تسجيل دخول

عام الاستعداد للخمسـين


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15 - 10 - 2020, 11:35 PM
مختفي مختفي غير متواجد حالياً
مراقب عام المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 28 - 9 - 2008
الدولة: الإمارات-رأس الخيمة- الرمس
المشاركات: 12,431
معدل تقييم المستوى: 362
مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute
لكي لا تفسد ذاكرتك

.






لكي لا تفسد ذاكرتك



*جريدة الخليج



يوسف أبو لوز:


لشعراء الريف، أولئك الذين يقعون دائماً في قوس قروي زراعي أخضر، قاموسهم، ولهم لغتهم ومفرداتهم التي لا نعثر عليها في المدن حيث كل شيء مُعَلّبْ وملفوف بالبلاستيك، لا بخيطان الصوف، ولا بورق التين.


تلك هي الأشياء القديمة لشعراء القرى والضواحي التي تتأخر الكهرباء في الوصول إليها، كما تتأخر الحداثة في الوصول إليها. إنها أشياء عتيقة باتت مركونة في الذاكرة.


من هذه الأشياء يتذكر الشاعر صندوق الراديو ذات الأصابع العاجية، والبكرات التي تحرك مؤشرات البحث عن الإذاعات العربية، وكنّا آنذاك نبحث عن «صوت العرب» من القاهرة، وكانت الجدّة، الشابة آنذاك، تخيط للراديو شرشفاً صغيراً، وكانت تفرده على ظهر الراديو، وتنشره على وجه أصابع العاج، وحين تجتمع النسوة في المساء أمام الراديو، يلقين طرحاتهن على وجوههن خجلاً من ذلك الرجل القابع في الصندوق، ويقرأ نشرة الأخبار من «صوت العرب».


من الأشياء القديمة، أيضاً، دلو الماء، المعلّق أحياناً على منصّة خشبية مرفوعة عند فوّهة البئر. كان للدلو صوت حين يرتطم بالماء في ذلك العمق المعتم، وعندما كانت تلك الفلّاحة الشابة تسحب حبل الدلو، وتصب الماء في قربتها الجلدية، كانت أيضاً تترك شيئاً من دموعها هناك.


كان الجدّ، الذي كان شاباً آنذاك، يصنع قهوته على نار حمراء تأكل الحطب وتأكل الرماد. لناره ثلاثة بكارج من نحاس. واحد لغلي الماء، وواحد لغلي القهوة، والثالث للقهوة المكتملة الآن، بعد أن مرّت بالمهباش، ثم النار، ثم الفنجان، فنجان الضيف، ولا تُصبّ القهوة في فنجان مكسور. عندها يشعر الضيف بالإهانة، وأنه غير مرحّب به، فيركب حصانه، ويغادر.


من الأشياء القديمة أيضاً في قواميس شعراء الريف تلك الرّحى الحجرية الدائرية، وكانت الجدّة (الشابة) تجرش قمحها وعدسها وشعيرها بهذه الرّحى التي كانت تدور وتدور، كأن ثمة موسيقى للحجر لا تجيد عزفها سوى تلك الجدّة الشابة.


وماذا بعد؟ هل تعرف «النير»؟ إنه ذلك العمود الخشبي الذي يحكم رأس الثور إلى رأس ثور آخر وهما يجرّان المحراث الذي كان يشق أرضاً حمراء مثل كبد الطير. وهل تعرف «الشاعوب» والمزراة، ولوح الدراسة، والمنجل، والغربال؟ هي كلها قاموس الشاعر الريفي. ولكن لا تذهب بعيداً وتفهم «لوح الدراسة» خطأ، فذلك اللوح هو قطعة كبيرة مستطيلة من الصفيح تجرّه الثيران فوق قش البيدر.


ولا تَنْسَ «ربق الماعز»، وسرج الحصان، وموقد النار، وصهيل الخيل. لا تنس أيها الشاعر القروي أشياءك القديمة كي لا تخسر ملح ذاكرتك، والذاكرة التي تخسر ملحها تفسدْ.







__________________
..

..



رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:15 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
المواضيع و المشاركات المطروحة بمجالس الرمس الحوارية لا تمثل رأي الموقع او ادارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها