تلاقي الأرواح مع بعضها البعض
أولاً: تلاقي أرواح الأموات مع بعضهم البعض:
أما تلاقي أرواح الأموات أنفسهم فقد دل الدليل عليه من الكتاب والسنة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ ـ كساء من شعر ـ فَيَقُولُونَ : اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ فَيَقُولُونَ مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) صححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 2758 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وأما قوله " هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه ؟ "
ففي الحديث عن أبى أيوب الأنصارى وغيره من السلف ورواه أبو حاتم فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم : " أن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء فيقول بعضهم لبعض : دعوه حتى يستريح ، فيقولون له : ما فعل فلان ؟ فيقول : عمِل عمَل صلاح ، فيقولون : ما فعل فلان ؟ فيقول : ألم يقدم عليكم ؟ فيقولون : لا ، فيقولون : ذُهب به إلى الهاوية " .
ولما كانت أعمال الأحياء تُعرض على الموتى : كان أبو الدرداء يقول : " اللهم إنى أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة " ، فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم .
وأما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله ، فمَن كان من المقرَّبين : كانت منزلته أعلى مِن منزلة مَن كان مِن أصحاب اليمين ، لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل والأسفل لا يصعد إلى الاعلى ، فيجتمعون إذا شاء الله كما يجتمعون فى الدنيا ، مع تفاوت منازلهم ويتزاورون .
وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة ، قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن ، وقد تفترق مع تقارب المدافن ، يدفن المؤمن عند الكافر ، وروح هذا في الجنة ، وروح هذا في النار ، والرجلان يكونان جالسيْن أو نائميْن في موضعٍ واحدٍ وقلبُ هذا ينعَّم ، وقلب هذا يعذَّب ، وليس بين الروحيْن اتصال ، فالأرواح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " رواه مسلم (2638). " مجموع الفتاوى " ( 24 / 368 ) .
قال ابن القيم رحمه الله:
المسألة الثانية وهى أن ارواح الموتى هل تتلاقي وتتزاور وتتذاكر أم لا ؟
وهي أيضاً مسألة شريفة كبيرة القدر وجوابُها :
أن الأرواح قسمان : أرواح معذبة ، وأرواح منعَّمة ؛ فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي ، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا ، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها ، وروح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى ..
قال الله تعالى : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) النساء/69 وهذه المعية ثابتة في الدنيا ، وفي دار البرزخ ، وفي دار الجزاء ، و " المرء مع من أحب " في هذه الدور الثلاثة ، ...
وقال تعالى : ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) الفجر/27-30 أي : ادخلي جملتهم وكوني معهم ، وهذا يقال للروح عند الموت ...
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم ( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وأنهم (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) وأنهم ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ) وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه : أحدها : أنهم عند ربهم يرزقون ، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون ، الثاني : أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم ، الثالث : أن لفظ " يستبشرون " يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضاً مثل يتباشرون . " كتاب الروح " ( ص 17 / 18 ) .
ثانياً: تلاقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات :
أما تلاقي أرواح الأحياء والأموات في المنام فلم أقف فيه على دليل صحيح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى صحابته الكرام. فمن زعم هذا التلاقي فعليه الدليل وأما المنامات فلم تكن يوما دليلاً، وعليه فلا يصح الجزم في هذه المسألة نفياً أو إثباتاً.
ولقد رجح الإمام ابن القيم في كتابه القيم " الروح " ثبوت التلاقي والتزاور والتعارف بين أرواح الأموات والأحياء في المنام، حيث نقل -رحمه الله- عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله في تفسير الآية الكريمة:
(( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )) (الزمر 42)
" بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادهم ".
ونقل نحوه عن بعض السلف كذلك.
ثم قال ابن القيم رحمه الله:
" وقد دل التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحى يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحى فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه وربما أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته ، وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر وربما أخبره عن أمور يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره."
ثم ساق رحمه الله آثاراً كثيرة عن رؤى ومنامات السلف ليدعم دليله الحسي في هذه المسألة، وقد رد أصحاب القول الآخر (عدم الجزم: نفياً أوإثباتاً) على الإمام ابن القيم بما يلي:
-ابن القيم رحمه الله لم يسق دليلاً نقلياً على قوله وإنما ساق دليلاً حسياً ليس بمنأى عن الخطأ.
- ليس بالضرورة أن يكون اللقاء قد حصل بين روح النائم وروح الميت، فقد يكون اللقاء بين روح الحي النائم وبين أمثال مضروبة عن روح الميت وليس بالضرورة أن تكون روح الميت حقيقة (أي التي في البرزخ) والأمثال المضروبة قد تكون خبراً عن واقع قد مضى وانقضى، أو سيقع في المستقبل فيقع مطابقاً للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة من ناحية صدقها.
- معلومٌ أن الرائي قد يرى في منامه شخصاً لم يمت بعد وربما غير نائم فكيف رأى النائم حينئذ هذا الشخص الحي المستيقظ إذا كان لا بد من التقاء الأرواح لحصول ذلك ؟! فهذا يعني أن شرط اللقاء عند الرؤية ليس بلازم، فإن كان مقصود ابن القيم وجوب التصديق بحصول التلاقي بين الأحياء والأموات فهذا له وجه من الاعتبار والوجاهة أما إن كان مقصوده أنه لا يحصل ذلك إلا بتلاقي الأرواح فهذا لا دليل عليه كما أسلفنا.
ومما يؤكد أن شرط اللقاء عند الرؤية ليس بلازم: أن الرائي قد يرى أحد الشهداء، ومعلومٌ أن أرواحهم في حواصل طير بالجنة، فيلزم من شرط اللقاء صعود روح الرائي إلى الجنة حيث أرواح الشهداء أو نزول أرواح الشهداء إلى الأرض وكلاهما ممتنع.
أما في غير المنام ، فلم يثبت فيه دليل صحيح ولم ينقل عن أحد من الأئمة الأعلام القول بذلك.
قال العلامة ابن باز رحمه الله:
" فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام كما أنه لا صحة لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات ويكلمونها ويسألونها فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها وهو القادر على ردها إلى أجسامها متى شاء ذلك فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع.
أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح، إما لكسب مال أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة ".
يتبع ...






رد مع اقتباس