شاكرة متابعتكــ لرواية إلياس خوري،،
شاكرة متابعتكــ لرواية إلياس خوري،،
وداد أحببتها. أحببتها كما أحببت مريم. حاولت أن أشرح لمريم معنى الحبّ, وأنّني حين رأيتها تذهب إلى الجنديّ وتمضي معه لفّني شعورٌ غامض وكأنَّني أمضي أنا, كأنّني صرت داخل عينيْها صورة مصغّرة لرجلٍ كنته, وها هو الآن يمضي إلى حيث تأخذه هذه المرأة.
في (دوما), وجدت حكايات أخرى, ولكنَّني لم أجد الرَّاهب. فقرّرت أنَّ بداية الحكاية هي كتابتها, وأنّ القدِّيس يوحنَّا حين بدأ إنجيله بعبارة (في البدء كان الكلمة), لم يكن يقصد بالكلمة (اللوغوس) اليوناني كما هو شائع, بل كان يقصد الكلمة المكتوبة, كان يقصد المسيح بوصفه كلمة مكتوبة على الصليب. لذلك حمل الرَّاهب صليبه ليبشِّر العرب بسنوات القهر المئة. ولذلك أيضا بدت وداد وهي مرميّة على الخط الأخضر الذي كان يفصل بيروت عن بيروت وكأنّها مصلوبة, مثل كمال ناصر, الشاعر الفلسطيني الذي قتلوه في بيته في بيروت عام 1972, وصلبوه على الأرض, وأفرغوا الرَّصاص في فمه.
لكن وداد كانت وحيدة.
(عاشت طوال حياتها وحيدة), قال جورج للدكتور نجيب الذي حاول معالجة ذاكرة المرأة البيضاء.
والآن يبدو المشهد بعيني جورج, فلا نرى سوى صورة ناقصة. جورج يرى مشهد المطبخ حين اكتشفت مدام لودي زوجها المكتهل وهو يحتضن الخادمة الصغيرة. يرى عيني الفتاة الممتلئتين رعبا وما يشبه الدموع. يرى إسكندر وهو يمسك بيد الخادمة ويخرج من البيت. هنا تغيب صورة وداد وتأتي صورة لودي. لقد تحوَّلت أمّه إلى ما يشبه الخرقة. انهارت فجأة وبدأت تنوح, وحين عرفت أنّ إسكندر أشهر إسلامه وتزوَّج الشَّركسيّة, تحوّلت إلى خيطٍ دقيقٍ مشدود. ذاب نهداها, وصارت تشبه رقبة طويلة مليئة بالتجاعيد.
وعندما مرض إسكندر واعتقد الجميع أنّه سيموت, زغردت لودي في البيت ورقصت, وقالت إنّ الله ينتقم لكرامتها. ولكنَّها ماتت قبل زوجها بعشرين سنة. ماتت كمدا كما قيل. كانت حين تعود من زيارتها لزوجها المريض ترتجف, وتملأ البيت صراخا. تدخل غرفتها وتقفل الباب ولا تفتح لأحد. أكثر ما كان يغيظها انحناءة الشَّركسيّة البيضاء وهي تقبِّل يدها, ثمَّ جلوسها على طرف كرسيّ الخيزران مطرقة الرأس دون أن تحكي.
في مأتمها بكى إسكندر كثيرا. وقف في الكنيسة خلف النَّعش وحيدا. وكانت الشَّركسيّة تقف في الخلف, مع النِّساء, ولا يلتفت إليها أحد.
لم تكن وداد تحكي إلاَّ حين يطلب منها زوجها ذلك.
كانت تلبس ثوبا أبيض, وتغطِّي رأسها بشالٍ من الحرير الأزرق, وتمشي منحنية الرأس وكأنَّها راهبة, ولا تحكي.
مرّة بكت.
كان جورج وشقيقاته يزورون والدهم. إسكندر يستلقي على أريكته في الصَّالة. يلبس قمبازه الحريريّ الأبيض المقصّب, وعلى رأسه طربوشه العثمانيّ الأحمر, وفي يده نربيش النارجيلة التي منعه الأطبَّاء من تدخينها, فصارت وداد تعدّها دون أن تضع الفحم الصغير المشتعل فوق رأس النارجيلة الملفوف بالتنباك. إسكندر يدخِّن دون دخان, والنارجيلة تقرقع بالماء, والأولاد يجلسون حول والدهم, وداد في مكانها على طرف كرسيّ الخيزران, وكلام يتقطَّع وسط الصمت. وبكت.
جورج نفَّاع يذكر أنّ المرأة غرقت في البكاء.
لم يسبق له أن رأى إنسانا يبكي هكذا.
كتلة بيضاء تتحوّل إلى نهرٍ من البكاء. التفت الجميع صوبها ولم يفهموا. كانت تنتفض بما يشبه الحشرجة, ثمّ بدأت ترتجّ, ثمَّ انهمرت الدموع وارتفع النشيج, حاولت أن تقف وتخرج من الصَّالة, ولكنَّها سقطت على الأرض وبدأ بكاؤها.
ركض جورج صوبها.
(اتركها), صرخ إسكندر.
تراجع جورج إلى مكانه, وكانت (تبلعط) وحيدةً وتنتفض, ويخرج النشيج من كلِّ أحشائها.
رفع إسكندر يده إلى الأعلى كي يطلب من أولاده أن لا يتحرَّكوا من أماكنهم.
وبقيت هكذا تتخبَّط في البكاء حوالي عشر دقائق, وكان الأب ينظر إليها بعينيْن لا مشاعر فيهما, والأولاد لا يتحرَّكون, وصوت النحيب يتضاءل ويغوص, وصار يغوص ويغوص وكأنه يغرق.
ثمّ نهضت.
خرجت من الصَّالة وذهبت إلى الحمَّام, اغتسلت وغيّرت ثيابها, وعادت لتجلس في مكانها على الكرسيّ بهدوء, كأنْ لا شيء.
(هي هكذا), قال إسكندر لأولاده. (تصيبها نوبة بكاء بين وقت وآخر, ولكن هذا لا يشغل البال).
جورج أخبر الدكتور نجيب حين جاء لمعالجتها من ذلك المرض المخيف الذي أصابها.
(قد تكون مصابة بداء الصّرع), قال جورج.
(لا, هذا ليس صرعا), جاوب الطبيب, (هذا شيء آخر, يا ساتر, وداد لم تكن مصروعة, وهي اليوم ليست خرفانة, هذا مرض آخر).
ولازمها مرض البكاء طوال حياتها.
إسكندر نفَّاع لم يكن يعرف حين اشتراها أنّه يدخل في منقلب آخر من حياته. اشتراها دون أن يفكِّر في الأمر كثيرا, كان يعتقد أنّه يحلّ مشكلة زوجته مع الخادمات. فمدام لودي كانت تتعذَّب كثيرا مع خادماتها. جميع الخادمات كنّ يغادرن البيت, بعد أقلّ من شهر, هربا من ظلم المدام وبخلها وتكبُّرها.
مدام لودي كانت تشعر أنّها ظُلمت بزواجها من إسكندر, هي ابنة عائلة جلخ الغنيّة التي كانت تعمل في تجارة الحرير, تزوّجت من رجل يعمل في القوميسيون, ولا ينتمي إلى إحدى عائلات بيروت السبع. وكانت طريقتها في التعويض هي التكبُّر على زوجها وظلم الخادمات, والتكلُّم باللُّغة الفرنسيّة. وكانت مأساة البيت هي الخادمات. تأتي الخادمة للعمل وفي أقلّ من شهر تهرب, ويدخل البيت في دوَّامة البحث عن خادمة جديدة. وقرّر إسكندر أنَّ الخادمات لن يدخلن بيته بعد اليوم, وكان ذلك بعد حادثة منيرة الحورانيّة. منيرة كانت فتاة ممتازة, هكذا كان إسكندر يعتقد حين رآها مع والدها في بيتهم ولودي تفاوضه على الأجر الشهريّ. سمراء, في الثامنة عشرة وتعرف كلّ شيء. تطبخ, تغسل, تنظِّف البيت, وتعدُّ النراجيل. لكن منيرة لم تطق البقاء في منزل لودي أكثر من ثلاثة أسابيع. إسكندر أُصيب بالرعب وهو يرى الخادمة تهجم على زوجته وتضربها, ثمَّ تبدأ بتحطيم كلّ شيء. صارت منيرة كالحيوان الهائج, حطَّمت الأواني الخزفيّة في المطبخ, ثمَّ انتقلت إلى الصالة, وبدأت تكسّر كلّ شيء. حملت شاكوشا وبدأت تضرب به أثاث البيت, كلّ شيء كان يتحطَّم, وإسكندر صامت لا يتدخَّل, ولودي مدمَاة على الأرض.
لم تأخذ حتَّى ثيابها.
خرجت منيرة من البيت بعد تلك المعركة ولم تعد. وإسكندر قرّر التوقُّف عن جلب الخادمات.
(أنت مسؤولة), قال لزوجته. (الحقّ عليكِ لأنَّك بلا قلب).
وكانت لودي تئنُّ وهي تقول له إنَّ الحقّ عليه لأنَّه لم يؤدِّب الخادمة الحورانيّة, لأنّ نيَّته عاطلة.
لودي كانت بلا قلب مع خادماتها.
كانت تحبّ الفقراء, توزِّع الثياب والطَّعام على المياتم, أمّا مع الخادمات فكانت تتحوّل إلى إنسانة أخرى. (الخادمة خادمة), كانت تقول, تعامل الخادمات كالعبيد, تجبرهنّ على العمل المتواصل, حتَّى وإن لم يكن هناك عمل, لا تطعمهنّ إلاَّ من أكل الأمس, وتضربهنّ ولا تعطيهنّ الثياب القديمة; لأنها كانت توزعها على العائلات الفقيرة، كما كانت تدعي .
عندما اشترى إسكندر الشركسيّة فكر أنها الحل.
قال لمحمد لاوند، وصديقه تاجر الجملة ، إنه يريد أن يشتري وجع رأسه بأي ثمن. وذهب مع محمد لاوند إلى فندق أميركا، قرب مرفأ ببيروت، وهناك اشتراها بخمس ذهبيات، وكانت لا تحكي ، وصلت بالباخرة من الإسكندرية قبل يومين، بياضها مخطوف من الإرهاق والخوف ، وتنظر بعينين فارغتين ، ولا تعرف سوى بعض الكلمات العربية بلهجة هي مزيج من المصرية والتركية.
اشتراها باعتبارها شركسية. هكذا سماها البائع الذي لا يذكر إسكندر منه سوى صلعته المبقعة بما يشبه الزيت.
قال البائع إنها وداد الشركسية، وهي تساوي ثقلها ذهبا.
اشتراها إسكندر، ومضى بها إلى البيت.
وكانت وداد لا تحكي.
رأسها ينحني قليلاً، وتعمل طوال النهار بلا تأفف لا تنتظر شيئا، وتنظر إلى الأشياء وكأنها لا ترى.
عيناها كبيرتان وغائمتان ، وهي كالمشدوهة لا تعرف، كأنها لا تعرف تمشي خلف لودي كظلها وتطيعها. وحين كانت المدام تضربها، لم تكن تبكي أو تعترض ، كانت كالظل، كأنها غير موجودة، وصارت تتكلم العربية وتفهم فرنسية المدام، ولم تعد لودي تشكو من الخادمات.
عملت هيك لأني حبيتك وعاملتك متل بنتي، يا بنت الكلب، قالت لها لودي وهي تراها تمشي خلف إسكندر الخارج من البيت.
حين وجدتها لودي مع إسكندر في المطبخ، لم تصدق المرأة عينيها فهذه الفتاة النحيلة التي تشبه الظل، لم تكن امرأة بالنسبة للودي ، كانت لا شيء لكن جنس الرجال. "جنس الرجال دني"، قالت لابنها جورج وهي تبكي.
الشركسية البيضاء لم تفهم.
كانت في المطبخ تجلي الصحون، مدام لودي في سريرها من أجل قيلولة بعد الظهر المقدسة ، الأولاد في المدرسة، والخواجة إسكندر في الصالة يدخن نرجيلته قبل أن يعود إلى عمله.
لم تره في البداية.
أحسّت بلهاثه على عنقها، عرفته من رائحة التنباك العجمي المختلط بلهاثه ، ولكنها لم تتحرك تسمرت في الأرض. وضع يديه على كتفيها وبرمها وأخذها بين ذراعيه، تأوهت ، فتحت عينيها وتأوهت . رأى إسكندر التأوه في العينين، واشتعلت فيه كل الرغبات التي لم يكن يدري بوجودها .
قال لها إنه كاد يبكي من الحب .
(( متابعــة سعيــدة))شاكرة كل من مـــر من هنــا،،
وداد إلى جانبه، وهو مستلق على السرير ويشعر بالاختناق ، أمسك بها من يدها وقال لها إنه كاد يبكي في المطبخ، من أجل ذلك تزوجها.
وضعت يدها على رأسه وطلبت منه أن ينام . فأغفى.
كان ، عندما تضع يدها على رأسه وتطلب منه أن ينام، يدخله النعاس ويطفو فوق النوم، بقي هكذا ثلاثين سنة، ينتظر النوم يأتيه عبر يدها الصغيرة الموضوعة على رأسه.
كبرت وداد.
كلها كبرت. رآها إسكندر تكبر تحت لمساته، صدرها استدار ، صارت أطول وأجمل ، الوركان اكتملا، وشعرها طال وطال ، وهو لا يسمح لها بأن تقصه، كل شيء كبر وتغير ما عدا اليد. الديان بقيتا صغيرتين وطريتين وتقودانه إلى النوم.
عندما دخلت لودي إلى المطبخ لم يكن إسكندر يعرف إلى أين سيقوده عمله الطائش هذا. ذهب إلى الفتاة هكذا، كما كان يفعل مع جميع الخادمات. لم يكن يمارس الجنس معهن ، كان يطوش ، كما يروي لأصدقائه على كأس العرق، يقتنص منهن قبلات ولمسات وأشياء صغيرة، من أجل تنشيط الدورة الدموية. ذهب إلى هذه الفتاة كما ذهب إلى سواها ، ولم يكن يخطر بباله أنه سيجاوب زوجته كما أجابها. فهذه لم تكن المرة الأولى التي تكمشه فيها لودي وهو في وضع ملتبس مع إحدى خادماتها. في العادة ، كان يدعي أنه يضرب الفتاة أو يؤنبها، وكانت لودي تفهم وتغض النظر، ويزداد اقتناعها بحقارة الجنس ووساخة الرجال ، وتتحول إلى لوح جامد في السرير.
هذه المرة لم يدّعِ إسكندر أنه يؤنب الشركسية . كان مؤخذا بذلك الماء في عينيها ، وتلك الآهة التي خرجت من أعماقها . احتضنها وشعر بدعسات زوجته، لم يتراجع.
أحكم قبضته على الفتاة وضمها إليه ، وبدأ يشمها. رأته لودي يشمشمها كما يشم الحيوان أنثاه قبل أن يضاجعها، والفتاة تتأوه وكأنها تستسلم . وإسكندر يذوب ويفقد قدرته على السيطرة.
وحين صرخت زوجته جاء صوتها وكأنه خارج من بئر عميقة . لم يحرك فيه صوت زوجته شيئاً، أمسك بيد الفتاة ومضى بها وتزوجها.
أما هي ، فهنا السؤال.
لا أحد يعرف بما شعرت، أو فيم فكرت، أو ماذا تريد،؟ مشت وراءه وذهبت إلى حيث أخذها.
هل كانت ترى الأشياء كما رأتها في النهاية؟ هل كانت تعرف؟ هل كانت الطرق التي قطعتها بين بيروت وصوفر تعني لها شيئا؟
لا أحد يعرف .
إسكندر لم يرو لأحد. أخذها ومضى بها إلى صوفر ، نزلا في فندق " صوفر الكبير" في الجبل، حيث حولها إلى سيدة، وعاد بها ليسكنا في بيتهما الجديد المحاط برائحة أشجار الفتنة والياسمين.
طوال حياته معها لم يسأل سؤالا واحدا عن بلادها أو أهلها ، كان حين يراها تبكي ، وكانت تبكي دائما، يتركها تغتسل بدموعها ولا يسأل. وهي لم تكن تحكي.
صارت تتكلم العربية بطلاقة، تعلمت القراءة والكتابة وحدها، كانت تسرق الحروف من المجلات والصحف، وتسأل إسكندر والرجل يبتسم ويعلمها. صارت كجميع الناس وعاشت. كانت نصف ممرضة ونصف راهبة ، وأقامت مع الرجل تعتني به وتمرضه وتخدمه ، وتضع يدها الصغيرة على رأسه، ولم تتركه.
عاش إسكندر عاشقا، وككل العاشقين كان يخاف من الفتاة البيضاء . يراها تتركه فيخاف. هكذا كان يراها في لحظات مرضه، تختفي من حياته كما دخلتها. تدخل الحائط الأبيض الذي جاءت منه وتمضي ، لكنه كان يعرف أنه لا مكان لها تذهب إليه، ومع ذلك لم يخصها بشيء في وصيته، كان يعرف أنه عندما سيموت، فإن وداد ستعود إلى بلادها. مات إسكندر ووداد لم تعد، بقيت في البيت نفسه، عاشت نمط الحياة الذي تعودت عليه أيام زوجها، كأنه لم يمت . إحدى جاراتها وكانت خياطتها وصديقتها الوحيدة قالت إنها رأتها مرة وهي تفتح الخزانة وتكلم ثياب زوجها التي بقيت معلقة في الخزانة، وكانت وداد تغسلها وتكويها وتعيدها إلى مكانها.
تعلمت وداد القراءة والكتابة، وصارت تذهب كل يوم إلى ميتم، زهرة الإحسان، حيث عملت كمتطوعة . إسكندر لم يعترض. فكر أن هذا يساعدها على التأقلم مع حياتها الجديدة. كانت تريد أن تخدم الفتيات اليتيمات، ولكنها وجدتهن وقد تحولن إلى ما يشبه الخادمات ، فصارت تخدم معهن. تأتي كل يوم في العاشرة صباحا بعد أن تنهي عملها المنزلي، وتغرق في شغلها داخل الميتم حتى الثانية بعد الظهر. وحتى عندما كان المرض يشتد على زوجها، ويجبرها على البقاء في المنزل، فإنها لم تنقطع عن عملها في الميتم.
مرة واحدة وافقت على أن تطلب من إسكندر شيئاً
كان إسكندر عندما ينتهي من شرب ثلاث كؤوس من العرق. هي حصته كل مساء، يبدأ بتقبيلها وهو يصرخ، اطلبي يلي بدك، بس قولي، لم تطلب شيئا ، رفضت أن تجلب خادمة إلى البيت، رفضت الذهب والماس وقطعة الأرض التي أراد أن يطويها لها. رفضت كل شيء وعندما طلبت منه ميرنا رفض.
مرة طلبت من زوجها أن يسمح لها بتبني إحدى الفتيات . رفض. قال إن عنده أربع بنات، ولا يجوز أن يتبنى فتاة جديدة.
يومها بكت وداد. ركعت على الأرض ، قبلت قدميه. كان مريضا ويعاني من احتقان في الرئتين، ركعت وصرخت " الله يخلّيلي ياك يا سيدي ، أنت على راسي ، أجرك على راسي ، بس ميرنا". قال لا .
بكت وداد . من يومها صارت الشركسية البيضاء تغرق في البكاء وتعود إسكندر على بكائها.
سأل الطبيب الابن عن أصدقاء المرأة.
جورج نفاع بدأ يشعر بأن ذاكرته تخونه، فهو يصغر وداد بسنة واحدة، الحرب والكهولة والابن المريض، والهموم، جعلت ذاكرته تتقطع ، فصار يجد صعوبة في تذكر أسماء الناس والأماكن، ولكن هذا لم يؤثر على سلامة عقله، وعلى قدرته على إدارة أعماله التجارية، رغم ظروف الحرب الصعبة.
قال جورج للطبيب إنه لا يعرف شيئا عن أصدقاء المرأة. صحيح أنه واظب على زيارة الشركسية بعد وفاة والده، ولكنه لا يعرف عنها شيئا. قال لزوجته إنها امرأة نبيلة ، جاءها بعد ثلاثة أيام على دفن والده ليحدثها عن الميراث، فقالت لا . كله لكم يا ابني ، أنا ما بدي شيء غير السترة، وقعت التنازل عن كل شيء، وأصرت على التنازل عن حصتها في ملكية البيت الذي تسكن فيه ، وقالت إنها ستلحق بزوجها بسرعة، ولا لزوم لإجراءات نقل الميراث المعقدة . لكنها عاشت ثلاثين سنة أخرى.
قالت لجورج إنها ستعود بسرعة، ففهم أنها تتكلم عن اللحاق بزوجها، ولكنها لم تعد . بقيت في البيت، وحافظت على نمط حياتها كما كان . شيء واحد تغير، وهذا لا علاقة له بموت الزوج، لأنه حصل قبل الوفاة، فلقد توقفت وداد عن الذهاب للعمل في الميتم بعد أن تزوجت ميرنا، الفتاة التي كانت طلبها الوحيد من زوجها، عندما لم تجد وداد ميرنا مع الفتيات، تركت كل شيء وركضت إلى مكتب الرئيسة "بربارة" وسألتها عن ميرنا. جاوبتها الراهبة بأنهم زوجوها وسافرت. قالت الراهبة إن هذا أفضل ، ولم تخبر وداد باسم للزوج ولا بالمكان الذي ذهبت إليه الفتاة.
انقطعت وداد عن الذهاب إلى الميتم، وصارت تقضي وقتها كله في البيت لا تخرج منه. بقيت هكذا ثلاث سنوات، سنة قبل وفاة الزوج، وسنتين بعد وفاته، ثم صارت تتردد على مأوى العجزة وتعمل هناك.
جورج نفاع يعتقد أنها أقامت علاقة مع الخواجة سيرافيم ، وهو صيدلاني عجوز كان يعيش وحيدا مع زوجته ولا أولاد لهما. بعد وفاة الزوجة أغلق صيدليته ، وقرر أن يسكن في غرفة مستقلة داخل المأوى. وداد كانت تزوره في صومعته (هكذا كان يسمي غرفته التي علق على حيطانها الأربعة عشرين أيقونة بيزنطية) وتخدمه مجانا، من ضمن عملها في المأوى. وسرت شائعة أنها صاحبته، جورج لا ينفي هذا الاحتمال ولكنه لم يجرؤ أن يسألها عن الموضوع. وحين مات الخواجة سيرافيم مشت وداد كالرجال خلف النعش، سهرت معه طوال الليل في الكنيسة قبل دفنه، ولكهنا لم تبك.
"من هذه المرأة ؟ " سألتني مريم.
كنا نمشي وسط ذلك الدمار وكأننا نمشي في الفضاء . فضاء الدمار يجعلك تشعر أنك معلق في شرفة مفصولة عن كل شيء.
قالت مريم إن المرأة هي المرأة، وإن وداد كانت تبحث عن اسمها، فلم تجده، ولذلك عادت إلى حيث يجب أن تعود.
سامية لم تعد.
سامية تمضي إلى حيث تمضي، قلت لمريم. قلت لها إن سامية حين أمسكتني من يدي أمام القبر، وصعد إلى عيني ذلك الحب الذي لم يجرؤ أن يتحول إلى كلمات ، كانت تبحث عن فيصل، وهي تشير إلى قبر علي أبو طوق، فعلي قد يكون فيصل، وأما أنا فلا . ولكن لماذا نادتني فيصل، ولماذا جاوبتها حين سمتني باسم آخر؟ هل لأنني مجرد عاشق عابر أم أن العابرين لا يسكنون.
"الحياة زيارة عابرة" قالت وداد لابن زوجها إن المسألة لا تحرز، خود كل شيء يا ابني أنا ما بدي شيء.
يومها قبلها جورج ودمعت عيناه، وصار يزورها مرة في الأسبوع يقضي معها بضع دقائق ويذهب يسألها إذا كانت بحاجة إلى شيء، ودائما لم تكن بحاجة إلى شيء ، في التاسعة من صباح كل سبت كان يأتي ، فتكون ركوة القهوة جاهزة يشرب قهوته ويذهب، وهي تبقى كالظل في مكانها تجلس على طرف الكرسي بشالها الأزرق الذي يغطي شعرها الطويل، ورأسها شبه منحن.
لا شيء تغير .
الحرب بتوحشها وغرابتها لم تغير شيئا في حياة المرأة. مرة واحدة تغير كل شيء . أصيب منزل جورج بقذيفة من عيار 155 ميليمترا، انهدم البيت تقريبا، ولم يصب أحد بأذى ما عدا إسكندر الصغير. عندما أصيب إسكندر كسرت وداد كل التقاليد وذهبت إليه في المستشفى، وبقيت إلى جانبه ستة أشهر لا تتركه ليلا ولا نهارا. تخدمه كأنها ممرضة، ولا تسأل شيئا ولا تتعب وبعد أن خرج من المستشفى مشلولا عادت وداد إلى منزلها، ولم تزره في البيت ولا مرة. كانت تسأل عنه جورج دون أن تسميه تسأل ولا تنتظر الجواب، وجورج لم يكن يجاوب، كان يهز رأسه بينما تسكب له فنجان القهوة، يشربها دون أن تشرب معه.
ثم جاءت النهاية.
مرضت وداد، بدأت تشعر بتثاقل في قدميها ، ثم صارت تفضل البقاء في سريرها. وذات صباح حدث ذلك الشيء الغريب . فجأة نسيت وداد اللغة. وداد الشركسية التي كانت تتكلم اللغة العربية ولا تعرف لغة أخرى، نسيت لغتها.
روى جورج نفاع أن المرأة عاشت في مرضها تجربتين مرعبتين : تجربة الشعر وتجربة اللغة.
شعرها الأبيض المتماوج الذي كان ينحدر على كتفيها بدأ يتناثر ويتساقط، مسالة تساقط الشعر حيرت الجميع. صار شعرها خصلا تتساقط على كتفيها، وكانت تمسح الخصل وترميها على الأرض دون أن يبدو عليها التأثر أو الخوف.
جورج نفاع الذي صار يزورها يومياً في فترة مرضها، كان يتوقع كل صباح أن يجدها صلعاء ولكنه كان يكتشف أن شعرها ما يزال فوق رأسها، وأنها حين كانت ترفع رأسها لترد تحيته يتساقط الشعر الأبيض على كتفيها، فتنفضه وتتابع كلامها، كأن لا شيء .
وماتت اللغة.
رفضت أن تذهب لتعيش في منزل ابن زوجها ، ورفضت الذهاب إلى المستشفى ، ونظرت إلى جورج باحتقار حين اقترح عليها مأوى العجزة، حتى الطبيب نجيب كنعان الذي كان صديقاً حميماً لزوجته ، طردته وقالت إنها لا تريد أحدا.
ثم ماتت.
لا لم تمت.
قبل أن تموت ماتت اللغة ونسيت كل شيء.
جاءها جورج في الصباح كعادته يحمل لها الطعام والثياب النظيفة، فنظرت إليه كالمعتوهة وكأنها لا تعرفه. سألها مرة ثانية ومرة ثانية تكلمت وكانت الكلمات غير الكلمات. لم يفهم جورج وشعر بخوف شديد، واحتار ماذا يفعل.
" شو بك يا أمي".
كانت هذه المرة الأولى التي يسميها فيها أمّه.
الأم كانت تحكي وتحكي، بلغة أخرى، لم يفهم منها جورج كلمة واحدة.
استدعى جورج الدكتور نجيب الذي تلفن إلى المستشفى وجلب سيارة إسعاف، وتم نقل المرأة بالقوة إلى مستشفى " الجعيتاوي". وهناك اكتشفت إحدى الممرضات، وهي تحاول منعها من مغادرة سريرها، أن المرأة قوية كثور، وتتكلم لغة قريبة من التركية.
الممرضة الأرمنية "تالين" تعرف بعض الكلمات التركية من جدتها التي هربت من تركيا في المذبحة الكبرى التي جرت خلال الحرب العالمية الأولى. قالت " تالين" لجورج إن المرأة كانت تتكلم لغة قريبة من التركية. ولا تحكي سوى في موضوع واحد، الطفولة، حكت عن طفولتها في تلك البلاد البعيدة، قبل أن تخطف وتباع في بيروت، وتتزوج الخواجة إسكندر نفاع.
قبل أن تهرب من المستشفى زارها الدكتور نجيب، وحاول أن يعيد لها لغتها أو أن يجعلها تتذكر حياتها في بيروت، ولكن دون جدوى، قال الدكتور إنها حالة معروفة في طب الكهول، إذ يقوم الدماغ بحجب الحاضر وإلغائه ، واستعادة الماضي، حتى اللغة المكتسبة تذهب، ولا تعود على شاشة الدماغ سوى ذاكرة الطفولة ولغتها.
" نسيت كل شيء، كأنها لم تكن"، قال جورج لزوجته وهو يبكي.
وداد كانت .
في الخامسة من صباح 9 أيار 1976 هربت من المستشفى، في الصباح الباكر ، حين يكون النعاس قد شل قدرة الممرضات على المراقبة، لبست وداد ثيابها وغادرت المستشفى ولم تعد، ووجدت بعد ثلاثة أيام جثة على طريق الشام قرب مدخل حي البرجاوي . مشت وحيدة ثم ماتت. ربما كانت تبحث عن بلادها التي استفاقت من حفرة الذاكرة، فجأة قامت الذاكرة وكأنها انفتحت على قاع بئر وجرفها القبر إلى حيث لا عودة.
إسكندر نفاع، زوجها، لم يكن يعلم أن هذه الشركسية لم تكن شركسية، وأنها خلال حياتها الطويلة في هذه المدينة كانت غريبة وبلا ذاكرة. كان يشعر أنها خلقت من ضلعه وأنها خلال حياتها الطويلة في هذه المدينة كانت غريبة وبلا ذاكرة. كان يشعر أنها خلقت من ضلعه وأنها له وحده. وخلال مرضه الطويل كان يشعر أنه والدها وزوجها. يشعر أنه خلقها من عدم، وحولها إلى سيدة.
وحين نسيت كل شيء، تذكرت كل شيء .
" أين الحقيقة؟" ، سألني إميل.
هل حقيقة وداد البيضاء هي حياتها كما نرويها اليوم، أم هي حياتها التي لم تعشها، أم لا هذه ولا تلك؟
وسقطت المرأة البيضاء وسط أزير الرصاص في بيروت التي كانت تتمزق ذاكرتها وتنثر فوق آلاف البنادق المتواجهة.
والإنسان ينسى كما قالت العرب . لكن لا ، حين ينسى يتذكر. هكذا نحن نتذكر ولا ننسى، ألم تكن هذه الحروب تمارين الذاكرة ؟ يقولون إن الحرب تمرين على النسيان، إذ لولا أننا نسينا هذه المجازر التي خضناها لقتلنا تأنيب الضمير. الضمير أيها السادة مسالة أخرى. وتحتاج إلى تفكير جديد.
وداد التي استفاقت من غفوتها البيروتية الطويلة، ذهبت إلى المكان الوحيد حيث الذاكرة، ذهبت إلى الحرب . وهناك لم تجد قريتها التي لا تعرف اسمها، ولا يعرف أحد اسمها ولم تجد أمها وإخوتها، هناك وجدتنا ونحن نحمل بنادقنا ودمنا. هناك غرقت الشركسية البيضاء في دمها، وانطوت حكايتها كما تطوى حكاية في كتاب.
انطوت وداد كما تنطوي الحكايات، ومعها انطوت ذاكرتها المشوشة بلغات اختلط بعضها ببعض، وتحولت في النهاية إلى حكاية من السكوت كانت وداد تسكت دائماً امرأة يلفها السكوت وتلبسها ، غمامة بيضاء مرسومة فوق عينيها.
أخبرت هذه القصة لسلمان رشدي.
" تصلح مادة لرواية"، قال.
" أعرف "، قلت، لكنني أخاف من كتابتها .
لم يسألني لماذا أخاف. فالكاتب يعرف أن الكتابة هي العلاقة المطلقة بالخوف. صفحة الكتابة هي صفحة الخوف. والخوف ليس على الحكاية بل منها، نخاف أن تبتلعنا الحكاية وتحيلنا إلى هامش فيها، فنمّحي بدل أن نسطع، ونختفي بدل أن نظهر ونتحول إلى جزء من حكاية لا نعلم كيف ستنتهي بنا ولا إلى أين ستقودنا.
أخبرت رشدي هذه الحكاية عندما التقيت به في لندن عام 1988 ، قبل أن يصدر كتابه " آيات شيطانية"، وتتحول الكتابة إلى مسار يجعل من الكلمات أشبه بحبل يتدلى نحو بئر الموت. كنت أريد أن أروي له حكاية طبيب القرية، ولكنني بدلاً من ذلك أخبرته قصة الشركسية البيضاء.
" وأنت ؟ " ، سألته .
" أنا ماذا ؟ " ، قال .
" أنت، ما علاقتك باللغة؟".
ابتسم بدهاء وكأنه، يعرف إلى أي منفى ستقوده كلماته.
سألته عن علاقته بلغته الأصلية " الأوردو"، فروى لي أنه أتى إلى بريطانيا وكان في السادسة عشرة، وأنه يتكلم في مناماته باللغتين الإنكليزية والأوردو، ولكن الإنكليزية طغت على اللغة الأخرى، "
ليس الآن"، قلت.
" متى ؟" سألني".
أخبرته أننا نستطيع أن نكتب رواية عن كاتب هندي جاء إلى لندن عندما كان في السادسة عشرة ، وكتب رواياته بالإنكليزية . وفي عمر معين يصاب بذلك المرض، فينسى الإنكليزية ويعود إلى التكلم بلغته الأصلية، ويصبح عاجزاً عن قراءة كتبه.
" لكنني لم أنس الأوردو كي أتذكرها، كما فعلت بطلتك الشركسية، اخترت الإنكليزية بشكل واع. وحدثني عن علاقته باللغة الإنكليزية وكيف يشعر بالسيطرة عليها.
" اللغة كالأرض " ، قلت له . نستطيع احتلال لغة الآخرين كما نستطيع احتلال أرضهم . لكن المسألة هي من نحن. هل نهرب من أعدائنا إلى أعدائنا؟ هل نقبل أن نروي ، وبدل أن تقرأ حكاياتنا التي نكتبها نتحول نحن إلى حكاية؟
أذكر أن رشدي أهداني يومها مخطوطة كتابه " آيات شيطانية".
كنا نناقش رواية " العار " وكنت أقول له إن ما يخيفني في أدب العالم الثالث هو منحاه الغرائبي الذي يحوله، إلى صفحة من ماضي العالم، ويصنفه في الغرب في باب العجائب التي لا يمكن إيجاد حلول منطقية لمشكلاتها.
لست أذكر جيدا ماذا حكينا، ولكنني أذكر أننا شربنا قليلا من الخمر وتحدثنا في النهاية عن طبيب القرية، وتلك حكاية أخرى روتها لي مريم أو رويتها لها، لم أعد أذكر. كنت كغيري من القراء، مدهوشا بحكاية ثقوب الملاءة، التي كتبها سلمان رشدي في روايته ، أطفال منتصف الليل، في رواية رشدي يقع الطبيب آدم عزيز في غرام مريضته نسيم من خلال ثقب الملاءة. تقول الحكاية إن الفتاة كانت تطلب الطبيب كلما شعرت بألم في جسمها. ويأتي الطبيب لزيارتها تحت نظرات والدها القاسية، ويفحصها دون أن يفحصها، واكتشف الأب طريقة غريبة كي يعرض جسم ابنته على الطبيب. كانت الفتاة تقف خلف ملاءة مثقوبة ، وتعرض من خلال الثقب الجزء المريض من جسدها. تكررت الأمراض وتكررت الزيارات، وانتهى الأمر بالطبيب إلى أن يرى جميع أجزاء نسيم من خلال الثقب. وسط الدكتور آدم في عشق فتاة الثقب وتزوجها كي يضم الثقوب بعضها إلى بعض وتقوم عيناه بتجميع أجزاء الجسد المقطع.
عندما رويت هذه الحكاية لمريم أخبرتني حكاية طبيب القرية . كنت أعرف الحكاية لأنني سمعتها من قريب لنا ما يزال يسكن قرية " المنصف" في شمالي لبنان، نحن في الأصل من تلك القرية، هاجرنا منها منذ ثلاثمائة سنة لأسباب مجهولة ، هكذا أخبرني أبي ، وأنا صدقته لأنني بحاجة إلى أصل قروين فحين تعيش في بيروت تحتاج إلى إثبات فكرة أن بيروت هي خيار لا مدينة انتماء. تختار بيروت لا لأنك بيروتي ، بل لأنك تريد أن تكون بيروتياً. هذا هو سر بيروت الذي يعرفه جميع الذين عاشوا فيها.
في تلك القرية، منذ سنتين سنة أو أكثر ، عاش طبيب متجول كان واحدا من أوائل خريجي معهد الطب الفرنسي في بيروت، وكان يدعى الدكتور لطفي بركات ، أخبار الطبيب الشخصية ، وعلاقاته النسائية المتعددة، وادعاء ابنائه بأن لهم إخوة غير شرعيين في كثير من قرى جبل لبنان، لا تهمنا الآن. ما يهمنا هو كيف كان يفحص النساء ، في تلك الأيام ، نقول الحكاية، لم يكن يحق للطبيب أن يرى جسم المرأة حتى ولو كانت تحتضر، فهذا في عرف سكان جبل لبنان، من مختلف طوائفهم، كان يعتبر انتهاكا للشرف، وطبيبنا الذي كان يركب حماره ويدور بين القرى ، كان يحمل في حقيبته تمثالاً صغيراً لامرأة عارية . طلبت من أبي أن يأخذني إلى " المنصف" كي نبحث عن التمثال في بيوت أبناء الطبيب وأحفاده، ولكن أبي، رغم احترامه للأدب ، كان يعتقد أن على الأديب أن يكون مثل جبران خليل جبران، يؤلف الشعر والقصص من خياله الشخصين ولا يذهب من مكان إلى مكان بحثا عنها، كما أفعل أنا . " الأديب ليس بائعا متجولا"، قال أبي، هو الذي يؤلف ما يقوله الناس، ولا يسرق أفكار الناس، ويقول إنها الأدب". وقال إنه لا يعرف " المنصف" إلا من خلال زيارة قام بها منذ أربعين سنة ، وأن زيارتي إلى تلك القرية البعيدة لن تساعدني في العثور على التمثال أو على القصة.
كان الطبيب يحمل في حقيبته تمثالاً صغيراً لامرأة عارية، ومع التمثال قضيب نحيل قصير من الخيزران. يدخل إلى منزل المريضة، يضع التمثال الصغير على الطاولة تكون هي في السرير تتأوه، يطلب منها أن تهدأ قليلا وتحدد له مكان الوجع. والمريضة، مثل كل المرضى حين يداهمهم الألم، لا تكون قادرة على تحديد المكان الحقيقي لألمها. يطلب منها الطبيب أن تفتح عينيها جيدا، ويشرح لها أنه سيمرر القضيب على جسد التمثال، وأن عليها أن تخبره عندما يمس القضيب مكان الوجع في جسدها، وكان لهذه الطريقة فعل السحر في مريضات الدكتور لطفي بركات.ابتعدت عيناها في إغماضة خجولة، اقتربت من جسدها الأبيض، استرخت كأنها تنتظر أن أتوسدها. أخذتها بين يدي، ارتفع الوهج، واشتعلت حرارة جسدها وكأنها محمومة.
عندما ترى المريضة القضيب الصغير وهو يمر فوق التمثال العاري، كانت تبدأ في التأوه والصراخ، يسحب القضيب ويطلب من مريضته أن تهدأ قليلاً، لأن المريضة كانت ما إن يمس القضيب أي جزء من
جسد التمثال حتى نبدأ بالصراخ، وهو ما يعطل على الطبيب إمكانية تحديد مكان الوجع بشكل دقيق.
كان الطبيب بعد جولة التأوه والصراخ الأولى، يعطي مريضته كوب ماء، ويطلب منها أن تشربه بتمهل. ثم يجلس على كرسي ويدخن سيجارة كان يمضي وقتا في لفها وتدخينها ويترك مريضته تشعر بالأمان، ولا يطلب من أهلها مغادرة الغرفة، ولكنهم بنظرة منه تخترق بياض دخان لفافته، كانوا يخرجون ويتركونه وحيدا مع مريضته في غرفة مفتوحة الباب.
