفاً رفعتها الآمال إليك رجاء رأفتك/ أو تعاقب أبداناً عملت بطاعتك حتى نحلت في مجاهرتك/ أو تعذب أرجلاً سعت في عبادتك..
    إلهي..
    لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك/ ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك.
    إلهي..
    نفس أعززتها بتوحيدك كيف تذلها بمهانة هجرانك/ وضمير انعقد على مودتك كيف تحرقه بحرارة نيرانك.
    إلهي..
    أَجِرْني من أليم غضبك/ وعظيم سخطك/ يا حنّان/ يا رحيم يا رحمن/ يا جبّار يا قهار/ يا غفّار/ يا ستار/ نَجّني برحمتك من عذاب النار/ وفضيحة العار، إذا امتاز الأخيار من الأشرار/ وحالت الأحوال وهالت الأهوال/ وقرب المحسنون وبعد المسيئون/ ووفيت كل نفس ما كسبت/ وهم لا يظلمون.
    قال الراوي:
    وما حدث بعد ذلك، هو العجب الأعجب، فلقد اقترب عمود النور من زينب والمجنون، حتى استحالا عموداً من نور، وأخذا يعرجان إلى العُلا.


    ابو ظبي - الشارقة

    1996 - 1995







    إشارات


    يرد في هذا الأثر، ذكر مدن وبلدات ومواقع من الحضارات العراقية القديمة والفترات اللاحقة للفتح الإسلامي للعراق، إضافة إلى مدن أخرى في شبه جزيرة العرب.
    وترد في هذا الأثر أيضاً، أسماء ملوك وشخصيات عرفانية وأدبية ذكرتهم مدونات الآداب السومرية والبابلية والأشورية والعربية والإسلامية.
    ويتضمن الأثر مقتبسات من القرآن الكريم، والأدب البابلي، وأقوال بعض المتصوفة، إضافة إلى أدعية إسلامية، ونصوص من الأدب الديني المندائي.
    وهناك تواريخ ومواقيت، ترد خاصة في فصل »مذكرات« لها دلالات عميقة، باعتبارها مفاتيح للنصوص السردية.
    إن مدينة »ميسان« هي المسرح الكبير الذي يرمح هذا الأثر بين جنباته. وشهدت هذه »المدينة« أو »المنطقة« فترات مزدهرة نتيجة تأثر أهلها بحضارتي سومر وبابل. ويقول مستشرقون وكتاب عراقيون، بينهم الراحل طه باقر في كتابه »مقدمة في الحضارات« وعزيز سباهي في كتابه »أصول الصابئة - المندائيين ومعتقداتهم الدينية« إن »ميشان« أو »ميشون« شهدت حضارة مزدهرة قبل نحو ألفي عام.
    أما الكرخة، النهر والمدينة، فهي بلدة بين محافظة »ميسان« العراقية الحالية ومنطقة »عربستان« أو »الأحواز« في إيران. وقد بناها الإسكندر المقدوني وسماها »الإسكندرية« وكانت قاعدته للانطلاق نحو بلاد الهند.
    وقدمت مدينة »العمارة« التي هي مركز محافظة »ميسان« أسماء مقتدرة للحركة الوطنية العراقية والثقافة العراقية المعاصرة.
    والآن، هنا تعريفات موجزة بالمدن والمواقع والشخصيات والمقتبسات والتواريخ والمواقيت التي يتضمنها هذا الكتاب، فصلاً بعد فصل:
    رؤيا الطيِّبة
    * حسين بن منصور، هنا، هو إنابة عن الحسين بن منصور الحلاج، العرفاني الأشهر، والأبيات العمودية الثلاثة الواردة في هذا الفصل تنسب إلى الحلاج.
    * الدعاء الذي يبدأ هكذا: إلهي.. كَسْري لا يجبره إلا لُطْفك وحنانك ...إلخ، مستل من كتاب »مفاتيح الجنان« لصاحبه الشيخ عباس القُمّي. والدعاء عنوانه »مناجاة المفتقرين« - ص: 174 - 173 .
    * أمِتْ.. أمِتْ: كلمة رددها الجيش الإسلامي أثناء حروب الردة بعد وفاة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام.
    * »وعنده مفاتيح الغيب...... إلخ« قرآن كريم.
    مذكرات
    * في المقدمة »قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير...إلخ« يرد ذكر ليلة الحادي والعشرين من رمضان في إشارة إلى ذكرى طعن الإمام علي بن أبي طالب، أما عبارة »فُزتُ ورب الكعبة« فهي الجملة التي قالها علي بن أبي طالب بعد طعنه.
    * 10 محرم: يوم واقعة كربلاء المشهورة.
    * 11 حرم: يوم الوحشة الذي مرَّ به آل الحسين بن علي، حيث برز دور السيدة زينب بنت علي، كما روته كتب السير.
    * 14 محرم : يوم تسفير آل الحسين بن علي من كربلاء إلى دمشق.
    * 21 آذار: الانقلاب الربيعي، وعيد النيروز لدى الفرس، وعيد قومي لدى الأكراد، أما عرب جنوب العراق فيحتفلون بهذا اليوم باعتباره يوماً للخير.
    * الطيب: بلدة إيرانية عند الحدود مع العراق، وقد بناها الإسكندر المقدوني عندما فتح بلاد ما بين النهرين.
    * الدعاء: »سجد لك سوادي وخيالي...إلخ« مستل من كتاب »مفاتيح الجنان«.
    * الدعاء: »اللهم إني فقيرة إليك... إلخ« مستل من المصدر السابق، لكنني جعلته على لسان امرأة، بينما هو في الأصل على لسان رجل.
    * الدعاء: »قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك...إلخ« من دعاء »مناجاة العارفين« من كتاب »مفاتيح الجنان - ص 174«
    * »كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً... إلخ« تكييف من قبلي لمقولة مشهورة للإمام علي هذا نصها: »إلهي... كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً، أنت كما أحب، فاجعلني كما تحب«
    * 1 أيار: عيد العمال العالمي.
    * 14 تموز: في يوم 14 تموز 1958 ، أطاح الجيش العراقي بالنظام الملكي في العراق.
    * 10 نيسان: الربيع.
    * 14 رجب: رجب هو شهر الأحداث الكبرى التي تشير إليها مدونات الإخباريين وأصحاب الملاحم حول أشراط الساعة.
    * دلمون: البحرين. الوصل: دبي. الماجدية: مسقط رأس الكاتب، وإحدى محلات مدينة العمارة مركز محافظة ميسان.
    * الخضر: هو شاعر الإمارات المعروف: راشد الخضر، له ديوانان مطبوعان. يتسم شعره بالعفة والمواقف الاجتماعية الشجاعة. أما »مسافي« و »دبا« فهما منطقتان مشهورتان في دولة الإمارات العربية المتحدة.
    * رؤوس الجبال: مناطق سكنى الشحوح في دولة الإمارات وسلطنة عمان.
    تجليات
    * جلجامش: هو الملك السومري المشهور، وأنكيدو صديقه.
    * تربتي: »التربة« طين معجون من أرض كربلاء.
    * وحدي - يا مناي -
    آخر السكارى
    أقودكِ إلى المسجد
    هنا تناص مع نص »جلال الدين الرومي«: أنا مجنون وأنت سكران، فمن يوصلنا إلى البيت.
    في الحضرة
    * جلفار: أحد الأسماء التاريخية لمنطقة »رأس الخيمة«
    * مزون: هي سلطنة عمان الحالية.
    * سِنَّار ومَرَويْ: حضارتان سودانيتان.
    الصحيفة الميسانية
    * الروح العالي، حاملو الألواح، العلماء: مراتب دينية لدى المندائيين. والمندائيون فرقة غنوصية استوطنت العراق، يُسمون بـ »الصابئة« أحياناً وبـ »قوم يحيى« أحياناً أخرى. وهناك من يقول إنهم وفدوا إلى جنوب العراق من فلسطين، لكن الثابت أن لهم دوراً كبيراً في جنوب العراق قبل نحو ألفي سنة، وكان من بينهم رجالات ذوو شأن علمي رفيع أيام خلافة المأمون بن هارون الرشيد.
    * المقطع الشعري الذي يبدأ هكذا:
    إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
    إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
    هو جزء من نص عنوانه: »جلجامش في أرض الأحياء« يصور جلجامش وهو يمضي ليخوض صراعاً مع وحش رهيب سعياً وراء تخليد ذكره ورفع اسمه: مغامرة العقل الأولى - فراس السواح - ص 219.
    * »يا أحمد
    إن هو إلا وحي يوحى من النور
    إلى النور« من سورة النجم آية رقم 4
    نص منسوب إلى الحلاج »أخبار الحلاج«
    * »روشمي إلاوي لاهو بنورا....إلخ«
    نص من الأدب الديني المندائي، ترجمته الحرفية كما يلي، نقلاً عن كتاب »أصول الصابئة« لعزيز سباهي:
    »رسمي العالي لا يجرى بالنار ولا يجرى بالزيت ولا يجرى بالمسح. إنه مرسوم بالماء الجاري العظيم. ماء الحياة الذي لا يدرك الإنسان قدرته«
    * »صم لغريكون من فرجيا بنكيلا....إلخ« هو أيضاً نص من الأدب الديني المندائي، ورد في الكتاب آنف الذكر، وترجمته كالتالي:
    »لا تهبوا أنفسكم لملوك وسلاطين ومردة هذه الدنيا، ولا لذهب وفضة، ذلك يرميكم بالأذى ويجعلكم وقوداً للنار الحامية«
    * »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد.....إلخ« ينسب إلى الحلاج في كتاب »الطواسين«
    * الدعاء: »إلهي.. أتراك بعد الإيمان بك تعذبني.....إلخ« من »مناجاة الخائفين« كتاب الحاج عباس القمّي »مفاتيح الجنان - ص 166«[/align]

  5. #25
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات جمعة اللامي «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]الصحيفة الميسانية


    هنا، لا أتوقع أن أعثر إلا على الفن، والموت.

    مالرو - اللامذكرات



    قال الراوي: بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وتقبل ليلة النصف من شعبان، كنا نقيم مجلساً في مثل هذا الوقت من كل سنة، يحضره بنو قومنا - رجالاً ونساء - وهم في أتم زينتهم. يجلس الرجال داخل خيمة نسجت من شعر الماعز تُنصب على الضفة اليمنى من نهر الكرخة، بينما تختلي النساء في خيمة أخرى نسجت من وبر الإبل، تنصب على الضفة اليسرى من نهر الكرخة، أما في وسط النهر فيجلس الروح العالي والعلماء وحاملو الألواح في قارب من خشب مطليّ بالقار، تحت عريش من شجر الآس.
    قال الراوي: وفي هذا العام، عام السمك الكثير، وعام الشلب الوفير، بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وعندما كنا نستقبل ليلة النصف من شعبان، جاء القوم من حرّان وبابل وفلسطين وجبال ميديا وحافات الأهوار في ميسان، يرتدون دشاديش بيضاً، حاسري الرؤوس، حفاة الأقدام، وجلسوا في خيمتهم عند الضفة اليمنى من نهر الكرخة.
    كذلك جاءت النساء، بثياب بيض حافيات الأقدام، وقد ضربن بخمرهن على وجوههن، وجلسن في خيمتهن، عند الضفة اليسرى من نهر الكرخة، وكانت زينب تتقدم صفوفهن.
    قال الراوي: وبعد أن أزف الموعد، أذن الروح العالي ببدء الاحتفال، فتقدم شاعر من حران، قرأ شعراً في مدح الحقيقة كان محفوراً على لوح من رصاص، تبعه آخر قدم من جبال ميديا، فألقى خطبة في مدح الماء الحي، ثم تتابع الخطباء والشعراء، حتى قام شاعر من بابل، وألقى بين يدي مجمع القارب الخشبي كلاماً عجيباً، هذا بعض منه:


    إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
    إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
    فقال لتابعه أنكيدو:
    أي أنكيدو، إن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصير المحتوم
    ولسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
    ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
    وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي
    فأجابه تابعه انكيدو:
    بلغ أوتو، البطل أوتو
    فتلك الأرض في رعاية أوتو
    أرض الأرز المقطوع، في رعاية أوتو، بلّغ أوتو
    فرفع جلجامش بيديه جدياً تامَّ البياض
    وضغط إلى صدره جدياً أسمر، قربانا
    وبيده أمسك العصا الـ... الفضية
    وقال مخاطباً أوتو:
    أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء، فكن نصيري.
    فأجابه أوتو:
    إنك لـ... حقا، ولكن ما بغيتك من تلك الأرض؟
    أي »أوتو« سأتوجه لك بكلمة علّك تصغي إليّ
    وكلامٍ أسمعه لك، علّك تصغي إليّ.
    في مدينتي يموت الرجل كسير القلب.
    يفنى الرجل حزين الفؤاد.
    أنظر من فوق السور
    فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر
    وأرى أني سأغدو مثلها حقاً
    فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً
    ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً
    وإن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصيرالمحتوم
    سأدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
    ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
    وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي.
    فتقبل أوتو دموعه قرباناً

    قال الراوي: توقف البابلي هنيهة لالتقاط أنفاسه وسط صمت الناس والسماء والماء، وعندما رفع إلى فمه طاسة الماء، كان المجنون يتقدم إلى مكان الحفل، وقعت الطاسة على الأرض، وانسحب البابلي إلى داخل الخيمة، بينما كان المجنون، شبه عارٍ، يسير الهوينا، لكنه لم يدخل خيمة الرجال، ولم يكن راغباً أن يكون قريباً من خيمة النساء، كما أنه لم يخض في مياه نهر الكرخة، ليقترب من عريش الروح العالي والعلماء وحاملي الألواح، تقدم مسافة مرديين في مياه النهر، ثم توقف وكان وجهه إلى الشمال.
    عَلَتْ أصوات كثيرة من داخل الخيمتين مطالبة بإبعاد المجنون عن منطقة الاحتفال، بل إن بعض الشباب من خيمة الرجال توجهوا نحوه لإبعاده، إلا أن الروح العالي، بإشارة من يده اليمنى، أوقف هياج المهتاجين، فتوقف كل عند موطىء قدمه، حتى أولئك الذين كانوا يهمون بجرّ المجنون من الماء توقفوا أيضاً.. وعند ذلك رفع المجنون يديه إلى السماء حتى رأينا بياض إبطيه، ثم نادى بصوت عالٍ:
    يا أحمد... يا نور النور
    بحقك..
    يا هرمس الهرامسة
    قال الراوي: عقدت الدهشة ألسنتنا، فهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها من المجنون هذا النداء، كنا نراه يكلم السماء، وكنا نراه يتحدث إلى بساتين القصب، وكنا نسمعه، أحياناً يتحدث بصوت خافت إلى نهر الكرخة.
    ولكنه عندما توجه بندائه إلى »أحمد« و»هرمس الهرامسة«، بصوت جهوري يشبه بدايات عاصفة، طفق الروح العالي ينشج حتى غطت دموعه لحيته البيضاء. وما هي إلا برهة أخرى حتى سمعنا نحيباً صادراً من خيمة النساء، عرفنا فيه صوت زينب.
    قال الراوي: قام الروح العالي على حيله وهو يقول: دعوه. ومن خيمة النساء قامت زينب واقفة على كعبي قدميها لتقول: دعوه. بينما كان المجنون ما يزال يرفع يديه نحو السماء، ويقول:
    »يا أحمد
    إن هو إلا وحي يوحى من النور
    إلى النور«
    بسط المجنون يديه، لكأنما كان يتقبل شيئاً من السماء، وأدار بصره بين القوم، ثم أنشأ يقول:
    لستُ هرماً، ولم أكُ طفلا
    أنا خشب يتيم لم يتيبس بعد
    نَظَرْتُ إلى حياتي في الأسماء
    فَسَقَطَتْ جزيرة العرب
    في الماء
    لست طفلاً، ولم أعدْ شيخاً
    أنا خشب يتيم فيّ قطرة ماء * محبوس في جبّ * الجبّ في فلاة * الفلاة في بيداء * البيداء في صحراء * الصحراء في قفر * القفر في مدى * المدى في سماء * السماء في عماء * والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.
    لستُ زين الشباب
    يُتْمٌ صافٍ - أنا -
    وخشب ينزف ماء
    فتعالي - يا روح ميسان -
    نمزج ماء بماء
    قال الراوي: توقف المجنون عن الكلام لحظات، ثم توجه بنظره إلى خيمة البتول زينب وهو ينشد ويقول:
    التي أحبها... أهدتني ورداً
    وخداً
    وقالت: أُدْنُ
    التي تحبني.. أهديتها ورداً
    وقبلة
    ثم ذبنا
    التي أحبها..هي كل الأسماء
    من قبل همزة الألف
    إلى أبعد من لا نهايات الياء
    هي ماء ينزف ماء
    وهي الراية الحمراء
    في كربلاء
    التي أحبها... لم أرها ولم تلمسني
    التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها
    فمبارك - يا مجنون -
    هذا الحب.
    الذي يقود الفناء إلى الفناء
    قال الراوي: وقفنا جميعاً، رجالاً ونساءً، نرى إلى هذا المجنون الذي أتى بعجب لم نألفه من مخابيلنا القلة. ومما زاد في عجبنا أكثر، أن المجنون غرف بكفيه غرفتين من ماء نهر الكرخة، ورشهما.. واحدة باتجاه خيمة الرجال، والثانية باتجاه خيمة النساء، وواصل إنشاده:
    حُبي، قنطرة خشب شائخ
    وقصب مزرق الشفتين
    يرتقب قطرة ماء
    وأنا آخر غرغرة روح
    لوتر واحد في عود
    لم تهزمه الأنواء
    فتعالي - يا ناسخة الألواح -
    نجمع قلبينا
    ونرتحل في نور الماء

    قال الراوي: عند هذا الحد، رأينا الروح العالي، يهبط من قارب العلماء، وحاملي الألواح، ويقف وسط مياه نهر الكرخة.
    ثم رأينا زينب تشق صفوف النساء وتقف قريباً من جرف النهر، بينما أخذ المجنون يتمايل كقصبة في مهب الريح، وهو يقول:
    يا لزاي... يا لياء
    يا لنون.. وأنت يا لباء
    يا أصل الماء
    يا نجوى السماء
    هبيني قداسة »الكاف« ودورة »النون«
    لأحتمل هذا العناء
    قال الراوي: تقدم الروح العالي حتى وقف جوار المجنون، رافعاً يديه باتجاه الشمال، بينما خاضت زينب في الماء، أما المجنون، فإنه أطلق صوته عالياً ليقول:
    أيتها الشفيعة!
    اسفري
    - فدى عينيك -
    اسفري
    فهذا زمن
    لم يعد يليق.. لنقاب
    كان الغروب يقترب عندما انحدرت الشمس ليختفي نصفها عند الأفق القصي من نهر الكرخة، وفجأة تحركت جموع الرجال والنساء إلى النهر، وأحطنا بالمجنون الذي اقتربت منه زينب، وكانت كتفه اليسرى تحتكُّ بالكتف اليمنى للروح العالي.
    وسمعنا زينب تعيط بأعلى صوتها: لبيك.. لبيك أيها الحبيب.
    قال الراوي: كان أمراً عجباً ذلك الذي رأيناه بعد ذلك، فلقد اقترب الروح العالي من زينب والمجنون، ثم ضم كفيّ زينب إلى كفيّ المجنون، ونثر على جسميهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة.
    علا صوت الروح العالي باكياً، وأطلت أسماك النهر برؤوسها فوق سطح الماء، ومرقت علينا نسمات رقيقة حملت معها عطر عذوق النخيل، بينما كان النجم الأحمر يتوسط كبد السماء.
    قال الراوي: ثم سمعنا كلاماً من المجنون، لم نسمعه لا من العرب ولا من العجم. كان المجنون يبكي صامتاً، ثم إنه قال كلاماً أنقله دون أن أعرف معناه:
    »..روشمي إلاوي لا هو بنورا ولا هو بمشا ولو هو دْشيها
    روشمي مشا رشومي يردنا ربا دميا هي دافش بهيلي لا مصي«.
    استغلق الأمر علينا، فنحن لم نفقه شيئاً من كلام المجنون، ولكن الذي زاد في حيرتنا أن النجم الأحمر أخذ يتّقد بنور أحمر لم نعهده فيه قبلاً، كما أن الروح العالي طفق في نوبة بكاء لم نألفها عنده. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: اقترب جسدا زينب والمجنون حتى التصقا تماماً ببعضهما، ثم رأيناهما حزمة نور أحمر، تماماً كما كان النجم الأحمر يتقد حينها. وإذ ذاك سمعنا صوتاً صادراً من زينب والمجنون:
    ».. صم لغريكون من فرجيا بنكيلا
    ولا تشرون آلما دْ نافقتون من فقر يكون
    لا نهفيكون روهنانا لملكيا وشلطانا
    ومريا هازن آلما، ولا لدهبا وكسبا
    شاجيش تغرا وازليا بنورا باشليا«.
    قال الراوي: هبط الليل علينا، لكن عمود النور الذي يشع من جسدي زينب والمجنون، كان يضيء البرية كلها. ثم إنهما افترقا، وعمود النور ما يزال منتصباً، وغطسا في الماء ثلاث مرات، ثم سمعنا المجنون ينشد ويقول:
    »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد، حاء وميم ثانية، والدال وميم أوله، داله دواؤه، ميمه محله، حاؤه حاله، ميم ثانية مقاله«.
    قال الراوي:رجعنا إلى بيوت القصب، لنختلي، كعادتنا في ليلة النصف من شعبان. إلا زينب والمجنون، فقد بقيا في وسط مياه الكرخة، والعمود النوراني بينهما، يتبعهما ذات اليمين وذات الشمال. أما مياه نهر الكرخة، فكانت بيضاء مثل لبن جاموسنا.
    قال الراوي: وما حدث بعد ذلك، كان هو العجب العجاب، عندما أخذ العمود النوراني يبث أشواقه في حضرة زينب والمجنون:
    إلهي..
    أَتُراكَ بعد الإيمان بك تعذبني؟ أم بعد حبي إياك تبعدني؟ أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني؟ أم مع استجارتي بعفوك تسلمني..
    حاشا لوجهك الكريم أن تخيّبني.
    ليت شعري.. أللشقاء ولدتني أمي؟ أم للعناء ربتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربني
    وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني/ وبقربك وجوارك خصصتني/ فتقرّ بذلك عيني/ وتطمئن له نفسي
    إلهي..
    هل تسوِّد وجوهاً خرَّت ساجدة لعظمتك/ أو تخرس ألسنةً نطقت بالثناء على مجدك وجلالتك/ أو تطبع على قلوب انطوت على محبتك/ أو تصم أسماعاً تلذذت بسماع ذكرك في إرادتك/ أو تغل أكفاً رفعتها الآمال إليك رجاء رأفتك/ أو تعاقب أبداناً عملت بطاعتك حتى نحلت في مجاهرتك/ أو تعذب أرجلاً سعت في عبادتك..
    إلهي..
    لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك/ ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك.
    إلهي..
    نفس أعززتها بتوحيدك كيف تذلها بمهانة هجرانك/ وضمير انعقد على مودتك كيف تحرقه بحرارة نيرانك.
    إلهي..
    أَجِرْني من أليم غضبك/ وعظيم سخطك/ يا حنّان/ يا رحيم يا رحمن/ يا جبّار يا قهار/ يا غفّار/ يا ستار/ نَجّني برحمتك من عذاب النار/ وفضيحة العار، إذا امتاز الأخيار من الأشرار/ وحالت الأحوال وهالت الأهوال/ وقرب المحسنون وبعد المسيئون/ ووفيت كل نفس ما كسبت/ وهم لا يظلمون.
    قال الراوي:
    وما حدث بعد ذلك، هو العجب الأعجب، فلقد اقترب عمود النور من زينب والمجنون، حتى استحالا عموداً من نور، وأخذا يعرجان إلى العُلا.


    ابو ظبي - الشارقة

    1996 - 1995







    إشارات


    يرد في هذا الأثر، ذكر مدن وبلدات ومواقع من الحضارات العراقية القديمة والفترات اللاحقة للفتح الإسلامي للعراق، إضافة إلى مدن أخرى في شبه جزيرة العرب.
    وترد في هذا الأثر أيضاً، أسماء ملوك وشخصيات عرفانية وأدبية ذكرتهم مدونات الآداب السومرية والبابلية والأشورية والعربية والإسلامية.
    ويتضمن الأثر مقتبسات من القرآن الكريم، والأدب البابلي، وأقوال بعض المتصوفة، إضافة إلى أدعية إسلامية، ونصوص من الأدب الديني المندائي.
    وهناك تواريخ ومواقيت، ترد خاصة في فصل »مذكرات« لها دلالات عميقة، باعتبارها مفاتيح للنصوص السردية.
    إن مدينة »ميسان« هي المسرح الكبير الذي يرمح هذا الأثر بين جنباته. وشهدت هذه »المدينة« أو »المنطقة« فترات مزدهرة نتيجة تأثر أهلها بحضارتي سومر وبابل. ويقول مستشرقون وكتاب عراقيون، بينهم الراحل طه باقر في كتابه »مقدمة في الحضارات« وعزيز سباهي في كتابه »أصول الصابئة - المندائيين ومعتقداتهم الدينية« إن »ميشان« أو »ميشون« شهدت حضارة مزدهرة قبل نحو ألفي عام.
    أما الكرخة، النهر والمدينة، فهي بلدة بين محافظة »ميسان« العراقية الحالية ومنطقة »عربستان« أو »الأحواز« في إيران. وقد بناها الإسكندر المقدوني وسماها »الإسكندرية« وكانت قاعدته للانطلاق نحو بلاد الهند.
    وقدمت مدينة »العمارة« التي هي مركز محافظة »ميسان« أسماء مقتدرة للحركة الوطنية العراقية والثقافة العراقية المعاصرة.
    والآن، هنا تعريفات موجزة بالمدن والمواقع والشخصيات والمقتبسات والتواريخ والمواقيت التي يتضمنها هذا الكتاب، فصلاً بعد فصل:
    رؤيا الطيِّبة
    * حسين بن منصور، هنا، هو إنابة عن الحسين بن منصور الحلاج، العرفاني الأشهر، والأبيات العمودية الثلاثة الواردة في هذا الفصل تنسب إلى الحلاج.
    * الدعاء الذي يبدأ هكذا: إلهي.. كَسْري لا يجبره إلا لُطْفك وحنانك ...إلخ، مستل من كتاب »مفاتيح الجنان« لصاحبه الشيخ عباس القُمّي. والدعاء عنوانه »مناجاة المفتقرين« - ص: 174 - 173 .
    * أمِتْ.. أمِتْ: كلمة رددها الجيش الإسلامي أثناء حروب الردة بعد وفاة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام.
    * »وعنده مفاتيح الغيب...... إلخ« قرآن كريم.
    مذكرات
    * في المقدمة »قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير...إلخ« يرد ذكر ليلة الحادي والعشرين من رمضان في إشارة إلى ذكرى طعن الإمام علي بن أبي طالب، أما عبارة »فُزتُ ورب الكعبة« فهي الجملة التي قالها علي بن أبي طالب بعد طعنه.
    * 10 محرم: يوم واقعة كربلاء المشهورة.
    * 11 حرم: يوم الوحشة الذي مرَّ به آل الحسين بن علي، حيث برز دور السيدة زينب بنت علي، كما روته كتب السير.
    * 14 محرم : يوم تسفير آل الحسين بن علي من كربلاء إلى دمشق.
    * 21 آذار: الانقلاب الربيعي، وعيد النيروز لدى الفرس، وعيد قومي لدى الأكراد، أما عرب جنوب العراق فيحتفلون بهذا اليوم باعتباره يوماً للخير.
    * الطيب: بلدة إيرانية عند الحدود مع العراق، وقد بناها الإسكندر المقدوني عندما فتح بلاد ما بين النهرين.
    * الدعاء: »سجد لك سوادي وخيالي...إلخ« مستل من كتاب »مفاتيح الجنان«.
    * الدعاء: »اللهم إني فقيرة إليك... إلخ« مستل من المصدر السابق، لكنني جعلته على لسان امرأة، بينما هو في الأصل على لسان رجل.
    * الدعاء: »قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك...إلخ« من دعاء »مناجاة العارفين« من كتاب »مفاتيح الجنان - ص 174«
    * »كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً... إلخ« تكييف من قبلي لمقولة مشهورة للإمام علي هذا نصها: »إلهي... كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً، أنت كما أحب، فاجعلني كما تحب«
    * 1 أيار: عيد العمال العالمي.
    * 14 تموز: في يوم 14 تموز 1958 ، أطاح الجيش العراقي بالنظام الملكي في العراق.
    * 10 نيسان: الربيع.
    * 14 رجب: رجب هو شهر الأحداث الكبرى التي تشير إليها مدونات الإخباريين وأصحاب الملاحم حول أشراط الساعة.
    * دلمون: البحرين. الوصل: دبي. الماجدية: مسقط رأس الكاتب، وإحدى محلات مدينة العمارة مركز محافظة ميسان.
    * الخضر: هو شاعر الإمارات المعروف: راشد الخضر، له ديوانان مطبوعان. يتسم شعره بالعفة والمواقف الاجتماعية الشجاعة. أما »مسافي« و »دبا« فهما منطقتان مشهورتان في دولة الإمارات العربية المتحدة.
    * رؤوس الجبال: مناطق سكنى الشحوح في دولة الإمارات وسلطنة عمان.
    تجليات
    * جلجامش: هو الملك السومري المشهور، وأنكيدو صديقه.
    * تربتي: »التربة« طين معجون من أرض كربلاء.
    * وحدي - يا مناي -
    آخر السكارى
    أقودكِ إلى المسجد
    هنا تناص مع نص »جلال الدين الرومي«: أنا مجنون وأنت سكران، فمن يوصلنا إلى البيت.
    في الحضرة
    * جلفار: أحد الأسماء التاريخية لمنطقة »رأس الخيمة«
    * مزون: هي سلطنة عمان الحالية.
    * سِنَّار ومَرَويْ: حضارتان سودانيتان.
    الصحيفة الميسانية
    * الروح العالي، حاملو الألواح، العلماء: مراتب دينية لدى المندائيين. والمندائيون فرقة غنوصية استوطنت العراق، يُسمون بـ »الصابئة« أحياناً وبـ »قوم يحيى« أحياناً أخرى. وهناك من يقول إنهم وفدوا إلى جنوب العراق من فلسطين، لكن الثابت أن لهم دوراً كبيراً في جنوب العراق قبل نحو ألفي سنة، وكان من بينهم رجالات ذوو شأن علمي رفيع أيام خلافة المأمون بن هارون الرشيد.
    * المقطع الشعري الذي يبدأ هكذا:
    إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
    إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
    هو جزء من نص عنوانه: »جلجامش في أرض الأحياء« يصور جلجامش وهو يمضي ليخوض صراعاً مع وحش رهيب سعياً وراء تخليد ذكره ورفع اسمه: مغامرة العقل الأولى - فراس السواح - ص 219.
    * »يا أحمد
    إن هو إلا وحي يوحى من النور
    إلى النور« من سورة النجم آية رقم 4
    نص منسوب إلى الحلاج »أخبار الحلاج«
    * »روشمي إلاوي لاهو بنورا....إلخ«
    نص من الأدب الديني المندائي، ترجمته الحرفية كما يلي، نقلاً عن كتاب »أصول الصابئة« لعزيز سباهي:
    »رسمي العالي لا يجرى بالنار ولا يجرى بالزيت ولا يجرى بالمسح. إنه مرسوم بالماء الجاري العظيم. ماء الحياة الذي لا يدرك الإنسان قدرته«
    * »صم لغريكون من فرجيا بنكيلا....إلخ« هو أيضاً نص من الأدب الديني المندائي، ورد في الكتاب آنف الذكر، وترجمته كالتالي:
    »لا تهبوا أنفسكم لملوك وسلاطين ومردة هذه الدنيا، ولا لذهب وفضة، ذلك يرميكم بالأذى ويجعلكم وقوداً للنار الحامية«
    * »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد.....إلخ« ينسب إلى الحلاج في كتاب »الطواسين«
    * الدعاء: »إلهي.. أتراك بعد الإيمان بك تعذبني.....إلخ« من »مناجاة الخائفين« كتاب الحاج عباس القمّي »مفاتيح الجنان - ص 166«



    * نهـــايــة

    روايــــــة
    مجنــون زينـــــب
    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 18 - 2 - 2011 الساعة 11:18 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •