وقفات مع مقتل أسامة بن لادن رحمه الله
د.مهران ماهر عثمان
خطيب مسجد السلام بالطائف2011-05-05
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فبحزنٍ عميقٍ سمعتُ خبر استشهاد الشيخ/ أسامة بن لادن رحمه الله، فأقول مستعيناً بالله:
أولاً:
ليس عجيباً أن يفرح العلوجُ بموت الشيخ/ أسامة بن لادن رحمه الله، فقد كان شوكةً في حلوقهم، ولكنَّ الغريب أن يظهر بعضُ المنتسبين إلى الإسلام بموته فرحَهم!! فعلى هؤلاء أن يحذروا من مشابهة الكافرين في ذلك، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول فيما صحَّ عنه: «ومن تشبه بقومٍ فهو منهم» رواه أبو داود.
ثانياً:
مهما يكن من أمر الخلاف الفكري مع الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله أو مع تنظيمه، فإن البراء المطلق لا يكون إلا من المشركين، أما المسلم فيجب عليك موالاته ومحبته ولو كنتَ تعتقد أنه يخالفك في قليل أو كثيرٍ من الأمور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وليعلم أنَّ المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا؛ كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة" [الفتاوى 28/209].
فيا من تحامل على هذا الرجل، نحن لا ننكر ما وقع فيه تنظيمه من أخطاء، ولكن فرقٌ بين من أراد الحق فأخطأه، ومن قصد الباطل فأصابه، والمسلم يتولى أخاه ولا يتبرأ إلا من المشركين.
ثالثاً:
ينبغي أن يفهم هؤلاء المشركون: أنَّ القضاء على بعض المجاهدين في سبيل الله لا يعني النهاية، فإن الصراع بين الحق والباطل طويل، والعاقبة بالنهايات والمآلات، ولن تكون النهايةُ لهذا الصراع سوى ما أخبر به ربُّنا تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه/132]، وقال: {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص/83].
وقد قال موسى عليه السلام لقومه: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف/128].
رابعاً:
الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله يوجِّه إليه بعض الناس كثيراً من الانتقادات، ولا أريد الخوض في ذلك ولا الحكمَ عليها أو تقييمها، وإنما أريد أن أذكر بحديث رسول الله صلى الله ليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» رواه البخاري.
خامساً:
لا ينبغي أن يغفُل الناس عن أمرين في هذا الشيخ يُخضع لهما:
الأول: ركلُه للدنيا بعد أن جاءت إليه راغمة. فإن مالهذا الشيخ من مال يعيشه وأولادَه وأحفادَه كما يعيش الملوك، بل أفضل؛ فإن ماله اكتسبه من عمله، وكثير من الملوك والحكام ما يتمتعون به إنما هو من التلاعب بأموال الناس. ومع ذلك لم يركن بماله إلى الحياة الدنيا؛ لأنه علم أنه لم يخلق لها، فأنفق أمواله في جهاده في سبيل الله. فيا لله كم بينه وبين كثير من حكام المسلمين! لقد خُلق أسامة غنياً ولكنه آثر أن يعيش زاهداً، وكثيرٌ من حكامنا ليس له مال يوم تولى السلطة، ولكنه صعد إلى قمة الثراء بالحرام الذي هو لشعبه واتخذ من ظهور المساكين والفقراء والرعية سُلَّماً لذلك!!
والثاني: قيامه بشعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى، وكم أذلَّ الله تعالى به أمريكا التي سامت المسلمين سوء العذاب! فالشيخ بدأ مشوار جهاده في سبيل الله يوم احتلت الشيوعية أفغانستان، وبارك الناس جميعاً هذا الجهاد؛ لمباركة أمريكا له؛ فقد أقلقتها قوة روسيا، لكن لما كانت أمريكا هي التي احتلت أفغانستان صار أسامة إرهابياً، وصار جهاده عبثاً؛ لأن أمريكا هي المحتل الذي توجَّه سلاحُه إليها!
سادساً:
إنّ المشركين لما تحاملوا على الصحابة الأطهار بسبب ما صدر عنهم من انتهاك لحرمة الشهر الحرام، عاتب الله الصحابة بكلمة، تم توجه الخطاب القرآني بكلمات عديدة لعتاب المشركين وذمهم وتوبيخهم وبيان أن ما فعلوه لا يقارن بما فعله الصحابة من خطأ، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة/217].
فبين الله لهم أن ما فعله الصحابة كبير، ولكنَّ مَنْعكم –يا أيها المشركون- الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودَكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراجَ النبيِّ والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام الذي صدر عن بعض الصحابة. فجميل أن يدين الناس ما فعله أسامة ببرج التجارة العالمي –إن فعله-، ولكن أين الإدانات لأمريكا التي قتلت في حصارها العراق أكثر من مليون طفل بسبب نقص الدواء والغذاء؟ أين إدانتكم لأمريكا التي تمول اليهود لقتل إخواننا في فلسطين؟ أين إدانتكم لأمريكا في استعمالها حق النقض دائما لمصلحة اليهود؟ أين انتقادكم لها يوم دعمت المتمردين في جنوب هذه البلاد؟ أنسيتم ما فعلته بإخواننا في الصومال؟ أنسيتم أحداث أبي غريب؟ أنسيتم انتهاكاتها في غوانتانامو؟ أنسيتم أحداث مصنع الشفاء؟ أنسيتم اغتصاب جنودها لأخواتنا في العراق؟ أنسيتم حربها الصليبية المعلنة ضد الإسلام والمسلمين؟ كم قُتل بسلاحها من المسلمين؟ أتحدى أن يستطيع أحد حصر المسلمين الذي قتلوا بقنابلها وطائراتها وراجماتها وبارجاتها وصواريخها؟ وبعد كل ذلك فإن بعض المحسوبين على الدعوة الإسلامية تكلم في أسامة وسود صفحات موقعه ونشراته بالذم والقدح والتحذير، ولم يُعرف عنه أبداً أنه تكلم في أمريكا بما يسوؤها، بل إن تحدث عنها وعن جنودها حدثنا عن الذمي والمعصوم والمعاهد والمستأمن! ولستُ أنكر هذا، وإنما أنكر أن يكون جنودُ أمريكا في أفغانستان والعراق من هذه الأقسام، ووالله وبالله قد قال لي أحدُ هؤلاء ممن يحمل درجة الدكتوراه في بعض العلوم الإسلامية: لماذا التحامل على أمريكا، فإنه لا يُعرف عنها أبداً عداءٌ للإسلام والمسلمين؟!
سابعاً:
من الطاعات التي تلبس بها هذا الشيخ الهجرة، والهجرة كانت سبباً لمغفرة ذنب قتل النفس والانتحار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن الطفيل بنَ عمرو الدوسيَّ أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومَنْعةٍ؟ قال: حصنٌ كان لدَوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ للذي ذَخَر الله للأنصار، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجْتَوَوْا المدينة، فمرض، فجزِع، فأخذ مَشاقِصَ له فقطع بها بَراجِمَه، فشَخَبَت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئتُه حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصَّها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم وليديه فاغفر». وليست الهجرة في صدر الإسلام إلى سيد الأنام كغيرها، ولكن يستدل بالحديث على أنَّ من مذهبات الجرائر ومكفرات الكبائر الهجرة، وقد قال الله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل/110]، وقال: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران/195].
ولا ننسى كذلك أنَّ أبا عبد الله قتله الأعداء، ومثل هذا نحتسبه شهيداً عند الله، والشهادة من أعظم مكفرات الذنوب، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» رواه أحمد والترمذي وابن ماجة. وجاء سائل يسأل نبينا صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر، محتسب، مقبل غير مدبر» رواه مسلم.
ثامناً
لقد صلى بعض الأخيار على هذا الشهيد صلاة الغائب، وسيصلي عليه الكثيرون بعد صلاة الجمعة 6/5/2011م، وهذا إحسانٌ وإصابة لسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا لابد من التذكير بشيء مما يتعلق بها..
صلاة الغائب اختَلف في مشروعيتها علماؤنا، فعند الشافعية والحنابلة أنها سنة، وكرهها المالكية، ومنعها الحنفية؛ لاشتراطهم لصلاة الجنازة حضورَ الميت أو حضورَ أكثرِ بدنه أو نصفِه مع رأسه. وقد أُمرنا برد اختلافنا إلى الله ورسوله، وقد ثبت في الصحيحين أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج إلى أصحابه يوم مات النجاشي ملك الحبشة رحمه الله، فنعاه لهم، وصلى عليه صلاة الغائب.
فإن قيل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة/111]، فإننا نعلم أنَّ الأصل في فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه للتشريع لأمته،ولهذا أمرنا الله تعالى أن نتخذه أسوة لنا.
ومذهب الشافعية والحنابلة أنه تشرع الصلاة على كل غائب عن البلد، ولو صُلِّي عليه في المكان الذي مات فيه.
والقول الثاني: أنه تشرع الصلاة على الغائب إذا كان له نفع للمسلمين، كعالم، أو مجاهد، أو غني نفع الناس بماله، ونحو ذلك. وهذا القول رواية أخرى عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
والقول الثالث: أنها تشرع الصلاة على الغائب بشرط ألا يكون قد صُلِّي عليه في المكان الذي مات فيه، فإن صُلِّي عليه فلا تشرع صلاة الغائب عليه. وهذا القول رواية أخرى عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومال إليها من المتأخرين: الشيخ ابن عثيمين.
وعلى القول بجميع الأقوال هذه فإن الصلاة على الشيخ أسامة بن لادن مشروعة.
قال ابن قدامة رحمه الله: "وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية، فيستقبل القبلة، ويصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن, وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن. وبهذا قال الشافعي" [المغني 2/195].
وهل تُصلى على الشهيد صلاة الجنازة؟ الجواب: نعم، استحباباً لا وجوباً، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة . وفي سنن النسائي سنن النسائي، عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ -وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ- فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ قَالَ مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ! وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ- بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ، فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: «إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ». فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهُوَ هُوَ»؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ». ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ».
تاسعاً:
لقد قرأتُ في موقع الـ(سي ان ان) يوم إعلان قتل أمريكا للشيخ أسامة تصريحاً للرئيس الأمريكي بأنَّ أسامة بن لادن سيدفن وفق الشريعة الإسلامية، فهل في الشريعة الإسلامية أن يرمى بالأموات في البحار يا أوباما؟ هذه شريعةُ أمريكا شريعة الغدر والخيانة والكذب، فلعنة الله على الظالمين. أما إذا جهلت يا أوباما شريعة الإسلام التي دان بها آباؤك فإني أذكرك بأحد نصوصها، إنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سريةً قال لأميرها: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» رواه مسلم.
عاشراً:
إنَّ من نعم الله علينا في سوداننا هذا أنْ خرج الناس لصلاة الغائب على الشهيد المبارك، وتتابع الخيِّرون يشجبون ويدينون، فهل في البلاد العربية الإسلامية الأخرى من ينعم بهذه النعمة!؟ وما أثْبَتُّ هذا إلا ليزيدنا الله من فضله باعترافنا بآلائه ونعمه.
وأخيراً:
يا أيها المسلمون، أكثروا من الدعاء لمن خرج يدافع عن أعراض المسلمين ودينهم..
فاللهم اغفر لأبي عبد الله، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار.
اللهم إن كان محسناً فزد في حسناته، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه.
اللهم تقبَّله في الشهداء، وتجاوز عنه يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.





الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