ومن جديد، يبدأ الطبيب بتمرير القضيب بهدوء فوق أجزاء الجسد العاري الموضوع أمامه على شكل تمثال، وتأخذ المريضة في التأوه بصوت منخفض والقضيب يمر، كان الطبيب في هذه المرحلة ، يمرر القضيب من الرأس حتى القدمين ببطء وهدوء، ويترك مريضته تتأوه ، ثم حين يصل إلى مكان الوجع يرتفع صراخ الالم. كانت المريضة تصرخ كحيوان جريح، والطبيب يشد على المكان بالقضيب الذي يهتز بين أصابعه والصراخ يرتفع . صراخ وأنين وأسنان تصطك ، وكأن المريضة تضع مولودا. ويرفع الطبيب القضيب عن جسد التمثال ، فتسكت المرأة ، ثم ترتجف بالحرارة والعرق، ويطلب من أهلها لفها بالأغطية السميكة، ويترك الغرفة هو والتمثال والقضيب والحقيبة ويصف الدواء. كان الطبيب يعلم أن مريضته شفيت عندما يرى الارتجافة والعرق يجتاحان جسدها. وكان يصف الدواء لأنه ضروري من أجل إيهامها بأن الدواء سيشفيها . ولكنه كان يعرف أن المريضة شفيت وأنه يستطيع أن ينصرف الآن بهدوء.
كنت أريد أن أقول لسلمان رشدي إن الفرق بين حكايته بين الدكتور آدم وحكاية مريم عن الدكتور لطفي بركات هو مجرد فرق لغوي. في روايته هناك امرأة شرقية تروي بلغتها ومن وجهة نظرها، ولذلك غطت نسفها بملاءة مثقوبة ، وتركت الطبيب يسقط في غرامها قطعة قطعة، وأما في حكاية مريم فإن من يروي هو رجل شرقي. قضيب الخيزران هو رمز شبيه برمز الثقب في الملاءة. ولكن ماذا لو التقى الرمزان؟ ماذا لو وضعنا قضيب الدكتور لطفي في يد الدكتور آدم؟ هل كانت القصة ممكنة؟ القصة ممكنة فقط حين يكون أحد الطرفين رمزاً، وإلا تحولت الحكاية إلى واقع مستحيل التصديق، أي إلى ما يشبه أدب العالم الثالث الشائع هذه الأيام.
لست أذكر ماذا كانت ردة فعل سلمان رشدي على حكاية طبيب القرى، كنت مشغولاً بأسئلتي عن اللغة والاحتلال والهجرة، وكنت أراه أمامي كبطل محتمل لحكايته. أراه كما رأيت وداد البيضاء ، ولكن هنا ، ومرة أخرى ، وداد لم تختر حياتها، بل اختارت موتها. وأما نحن الذين ندعي أننا اخترنا حياتنا فمن المؤكد أننا لن نستطيع اختيار موتنا، سوف يأتي الموت ويلفنا ونحن لا ندري، ما هو الخيار الأفضل : أن نختار كيف نعيش، أو أن نختار كيف نموت؟
لن أقول لست أدري ن فلقد قلتها عشرات المرات في هذه الرواية، ما أعرفه أنني قلت لرشدي إن خياره سوف ينتهي به بطلا محتملا في هذا الزمن ، هو الأسوأ بين مصائر كل الأبطال. كان ينتظره خطر الموت وخطر الكتابة وخطر الحرية،
نهض رشدي وأعطاني مخطوطة الآيات الشيطانية . ودعته ومشيت. وبعد ذلك بعام صدرت روايته، وتعرفون بقية الحكاية.
الحكاية إذن هي ماذا نروي.
نجد الحكايات مرمية في شوارع الذاكرة وأزقة المخيلة، كيف نجمعها لنقيم نسقا فوق أرض تتحطم فيها كل الأنساق؟
من نحكي كي نروي؟
ولماذا لم ترو هذه الحكايات أو ما يشبهها من قبل ؟ لماذا لا نجد في كل نصوص مارون عبود حكاية تشبه حكاية الدكتور لطفي بركات؟ والحكاية لم أؤلفها أنا ، مثل رشدي الذي لم يؤلف حكاية الملاءة، ومثل نجيب محفوظ الذي لم يؤلف حكاية السيد أحمد عبد الجواد. الحكاية موجودة ، روتها مريم أو رويتها أنا لا فرق.
لماذا لم نرو حكايتنا قبل هذه الحرب؟
هل لأننا كنا لا نعرف أن نروي، ومارون عبود هو أستاذ المعرفة والحكاية واللغة والسرد، أم لأن سطح الأشياء كان يمحو الحكايات ويدخلها في مملكة النسيان.
مرة أخرى لست أدري.
لكنني أستطيع أن أؤكد لمريم ، وأنا أروي لها ، وهي أمامي وإلى جانبي وحولي، أنني أرى التمثال أمامي. طوله خمسة وعشرون سنتمترا ، أبيض بياضه، مائل قليلا عند الركبة، عيناها صغيرتان كالعيون الصينية، تقف على الطاولة، وتنتظر.
كانت الدمية نائمة في حقيبة الدكتور لطفي بركات إلى جانب قضيب الخيزران القصير الذي ننتظره كي تسمع الصراخ والبكاء.
هل هي مريم النائمة إلى جانبي، أم هو منام طويل؟
في ذلك الزمان، كانت الحكايات لا تشبه الحكايات.
قالت مريم إنها لم تكن تعرف أن كل هذا سيصبر حكاية. المهم أن لا نعرف، قالت، ثم أغفت أخذتها بين يدي، ثم تركتها تنزلق في النوم.
في ذلك الزمان ، عندما توسدت مريم، لم أكن أعرف هل أتوسدها أم أحتضن الشركسية البيضاء. هل هي الحكاية أم هي من روى لي الحكاية؟ وسألتني : هل الحب هو قصة الحب"؟ وطلبت مني أن أروي لها حكاية.
ليلتها تساءلت عن منام فيصل. المنام احتل مخيلتي وأنا أمشي بين الأزقة المهدمة في مخيم شاتيلا. كانت البيوت تنحني على البيوت وكأنها تحتضنها ، وأنا أمشي فوق الوحل والتراب ، أبحث عن سامية وأسأل عن فيصل.
" مات فيصل" قالت سامية، وهي تمسك بي من يدي لتأخذني إلى قبر على أبي طوق.
وفيصل الذي مات ، ماذا رأى في منامه تلك الليلة من أيلول 1982، حين أصبت ونام بين جثث أمه وأخواته وأخوته؟
عندما روى لي كنت في المستشفى ، وكنت أبحث عنه، لا ، لم أكن أبحث عنه، كنت أبحث عن الحكاية وعن أبطالها.
كيف أصفه؟
فتى في الحادية عشرة أسمر مثل الفلسطينيين أو كما نتخيل الفلسطينيين يشبه هؤلاء الفتيان الذين يرمون الحجارة في شوارع غزة، ونابلس، لكنه كان مهدما، هل سبق لكن أن رأيتم فتى مهدما ؟ عادة نستخدم كلمة مهدم لنصف رجلا كهلاً أصيب بكارثة وأما هذا الفتى فكان مهدماً ولم يكن يشبه الكهول، وجه أسمر ناصع، عينان صغيرتان ترقصان في الوجه، أنف مستقيم شفة ممتلئة تتدلى ، وكلام .
حكى فيصل كلاما كثيرا.
حكى واستمعت إليه وكأنني في منام، لست أدري لماذا بدا صوته هكذا، كأنه لم يكن، مثل الأصوات في المنامات ، في المنام لا نسمع الصوت، نتذكره عندما نستيقظ ، وأما حين نسمعه فهذا يعين أن المنام انتهى.
روى كيف تسد الجثث كي لا يموت.
" دخل المسلحون وبدأ إطلاق النار . كان صوت الرشاشات قويا. كان الصوت وبدأت الأجساد تتساقط وتتكوم فوق بعضها . تكدسنا فوق بعضنا . قال فيصل كانت العائلة تتفرج على التلفزيون ، حين بدأت قنابل الإنارة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي ثم دخل الكتائبيون وأطلقوا النار.
" لم أر وجوههم ، قال فيصل
لا يذكر فيصل الوجوه ولكنه يذكر الأجساد " كانت الأجساد ثقيلة" قال يذكر ثقل جسد شقيقته الصغيرة، التي كانت في السابعة ، وكيف تيبس وصار كالحطب. وبعد ساعات طويلة، يقول فيصل إنه ربما أغفى خلالها أو أغمى عليه بسبب إصابته هرب. ركض في الشارع الرئيسي حيث الذباب والجثث والرائحة. نام من الواحدة فجرا حتى الخامسة صباحاً ثم بدا يركض ، وعندما رأي الصحافيين الأجانب تكوم على الأرض ، ولم يحك.
هكذا تطلع الحقيقة من المنامات.
عندما حلم فيصل بالرجوع إلى فلسطين رأى بلاده موحشة، ووجد نفسه وحيدا. وعندما توسد أجساد الموتى ركض في شارع الجثث ، وعندما رجع إلى شاتيلا ليقاتل في حرب المخيمات التي دامت ثلاث سنوات ، وليعيش الحصار الطويل في مخيم شاتيلا ، كان يبحث عن طريقة للذهاب إلى فلسطين. فلسطين جاءته عام 1987 على شكل طلقة في الرأس وقبر في جامع.
هل هذه هي الحقيقة؟ سألت إميل آزاييف .
هل أخبرته قصة فيصل، أم اكتفيت بأن أشرح له بأن حكاية جرجي الراهب تستحق أن تكتب، لست متأكدا ولكنني أخبرته عن هجره وديع السخن، شريك إسكندر نفاع، إلى فلسطين عام 1959 . أخبرته كيف باع الرجل كل شيء . وبسرعة من أجل اللحاق بابنه الوحيد موسى أو موشيه كما كانوا ينادونه في البيت. موسى أنهى دراسته الثانوية في مدرسة " الاليانس" في " وادي ابو جميل" في بيروت، وهاجر، اختفى من المنزل، ترك رسالة لوالدة يقول فيها إنه هاجر إلى إسرائيل. يومها انهدم وديع السخن من الداخل، لا لأنه كان ضد الهجرة إلى إسرائيل أو ضد المشروع الصهيوني ، لا ، المسألة مختلفة . فالرجل كان مستقراً في بيروت، لقد وصل إلى نهاية مطاف عمره، وهو مطالب اليوم بأن يهاجر ويبدأ حياته من جديد بعد أن وصل إلى مشارف السبعين.
عندما جاء جورج نفاع ليشتري كل شيء ارتفعت الكراهية، كان وديع السخن يرتجف بالكراهية، وجورج أيضاً. وفجأة لم يعد هناك مكان لأي عاطفة ، سوى ذلك الشعور بالاختناق.
" أنتم " قال وديع السخن ، ولم يستخدم عبارة " يا أبني ، كما كان يفعل في الماضي، أنتم تريدون أن تشتروا كل شيء ببلاش".
كان مستعجلا على البيع وعلى الرحيل.
اشكرك ع الاختيار الموفق والجميل للروايه ....
روايه اكثر من رااااائعه .....
تسلم يمناج لا عدمناج ......
همسه للاحبه ....
حرك مشاعر قلبك واجرفها لخالقها ....
فهو الذي ان ضقت ابدلك راحة البال ابدا...
جيت اضحك ...... لقيت الضحك يستأهل جلوسك جيت ابكي ......لقيت دمعتي ما تستأهل تنزل إلا وتمسحها كفوفك جيت اسكت .........لقيت سكوتي يحلى بسماع صوتك جيت احكي .. ........لقيت الحكي يحلى وعيني تشوفك بالله عليك وش أسوي دام دنيتي ما تكمل بدونك..........
شــاكرة لك المرور الجميل بين صفحات الروايــة،،
ولكم باقي الرواية،،،
جورج نفاع الذي اشترى كل شيء، لا ببلاش، كما اتهمه السخن ولكن بأسعار معقولة نتيجة تدهور الحالة الأقتصادية في البلاد بعد الحرب الأهلية التي جرت في لبنان عام 1958 كان هو أيضاً مستعجلاً على الدفع وعلى الخروج من ذلك المنزل.
رحل وديع السخن انقطعت أخباره. حتى ابنته راحيل التي كانت متزوجة من رجل بيروتي مسلم يدعى كامل الأرناؤوط ، لم تعد تعرف عنه شيئا، أو هكذا ادعت ، وفي تل أبيب مات السخن بعد وصوله بثلاث سنوات، وأقامت زوجته في منزل ابنها الذي كان يعمل مهندسا في مدينة حيفا.
" لم يحتمل أن يصبح لا شيء، مجرد إنسان متقاعد، كتبت الأم لابنتها، وراحيل لم ترو لأحد ظروف حياة أهلها في تل أبيب ثم في حيفا، حتى زوجها لم يسألها شيئا عن هذا الموضوع.
حكاية راحيل مختلفة عن حكاية الشركسية البيضاء،
راحيل لا تمتلك حكاية، حتى أصلها اليهودي نسيه الناس، ولم يذكرها به أحد. وأما وداد الشركسية فقد ركضت في شوارع بيروت وكأنها كانت تركض في أزقة ذاكرتها، وعندما قررت العودة إلى بلادها البعيدة، ذهبت إلى خطوط التماس حيث ماتت ولم يعثر على جثتها إلا بعد ثلاثة أيام.
ماذا أكتب؟
لماذا تبدو حكاية وديع السخن غائمة ولا نهاية لها؟ هنا تقع مفارقة النهاية، مشكلة وديع السخن لم تكن مع ابن شريكه الذي تحول إلى شريكه وصديقه ومثل ابنه وأعز، كما كان يقول. مشكلته كانت ابنه موسى. موسى كان يبحث عن البداية. تكلم عن " أرض إسرائيل" بوصفها بداية كل شيء، بداية الحياة وبداية الحرية. الحرية الشخصية ، الحرية مع النساء ، الحرية من بيروت، الحرية من التقاليد اليهودية الصارمة التي كانت سائدة في البيت. والحرية من الأب. وكان الوالد يوافق ابنه على ضرورة "العودة" وعلى كل شيء. ولكنه لم يكن يريد أن يذهب لأنه لم يكن يستطيع. كان كما قال له ابنه مرة ينتظر الموت ولا شيء آخر.
لم يفهم وديع السخن عبارة الهدف من الحياة، التي كان ابنه يستخدمها بشكل دائم، " هدف الحياة أن نعيش، لا يوجد شيء أهم من أن نعيش"، قال لابنه .
ذهب الابن ليعيش في إسرائيل . صار بيت السخن فارغا ترك موشيه رسالة صغيرة وذهب الأب لم يعد يطيق الحياة، باع كل شيء ورحل، ولم يترك في بيروت سوى ابنته راحيل المتزوجة من رجل مسلم.
اختفى وديع السخن واختفت أخباره ولم يعد جورج نفاع يعرف عنه شيئا ، في تموز1975 ، أي بعد ست عشرة سنة، جاءته راحيل، مع بداية الحرب، وقبل أن تسقط القذيفة على منزل جورج نفاع، ويخرب بيته، ويصاب أبنه بالشلل.
جاءت راحيل وطلبت من جورج مالا، كي تستطيع السفر للالتحاق بابنتها أندريه في باريس. قالت إنها لم تعد تحتمل ، وأنها تعيش وحيدة بعد زوجها، وأن الحرب.. لم يسألها جورج إذا كانت ستذهب إلى هناك. سألها عن موسى وعن والديها. دمعت عيناها وهي تأخذ المال الذي وضعه جورج في مغلف صغير ، وأخبرته عن موت الوالد، وكيف أصيب بالفالج وخرس، وبقي سنتين أخرس قبل أن يموت.
أخبرته أنها سافرت إلى قبرص عندما علمت بمرضه، وتلفتت له من هناك، تكلمت مع أمها ومع موسى. وأما وديع فكان عاجزا عن الكلام. وضعوا له سماعة التلفون على أذنه كي يستمع إلى صوت ابنته، ولكنه لم يكن قادرا على أن يجاوب.
مات ساكنا في تل أبيب، كما عاش ساكنا في بيروت. فوديع السخن، القصير القامة ، المستدير الرأس الأسمر، ذو العينين اللتين تلمعان، لم يكن يتكلم بل كان يهمس، يحيط أصدقاءه وزبائنه بالهمسات. كلامه قليل ، يقترب منك كي يحكي، ويجعلك تفهم دون أن تستمع إلى كلماته.
أخذت راحيل المغلف وشكرت جورج بصوت منخفض ، وكأنها تهمس، ودعها جورج وقال لها إنها مثل ابنته، وأنها تستطيع أن تتكل عليه دائما،
وردت هامسة فلم يسمع جورج غير كلمة شكرا.
أين الخلل في هذه الحكاية؟
هل الخلل في المقارنات وأنا لا أقارن؟ الأشياء تتداعى وتتداخل، كي ترسم طوره المرايا التي تغلف هذا البحر الميت الذي وقفنا على شاطئه مريم وأنا، ورأينا الحكايات تغوص داخل أفقه الرصاصي .
كنت أريد أن أسبح كنت أريد أن أمشي على صفحة الماء، ولكنني لم أجرؤ هذه المرة هذه المرة خفت من الغرق، خفت من عيون الجنود المنتشرين على ضفتي البحر، خفت من البحر.
هل خاف السيد على الصليب؟
لماذا ألبسوه ثياب الخروف وتركوه مذبوحا ، وسط الآلهة، في مأدبة الآلهة كان، وكان الدم الذي غطى السماء.
ذهب إلى الثياب البيضاء ولبسها كي يكون آخر المائتين وأول الأحياء ، كي يكون الأول والآخر فصار كلمة.
ماذا قال لإلهه حين صرخ على الصليب ؟
أسأل ، والسيد لا يجيب.
أسأل، والبحر يستكين بين ضفتي الملح، وأضواء المستعمرات الإسرائيلية تخترق اللون الرصاصي الذي يغطي صفحة السماء.
أسأل ، والسيد يتوسد أجساد مريمانه ،ويموت
وأنا وحدي،
أنا وأنت وهو
وحدنا نواجه هنا السد من العيون المنتفخة بالكراهية .
الحكاية هي المسألة،
والحكاية هي أننا نبحث عن حكايتنا ، وندعي أننا نبحث عن الحقيقة ، نجد الحقيقة فتضيع الحكاية ، وتبدأ من جديد.
وديع السخن لم يكن يمتلك حكاية، استبدل بحكايته الغائبة الكراهية يعبئ بها فراغ اللحظات التي قضاها مع ابن شريكه، حين باعه البيت وحصته في المكتب والدكان لم يكن وديع السخن يكره جورج، كان لا يجد أمامه سوى الكراهية، وهو يقتلع من بيروت ليذهب إلى حيث يجب أن يعود .
ما الفرق بينه وبين الروسية التي تزوجها ألبير آزاييف؟
قال إميل إنه هاجر إلى نيويورك عندما رأى العدالة المستحيلة ، هرب من استحالة حصوله على عدالته إلى عدالة الآخرين، المستحيلة، في أميركا،
في إسرائيل خدم في " جيش الدفاع" خلال حرب تشرين 73 ، أو حرب " يوم الغفران " كما سماها. وبعد ذلك انتقل للعمل في قطاع غزة، قال إنه قرر الهجرة حين رأى ذلك الكهل يمشي جاثيا، يمشي على ركبتيه ويديه ويتراجع إلى الخلف ، خوف من أن تطلق النار على ظهره .
عندما تكون هناك عليك أن تختار بين الكهل وبين حامل البندقية ، لاتستطيع أن لا تختار ، أنا البندقية، وهو الكهل ، فماذا أفعل ؟ بعد نهاية خدمته في الجيش اختار إميل الهجرة إلى أمريكا. الخيار بين حقيقتين قاده إلى الحلم الأمريكي أو الكذبة الأمريكية كما كان يسميها.
إميل يقف، ويشرح لي الفيلم.
على الشاشة الصغيرة، برز رجل كهل ، وحوله امرأة صبية تلبس ملاءة بيضاء، وثلاثة أولاد، صبي وبنتان، الكهل يشير بيده إلى الأشجار داخل كندا بارك، المزروعة بالحشيش الأخضر، وتنتشر فيها المراجيح وحدائق الأطفال.
توقف الكهل عن الدوران حول الأشجار، وبدأ يشرح لابنته وأحفاده، لم يكن يشرح له بل يشرح للكاميرا، يكلم الكاميرا وكأنه يتكلم إلى إنسان. انحنى على الأرض، وبدأ يرسم بإصبعه فوق الحشيش الأخضر، خريطة المنزل الذي لم يعد موجودا ، توقف طويلا أمام المطبخ وتحدث عن الغسالة الأوتوماتيكية التي اشتراها قبل هدم البيت بثلاثة أشهر، نهض وقادهم إلى حيث كانت المقبرة، حقل من الحشيش الأخضر، وكل الاسماء ممحوه.
لم يكن هذا الرجل هو سبب هجرة إميل.
الهجرة كانت بسبب غزة، هناك أمام مخيم الشاطئ، تم تجميع كل الذكور، من عمر 14 سنة حتى 70 سنة ، بعد أن وقف ست ساعات تحت شمس آب الحارقة، مع المئات من الرجال، طلب الرجل الكهل إذناً بالذهاب إلى الخلاء كي يقضي حاجته أذن له إميل الذي كان مجندا في العشرين من عمره، خرج الرجل من الصف ، وبدأ يمشي بتلك الطريقة المخيفة، جثا على ركبتيه ، يداه على الأرض، وتحرك إلى الوراء ، مخافة أن يطلقوا عليه النار في ظهره.
لم تسألني سامية كيف أطلقوا النار على نبيلة،
عندما ذهبت إلى مخيم شاتيلا ، لم تسألني سامية إلا عن نبيلة وابنتها الوحيدة، ولكنها لم تسأل كيف قتلت،
كنت أريدها أن تسأل. أعددت نفسي لأسئلتها، وحضرت أجوبتي عن أسئلة من نوع . كيف أطلقوا النار وأين؟ هل أطلقوا عليها من الوراء أم من الأمام؟
وكانت نبيلة.
1962 : ثانوية الراعي الصالح، في الأشرفية كنا في الصف الأول الثانوي الخامس، ونبيلة سلباق تروي لنا عن فلسطين، أهدتني كتابا لنقولا الدر عنوانه : هكذا ضاعت وهكذا تعود، لا أذكر من الكتاب سوى لو غلافه الأحمر ، وحماسة نبيلة وفخرها وهي تخبرني أن مؤلف الكتاب هو صديق والدها، وأنه يزورهم في البيت.
1988 : بحثت في الأشرفية ، التي يسمونها الجبل الصغيرة أيضا عن ثانوية الراعي الصالح فلم أجدها، الأوتوستراد اخترق الأشرفية وغير معالم الشوارع فيها، وأنا، الذي غبت عنها طوال سنوات الحرب الأهلية ، لم أعد أعرف الأمكنة، اكتشفت حواجز ومسلحين ملتحين، اقتربت كنت أمام مدرستي وقد تحولت إلى الثكنة الرئيسية لميلشيات " القوات اللبنانية".
1966 : ذهبت لزيارة نبيلة في منزلها في عين الرمانة، في ضاحية بيروت الشرقية، وكانت المناسبة نجاحنا في شهادة البكالوريا. كانت تكل هي المرة الأولى والأخيرة التي أزور فيها بيتها، وهناك التقيت شقيقتها الصغرى التي سحرني جمال عينيها.
الجزء ما قبل الأخير،،
أتمنى لكم قراءة ممتعة،،
1976 : دخلت الميلشيات الكتائبية المنزل في عين الرمانة، وكان فيه الأب والأم والأخت الصغرى الجميلة العينين، وقتلوهم . وجدت جثة الفتاة الصغيرة مختبئة قرب السرير، وهي مذبوحة بالبلطة.
1986 : بيروت الغربية ، خلال حرب المخيمات التي حاولت فيها ميلشيات حركة " أمل " السيطرة على المخيمات الفلسطينية في بيروت. كانت نبيلة تركب سيارة أجرة عائدة من عملها في " اليونسيف" حيث كانت مسؤولة عن برامج المساعدات الإنسانية والطبية للمخيمات الفلسطينية ، إلى بيتها في محلة " البربور" أوقفوا السيارة وكانوا ثلاثة مسلحين، وأفرغوا فيها بنادقهم الرشاشة من طراز " كلاشينكوف". عندما أنزلت نبيلة من السيارة، فهمت أن المسالة انتهت . عرفت أن المسلحين الثلاثة المقنعين بالأسود. كانوا يحملون موتها. ترجلت من السيارة ومشت. أحد المسلحين حاول أن يسألها شيكا، وكان يقف بمحاذاتها لحظة نزولها من السيارة لم ترد أو تلتفت . رأت سيارة الأجرة تقلع هاربة بركابها المذعورين. مشت، فأطلقت عليها النار. سمعت الطلقة الأولى ربما، ثم بدا جسدها يتمزق وهو ينتشر، على الرصيف كبقع من المياه والدم. المسلحون غادروا المكان بهدوء وكأنهم لم يفعلوا شيئا ، وبقيت نبيلة مرمية وسط الشارع ، قرب مطعم "حمادة" للفراريج المشوية.
أخبرت سامية عن الجنازة في كنيسة القديسين بطرس وبولس في الحمراء، أخبرتها كيف لم يتكلم أحد مع أحد ، وكيف جاء مسلحان ، يشبهان القتلة، ووقفا أمام باب الكنيسة بعيونهم الناعسة الفارغة، وكانت مقاعد الكنيسة تنوح بصمت ، ونحن نجلس وننظر في وجوه بعضنا المستطيلة ولا نتكلم ، وقف الكاهن أمام المذبح وألقى عظة عن المحبة ، توقف عن الكلام وبدأت دموعه تتساقط فوق لحيته البيضاء. ثم قال لها، قال لنا، إنه لا يريد أن يخاطبنا بل يريد أن يخاطب القتيلة، لم يستخدم كلمة شهيدة، قال قتيلة، وتابع أقول لك إنهم قتلوك لأنك فلسطينية، وأجهش في البكاء.
قلت لسامية إننا لم نكن نعمل أنكم هذا في المخيم ، لم تعودوا قادرين على إقامة المآتم ، لأن المساحات ضاقت بكم فألغيتم القبور.
يومها فهمت أم أحمد، أمسكتني من ذراعي وأخذتني إلى المقبرة الجماعية في المخيم، وكانت قد أقيمت لضحايا مذبحة شاتيلا وصبرا عام 1982 . وفهمت كيف كانت سعيدة وهي تقول بأنهم نجحوا في بناء المقبرة وتسويرها، وارتني تلك الأزهار الغريبة التي نبتت فوق سطح المقبرة الجماعية.
ماذا أحكي؟
الحقيقة لا أعرف كيف. لكننا لم نذهب إلى مطعم " لوكولوس" فأنا لم أكن قد سمعت بهذا المطعم الذي كان يقصده أغنياء بيروت ، وكانت أسعاره نارا. وصلت أنا ومريم إلى أسفل المبنى، حيث رأينا لافتة نصف محطمة تحمل اسم المطعم، وقررنا أن نعود بعد أسبوع،ومعنا طعام وشراب، كي نسكر على شرفة الخراب. ولكننا لم نعد دائما هكذا ، نقرر ولا نذهب ، ثم بعد أن يمر الوقت تختلط الأمور في رأسي، فأتذكر الاشياء التي لم تكن وكأنها كانت .
لكن نبيلة كانت.
وعلي أبو طوق
وفيصل أحمد سالم.دخلت المخيم وسألت عن مكتب حركة " فتح " كانت طرقات المخيم تضيق وتضيق، ثم تحولت إلى ركام. اختفت الطرق ، الركام هو الطريق، والمياه الآسنة تفرش الأرض برائحة ذلك الموت الذي يتسلل إلى المفاصل. كان الأفق ينحدر إلى البيوت المهدمة، ويدخل في شبابيكها. لم يكن هناك أفق. في شاتيلا اختفت السماء داخل الحطام، وتحول الماء إلى برك داخل الثقوب في الحيطان التي سقطت على الأرض.
والشركسية البيضاء،
أما جرجي الراهب فهو حكاية،
مع جرجي الراهب تبرز المشكلة .
حكايته كما رويتها لمريم ناقصة، أنها مجموعة افتراضات، ولا يقين في أي منها، ماذا علينا أن نفعل حين نواجه بمثل هذا الوضعية، هل ننسى القصة، أم نحاول أن نرويها بأكثر الأشكال احتمالية.
في الماضي، كان هذا النوع من الحكايات ينسى ويترك للزمن، فيقوم الزمن بإعادة صياغتها وتحويلها إلى ما يشبه الأسطورة، أو إلى حكاية شعبية على أقل تقدير. في الأسطورة تتجمع عناصر اللاوعي الفردي والجماعي ، وأما في الحكاية الشعبية فإن هذه العناصر تتحول إلى رموز تخاطب اللاوعي، ومع الزمن تتحول إلى حكايات للأطفال،
غير أننا نعيش اليوم في عصر التدوين ، أي أننا حين ندون الحادثة لحظة وقوعها فإننا نلغي
احتمالات أسطورتها، ولذلك لجأ كتاب أميركا اللاتينية إلى الماضي الشفهي من أجل صياغة أساطيرهم الحديثة، غير أن الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو قد قدم اقتراحا آخر هو تحويل النصوص القديمة إلى نصوص أحتمالية، وقام بإدخال النص المدون في الأسطورة الحديثة، وافتراض إيكو، رغم جماليته ، يبقى افتراضاً ذهنياًن ولا يقدم حلاً أدبياً لمسألة الحكاية، الأسطورة.
مع جرجي الراهب المسألة مختلفة.
نحن أمام خبر صغير في صحيفة النص الخبري لا يقول الكثير، يقول فقط إن الرجل قتل بالرصاص . كما أننا أمام حكاية شفهية روتها امرأة كلها من مخيم المية ومية فماذا نختار؟
احترت في الأمر كثيرا. من المؤكد أن جرجي الراهب لم يكن يقوم بخطف يهودي ليلة الجمعة العظيمة. فمسألة خطف رجل يهودي، في الأربعينات، وفي مدينة القدس، كانت مستحيلة، عمليا. غير أن قصته بقيت في الذاكرة الشعبية بسبب هذا الافتراض . أي أن حياة قصة الراهب اللبناني مرتبطة بحدث لم يقم به . إنه مدين بحياته الحكائية للخيال الشعبي. ولذلك فإن حذف هذه الحادثة من القصة من أجل أن لا يتهمني السيد إميل آزاييف باللاسامية، سوف يبدو غير عادل بالنسبة للحكاية، بينما هو سبب ضروري من أجل الحقيقة. هل أحذف الحكاية بأسرها ، وأتخلى عن محاولة كتابتها، أم أكتبها ناقصة؟
ماذا إذن؟
لست أدري. لكن ما أعرفه من خلال لقاءاتي مع أناس كثيرين من أصول مقدسية ، سمح لي بأن أصوغ هذه الصورة عن الراهب .
بعد هرب جرجي الراهب من دير " مار سابا " تحول إلى زعيم عصابة. جمع حوله بعض الفتيان، وأنشأ عصابة الجليل التي كانت تقوم بنهب قوافل المهربين، وتوزيع الغنائم على فقراء الجليل وجنوبي لبنان. وصارت " عصابة الراهب" ، كما كانت تدعى، مرهوبة الجانب من الجميع، إلى درجة أن أحد زعماء المهربين، وكان يدعى أحمد الخواجة، عقد صفقة مع الراهب صار يدفع بموجبها فدية عن كل قافلة ، كي يأمن شرها، كان الراهب وجماعته يحملون السلاح ، ولكنهم لم يستخدموه مرة واحدة. وكان جرجي بثوبه الرهباني الأسود، وبندقيته الإنكليزية، يرى نفسه على صورة السيد المسيح، حاملاً سوطه، ليطرد التجار من الهيكل.
البندقية هي سوط المسيح ، هكذا كان يعتقد الراهب، وذلك لم يطلق النار إلى في الهواء.
بقيت الحال، هكذا أعواماً قليلة، حتى تعرضت العصابة لكمين أقامته إحدى كوبانيات اليهود" هكذا كانت تسمى المستوطنات الهيودية آنذاك ، في منطقة الجليل. كانت العصابة قادمة بسلاحها إلى ضواحي مدينة الناصرة حين انهمر عليها الرصاص، فقتل أربعة من عناصرها الستة ، ولم ينج سوى الراهب ، ومعه شاب أردني من السلط يدعى عيسى، هرب الراهب وعيسى في الأحراش ، واختبأ ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع عاد عيسى إلى السلط، وذهب الراهب إلى القدس حيث استأجر غرفة في " حي النصارى" .
ويوم الخميس العظيم، حمل الراهب صليبا كبيرا ومشى في شوارع القدس وهو يصرخ بأنه يحمل صليب العمر ، ووصل إلى إطراف الحي اليهودي في المدينة، حيث رجم بالحجارة.
وبعد ثلاثة أيام على هذه الحادثة قتل الراهب، وقيل إنه كان مجنونا، وإنه وإنه..
الخيال الشعبي هو الذي أضاف وأنا أقوم بالحذف وهذا غير عادل ولذلك أقول إن الراهب كان، وكأنكما في الحكاية التي روتها لي المرأة في مخيم المية ومية.
لا اذكر إذ كنت قد أخبرت إميل آزاييف شيئا من هذا. كنت مشغولا بحكاية حب تترنح في نهايتها . هكذا الحب، يترنح قبل أن ينتهي. يوحي بأنه يبدأ حين يكون قد بدء بالاختفاء داخل تلافيف الذاكرة ما هذه الذاكرة التي تجعلنا نعتقد أن الحب عز حين يكون قد انزلق إلى نهايته التي تشبه الذكريات.
لكن الحكاية قد تتخذ شكلا آخر.
فأنا ذهبت إلى مخيم شاتيلا. كان ذلك يوم الاثنين 14 آذار 1987 كان اليوم الأول الذي فك فيه الحصار عن المخيم، بعد ثلاثة سنوات طويلة، وصلنا إلى الحاجز السوري الذي وضع بين المخيم وبين محاربين من حركة " أمل " وبعد أسئلة كثيرة وتفتيش وإلى آخره سمحوا لنا بمتابعة طريقنا إلى داخل المخيم.
كنت ذاهبا لزيارة عبر علي.
كان علي أبو طوق صديقي. سنوات الحرب الأهلية قضيناها معا، في الخنادق والبرد والموت وتحت مطر القذائف. ثم افترقت خطانا، على تحول إلى فدائي في كتيبة ( الجرمق) وأنا صرت ما أنا وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ، غاب على في السفن اليونانية التي نقلت الفدائيين إلى منافيهم الجديد عام 1984 ، بعد انتفاضة 6 شباط ، وانسحاب المارينز الأميركيين، عاد على إلى بيروت، بلحيته القصيرة، وعصاه، ليتحول إلى القائد العسكري لمخيم شاتيلا ، عاد ليصير رجل الحصار، ثلاث سنوات من الحصار والدمار، والمخيم يضيق ببيوته المدمرة، حتى تحول إلى كمشة من البيوت التي يسند دمار واحدها دمار الآخر.
ومات علي.
سمعت الخبر في الراديو.
وفي صباح 14 آذار 1987 ، وهو اليوم الأول الذي فك فيه الحصار عن المخيم، ذهبت إلى هناك. كنت أعلم أن عليا يحب امرأة اسمها سامية ( وهذا بالطبع ليس اسمها الحقيقي ، ولكني أغير أسماء النساء حين أراهن في الحب، لأنني أعتقد أن الحب يغير كل شيء في المرأة حتى اسمها) .
كنت أمشي كمن يمشي ، وأتهدا بلحيطان وأنزلق وأمشي. دخلت زقاقا إنه الزقاق الوحيد الذي ما يزال قائما وسط هذا الدمار، وسألت عنها . قادوني إلى مكتب " فتح " ، صعدت الدرجات الأسمنتية الثلاث، ودخلت غرفة شبه معتمة، ورأيت شبانا وفتيان باللباس العسكري يجلسون على الأرائك والكراسي وكأنهم يسترخون بعد توتر طويل. ثم جاءت امرأة بصينية القهوة. البخار يتصاعد والرائحة . قهوة طازجة تفتح القلب. أمسكت فنجان الشفة بين الاثنتين، كان برد آذار يحول بخار الفنجان إلى دوائر بيض في سماء الغرفة. أمسكت الفنجان، وشربت.
ودخلت.
تقدمت مني، احتضنتني وقبلتني على وجنتي كان شعرها الأسود طويلا ومبلولا ويتهدل فوق كتفيها. كانت تلبس سترة صوفية بيضاء، ورائحة العطر الصابوني تغلفها.
" أنت فيصل" قالت.
نهاية رواية
( مملكــة الغرباء)
لست أدري لماذا ناديتني فيصل، فهي تعرف اسمي،
أمسكتني من يدي وخرجنا. لم أسأل إلى أين، فأنا كنت مدهوشاً برائحة سامية الخارجة من الحمام. والصابون يعطرها، وأناقة الدمار مثل هالات حولها.
أمسكتني من يدي، وأخذتني في رحلة بين الأزقة .
سألتني إذا كنت أريد أن أزور قبره.
مشينا باتجاه القبر، لم يكن قبرا. وقفنا أمام نافذة الجامع المهدم.
" كلهم هنا " أشارت إلى أرض الجامع، كلهم ، علي وفيصل والجميع".
كانت أرض الجامع مغطاة بأزهار وأعشاب برية ، وسامية إلى جانبي، وشيء يشبه الحزن. أمسكتني من يدي، التفت صوبها ، كنت أريد أن أقول لها إنني أحبها، التفت واحتضنها ، رأسي أنزلق على كتفها وشممت رائحة السترة الصوفية البيضاء ، كانت رائحة خروف طلع من الشمس.
" هذا هو الجامع " قالت، لقد حولناه إلى مقبرة
" أين الشواهد" سألت.
" لا شواهد، قالت، كلهم هنا ، على وفيصل وأنا وأنت، ألم تأت لزيارتهم؟".
وقفت أمام الجامع الذي تحول إلى مقبرة ، وأمام المقبرة التي لا تشبه الجامع، وكانت يدها في يدي أحسست بيدها طرية وتكاد تنزلق. التفت إليها. عيناها كانتا مفتوحتين ، ولا دموع.
شدتني من يدي كي نتابع جولتنا. لست أدري كيف أصبحنا متواجهين من جديد، ضممتها إلى صدري، وكنت أعلم أنني لا أستطيع أن أبوح لها بحبي.
"إن يوسف
لما شاهد الشمس قد أخفت أشعتها.
وحجاب الهيكل انشق لموت المخلص.
دنا من بيلاطس ، وتضرع إليه قائلا:
أعطني هذا الغريب،
الذي منذ طفولته تغر كغريب،
أعطني هذا الغريب،
الذي أماتوه بغضا كغريب،
أعطني هذا الغريب،
الذي أستغربه ضيفا على الموت،
أعطني هذا الغريب،
الذي غربه اليهود من العالم حسداً،
أعطني هذا الغريب،
لكي أواريه في لحد،
أعطني هذا الغريب،
فإنه غريب،
لا مكان له يسند إليه رأسه،
أعطني هذا الغريب،
الذي رأته أمه ميتاً
فصرخت يا بني وإلهي،
أعطني هذا الغريب،
بهذه الأقوال، توسل يوسف النقي إلى بيلاطس،
وأخذ جسد المخلص،
ولفه بأكفان وطيوب،
ووضعه في قبر."
بعد سقوط المخيم. رحلت سامية إلى صيدا، ولم ألتق بها بعد ذلك.
أنا الذي رأيت،
أشهد وأقول واصرخ
إن الواقف على شاطئ البحر الميت، حيث المرايا والوجوه النحاسية والأرض التي تنفصل عن الأرض.
قلت لمريم إنني أريد أن أخبرها . أخبرتها عن سامية التي رحلت، وعن هذا العمر الذي نلبسه ككفن.
هل هي مريم ، الجالسة على أطراف غور الأردن، تنتظر الغريب الذي يقتله الغريب؟ أم هي الحكاية؟
هل هذه الأرض التي اسمها فلسطين هي مجرد حكاية تسحرنا بأسرارها وطلاسمها؟
ولماذا حين نستمع إلى هذه الحكاية لا ننام. بل نموت؟
*****
أتمنى أن تكونوا قضيتم وقتا شيقا وسعيدا في قراءة الرواية،،
فهي بالفعل من الروايات المقربة إلى ،،
رذاذ عبـــدالله