تسجيل دخول

عام الاستعداد للخمسـين


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25 - 11 - 2020, 11:55 PM
مختفي مختفي غير متواجد حالياً
مراقب عام المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 28 - 9 - 2008
الدولة: الإمارات-رأس الخيمة- الرمس
المشاركات: 12,431
معدل تقييم المستوى: 362
مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute
الحياة بالأبيض والأسود

.








الحياة بالأبيض والأسود



*جريدة الخليج




يوسف أبو لوز:


ها أنَذا أكتب هذه الكلمات بالأبيض والأسود، قبل أن يصل الطبيب بمجسّاته السحرية إلى قلبي، هذا القلب الذي كنت أعرف أنه يتألف من أربع حجرات: الأولى للحب، والثانية للضحك، والثالثة للبكاء، والرابعة للصمت. هكذا يقول الشعر، ولكن الطب له رأي آخر. لا بد من الوصول إلى قلبك، وإخلاء الحجرات الأربع من كل شيء. فاكتب إذن بالأبيض والأسود.


عُد إلى طفولتك بين الجبال والحقول والينابيع، عُد إلى جبل نيبو، وعيون موسى، ومغارة الأفعى التي لم تلدغك أبداً، وعُد إلى برج العنب والتين والرمّان. عُد قبل أن يتدخل الطبيب في قلبك إلى سيف جدّك المعلّق في وسط البيت، وإلى الجدّة التي كانت تغزل الصوف بقرن الماعز على نول شُدّت إليه الخيوط بمهارة. امرأة كانت لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها كانت تمتلك بلاغة كل النساء.


قبل أن يعبث الطبيب بقلبك في هذه الظهيرة الشتوية الجميلة عُد إلى «مرزوقة» وشدَّ على يدها جيداً. انظر في عينيها بعمق، ولا تترك تلك المرأة أبداً في صورتها الأمومية الساحرة، وهي تبتسم إليك، وتذكّر شايها وخبزها وزعترها، تذكّر بالأبيض والأسود حنانها الذي كان يملأ حجرات قلبك الأربع.


عُد إلى حصانك، وحقل الذرة، وبيدر القمح، و«بكارج» القهوة على النار الموقدة لعشاء الضيف، وعُد إلى الوادي المنحدر إلى سفوح بعيدة تنوء بحجارة صغيرة وكبيرة كان يسعى عليها الحلزون، وتصلي عليها العصافير والطيور التي كانت تحمل البشارة لك، ولأهلك.


اهدأ، واسترح، واكتب بالأبيض والأسود وحتى بالرمادي. كانت حياتك إمّا بيضاء، وإمّا سوداء، ولم تكن ذات يوم رمادياً. رجل واحد فيه ثلاثة رجال. عاشق واحد فيه ثلاثة عشاق. كاتب واحد فيه ثلاثة كتّاب.


عُد إلى لوح «الدراسة» الذي يهرس القش وتجرّه ثلاث من الدواب البطيئة المكتهلة. عُد إلى الماء الذي كنت تشربه من جرّة الفخار وأنت في العاشرة من عمرك.


اكتب بالأبيض والأسود. كيف كنت في الثالثة، والسادسة، والعاشرة من عمرك؟ لا بد أنك تتذكّر جيداً ذلك الطفل الذي كُنتَه آنذاك وكبر سريعاً بين الجبال والماعز والخيول وبيادر القش وحقول البامياء.


يا الله، مضت حياتك جميلة هادئة، متدرّجة مثل سُلّم موسيقي، ومثل سُلّم حجري، ومثل سُلّم هوائي، كأنك أيها الشاعر النائي بنفسك عن أثقال الحياة، كأنك ثلاثة: موسيقي، ومعماري، وطائر أو طيار.


توقف قليلاً عن الكتابة، وتأمل في الطَيَران.


الحب، يا صاحبي، طَيَران. الكتابة طَيَران.الشعر طَيَران. الصداقة طَيَران. الجمال طَيَران. القراءة طَيَران.


فقط، اقرأ حكمة الطير. أجنحة من ريش، وارتفاع موسيقي في الهواء. فوقك شمس، وتحتك الأرض من ماء وتراب كأنها سديم. ابتعاد خفيف عن كل ما هو ثقيل. طَيران. رفرفة. نأي. وهجرة وهروب. كتابة جديدة مصنوعة من الريح. لا بالأبيض ولا بالأسود ولا بالرمادي، إنها كتابة قلبك بحجراته الأربع.







__________________
..

..



رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:10 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
المواضيع و المشاركات المطروحة بمجالس الرمس الحوارية لا تمثل رأي الموقع او ادارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها