تسجيل دخول

عام زايد 2018


عدد مرات النقر : 164
عدد  مرات الظهور : 6,483,416


الملاحظات

القصص القصيرة والروايات والشعر ( تنزيل كافة الدواوين الأدبية)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24 - 12 - 2013, 03:30 PM
((المركز الأعلامي)) ((المركز الأعلامي)) غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: 19 - 12 - 2013
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
((المركز الأعلامي)) is on a distinguished road
جديد رواية امرأة استثنائية - للاديب الاماراتي علي أبو الريش

في تلك اللحظة المباغتة، لحظة اغتيال الحلم، كنت واعياً جداً لما يجري في جسدي كما كانت الأرض التي استبيحت، والنخلة التي فاجأها العدوان، فأسقطت الثمار على الأرض المرتجفة احتجاجاً.. كنت في الرابعة عشرة من عمري، عندما اقشعر بدني، وارتعدت الفرائص رعباً، في تلك اللحظة تحديت نفسي وكتمت أنفاسي وأذعنت لما يجري، لأنه ما كان في استطاعتي غير مقاومة الجفول، والقبول بالأمر الواقع.. كنت يافعاً، ومعالم جسدي في موعد مع الأزهار، وكان الجندي يقف قبالتي مشدوداً نحوي برغبة عارمة، لمحت في عينيه بريقاً، قديماً، يتسلل من بين جفنيه كأنه ألسنة ضوئية قادمة من سماوات علا، أو من تواريخ قديمة قدم الضغينة التي كان يحفظها ضدي وضد سواي، لهذا اليوم.. ولما أزبد فمه كما يرغو اللعاب، في خطم الحمير المتوحشة، وانكب على جسدي، متفلق فـيّ، وأنا أشبه بالكائن المحاصر في زاوية أضيق من ثقب الإبرة، مستسلماً، متهاوناً، قابعاً تحت جسده كأرنب مذعور.. كان ينهق ويشهق وأنا أتأوه، وداخلي يزعق، وأسمع صراخي الداخلي كمن يستنجد من داخل بئر عميقة.. فما انفك عني الألم، قض قضيضه، فانتفض متعالياً، شامخاً، ولم أصحُ إلا على صفعة أدارت رأسي، بعد أن مادت الأرض من تحت قدمي.. وغد متوحش، قال لي بلهجة حانقة، انهض أيها الكلب العربي.. ستذهب إلى مأواك هناك في الضفة الغربية من الخليج.. حدقت في وجهه ساهماً، وقد شردت أفكاره، وغابت العبرة، ولم أكن أفقه شيئاً مما يعنيه إلا لما استأنف حديثه قائلاً: هذه الجزيرة ليست لكم أيها الأوغاد، أنتم دخلاء فارحلوا، أيقنت بعدها أن الأمر لا يتعلق فحسب بما فعله بجسدي، وإنما هناك ضحية سيتم اغتصابها، وما النهيق الذي بثه في وجهي إلا نذير جرم أكبر.. فكرت في البدء في منزل قروي وأخذت الصغار وأمي ووالدي.. والنخلة التي كانت تمارس فعل الوجود والقدسية التي كانت تنالها من جهة أبي.. كل هذه المكونات سوف تؤول إلى إناس آخرين، كما آل جسدي ظلماً إلى هذا الجندي الوغد.. نفضت إزاري الملتاث بالرمل الرطب، وهو الرداء الوحيد الذي حوى نصف جسدي السفلي، وجلست أسترد أنفاسي بعد أن غاب الوحش، نظرت إلى البحر، كان أزرق صافياً، وكان يعالج حبه مع ساحل الجزيرة، بكل أناة وتؤدة، بينما رست مراكب الصيد الصغيرة وادعة تحلم بيوم جديد يلي الأيام الفائتة، لتسمع نهيم الصيادين وهم يرتلون الأغاني، مناجين أسماءهم، بوعود اللقاءات الحميمة.. توجهت قرب الشاطئ، فإذا به يتبعني.. الوحش الضاري، يخب خلفي، بخوذته العسكرية، والقميص الكاكي المتهدل وسرواله المبعثر بين ساقيه.. شعرت بأن بؤساً لم تبدأ بدايته بعد، وأن ما حصل مجرد خطوة في اتجاه الكارثة.. توقفت، وسياط من الخوف من المجهول تجلد بدني وتنتزع من عمري زهرات الفرح، بيفوع، تستدعيه تفاصيل الجسد النابتة كبراعم لوز..
قال بلهجة ساخرة، ماذا تفعل هنا، اذهب يا صغيري إلى أمك، كي تلملم ثيابها وتنصرف من هنا.. نظرت إليه، والغيظ يحكم قبضته في حلقي فلم أستطع أن أنبس ببنت شفة، لكنه فهم أن عينيّ كانتا تتحدثان عن استهزاء بكلامه.
لطمني على وجهي، فتحطمت متناثراً على التراب، غرست شفتاي في الرمل المبلل بالماء المالح.. تفانيت من أجل النهوض، فتبع اللطمة بأخرى أشد فتكاً، فانكسرت مبعثراً على الرمل مرة أخرى، تجاسرت، وقفت، ثانية، قال بلهجة شبه باردة، ألم أقل لك غر من هناك، لماذا تصر على إغاظتي، ألا تعرف أنني جندي، من سلالة النبلاء؟ أما أنت وأشباهك فليسوا إلا جرذان، سوف نكتسحكم بالقوة إن لم تأتوا بالمعروف..
قلت في نفسي، يا صبي، لا تكابر، فما شأنك وهذا الخنزير، سوف تنال ما هو أشد وأفظع مضاضة لو أنك أصررت على العصيان، شعرت بالخزى وأنا أجرجر أذيال هزيمتي أمام هذا القذر، ولكن لا محالة، مادام تسلح هو بالحقد، وتأبطت أنا رذيلته التي قذفها في جسدي، من دون أن ترتجف له شعرة، في بدنه، تقهقرت في اتجاه المستحيل، ساورني ظن أن ما يجري مجرد عقاب كون الجزيرة المقدسة بقيت ردحاً من الزمن في طي النسيان، والمنتمون يغطون في سبات عميق.. سرت مضعضعاً أجمع خطواتي المتثاقلة على الرمل، وأنظر إلى البحر بعينين دامعتين، ثم ألتفت ناحية الوغد وألعنه في سري، توحدت مع السر الذي أردت أن أدفنه في داخلي، كي لا تنصاع أصوات الضمير، وتمقتني إلى الأبد.. وكان الأبد سر يقظتي التي تطورت نسلاً أممياً، تكاثرت ذراته ذرة ذرة، وتفرعت أنا يافعاً، صنعت بخيوط ضوئية، تناسقت من شمعة الشمس، حتى سمك عودها فصارت أغصاناً، توزعت ظلالها على الأرض التي سوف تصبح بعد اليوم رقعة جغرافية غريبة عن الأهل..
سمعته عندما قال لي، وهو يشهق، سوف أجز عنقك لو تفوهت بكلمة، اصمت واكمم فمك بهذا الرمل، وأحسست بالاختناق، وهو يضع راحته الغليظة على فمي، ويضغط على جسدي بعنف، كأنه يريد اغتيالي بعد اغتصابي، وبعد أن فرغ من مهمته الدنيئة رفسني، كما ترفس الشاه، ثم دفعني بعنف لافظاً أنفاسه، التي كانت تتسرب إلى فتحتي أنفي، كأنها الطائر المسموم.. هذا الجسد الأشبه بالجيفة يرتكب معصيته ويمضي وتبقى الرصاصة القاتلة في أحشائي، تتورم، وتكبر حلقاتها، حتى أصبحت كورم خبيث.. لعنت الظلم ولكن لا جدوي من اللعنات في وجه القوة، بل هو أشبه بالصرخة في فراغ يتسع الجهات الأربع.. ولم يسعني إلا أن أغادر المكان، إلى حيث يستقر المنزل الطيني الذي بناه والدي، بالتعاون مع أقربائه ليستر عورة أهل بيته، وهذه هي العورة تنكشف، ويهتك عرضها، ويذهب الجاني متمرغاً، متباهياً بالدناءة والوحشية، والجبروت الذي يولد من القوة الغاشمة.. لم يكن في وسعي أن أكشف السر، فما جدوى أن أفصح عن سر لا يستطيع كائن من كان أن يحل عقدته، بقيت وحدي أتجرع مرارة الطفل، وأستعيد حلقات الكابوس، وأقاوم انكساري بشيء من الصبر الذي لا يشفي، لكنه يؤجل شيئاً ما، من الإحساس بالموت النهائي..
بعد زمن عانيت الغضب الذي انتهك، تمعنت في خصاله وتفاصيله فلم يزل صامداً، يكابد معاناته، لكن ثقباً ما وصمه في الداخل رسمت وشماً أو سوراً غائراً محتدماً، يسورني بأسلاك شائكة أحاول أن أقفز على مرحلة ما سوداوية، بيد أنها تزمجر في وجهي مكفهرة، متعاظمة فأنيخ كالبعير المنهك، أخنع ضربات الداخل المدوية، وأنحني، وبين الفينة والأخرى أحاول أن أكسر حاجز الصوت الداخلي، إلا أنه يصر على أن يخدعني، ويقودني من معصمي إلى حيث ارتكبت المعصية الكونية، فأضطر منتكساً، ذاوياً، متهاوياً، متهالكاً، أجوس في هذا البحر المتلاطم بين أشياء سيئاته وخذلانه، أصر على أنني كائن بشري يستحق أن يتقاسم العيش والهم مع المنتمين، إلا أنهم يقررون، مرتجفين من كلمة أرض.. الأرض أصبحت الآن مجرد ذاكرة مثقوبة، كإناء صدئ، تراكمت في أحشائه الطفيليات والغبار.. ولكني أنا المعذورة، عن ماذا أسأل، الآن عن جسدي الملوث أم عن الأرض التي غابت عنها الشمس، وباتت شبه جغرافيا غشيتها تضاريس مدلهمة أقرب إلى لون العباءات السوداء الجنائزية. قلت في نفسي من يحق له أن يلطم صدره أنا أم هم؟ من يحق له أن ينعى الجرح، والأوصال التي قطعت أنا أم هم؟.. تناهى إلى سمعي أن أناساً صرخوا في يوم من الأيام قائلين لا للاحتلال، لكنهم بعد ذلك صمتوا صمت القبور، إذا كان صراخهم أشبه بصرخة الحمار عندما يتعب، ينفث من مؤخرته ريحاً نتنة احتجاجاً على الظلم ثم يرخي خطمه مستجيباً للأمر الواقع..
في رحلة الشتات توارت أحلام، ونشأت أحلام، صرت أشبه كمن صحا من حلم، ونشأ يرتب مشاعره المبعثرة، ولم تزل اللطمة تدوي في الذاكرة، وأنا هنا حيث تمضي الأيام على الأرض اليباب، أشعر بأن ما كان لم يعد، والأرض التي اختطفت لن تعود، وكذلك ما عاش في الذاكرة سيظل مجرد شرارات حارقة تذروها حركة الحجر المتقد في الأعماق، وقد أكون أنا أقل وعياً بالتراب الذي يتسلل من بين الأصابع، ولكن أبي، هذا الكهل المغموس في طين وعجين الأرض، فمارس الذاكرة ضد غليلها وعويلها إلى درجة أنه لم يقوَ على مقارعة الممكن الملتهب، فوقع فريسة المرض، وأطاحت به العلل، حتى انتزعه الموت من الأرض التي لم يشعر يوماً بأنها تتحمل همومه، وإحساسه بالضيق.. فذهب المسكين وحيداً، ذهب بعيداً، وبقيت وحدي، فكان الفراق الأليم الثاني بعد فراق أمه التي وافاها الأجل، وهي لم تزل على الأرض المقدسة، وقد تكون الأكثر حظاً مني ومن أبي كونها دفنت تحت تراب تلك الأرض، وقبل أن تشهد لوعة الحرمان، والشتات الرهيب.. الوحدة والعجز يكسر العظم والإحساس بوجود اللاشيء أمر مزرٍ، ومخيب للآمال، والوقوع وسط محيط استبيحت هويته، وصار أشبه بالكائن الملوث، قدر لا يحتمل الصبر مهما بلغ الإنسان من قوة جلد، الأمر الذي جعلني أشعر بأن القيامة بدأت منذ ذلك الوقت، وقت الاحتلال البغيض، وعلى الرغم من أنني حاولت أن أتسرب من بين نسيج الوطن البدين، وأتهرب من الثوابت لعل وعسى، تنصرف الأمور إلى فرج.. لكن ما كان يحيق بي وأنا أعيش وأعاشر، وأجتمع مع بشر، أشعرني بأنه لا مجال للندية، بل لا وقت لتصديق الوعود، فكل ما يتم ترتيبه كان يسرق الوقت ويهرب بالعمر إلى مساحات سوداوية لعينة، تقض المضجع ولا ترجع ما تمت سرقته.. في البر الغربي، تبدو الحياة مختلفة ومناهضة لكل ما يجيش في القلب، عندما أثير قضية الاحتلال، أواجه بالضغوط، وأنصح بالنسيان، وأنا قدماي مازالتا مبللتين بماء الجزيرة، ولم تزل عين أمي مرسومة في صدري، عندما شخصت البصر تطالعني، وإصبعها يشير إلى النخلة قائلة بكلمات غامضة، لا تهمل النخلة، اسقها بيديك.. وهنا وأنا أرفع يديّ أجدهما فارغتين بلا ماء، فأنتكس، وأغضن حاجبي، تحاصرني الحسرة والأسى.. أيقنت أنني لن أعود، فكل المعطيات تشير إلى عدم العودة، فالاحتلال رسخ جذوره، وكرس جهوده من أجل طمس هوية ذلك المكان، معتمداً على قوته العسكرية الباطشة وأنا ليس بحوزتي غير الأمل، المبتور والأمنيات المهضومة..
على الأرض الجديدة تشرئب أعناق الرجال عندما تأتي سيرة الاحتلال، بل والبعض يعتبر ذلك ضرباً من الخيال، بأن يعود ما نهب، أنا وحدي أظن، وبعض الظن يبدو في منظومة المجتمع الجديد، إنما يجرم عليه قانون الغاب.. قال لي الجندي البغيض وهو يمارس رغبته المجنونة اذهب أيها الغريب، وهنا تنظر العيون إليّ بشيء من الريبة والتوجس، وأحياناً أصفع بألفاظ يندى لها الجبين، ما يشعرني بأنني جئت من عالم فضائي، بعيد لا يحق لي أن أستمر في الحياة على الأرض.. فالأرض ابتلعت كل المبادئ وتخلت عن ثوابتها الطبيعية، وتناهت إلى اختصار العنصر البشري، كونه مجموعة من خلايا النمل، تعمل ليل نهار من أجل كسب العيش، ولما تنتهي من صناعة غذائها تعود لتهدم البيت الذي بنته، لتمضي إلى حياة أخرى، هكذا لا ثبات ولا قوامة للعقل.. آه.. العقل.. ما هذا العقل؟ بدأت أفكر في عقلي، إنه التكوين المجرد، المكون من ذكريات وأحلام، وآلام، ومبادئ، قد لا تساوي شيئاً حيال هذا الزخم البشري المتعارك من أجل البقاء حياً.. فقط يعيش لأجل أن يعيش. توسلت إلى الله أن يهبني عقلاً مثل عقولهم، وأن يمنحني إرادة متفانية من أجل النسيان مثل إرادتهم، وكأني أطلب المستحيل، وجدت نفسي أهيم في عراء وسخ، مسحوق تحت رحى لا مبالية تطحن الوجود بقسوة لا مبرر لها غير تعاسة الذين أرادوا أن يكونوا هكذا، بلا معنى.. المعنى الذي أريده هو القوة التي تسترد الحق بأي ثمن.. والأثمان تبدو باهظة ومستحيلة لدى الذين أجبرتهم ضمائرهم الخربة على تجاوز حدود المنطقة..
سألني ضميري ذات يوم، وفي لحظة يأس، ما سلب ليس إلا قطعة أرض لا تساوي كل هذا الاحتقان، وبديلها تضاريس واسعة، تجمع الشرق بالغرب، فلماذا يا سيد تبالغ في الحرقة.. اجمع شتاتك، وانهل من الحياة لذيذها، وعش يومك، كما تعيش هذه الجموع.. فكرت، شعرت بوخزة صارمة، تسحق روحي، أحسست بأن المسألة لا تتعلق بتراب يقع في وسط بحر هائل، إنما المسألة هي الجذور، فلماذا تموت الشجرة التي تنقل من تربة إلى أخرى، رغم توافر كل مستلزمات الحياة لها، عندها، الأرض التي اقتلعت منها.. فكرت في الجذور ملياً، فكرت في التسرب الحقيقي للشرايين التي تغلغلت، واكتست شيمة الأرض، وبعد الفراق، تبدو الغربة موحشة، ومضنية.. لعنت الاحتلال، وبصقت في الوجوه الشاحبة، ومقت الرؤوس، التي لم ترتفع لترى ما أبيد من جذور.. تطورت بعد ذلك نسلاً غريباً، وضعت صورة أمي في صدري، قبلتها، قلت في بؤس، سامحيني لم أستطع أن أرى النخلة لأنها بعيدة، والمكان أصبح محظوراً، والجهابذة هنا يصرخون ويغرقون الفضاء بشعارات خاوية من المضمون، والمستقبل لا يبدو على ما يرام، كون الحاضر مدلهماً بغيوم العجز غارقاً بأمطاره الحمضية..
المدينة القديمة، لم تزل حالمة، تعانق الماء الأزرق، وترقب أسماكه منذ القدم، تتغير الأشياء من حولها، وتتبدل، وهي معتكفة كراهبة هجرت اللذة، واعتنقت صبرها الأزلي، ومنذ أن قرر الإنسان هنا أن يحطب في الفراغ، ويختزل العمر، في الشهقات والنظرة اللامبالية، وهي تحشد أزقتها الضيقة بالغبار، وتتوازى مع عصورها البائدة بلا تأفف.. استقللت التاكسي البحري، جلست على المقعد الخشبي المفروش ببساط بلاستيكي أخضر باهت خدشت حياء لونه الداكن أشعة الشمس اللاهبة، والتي لم توفر جهداً في سوط صاحب القارب، فعذابات الحر، وملوحة العرق، ووساخة دخان الديزل المنبعث من فوهة الماكينة التي تكح وتصدر سعالاً أشبه بسعال كهل مسلول.. مضى القارب، يسبح على صفحة الماء الهادئ، ومكثت أنا مدلياً ساقيّ عبر المقعد المنضوي على ظهر الماكينة، والهواء الساخن الرطب يلطخ وجهي، وشظايا النيران المنبعثة من أحشاء الماكينة تلهب مؤخرتي، وعبر رجل آسيوي ذي سحنة سمراء، نحيف، أجرد، يرتدي قميصاً بنصف كم، وسروالاً رمادياً، منجرفاً عند ظهر القدم ومن خرخرة صدره، وأنفاسه المتقطعة بأنه مدخن شرس، لاسيما أنه لم يتوقف أبداً عن زم عقب السيجارة بنهم.. حاولت أن أدير وجهي لأبعد نفخاته عن أنفي، استدرت جانباً، بينما لبث هو في لعق الدخان بشراهة المدمنين.. الرجل الواقف عند مؤخرة القارب، بدأ يلم أجرة التوصيلة، معترضاً الآخرين بابتسامة جامدة، وهو يلهث من سطوة الحر.. وبأناة وتؤدة ارتطم القارب بجرف المرسى، نهضت، كما انتفض الآخرون، مكللين مهللين، بفرحة الوصول، وكان القارب الذي أقلنا جاء من أعالي البحار، بطبيعة الحال لم أجد غضاضة في أن أتسلل من بين الحشد، وأسير الهوينى لا ألوي على شيء. فعندما قررت القدوم إلى هنا لم يكن في ذهني أي هدف، كسائر الذين يحملون أوزارهم في صدورهم ويغادرون أمكنتهم إلى أماكن أخرى، هبطت على اللسان الأسفلتي الرمادي، وغبت وسط الزحام، ومضيت حتى آخر الجادة المؤدية إلى أزقة متفرقة ومتشعبة، قابلت الواجهة التي أبغضها.. البنك البريطاني، هنا عند الزاوية في مقابلة الشارع الرئيسي، ينتصب هذا الصرح التجاري العتيد، وأذكر أن يد الاحتلال، حيث سارت المظاهرة الحاشدة، ورشق بعض المأزومين مبنى البنك بالحجارة، فهشمت نوافذه وواجهاته الزجاجية، حتى تدخلت الشرطة، وفرقت الجموع الغاضبة جراء الاعتقاد أن لبريطانيا يداً طولى في تسليم جزء من تراب الوطن لقوات الاحتلال الإيرانية.. نظرت إلى المبنى، بصقت، ثم تابعت طريقي في نفس الشارع العام.. عند ركن قريب توقفت، ثم توغلت في زقاق ضيق، شممت رائحة الخشب المعتق، والطين الجلد، هنا تصطف دكاكين الباعة القدماء، رجال من زمن تاريخي عتيد، إنهم أشبه بأعمدة السقوف الخشبية، شاهدت ملامحهم، ولم تتغير رغبتهم في إثبات الوجود، تحدوا الزمن وتصرفاته الحمقى، وتزخرفوا بالصبر، وأبواب المحلات الخشبية بالدرابزينات الحديدية والأقفال المعلقة في ثقوب الحلقات المغروسة في جوف الخشب الهرم، وأكياس القمح، والأرز، والطحين، والفول السوداني، والحمص، والعدس، تفتح أفواهاً ظامئة في انتظار الزبائن الذين يأتون من شواهق الجبال، وبطون الوديان، وصدور السفوح، مسربلين بالقنادير والقحاف، التي لم يتغير نسيجها، إلا أنها باتت أشبه بجلود الحيوانات اليابسة، رائحة الخردوات والبهارات المكتومة بين الجدران الضيقة شدتني كثيراً، شعرت برغبة عارمة إلى قضاء وقت أطول بين أعشاب هذه الحديقة المهجورة، أحسست بأن وادياً ينهال بسرعة فائقة، يجرفني نحوها بقوة فطرية لا نهاية لها.. سألت نفسي هل لتشابه الأمكنة ما يجعل الانحياز إليها أمراً عفوياً، أم أن في وجدان الإنسان قاسماً مشتركاً، يفرض عليه حتمية الاندفاع بقوة إلى ما يشاهده.. التصقت بالجدران، تشممت الرائحة، غرست عيني في الوجوه البريئة، هؤلاء أطفال كبار، أو رجال صغار، سمهم ما تشاء، المهم في الأمر أنهم أناس اختاروا مصيرهم، وتبنوا الحياة ببساطتها، وسذاجة معطياتها، فرسخوا المفاهيم القديمة على أنها الجذور، التي لا يمكن اختراقها.. قارنت.. كيف يعن للإنسان أن يقلع إنساناً من جذوره، ويتبرأ من المبادئ، استناداً إلى مسوغات تاريخية كاذبة، ومبررات ثقافية لا تصدق أبداً، مهما بلغت من حنكة، وقدرة على إثبات ما لا يثبت في القيم الراقية.. سنحت لي الفرصة أن أرى رجلاً مسناً، يقف بجوار واجهة محل تجاري صغير، يتحزم بشريط جلدي، رصع ظاهره برصاص بندقية، كند على ما أعتقد إن لم تخني الذاكرة، يرتدي قندورة صفراء، ويربط رأسه بمعصم أحمر تبينت شكله، لا أدري لماذا لفت اهتمامي من الوهلة الأولى، ولماذا أصررت على الاقتراب منه، وتشخيص وجهه الأسمر، الجاد، ولا أدري لماذا بعد هنيهة، اعتقدت أنه يشبه أبي، وربما أن كل الرجال الذين ينتصبون بهامات شامخة ورفيعة، هم يشبهون أبي.. أبي كان رجلاً كهلاً، لكنه يتمتع بقامة سامقة، وعينين حمراوين حارتين..
ماذا عليك أن تفعل هنا، أو بالأحرى، لماذا أنت جئت؟ وما الذي دفعك بأن تعبر القناة البحرية، وتأتي لتتوغل في هذه القناة الكبيرة، إنه أشبه بمكان مهجور، ومن يقطنونه مجرد هياكل عظمية لأحياء كانوا هنا وذهبت أرواحهم، تلتقط الفراغ.. تدخل في الزقاق المعتم وكأنك تلج قبراً كبيراً، ورائحة الطين والخشب المعتق أشبه برائحة العظام، تزم أنفك، تحاول أن تصمد لتكتشف المجهول في غابة الجدران المتآكلة، وأخشاب الصنوبر، المنحدرة من بداية الزمن.. تحسم أمرك، وتتكئ على صبرك المعتاد، وتجلس عند زاوية قريبة من محل لبيع الشاي الأحمر، والفول السوداني، والحمص والزلابيا، تطلب كأس شاي وصحن فول سوداني، وتنتظر.. ولما يعود النادل المتأبط جلداً تحت سطوة الحر القائظ، والمحفوف بمخاطر الوقوع تحت غماره، ولكن هؤلاء لا خوف عليهم، لأنهم أقوى من الحر، تأخذ رشفة شاي وتقذف حبة فول في فمك، ثم ترشق القشور على الأرض، وتعاين الفراغ، وترسم صورة لواقع جميل، على الرغم من الكآبة التي ألمت بك من الوهلة الأولى، وبطبيعة الحال، فإن الزائر لمكان لا يعرفه قد يصاب بالدهشة، أو بالملل، لكن أصحاب المكان هم وحدهم الذين انسحبوا بعد تألق في الصبر، وبعد أن جارت الدنيا عليهم بمشاعر اختلطت برائحة مكونات الطبيعة التي لم يختاروها، إنما هي التي اختارتهم، ولما فرغت من المشروب الأحمر اللذيذ، الذي لم أطعمه منذ زمن، أعطيت النادل أجرته ونهضت، كان بوسعي أن آخذ طلباً آخر، لأن شهيتي انفتحت على القدر ذي الرائحة الزكية لقشور الفول السوداني، ولولا أنني لا أحب السكريات كثيراً لطلبت حفنة من الزلابيا، إذ شدني اللون الأصفر البرتقالي، السائل الشفاف، المذاب في عروقها المتشابكة، شرايين الزلابيا، الرقيقة الأنيقة تغير من المزاج، لكني فضلت عدم الإذعان لرغبتي، فالحرارة اللاهبة، لا تقضي على المزيد من تناول السكريات، بوسعي أن أعود، وأن أستأنف الحوار مع هذا المكان الرائق المتجمد عند نقطة الصفر الحضارية، لكنه أجمل من الحضارة، وأكثر لباقة من أي شيء قد يلج أتون المكان، بعرفانية مجللة بالزيف والافتراء.. سألت نفسي، هذه الأعداد من الجريد كيف تم صفها وعقد أربطتها بهذه الأناقة واللباقة، وكذلك جذوع النخل، ما هذه الأيدي التي سحلت عنها الليف والزوائد، ورتبت أصلابها بكل شجاعة، ثم إنه كيف تم حملها، وأي ظهور هذه احتملت خشونة جذوع النخل، وعجرفة الجريد، وأشواكه، تمعنت بالسقوف التي لم تبدُ سقوفاً للظلال، بل بيوتاً للعنكبوت التي استوطنت المكان، وسيجت مصائدها، حتى تدلت الرقائق النسيجية الشفافة، مؤكدة أصالة المباني التي يجلس في أكنافها، هؤلاء الكهول، أحياناً أحس بأنهم أشبه بالأشباح والكائنات الغريبة، لغرابة ما يمارسونه من نشاطات تجارية، والمكان يبدو هادئاً، فأقول في نفسي أي معيشة هذه؟ فالواحد من هؤلاء لا يبدو أنه تاجر، إذا لم أقل عنه إنه عابر سبيل، اقتعد كرسياً خشبياً، في انتظار حافلة ما، ربما حافلة الموت، وكم هي أليمة هذه الفاجعة عندما ينتظر الإنسان الموت، ولكن لا يبدو على سيماهم أي عجرفة تدل على الخوف، أو القلق من أي شيء، بل إن الابتسامة الجامدة، وأحياناً الباردة تدلك على السخرية.. أجل أنا على يقين أن هؤلاء الرجال ساخرون، فالإنسان عندما لا يكتنف أي هدف فإنه ينظر بلا مبالاة، إلى الأشياء من حوله..
حاولت أن أستعيد قوتي، وأستعين بكل ما أملك من طاقة كامنة لحماية نفسي من الانطفاء كلياً، وبحق فأنا أحب الأطلال، وتغمرني السعادة برؤيتها، ولكن لا أدري، تداهمني فجأة رغبة داخلية أخرى، وتشيع الانكسار في نفسي وأشعر بالتعاسة فأرتاب، ولا أفكر إلا في الفرار، ولكن أين المفر، هذه المدينة تتنفس الخراب، وعلتها أنها لم تزل تستحم في مستنقعات الحضارة، وتمارس شهوة جمع الملابس القديمة والحلي.. خرجت من النفق المظلم، عبرت إلى الشارع العام، واصلت طريقي في اتجاه سوق السمك، وكان البحر قريباً مني، يستمع إلى نداءاتي وأنا ألعق بصاق السماء، وأجتر حثالة الهواء الرطب، وما إن شارفت عند البوابة الوسيعة، المشرعة، توقفت أستمع إلى نداءات البائعين، ودوي محركات المراكب التي وصلت للتو من رحلات الصيد، دلفت إلى أحضان السوق، تفرست في أحشائه الضليعة في صناعة الفرح على وجوه المشترين، والمفعمة بالرائحة المتخمة بالقشور السمكية، التي تناثرت كحبات عقد قديم، وكذلك مصارين الأسماك، وطفر من أحشائها الدم تبعثرت في كل مكان، بينما أخذ كل بائع مكانه على دكة البيع، مطلعاً على الداخلين والخارجين من مبنى السوق، متربصاً بأقرب زبون، باذلاً الجهد الجهيد في الإغراء والإطراء، وبسط النفوذ ليكسب أعلى معدل في البيع، وبين الجادات المتفرعة تمر نساء شاحبات مثخنات بالسمنة، وأخريات يتمايلن بأرداف كريمة، وأطراف بانت من تحت الأغشية السوداء، بضة ناعمة بيضاء، وأنا تتوزع نظراتي، بين هذه وتلك، ورغم فخامة العطور الفائحة بكرم أخلاق رفيع، إلا أن عطر الأسماك يبدو أكثر نفاذاً وقوة، وأستطيع أن أسترق السمع للهمسات الناعمة، وأن أقترب من أطراف العباءات السابحة في الفضاء كأجنحة فراشات غامضة، وهنيهة، ثم أخرج وأعثر على جادة أخرى تسوقني إلى شاطئ بحري، اختبئ خلف مبنى السوق، توقفت عند حافة الحاجز الحجري، نظرت إلى البحر وإلى الزرقة الوادعة، وخلايا حية ناعمة، صغيرة بحجم الشعرات، تلوي في العمق، وتدير أذيالاً رقيقة، أفكر أنها مثلي تائهة، ولكن لا أعتقد ذلك، لكون هذه الكائنات موجودة قبل وجود البشر هنا.. أمضيت برهة، ثم مضيت، وتابعت طريقي في اتجاه الكتل الرملية العالية، قيل لي إن هذه الأكوام، تخبئ تحت رملها عظام بشر، كانوا أناساً يتحركون، يمشون، يأكلون، يشربون، يلبسون، ويمارسون الحب، ولما غشيتهم الفاشية، وطغى عليهم الظلم، ودكت أسوارهم وحصونهم مدافع الطغاة البريطانيين، نامت بيوتهم على رؤوسهم، وانتهوا إلى زوال.. إذ أنا الآن أمشي على جمجمة إنسان، أو أدوس على صدر امرأة، ربما كانت امرأة جميلة رائعة، ربما كانت محط أنظار العشاق، وملهمة الشعراء، المدنفين، وقد أكون الآن أضع قدمي على سطح سرير خشبي، نامت عليه امرأة في حضن زوجها، وتمنيا أن يرزقا بمولود ذكر، وشهقا معاً، ثم ضحكا مسرورين.. أين هم الآن، لقد استولى الزمن على الذاكرة، فاختزل التاريخ في كومة رمل تافه ولا يساوي فلساً. أما البيوت المنتصبة على ظهر الجبل الرملي، كأنها أيضاً باتت من أفعال الماضي، كل شيء هنا يبدو فعلاً ماضياً لا مضارع يمكن أن يضع له موطئ قدم. صعدت التلة العالية، وقد علقت بين الأزقة، غصت في الرمل، كما سبحت عيناي في الفراغ، الجدران المتلاصقة كتب عليها بالفحم أو الطباشير الجيرية، كلام عن الحب، وعن العلاقات الزوجية، وبعضها شتائم وسباب في حق أفراد يبدو أنهم في خصام، كما يحصل هذا بين الرفقاء في الحارة الواحدة، أسير في الجادة، وكأني أمشي في خندق، فوق الأرض، الأنثى العارية تسلط وهجاً حامياً، يسقط على وجهي، كسياط حديدية، مستقرة، أحاول أن أغمض إحدى عيني لأفتحها بعد حين، ثم أغمض الأخرى، أتكئ على جدار وأسند ظهري، تحاشياً للدوار، وأمضي.. والمعضلة في الأمر أنني لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، فقد كنت مندفعاً بقوة، غامضة، إلى شيء لكنني رغم ذلك كله، لا أشعر بالملل، بل إن رغبة داخلية، تشحذني قوة إضافية لأستمر في السير، ثم أجد نفسي في الجهة الأخرى، من المدينة القديمة، هنا الشارع، الأسفلت، ينسحق تحت عجلات السيارات والحافلات، والدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وبعد مسافة بضعة أمتار يستقبلني الشاطئ، ثم البحر، بدا لي البحر أنه محيط هائل، لعظم ما تراكمت فيه من أمواج، وقد استقرت الأمواج هنا بعد أن هزمت النفوس البشرية، وكذلك المراكب، البحر وحده يهدر، ويزبد، ويصرخ كالوحش، زائراً بشدة، متحدياً، مقامراً، بشواطئه التي بدا عليها التآكل من عظم الصدام.. توقفت، أخذت نفساً عميقاً، حيث الهواء البارد، شكل إلى رئتي، كالماء البارد، أسكن عظام صدري، كما أضمر التعب قليلاً..
فمنذ اللحظة الأولى التي أنجزت فيها شهادة التحليل النفسي، وأنا أشعر بصعوبة جمة، مع نفسي، حيث إنني لا أواجه الآخر، بصعوبة أكبر من مواجهتي لنفسي، فأنا، مازلت أغوص في أوحال، وأهيم في فضاء، تغيبت عنه الشمس، وتدحرجت النجوم بعيداً عن أرضه.. مازلت أمضغ مراحل ما بعد الفراغ، كحشرة تائهة، تطاردها ريح عاتية.. ما فعله ذاك النذل، كسر أواني كثيرة في داخلي، وشوه مرآة الوجه كما بعثر مشاعري التي أصبحت كنثار زجاج، داست عليه عجلات حافلة محملة بأوهام الفقراء..
امضي وحيداً على الشاطئ، أسترق السمع بإمعان إلى همهمات الموج، وهمسات الريح، وأنظر إلى نعومة أظافر المحار المقذوف، منذ بدء التاريخ، ولايزال يصفع بأقدام البشر أحياناً، وبكفوف الموج أحياناً أخرى، وهناك عند السكينة يبدو لي حديث سري بين الصخور المتراكمة عند الشاطئ والأسماك الصغيرة، التي تبحث عن مشاريع تشيد مأوى لها، وهناك أيضاً غناء وجودي لطيور النورس التي حلقت متسلقة الفضاء، بأجنحة كأوراق الموز، شفافة لكنها صلبة، ويانعة.. وهناك، أيضاً مراكب السفر الضخمة التي تجوب شوارع الخليج، في تؤدة، متأبطة أحلام البحارة، والمسافرين، والتجار، وربما بعض التجار يختلسون من الزمن وداعته وهروب من دوريات الخفر من لوعة الحر، فيسوقون الضمائر، ليملأوا الجعب بالمال، والدر النفيس..
عندما أقف على الشاطئ، أحس بأن إحدى قدمي تنزلق في محيط غائر، أو أنني أتدحرج على سفوح جبل شاهق، فأشعر بالرعب، وينتابني خوف فظيع ينتزع قلبي من صدري، أحتقر نفسي كوني أصبحت أضعف من زعانف هذه السمكات الضئيلة، فأتقهقر، وأسند ظهري إلى الفراغ وأضع نفسي في حضن المنتهي والمجهول.. أقف ورويداً رويداً أسترد أنفاسي الضائعة في خضم الإنهاك، أصارع هذا الوغد الكامن في روحي، وأعصب عيني كي لا أرى ما يتراءى إليّ، لكن الدوار لم يزل يجتاحني كما اجتاحني ذلك الوغد، في النهار البائس، أحاول أن أقتعد كرسياً رملياً، تلة صغيرة، هي بقايا بيت قوقعة أطلقت الفكرة، والتيار الهوائي يختزل مساحة الرؤية، إذ أغمضت عيني بعد أن مسحت قطرات الدمع المتهافتة أسفل المحجر.. ولما عدت إلى المنزل، في الغرفة الصغيرة، المتلفتة على رزم من الكتب التاريخية والأدبية والفلسفية، إضافة إلى ملازم علم النفس والمجلدات الضخمة بعضها تم فتح صفحاتها، وبان على أطرافها حبر التلخيص، وبعضها تراكمت كالهم.. قلت في نفسي ما نفع كل هذه الكتب طالما عجز العلم عن طرد شياطين الهم، من روح شجنت منذ الميلاد.. جلست بمفردي، أتأمل فصاحة الطبيعة، وهي تكشف عن ساق شهواتها، وتفرج عن لوعة تاريخية في صناعة الألم.. الأشياء هنا تتألم، منذ زمن، حتى العصافير لا يبدو لي أن تغريدها يخرج من حناجر لم يبحها العويل، إذ البكاء هنا وجودي، والحزن خالد خلود أشجار الشريش، والسدر واللوز.. الآن وقد خبأت الشمس ثوبها المطرز باللون الذهبي، وانكفأت تحت ردائها الأسود الداكن، وختلت القرية تحت هودج الصمت، لابد لي أن أتناول شرائح الخبز الأحمر، مع جبنة الكرافت وأذهب إلى النوم، ولكن لن أنام، ولو فعلتها فإنني سأكون قد خالفت قوانين الطبيعة، وعصيت أوامر العادة القميئة.
شريحتان من الخبز مدهونتان بالجبن مع كأس الشاي، تكفي، وفيض على الحاجة.. لا أريد أن أطحن أحشائي بالمزيد، ربما كنت في الطفولة أعشق الأرز مع السمك المقدد، وأحياناً المشوي. أما الآن، وبعد العقود الأربعة العجاف، صار الجسد أشبه بالسمكة المملحة، لو زدتها ملحاً تلفت ولو أقللت من الملح فسدت، ولا بد من الاعتدال، لا بد من الابتعاد عن الخيبات..
أستلقي على السرير، فتنهض الأحلام والأوهام، ويشتعل سقف الغرفة بصور وأشكال هندسية، ما برع في صناعتها، أنجح المهندسين المعماريين، كذلك يهاجمني الخوف من الوحدة، كوني أنام ولا جسد يدفئ صدري، ويملأني غبطة، ويحسسني بأهمية الوجود.. لا أتصور كيف أمضيت هذا العمر بدون امرأة، وكيف سأقضي السنوات وما تبقى من العمر، بدون أنثى، تؤثث المشاعر، بسجادة أنثوية، تنعم على القلب بالسعادة والاطمئنان.. ولكن يخالجني شك في أن أتمكن من اقتحام عالم المرأة، إنه عالم معقد وشائك، ولو ذهبت في أدغاله، سوف تلسعني تلك الثعابين، اللابدة في أحشاء الأحراش، والأشجار الشوكية.. أنتفض زائغاً من الضواري التي تختفي تحت عباءة كل امرأة.. أشعر بالذعر من هذه الأفكار السوداوية والعدمية التي تعبث في رأسي، وتجعلني أنقم على الزواج أو أحجم عنه.. لماذا أكون هذه التصورات العبثية عن المرأة، ولم أفق من هذه الأوهام، على الرغم من أن التحليل النفسي فسر كل هذه العقد والإحباطات، لكني لا أستطيع الهرب من هذه الشراك المعقودة حول عنقي.. أنهض مذعوراً، رافضاً ضعفي، أتجول في محيط الغرفة، جيئة وذهاباً أحاول أن أطرد هذه الأوهام، وأستغرب من نفسي فعلى الرغم من يقيني أن كل ما أفكر فيه مجرد وهم، لكنني لا أستطيع التخلص من أغلاله، فهل أنا أتكون من شخصين متناقضين متناثرين.. لماذا أرفض شيئاً، ثم أؤمن بوجوده لو فعلها شخص مجنون، فهذا ممكن، لأنني قابلت أشخاصاً مصابين بالعصاب القهري، يعانون ازدواجية الشخصية. أما أنا، فأعرف جيداً أن هذه الخيالات مجرد تراكمات ماضٍ، إذ هي لا وجود لها في الواقع، فلماذا لا ألفظها كما تلفظ نوي التمر، وأستمتع بحلاوة الحياة.. أعود وأجلس على السرير، أشعر بسخونة قاع قدمي، ثم بتنميل يا ترى ما سبب هذه السخونة، ألأنني مشيت اليوم كثيراً، فتعبت أعصاب ساقي؟ أم أن التكييف لا يعمل، كالمعتاد، فسخن الجسد؟.. لا أدري، ربما كل هذه الحجج مجتمعة، المهم في الأمر، أنني اليوم، لست طبيعياً، وأهم ما يؤكد ذلك، أنني عدت من رحلتي الطويلة، وجناحا قلبي يرفان، كجناحي عصفور مطارد.. كل شيء في جسدي ينتفض، ولا إرادة لديّ في إيقاف أطرافي المرتجفة..
عندما أشعر بالضعف، أستغيث بالذاكرة، وأستدعي التاريخ والحكمة باللاوعي، أطالب نفسي بأن تلتزم حيالي بالحياد، وإلا قد تظهر أشيائي الخفية كثيراً، حتى لا أبوء بالفشل الذريع، وأنا الآن، إلى حد ما، فاشل كوني لا أستطيع أن أطرد كل هذه الخيالات المتراكمة حولي، والتي أصبحت كالشياطين تلاحقني، أتذكر تلك المرأة الأمية الشابة، اليافعة، التي كانت تجلبني إلى منزلها، بحجة الاستعانة لكتابة رسالة خطية إلى زوجها المسافر، كانت تقترب مني، تلاحقني، أشعر بأنفاسها الدافئة تلفح وجهي، وكنت أقبض على شهوتي المحتدمة بحراسة الضمير، وكانت تستنهض كل شيء في جسدي عندما كانت تقرب أنفها من أذني، أو يلامس إصبعها ظاهر كفي، وكثيراً ما كانت تزم شفتيها، وهي تلفظ مخارج الكلمات، وهي تأتي بسيرة الزوج، وأحياناً تمازحني شاتمة بعلها، كي ترضي غروري وتؤكد أنها راغبة في احتساء رضابي، المتقاطر من بين شفتي، كنت شاباً أصغرها بعقد من الزمن، لكنها بدت لي غصناً غضاً ندياً، ولأن الزوج كان يغيب عنها لشهور، وأحياناً يكمل السنة كاملة في الغربة، بدا جسدها حاراً، شهياً، وكان يشدني جداً عنقها المجرد من غشاء الحشمة، الناصع، الأملس، ما يجعلني كثيراً، أقرب أنفي من جسدها لأشم الرائحة، وبالفعل كانت مطواعة إلى درجة الإذعان، والمكوث طويلاً بجانبي، رغم الانتهاء من كتابة الرسالة، وتغليفها في ظرف البريد، وكنت أستعين بالصبر أمام إغرائها ودهاء الأنوثة، الزاعقة بشهوات أزمنة ما بعد الظمأ.. وكانت تفتعل الأحاديث والكلام المسلي لكي تطيل زمن الزيارة، وتستبدل الكلام الجاد بقصص مثيرة، تفتح شهيتي كشاب أرعن في عمر الفحولة، لكي أستمتع بالكلمات بإنصات بالغ وأفتح عينيّ كلتيهما، لأجل أن أتابع بإمعان حركة الشفتين الليميائيتين الدقيقتين، وأتشهى مخارج الألفاظ المندفعة في فيها كشلال ماء بارد.. بالفعل كان جسدي يبرد، وأتصبب عرقاً، وأشعر بأنها تريد أن تلتهمني، وتقبض على جسدي، كمن عثر على أرنب بري هارب من عدالة الطبيعة، وكنت أؤمن بأن هذه المرأة طيعة، وجائعة، لكنها ليست وضيعة، وكنت على يقين أن المرأة العطشى لا تعتبر عاهرة، أو مذنبة، والرذيلة لمن ترتكب المعصية وهي في عصمة رجل يمنحها الإشباع، لكنها ومن دون جدوى تمارس الغي بفجور المتحررات، وشعرت بأنني أحب البقاء معها، لكنها دوماً كانت متوجسة من كلام الآخرين الذين تتربص أعينهم وتراقب دخول النملة إلى بيت أي امرأة غاب عنها زوجها، لذا كنت أحمل قلبي قبل جسدي، وأفر بمشاعري، كي لا تنزلق في الوحل، وكانت تتبعني بنظرات الحسرة، وألمس نسمات أنفاسها، المنبثقة من أنف رقيق، رهيف رهافة ورقة التوت، وألتمس لنفسي العذر، أن الذي يحب امرأة، يجب أن يحترم رغبتها، فإن كانت قادرة على العطاء فأنا في أتم الاستعداد، فأخرج من منزلها والارتعاشة تستولي على جسدي، والنوم كذلك، لأنني لم أظفر بغزوة تساوي كل هذا الاحتباس الحراري الذي استولى على جسدي، ألومها أحياناً لأنها ما كانت جديرة بالاهتمام برغبتي الجامحة، وأوبخ نفسي لكوني لم ألبّ نداء الجسد لديها، حين كانت تطاردني كالقطة المشتهية، ولم أعر رغبتها أي اهتمام. المهم في الأمر أنني كنت أغادرها وهي جامدة في مكانها، وكأنها تلعن هذه المشاعر المتوقدة التي لم تستطع إيقاظ ما بداخلي، وكنت مرتاباً جداً من قنوطها، لأن قنوط المرأة جحيم الرجال.. في المرة الأخيرة، وقبل عودة زوجها بشهر تقريباً، استنجدت بي قائلة، أريدك أن تخط لي رسالة شديدة اللهجة لهذا الرجل الذي ما عاد يسأل، ولا يلتفت إلى زوجته الملتاعة، ولم تفصح تماماً إلى من هي ملتاعة، بل تركت الجملة تخرج من فيها على الإطلاق، ما دلني على رغبتها، فصرت أمارس حنقي على الزوج، إذ اقترب موعد وصوله، وأنا مازلت لم أذق طعم الشفتين، كنت أشعر بأنني أستطيع أن أقتحم هذه النخلة الفارعة، ولكن لما أزفت الآزفة، وكانت المرأة محتقنة إلى درجة الانفجار، شعرت برغبة في الانسحاب، تصورت أن العقل سوف يدفعني إلى ارتكاب جريمة نكراء أو هكذا، قال لي قلبي وهو ينكوي بالهواجس المؤلمة، فآثرت عدم الاندفاع، وبينما كانت هي تندفع بقوة الرغبة العارمة، وتلقي بمشاعرها مدرارة كالهطول، كنت أدافع عن نفسي خشية الوقوع في الخطأ، لم أكن ورعاً أو قديساً، لكن قوى ما داخلية نهرتني بشدة، وبشراسة، دفعتني إلى البعيد، فرأيت عيني المرأة شاخصتين، يتطاير منهما الشرر، شعرت بأنها تريد أن تخنقني لتتخلص من درجات الحرارة، التي سيطرت على جسدها.. هربت فعلاً، فعلت ذلك كالطفل الخائف من وحش ضارٍ، وكانت تلاحقني بنظرات الاحتقار، والحقد كذلك، لكنها لم تفه بكلمة نابية، بل إن زمة شفتيها كانتا تفصحان عن نقمة شديدة انطوت ضدي..
أي أبدية هذه أيقظت في هذه الشجرة الصامدة سحر الخلود، أي بقاء هذا يقاوم فناء جل القيم، ليحكي أسطورة الكائنات، التي لا تذوب كما يذوب الملح في ماء مغلي.. طفقت أقرأ اللوحة، الحالمة بالتجرد من دون التفاتة مضنية، لما يتغير، ويتبدل، ويذهب في جحيم الانهيارات.. سدرة قرواش قيل إنها مسكونة بالشياطين، وكان الكبار يتحاشون المرور حولها، بعد أن تخلع الشمس نعليها وتذهب حافية نحو المجهول، ويوصون صغارهم بألا يلهوا بالقرب من الموت، قالها ابن طفيل، الذين لا يشكون لا ينظرون، والذين لا ينظرون لا يبصرون، الذين لا يبصرون يموتون، عمياناً.. العمى والجهل، سيان كلمتان مترادفتان.. وقفت هنا، حاولت أن أبصر ما يقف مبحلقاً في وجهي، أي حاولت أن أشك بكل ما قيل عن هذه الشجرة التي لعنها الآخرون، وتعوذوا من شياطينها، على الرغم من شهوتهم المفتوحة حيال نبتها السكري، قال لي أحد الأعيان: إن رجلاً حاول أن يقطع غصناً بسكين حاد، فانحرف السكين، بغتة تجاه، عنقه، فنزف قبل أن يسعفه أحد، ومات.. ومنذ تلك الحادثة والناس يخشون هذه الشجرة، وإذا أراد الصغار أن يطاردوا العصافير أو يقتربوا من أعشاشها فإنهم يداهمونها نهاراً، وقبل حلول الظلام يعودون إلى مأواهم، فرحين، بالظفر، مما جادت به أيديهم الصغيرة، من صيد، لكنهم أيضاً يتوجسون من الفراخ الصغيرة، خشية أن تكون متلبسة بأرواح الشياطين، لذلك فهم كانوا يداعبونها بأناة وتؤدة، ويقدمون لها الطعام، كقرابين.. لا أستطيع أن أكذب، لقد شعرت بقشعريرة، وأنا أقف جامداً تحت الأغصان المتدلية، كقلادة قديمة، على صدر امرأة عجوز، ففي تلك اللحظات نسيت كل ما قرأته في علم النفس، ونسيت تعليمات الأب سيجموند فرويد، وفكرت فقط، في الحكايات القديمة، التي تسللت إلى قلبي، كالماء المثلج، فأرعشت بدني، لكنني تجاسرت، حاولت أن أبتعث من جديد لأؤكد لنفسي أن الخرافة مهما كانت لها من سطوة تبقى مجرد فقاعة تدهش لكنها لا تغرق.. غرقت أنا في الفكرة، متسولاً الشجاعة، الصبر، وخضت معركة ضارية مع المفاهيم، المتشابكة، تشابكت مع الظلام الدامس، غرقت في عباءته، اختفيت، وكانت عيناي تحملقان في بصيص الضوء، المنبثق من مصباح الأيون المعلق، عند باب منزل قريب من المكان، حاولت أن أعتق فكرة النور الذي شق العتمة، فانبجست منه حمامة بيضاء، حلقت فوق رأسي، وحلقت أنا، طرت متماهياً مع الجناحين الشفيفين، تماديت في التحليق، كما تمادت الشجرة الشيطانية في بث الرعشة في جسدي.. عندما صرصرت الجدران المحيطة للشجرة، وصاح ديك من خلف فناء منزل مجاور، طارداً الوحشة بقليل من الضجيج المدوي، لامست مشاعر الألفة، اقتربت أكثر من الشجرة، تحسست اللحاء المتعجرف. وخزتني الخشونة الأبدية، نأيت قليلاً، تأوهت، لكن قلبي حدثني أن السدرة التي أحاذيها ليست إلا من بقايا زمن، الزمن الذي تخلى عن أوصافه الحميدة، وانتعل الرمضاء والجحود.. لبثت في مكاني، وراودني فضول قديم من أن الأشياء لا تصبح موحشة إلا عندما تهيم في غربة الأهل والمكان، الناس ساروا بعيداً، ولا أدري أين تقطن الأرواح التي عاشت تحلم بالقرب، وتنهال مفجوعة عندما يغيب امرؤ فجأة.. الآن يبدو لي من وقوف السدرة في هذه الجادة الغريبة، أنها تسخر، ولا أدري كيف تسخر الكائنات الأخرى، عندما يلهث البشر وراء أكاذيب.. الشياطين التي كانت هنا ألم تمت كما يموت البشر، أم أنها تخلد كما هو خلود هذه السدرة.. نظرت إلى العصفور الأصفر، والذي بدا، هو أيضاً، كذرات الجدران الشائخة، المتهاوية شيئاً ما، لكنها لم تسقط، وكأن هناك رهاناً خفياً بين الجدران والشجر، جميعها تموت واقفة عدا البشر الذين يذهبون تحت التراب بلا رجعة.. كم من الأرواح، هنا، ملأت الفراغ ضجيجاً وعجيجاً، كم من الأجساد تزاحمت مروراً بين الأزقة.. صديق حالم بالحياة، مبتهج دوماً كان يلوب في هذا الزقاق، عاشقاً مدففاً، يتبين الحبيبة المختبئة خلف الجدران، ولما يلمح الثوب الشفاف يشهق محتدماً بمشاعر، التهبت مساعرها جمراً، وكان يقول: لا بد للحي أن يلتقي بالحي، طالما بقي نفس في الصدر، ذهب الصديق، بل قضي نحبه، واقترنت الحبيبة بآخر، ولم يكن لقاء، لكن يبقى الحلم، الدائرة الأوسع، للذين يعشقون الحياة. غادرت المكان، ممتلئاً بأشجان تدفقت كالضوء القادم من سماوات مبتهجة، تدفقت أنا بالحنين، واستأنفت المسير باتجاه أزقة ضيقة، لا أدري لماذا فكرت في المشي على الرمل، المجلجل بالحصى وقذارات ما أتلفته بطون القاطنين الغرباء.. وجوه سمراء، غبراء، نزت بالشقاء، تتدافع في الأزقة، طاوية الفراغ الوسيع بأحلام وأوهام، وأنا أحاول أن ألملم شتاتي بين هذه الأجساد المكتظة، وأقتفي أثر الباقيات الصالحات من الأحلام.. أرتاب شيئاً ما من حملقة العيون المدهشة، لكني أتحاشى النظر بل وأخفي وجهي في التراب المبلل، ببول القطط الضالة، وبقايا الفضلات والرائحة العفنة، تظلل رأسي، وتتسرب إلى أنفاسي، بلا حياء.. ما بالي لا أخفف الوطء، ولا أداري لهفتي لرؤية ما لا يستحق المشاهدة، وكأن داخلي المسربل برائحة الماضي، يطفر برغبات قديمة، فهنا أيضاً كانت الفتاة المدللة، التي كانت تهواها القلوب، وتنشق ولعاً نحوها، كنت أحد الذين أتلفهم الوجد، فالصورة كما هي تتجسد الآن، يانعة الوضوح، تتحايل على قلبي بأن أتخلى عن رزانة العمر، وأن أقمع كبريائي، لأستعيد ما مضى، الأشياء التي تبهت عندما تحتك بجديد الذاكرة اليقظة، تبدو صقيلة لامعة، ورائعة أيضاً.. رائع أنا أيضاً عندما نهلت من هذا المخزون الثري وأثريت قلبي بدفق الدماء، لا شك أنني تعهدت لكني أذعنت للرغبة الكامنة هنا أيضاً في هذه الأزقة الضيقة، وخلف هذا الجدار المتآكل، كان الرجل الورع يقرأ القرآن، ويصدح بصوته المجلجل، ليسمع الآخرين جمال النشيد والكون وروعة الحنجرة البارعة في ترتيب المفردات، وكان أيضاً ترتاده النساء المفجوعات بأطفالهن المرضى، فيسدي إليهن النصائح المقدسة، ويكتب المحو بماء الورود والزعفران، ويزخرفه لهن بصحون الحجر الطيني.. كن يبجلنه على الرغم من فظاظته وأحياناً تماديه في مغازلتهن ولكنهن كن يعتبرن ذلك عملاً من أعمال السجود لقارئ القرآن الذي لا يزني ولا يخل بالقيم الدينية، وكان الرجال يحسدونه على طاقته العرفانية التي تؤجل غضبهم ضده، فيختارون التقدير والإجلال، لقامته الدينية.. عرجت باتجاه جادة أخرى، غاصت قدماي في الرمل، المكلل بالحشرات والدواب، وبعر الأغنام التائهة، وفضلات الكلاب الضالة، تاهت عيناي في المكان المهيب بظلاله، الرهيب في وحشته، المكتنز بذاكرة سخية، لا تجود بها الكتب، والأبحاث العلمية لو حاول المجتهدون أن يأتوا بمثلها.. وجدت نفسي عند بيت لا يضم غير مخزن طيني، ودهليز شُيّد من الجص والحجر، ثم دهن بعد حين بالأسمنت، كي لا تتآكل جدرانه.. وقفت مشدوداً كالعابد المبتهل، وقفت وقد تجلت الذاكرة بنجوم تراقصت، وتداولت حديث الروح، واستقصيت الأبدية، القابعة عند جمود الجدران وصمتها.. زخرفت عيني بألوان الطين الأسمر والأحمر، ووسمت حاسة الشم برائحة القديم، العابث بصمته، وكأنه الدورة الدموية المتوقفة عن فعل الحركة.. ضحكت، قلت لو شاهدني أحد أصدقاء الطفولة، سيقول ما هذا الأبله يتحرى زمناً انتزع بريقه، وأفل.. ثم عبست متأثراً بالصرير الذي لا يجد صدى غير ردود فعل قلبي الذي أجل جل مسراته في لحظة التأمل..
كلما أعود إلى البيت، بعد رحلة استقصاء، أشعر كمن يتخفف من حمل ثقيل، الذاكرة عندما تستفز، تصبو إلى تفريغ الحمولة بأي شكل من الأشكال.. وماذا يعني كل هذا الاستفزاز غير أن في النفس تراكمات، تتدفق، مبللة الجسد بالعرق، ومالئة المكان بضجيج.. تذكرت أنك كنت فوقها وهي تشيح بوجوم طالبة الرحمة، بيد أنك كنت ظامئاً وترتاد الجسد المزخرف بتفاصيل مدهشة، بفجاجة الرجال الأوغاد.. تذكرت كما أنك ذاك الوغد الذي وطأك بشراسة، فخذلتك الفطرة ولم تمارس الحب كما أردت، نهضت وانتفضت كالقط بعد معاشرة، لكن هبوطك على جسدها لم يكلل بالنجاح، لأن الوغد انتزع الرغبة من تحت جلدك، فبرد الجسد، رغم حرارة جسدها إلا أنك همدت، واستعصى عليك إكمال العملية بنجاح.. فكرت أن أتفوه بكلمة تلعن الشيطان، وكل الجنود المجندة من الجن، لأنهم لهنيهة لعبوا بعقلك، وعبثوا بمقتنيات رأسك، فلبثت مشتتاً، عاجزاً، لكنك بدلاً من أن تلعن الشيطان، بصقت في وجه الخرافة، وقلت إنها سبب الإدواء، وجلست وحدك على السرير الخشبي المنمق، بالشراشف القطنية، والوسادة المحشوة بالريش، وانتعشت روحك بعطر الجدران المعبقة بالبخور، هذه الرائحة المحببة إلى نفسك ورثتها من زمن الأجداد، وربما الرائحة وحدها التي بقيت صامدة، رغم قوة الصانع التي تضخ أصنافاً تشيب لها الولدان من العطور البخاخة.. لكنك لم تبذل جهداً من أجل رائحة غير رائحة البخور، ويبدو أن للدخان علاقة وطيدة بجسدك، كونه الأقرب إلى لون الغيم، والغيم نذير المطر، والمطر طهر للأرض، وطهر للجسد، ونظافة للروح من رواسب الآخر..
أخذت أنفاسك بشدة وأنت تتشمم الرائحة، وتتذكر صرير الجسد الذي كان يلون نفسه بلون الكرز، ما بين الأمس واليوم مسألة قريبة جداً، لكن القفز إلى الأمام كان عالياً وسريعاً، ما أدى إلى تكسير العديد من أواني القلب، وبعثرتها، إلى درجة أنك لم تعد تميز بين الجهات ولا الشخوص، ولا الأماكن، الأشخاص الذين تلتقيهم الآن ربما لا تعرفهم، لتغير في سيماهم، وتبدل في مزاجهم، والصغار الذين كبروا لا يجدر بك أنك ستعرفهم وكأن الأمر الحادث أشبه بالزلزلة، التي تحرك مواطن الجبال وتقتلع الأشجار، وتهيج البحار، وترعب البشر، فتحول دون الاطمئنان.. عندما تحاول أن تجد شبهاً بين الجزيرة، التي انتزعت منها، وبين تضاريس المدينة تشعر بالخزي، وينتابك شعور بالغصة، لأنه لا شيء يشبه شيئاً إلا إذا كانت المشاعر واحدة، وهناك لا تشعر بهذا المقياس الحراري الذي يؤكد رغبتك، فعليك أن تمضي زمناً حتى تؤلف بين المشاعر المتقدة، وأن تجيد لغة النسيان.. النسيان هذا الكائن الوحيد الذي لا تجيد معاشرته، لأنه يوحي إليك بأن الذين ينسون أو بالأحرى يتناسون، إنما هم هاربون، وهم صانعو الأكذوبة كما صنعوا الخرافة وصدقوها، لذلك، فأنت تكره الكذبة كما تمقت الخرافة، الخرافة التي يجيد صناعتها الجهلة كونهم مذعورين من المستقبل، الأمر الذي يجعلهم يصبغون الحكاية المزيفة كأنها الحقيقة، ولا يسعك إلا أن تخذلهم، وتنكفئ على ذاتك لتحقق نداء الحقيقة..
ولما استقللت الحافلة الصغيرة، وكانت وجهتك المناطق الرملية الواسعة، وكنت تنوي مزيداً من الاكتشاف، لارتكاب معصية المعرفة، ويبدو أنك لا تفكر فقط لمعرفة التضاريس، بقدر ما كنت تريد معرفة نفسك، أي مطاردة ذاك المجهول الخفي الذي لم يزل يسكنك، وتريد أن تلحق به، وتمسك بتلابيبه، لعل وعسى تستريح من وهدة التصدع الداخلي.. الرمل المعتق، اللون الذهبي، الاكتساح الرهيب لفضاء يتسع، ويرسم صورة وادعة، خلدت على مر السنين.. الرمل يوحي لي بأن علاقة جسدية ارتكبت على كل ذرة من ذراته، وأن فضيلة ما منحت لهذا التراب لأن يكون النعيم الذي تأتي منه الأجساد، ثم تعود إليه ذائبة في نسيجه.. عندما تغوص الأقدام، تشعر بالدغدغة، نتيجة لحركة الحبات الناعمة بين أصابع القدمين، وتحس بكائنات غريبة تراودك عن نفسها، فتنتشي، والهواء الرشيق، يغدق عليك بنسائمه الأنيقة، فتشعر بأنك ملك، وأنك تحكم هذه المملكة الخرافية بنفسك ولا أحد يشاطرك النفوذ، تصعد على تلة ثم تهبط إلى قصر، ثم تستريح قدماك، عند منبسط رمل جاف، وقد فرش بسجادة رمادية تميل إلى البياض، بفعل تيبس الملح، مع التراب بعد نوبة أمطار الشتاء التي مرت، وأنت تحلم بهذا التكوين العجائبي ومخلوقاته الفريدة، والآن تفصلك عن جزيرتك المغتصبة مئات الأميال، لكن الحلم أسرع من الضوء، عندما يستوعبك في جناحيه ويطير بك في اتجاه الشرق.. ما يشبه تضاريس الجزيرة بهذا المكان هو هذه السكينة، وأنت كونك رغبت في العزلة، واستهويت مساحتها الوادعة، تشعر الآن بعظم الصيرورة وأنت تطأ الرمل المنقوش بأعشابه البرية، والمرصع بأغصان أشجار الغاف، والملون بوجوه النساء العابثات بسحر الكون.. عند جادة قريبة من شجرة فارعة، لمحت النجمة.. وبرق الفضاء، بوجه امرأة، تحاشت فضول الجائلين بعباءة أشف من أرواح الجميلات الناعسات الكواعب.. استيقظ المارد داخلك، صارع قواك العقلية الكامنة والرابضة عند مربط الإحباط، تمهلت قليلاً، وتربصت بخطواتها، كانت تسير وإماؤها ترعى النوق البيض.. أنت على يقين بأنك لا تحلم الآن وأن الحوريات لا يظهرن في الصحراء، الصحراء فقط موطن الأساطير، ومدونات الطبيعة، لمحت الضوء الخفي يتسرب إلى نفسك، تشجعت، هرولت قليلاً كي تلحق بركابي المتبعثرة بين الرمال، وسدت رأسك على خاصرتي الآهلة، وذهبت تائقاً نحوها.. قلت في نفسك من أين جاءت هذه المهرة، البارعة، كيف انحرفت عن السرح، واتخذت جادة ثانية، المكان لا يبدو آمناً، وبخاصة للنساء، فالطرقات الوعرة مسكونة بالطيش والحماقات، ولا توجد مضارب قريبة هنا، توجست قليلاً، وبدأ قلبك ينذر بخفقات الفزع، لكنك، بدافع من الفضول، فضلت أن تمضي نحوها، وقلت في نفسك ربما تاهت الطريق، فالواجب أن أكون في تصرفها، اقتربت وخزتك بابتسامة بارعة، مرسومة، بإتقان واعٍ وهي تميل بحرير الجسد بعناية فائقة، خفق قلبك، تدفق وعياً شمولياً، وتساقطت على رأسك حبات الاستفاقة، ساورك الظن أن هذه الفتاة من سكان هذه المنطقة، وإنما خرجت للتنزه وشم النسيم.. فكرت في ذلك للوهلة الأولى، كونها لم تستغرب شيئاً في وجودك ولم ينتابها أي قلق جراء اقترابك من مكانها.. لم تنبس الفتاة ببنت شفة، ولكنك تبعتها، سارت بخطوات متئدة، واثقة بدون ذنب الخوف، وأنت خلفها وكأنك ظلها، وقوتك العاطفية تدفعك في اتجاهها، بعفوية الرجال، الكهان، الذين يعشقون عطر المرأة، ويرتوون من نظراتها.. بعد هنيهة، التفتت الفتاة، نظرت إليك بعينين متقدتين، بشعاع مضيء، أيقظ حسك العاطفي، لكنك لم تتفوه بكلمة ولا هي أيضاً، ماذا إذاً تفعل، يبدو أن صمت الصحراء مسح على شفتي هذه المرأة، فزمت بوزها، واتخذت جانباً، تسير بخطوات متأنية، وأنت تلتهب، وتتحرق جمراً، لكن مرت الثواني ولم تفوه بكلمة.. الابتسامة الفارغة لا تكفي، والعطش لا يرويه سراب التصورات المبهمة.. عند شجرة عشبية كثيفة، توقفت، قطفت زهرة صفراء، وضعتها عند أنفها، شعرت بأنها تستنشق أفيون الوجود، ذكرتني بالرائحة.. تذكرت، انتشيت، وكأن الإصبعين اللذين يكتبان اسمهما على جذر الوردة يلامسان أنفها، هي تشم رائحة الورد، وأنا أتفرس جيداً، وأتسلل نحوها، لأشم جسدها.. هكذا وجدتني فجأة قريباً منها، وهي ثابتة، تعيرني انتباهاً تفصيلياً، تتحرى وجهي، وتتهجى التفاصيل، منسجمة مع رائحة الوردة.. قلت بشجاعة، بعد محاولات جادة.. ما اسمك يا جميلة.. ببلاغة الشفتين الدقيقتين قالت.. نيران، وأشاحت جانباً.. نيران..
في أول الوقت، كنت وحدك مستفرداً، بوجود هذه الفتاة، وسط الصحراء النائمة على برزخ أساطيرها، وأقدام الحفاة الذين جابوا بطحاءها بكل سرور، لكن الآن، وقد امتلأت الكثبان بضجيج المركبات ذات الدفع الرباعي، وكذلك الدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وكذلك الصبية الصغار، الذين أمسكوا بزمام الجريد المقوس، المعقود من طرفيه بحبل دقيق وصنعوا منه دراجاتهم البدائية، لاهين بين الرمال، وتحت قرص الشمس المستدير، كدوران سقف السماء الحارة.. شعرت بشيء من الضجر، تذمرت كون المنطقة تعكرت بعواقب الفوضى، ونكبت أنت بفوات الفرصة، أو هكذا تخيلت لتعطي نفسك فسحة من الأعذار، التي قد لا تلازمك فيما لو استمر الوضع، كما هو، ساكناً خالياً من أنفاس البشر، بينما لبثت الفتاة تدقق في تفاصيل الصحراء، وترسم على الرمل صورة مثلى لخيالها الخصب كخصوبة الجسد الذي احتوى روحها اليافعة. والجدير بالذكر هنا أنك لا تنوي فعل أي شيء يناوئ الأخلاق، أو أنك لا تجرؤ، وقد تعاقب عقاباً شديداً جراء الإتيان بأي فعل، ومن سيعاقبك هو أنت نفسك، وما إن فرغت الفتاة من الخربشة على سفح الرمل، سألت ثانية: قلتِ اسمك نيران؟
أومأت برأسها، نيران.. ثم أردفت ألم يعجبك الاسم؟
قلت: بل أدهشني..
ولماذا؟
قلت: يا سبحان الله، كيف تتصادف النيران مع النيران ولا تلتقيان؟
ماذا تعني؟
قلت: لا أعتقد أن لقاء حميمياً يمكن أن يحدث بين نارين؟
قالت: وهل اسمك نار؟
قلت: بل النيران في صدري..
ضحكت بجلجلة، مبتهجة.. ولا يسعد المرأة أكثر من إحساسها بفخامة وجلال قدرها لدى الرجل..
قلت: ماذا يضحكك؟
قالت: أنت مهرج فظيع..
شعرت بانتكاسة.. وبخت نفسك إذا لم يسعدها وضعك..
أشاحت نحوك.. عن ماذا تبحث هنا؟
قلت متجاسراً: عن نفسي..
ضحكت قائلة.. يبدو أن هذا عنوان مسرحية هزلية.
قلت.. بل مسرحية جادة..
ضحكت.. وهل وجدتها؟
قلت: ربما.. أجدها..
تحركت الفتاة متشنشلة بجواهر لمعت على حرير الجسد، وتبينت أنت عنق الغزال الأصيل، والتصقت عيناك بالبياض، شعرت بأنك تغدق اللهفة بالقبلات، وتلحس الرضاب بعد فورة من العض، تبتعد هي قليلاً على مدى خطوات، وتتبعها أنت، تحبس الأنفاس، غائر العينين، متحدر إلى عالمك السفلي، متضور تلوي خلفها وهي منتشية بمشيئة هذا اللحاق المزري، ولا تنوي أن تغادر هي المكان، ولا أنت، بإمكانك أن تفارق الصحراء، فأجلت جل هفواتك، واحتفظت نجيبتك أن هذه المرأة مشتهية إلى حد الإنعاش السريري، ولكن لا يبدو أن المكان يناسب انبطاح مثل هذا الجسد، الأرق من ورقة اللوز.. ما العمل؟
قلت أتقطنين في هذا المكان؟
هزت رأسها بدلال جم.. لا بل أزوره مع أسرتي أسبوعياً.. ثم تشير بإصبعها، هناك الخيام الرابضة في الشرق، هي مأوانا..
حملقت أنت، وضعت كفك فوق مستوى الحاجبين، لتبصر جيداً.
زممت شفتيك متيقناً من المكان، شعرت بأنها تململت من أسئلتك البديهية، وهي المتشكلة بمخيلتها الخاصة، شعرت بأنك لم تزل جاهلاً مآرب النساء، أو أنك تحاول أن تنأى عن مناطق الخطر خشية الوقوع في أفخاخ ما بعد الرضا..
قلت في نفسك.. أما بعد.. ماذا في إمكاني أن أفعل فيما لو أناخت لي البعير، وقالت هيت لك نفسي.. هل أستطيع أن أطأ الأرض المحرمة، وأجازف بقدراتي التي لا أثق بها؟
التفتت الفتاة.. نظرت إليك، بعمق، تحرت عينيك وشفتيك، واشتقت أنت إلى فحولة، تمتطي ظهر المهرة القابعة أمامك ولا يبدو أنها صعبة المراس، لكنك، قد لا تفعل شيئاً..
بنبرة هامسة، قالت: من أين جئت؟
قلت: لا أدري، فقط وجدت نفسي هنا على هذه الأرض..
ضحكت.. كانت ضحكتها مثيرة جداً، وملهمة، وقالت: جئت طائراً..
انفرجت شفتاك عن ابتسامة باهتة.. قلت: لا.. بل جئت مستقلاً الحافلة.. وهبطت هنا..
قالت جادة: بلا هدف جئت؟
قلت: أجل.. بلا هدف.. وخفضت بصرك، كمن ارتكب جرماً، ثم انتهيت على صوتها.. السير بلا هدف كمن يفكر في القفز من أعلى إلى أسفل، فإنه لا بد أن يقع، ومن يقع يخسر..
قلت: لقد وقعت من زمن ولا جدوى من النصح..
رفعت حاجبيها، مندهشة، قالت: أأنت محبط؟
رفعت بصرك، نظرت أنت إليها، تمعنت العينين، زارك اليقين، أنها امرأة ثاقبة إلى حد الدهاء.. قلت: الإحباط صنو للإحساس بالفراغ..
قالت.. متحايلة، فخورة، بنعمة الجسد، ولكن هذه الكبرياء لم تخلُ من شعور بالرغبة في ملء الفراغ الداخلي.. أحسست بأنها لا تخلو من معضلة.. لا أحد يخلو من معضلة..
«الفراغ.. تتحدث عن الفراغ، بماذا يملأ الفراغ»..
أنت بنفسك لا حل لديك، شعرت بأنك في هذه اللحظة بالذات، لا مجال لديك للإجابات، وأنت الكاره البغيض للإجابات الجاهزة، كل ما توده الآن كيف تعالج حرقة جسدين، امرأة، اعتدت متكأ، وسلت سكين الرغبة، ورجل، يقايض الرغبة برغبة، ويقاوم كائناً شرساً، احتدت أنيابه إلى درجة الفتك.. توجست أنت، وتهيأت هي، وكلاكما يحطب في صحرائه، لكن أعوادك أكثر صلابة ويبوساً، وهي لا تبدو أكثر صلابة منك، فماذا تفعل.. الآن تشعر بانكسار أشد حدة من ذي قبل.. بعد أن داهمك ذلك الوغد، وحشر جل فجاجته في أغوارك..
لما نظرت إلى ساعة معصمها الذهبية. وقالت تأخرت..
تقول انسلت من المكان كخيط حريري من ثقب إبرة، أو أنها انحلت من خاتم القلب. وجدت نفسك في مأزق. نيران تشعل النار وتدع الحريق يلتهم الكثبان ويطوي نياط القلب بلا رحمة، وما كنت أتوقع أنني سأتعلق بامرأة، كما تشبثت بها، وأعلم جيداً أنني لست بذاك الذكر الذي يمكن أن يستولي على أنثى، ويختطف قلبها، ويحتويها، ويروض مشاعرها، لكن هذا ما بدا لي في الوهلة الأولى، حيث لبثت ساهماً، واجماً، متحسراً، ليس لأنها سوف تختفي عن ناظري، بل لأنني هكذا دوماً، أهيم مع فوات الفرص، الفرص التي تحط وتطير فجأة، وكأن شيئاً لم يكن، لم يكن لأنني أواجه شرخاً مفصلاً لمعضلات التكوين، وعلاقة مباشرة مع اليأس والقنوط، القنوط الذي يجلد الذات، ويحاصرها بحزمة من الانكسارات.. قالت لي أمي ذات يوم: يا فيروز، أنت من صنف الرجال الذين يفقدون الأشياء عندما تكون في مرأى العين وبين اليدين، لذلك لا تمنّ القلب كثيراً بالحظوظ لأنك توأمت الروح مع الفقدان.. ولما لملمت عباءتها وطارت شعرت بأنها كالحمامة التي تغادر العش، في ساعة غفلة من صاحبها، حماقتي هذه ذابت مع الفراغ، ولأن الشمس تلاءمت مع شفق الغياب، وانحسرت في الغياهب المعتمة، فإن الزمن الآن يتوقف.. يا إلهي ما الزمن سوى طية من سجادة. لا نهاية لها، والعمر عقدة في هذا الحبل، والحظوظ تبدو كألياف بعضها مهترئ وبعضها متين، تتفتق عنه انبهارات مبهجة..
ذهبت عنك يا فيروز، بل كنت في داخلك تتمنى أن يحدث ذلك، لأن يقينك يقول إن هذا يحدث لشخص مثلك، عجزت قواه الذكورية عن أن تروض أنثى، وتجلبها إلى حلبة الصراع الكينوني.. كن ما شئت، اصرخ في هذا العراء الوسيع، لن يكون لصوتك صدى، لأنك تبينت منذ البدء قدراتك، وصولاتك ما هي إلا مجرد عواء في خواء.. هي نيران لم يكن بمقدورها أن تفك عقال بعيرها وتخب لو أنها حظيت برائحة جسد تفور منه رغبة السلالات القديمة، هي لم يكن في وسعها أن تعصى أوامر الجسد، لو أنها احتست شيئاً من رضاب ذكوري، يحرك مكامن الروح، ويفسد نداء القيم البائدة، هي هكذا شعرت بما يثبط همم القلب، ففكرت أن تفر برغبتها المجنونة وشبابها اليافع، ونهوض صدرها المتقد، لكي لا تخجل بعد حين من الفرصة الفاسدة..
وقفت وحدك، عاينت العراء، تشدقت بعشب الفصول الناضرة، والتحمت مع الشجر، والتراب، واللون الرمادي ما قبل الغروب، هنا لا أحد يراك سواك، هنا لا كائن ينظر إلى خنوعك إلاك وشيء من الغبطة اعتراك، لأنك لن تتصبب عرقاً مادام لا وعيك لم يشهد سوى أنت.. بدأت الأضواء، أضواء السيارات، تتسلل إلى مقلتيك، تؤذيك لأنك تود في هذه اللحظات أن تختفي، وأن تخفي ما سرقته.. لقد سرقت وضاعة الأخلاق عندما لم تلجم الخيل التي مرت من حولك، وكتمت النيران في صدرك، ثم صرحت بأنها لم تلقنك شهوة الإناث البارعات في التصدي لرعونة الرجال الأماجد.. أوصدت باب الرغبة، وركنت حلماً عند زاوية خلف رمال الصحراء، الصحراء التي تكشف العورات ولا تستحي أن تبوح بالحقيقة، وحدهم الأنذال الذين يمارسون الرذيلة تحت جنح الظلام، وحدهم الخائنون للأخلاق الذين يترددون عندما تفتح الصحراء صفحات التاريخ، وتفسر للأميين معاني الحلم الكريم.. لقد أفرطت كثيراً في التأويل، وتماديت في عصابك القهري، عندما ارتجفت وحملقت في الآيات المتساقطة كالثلج في مقلتي الأنثى الفارعة، لقد كفرت فعلاً، ومن هو لا يكفر عندما لا يشيع سر الرغبة أمام أنثى تمادت في الصهيل الداخلي حتى احترقت أعشاب الصحراء، وتهاوت أشجارها إجلالاً وقدسية لما يكمن في الباطن.. ما كان لنيران أن تقول لك هذا مربط الفرس، فخذ بإرادتك ما تشتهيه النفس، لا.. لا يمكن أن تفعلها حواء الأصيلة..
تساقطت النجوم، وهوت السماء على رأسك، وحمم بركانية انفجرت فجأة، احترقت أنت، حيث رفع الغطاء عن رأسك، ونامت الأرض، وتحايلت الأشجار على الوقت لكي تصمد لكن أنفاسك الحارقة بعثرت الأوراق، وانشق الزمن عن فضيحة كونية لا يمكن سترها.. حثثت الخطى، سرت في الدهاليز الرملية الوعرة، تشعبت تائهاً، ضائعاً، لا تلوي على شيء، لعنت هذه السيارات التي سورت الطرقات بالضجيج والفوضى العارمة، لكنك لا بد أن تعود أدراجك إلى منزلك، حيث الهدوء والسكينة.. ماذا تريد من صحراء، تجثم على الصدر كأنها الوغد الحقود.. شعرت بحقد دفين تجاه نيران أحسست بأنك لو أمسكت بعنقها الرهيف، وضغطت على الشرايين حتى طفر الدم من فمها، ولازمك هذا الشعور وأنت تجرد الطريق، وتصطبر على الوعورة المنهكة، حتى تشاء أن تصل إلى الجادة الأسفلتية، وهناك تستقل أي حافلة أو أي حمار أو ما يأخذك إلى مأواك..
توقفت كثيراً، والرطوبة تغسل جسدك، ولا تعلم إن كان الماء المالح المتصبب من جلدك هو نتيجة لتوترك أم أن الحر القائظ يندي حتى لحاء الشجر.. المهم أنت الآن لا تفكر في شيء سوى أنك تعود أدراجك، وبأقل الخسائر.. خسائر ماذا، لقد خسرت وطويت سجادة الفقدان، واختفت نيران إلى الأبد.. وأنت من أنصار الأبدية، فكل شيء في حياتك أبدي وسرمدي، لا نهاية له، واعتنقت الفكرة منذ أن غادرت الجزيرة وأيقنت أنه لا رجعة ولا نهاية للاحتلال، مادامت المسافة بين الضفتين أصبحت تقاس بحيل التاريخ، ولا يملك التاريخ غير الأقوياء..
وأنت في سيارة الأجرة، والرائحة النتنة تنفخ رأسك، وتدمع عينيك، حاولت أن تهرب، من دخان الإبط العفن المجاور لأنفك، فتحت النافذة، لعل وعسى، أن تحفظ الود مع السائق وألا تتهور، وتلطم خده المتورم، بغليون البان، وتصبح الفضيحة مجلجلة أو قد يعيد لك الصاع صاعين، ويغيبك عن الوجود بضربة قاضية من ساعده الأشبه بالجذع.. طفت بين البساتين الضالعة في الخضرة، بعشبها الشاب، وأشجار نخيلها السامقة، وكان السواد يسيطر على المكان، ما عدا بعض الأضواء المنبعثة من البيوت الرابضة في المنحدرات النائية، والهواء الرطب يلفح أرنبة أنفك فتغريك الرائحة، تود لو أن الطواف يستمر إلى حين، ولكن من دون هذا السائق المتمرس جيداً في نشر قطرات عرقه، مبثوثة مع بصاقه، وأنت كثير التمني، وكثير الإخفاقات في البيت وأنت تهبط على السرير، وتخفي ساقيك بالشرشف القطني، تمارس الغيبوبة المفتعلة، مغمضاً عينيك، تريد أن تستعيد شريط الذاكرة، تكرر المشاهد الخلابة، وترسم صورة مثلى لتلك الفتاة الأسطورية، تقرأ عينيها الواسعتين، وأنفها الدقيق، وشفتيها الليميائيتين، وقوامها الأنيق، ومازالت رائحة عطرها تعلق في أنفك أو هكذا تصورت، ومازلت أنت على موعد مع حلم لن يطوى سجله طالما حاصرتك كلماتها ونظراتها، بقيت هكذا، موشحاً بتأملاتك، راشحاً بالأفكار والأمنيات قابعاً على سريرك كالأرنب المذعور، ولا تدري لماذا ترتجف أطرافك، على الرغم من ذهاب مصدر الخوف.. نيران، لم تزل تخالجك وتسكن بهالتها على السرير، تقترب منك، تهدهدك، وتشاغبك، وتقاضيك على مشاعرك وأنت تتسلح بضراعة الضعيف، ثم تؤنب نفسك لماذا لم أفعل كذا، ولماذا لم أقل كذا، ولماذا تركتها تهرب من بين يدي، وتذوب في الخلاء، كالوهم.. لم تكن خيالاً جامحاً، بل كنت واقفاً، وكانت تؤدي مقدمات بديهية، للتطهر من رذيلة الشهوات المكبوتة، لكنك خذلتها عندما أمعنت في ليّ الحقيقة وطمس ما كان يغلي في جوفك الملوث.. أنت يا فيروز كنت في جحيم صراعك، كمن حوصر بين طيات حريق، كنت تريد ولا تريد، لذلك أفلتت منك، هربت وتركتك عارياً، تسح بعرق الندم، أو نزيف الأسى يغرق كيانك، تريد الآن أن تنام، تريد أن تغسل عارك بالندم، وإخفاء البثور التي طفت على جلدك، بهذا الشرشف القطني. فهل وطأك حقيقة ذاك الوغد؟ أم أنك تخيلت متوجساً، واعتنقت الفكرة، لمجرد أنك مارست رغبة اللاشعور، لتلبي نداء الطفولة، الذي زرعته أمك في قلبك..
تثاءبت الأرض، وقطعت الأشجار أغصانها، ومدت الأعشاب لسانها، تلحس ندى الصباحات المنبعثة عن فضاء نبيل.. عودة على بدء، جئت هنا في نفس المكان، تبحث عن نفسك، عن شهقة ضائعة، وعن نبضة هفهفت في الصور، جئت تدفعك قوى خفية، لئلا، يتكاسل الوعد، وتذوب التي تعلقت بها إلى الأبد.. الأبد هذا الامتداد اللانهائي، هذا الحلم الذي لا تنفك حلقاته من سرد الحكايات الأولى لتتلوها بأخرى.. وقفت عند ربوة، كأنك المؤذن في منارة التصريح الأخير، وقفت تستجدي الوجود ليحكم قبضته على غيمته، ويستدرج المطر، وشيء ما يغلي، شيء ما تدور رحاه، وتطحن نفايات، وقشور أزمنة، حرضتك كثيراً ثم تخلت عن مد الخطى نحوك.. المكان في الصباح يبدو خالياً من دخان السيارات، خاوياً من القحاف البيض، ولا يعالج مكر الطبيعة غير الضوء والرائحة.. ضوء السماء المزخرفة بزمرد السحابات البيضاء، ورائحة الأرض، بعد النوم، تبدو الأغشية الترابية كنسيج جلد امرأة، راعفة بغفوة ما قبل الصحو، الأرض تسترخي بسكينة وتنتهي إلى فراغاتها لتبلع أسمى آيات الخلود.. لو حدثت أحد أصدقائك القدماء عن المرأة التي رأيتها واختفت فجأة، سيقول لك، هذه القديسة أم داس، أو كما يحكى عنها أم الدويس، وسوف يحذرك من التعاطي معها، لأنها جنية خطيرة، تستدرج الرجال إلى مخادعها، ثم بعد أن تمضي أرواحهم، تقطعهم أشلاء، وترميهم في الصحراء لتنهش جثثهم الكلاب، وربما تعاطف معك أحدهم، وقال إنها من عطاءات السماء عندما ترضى عن مخلوقاتها.. تبهت أنت، وتغضن حاجبيك، مستعيناً بالصبر، ولكن قلبك يحدثك أن ما رأيته لم يكن إلا امرأة إنسية، بدمها ولحمها وشحمها.. تحاول أن تتمالك نفسك، وتقبض على تاريخك الطويل، في تلاوة علوم علم النفس، وترفض أن تخنع لما تتداوله الألسن عن القديسة أم داس، وعن حكاياتها مع البشر، ترفض ذلك. لأنك لا تؤمن بالخرافة، ولأنك أيضاً لا تريد أن تكون نيران غير نيران التي رأيتها وتفرست في وجهها، وقرأت تفاصيل جسدها.. قلت في نفسك لماذا يتعمد الأوغاد إفساد جمال الطبيعة، وتخريب المشاعر واغتصاب الفرحة، والاعتقاد دوماً باللاماورائية التي لا معنى لها غير أنها تشيع الفرح لكونها أشياء لا ترى بالعين المجردة.. انغمست في التفكير، فكرت ملياً، تمعنت في العراء الذاهب بعيداً في البصر والبصيرة، اقتعدت حجراً بجوار شجرة وارفة، تأملت النمل الأبيض، الراكض بسرعة فائقة، المنتظم في صفوف متراصة، وكأنه في طابور مدرسي مهذب، تحاشيت قرصه، فرفعت قندورتك إلى ركبتيك وحرصت على ألا تقع قدمك فريسة لأضراس هذه الكائنات، والحادة، والشرسة، ملأت عينيك بمناظر الصحراء، وبالأشجار التي صمدت منذ مئات السنين ولم تبلَ، ولم تكل عن منح الأرض ظلها، تفانٍ منقطع النظير لا مثيل له، عناق أزلي بين الشجرة والأرض، ولم تأخذ الشجرة من الأرض ما أخذه الإنسان، لكنه الجحود الذي سرعان ما يخون ويخذل، ويرتكب الرذيلة، ضد ترابه الذي منه جسده.. يا رب السماء أحقيقة أن جسد نيران من تراب الأرض؟! أيعقل أن تكون نيران خلقت من هذه السبخة والغبار؟! شيء ما في جسدها يؤكد أنها أنثى من معدن نفيس، وأن نهديها المنتصبين، المكورين على الخلود ما هما إلا نجمتان تلاقتا ليلاً، ففاجأهما، الفجر، فلم تصحوان فاستقرتا على صدر هذه الأنثى.
تقول إنها حكاية قديمة، تقول إن صاحبك، الذي أخبرك عنها، كان على يقين مما سرده، وحكاه بالتفصيل.. أم داس القديسة، أو القديسة أم داس، عربدت كثيراً في هذه البلاد، واختطفت أجمل الفتيان، بالفعل قال لك إن هذه الجنية كانت تنتقي الشباب ذوي الطلعة البهية، والقوة اليافعة، والصدور الناهضة بعضلات منتفخة في مقدمة البدن. لكنك أنت رجل ضامر، صحيح أنك مازلت بعافيتك، ورونق هيئتك، لكنك لا تملك المحسنات البديعية التي تشتهيها أم داس، فلماذا إذاً تتوجس، ففي هذه البلاد الكثير من الخزعبلات، والخرافات، والأساطير التي لا تمت بصلة إلى الواقع.. وأنت تدعي أنك عالم ضليع في التحليل النفسي، فلماذا تذعن للخرافة؟ ولماذا تمنحها الفرصة كي تستولي على مشاعرك، وأنت الذي قطعت عهداً على نفسك بأن تقطع الصلة بالخرافة والمخرفين، وتنزوي بعيداً، تبحث عن نفسك في هذا المتسع النضر، وفي خضم الصحراء النبيلة، أنت بالفعل عشقت نيران، اندفعت إليها بقوة، تلبست بها، لكنك لا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك بكثير، لأن الكثير من الولوج سوف يكلفك ثمناً باهظاً وقد تخسر نفسك.. كانت على يقين من أن قدراتك لا تحملك على تنفيذ خطط تريد أن تثب فيها حالاً، أنت مازلت تواجه جداراً سميكاً يقف دون تحقيق ما تريد، عليك أن تتريث وأن تصمد، وأن تتحدى نفسك أولاً، فهل تستطيع؟ لا أعتقد الآن وربما في المستقبل المنظور أو البعيد..
أمام هذه الأنثيالات تتجلد، تواجه انكسارك بشيء من الصبر، لا بد أنك شعرت بأن نيران لمست موضع الجرح، والذي فعلها هو ذاك الجندي الأهوج وليس أمك.. الجندي الذي تجلى كالوهم، وربما هو الوهم ذاته، حين اغتصب اليقين وراح يضحك ساخراً من جبنك.. أنت الآن فعلاً تخوض حرباً شرسة بين الشهوة والروح، الشهوة العارمة، المنتفخة، المحتقنة، والروح المهيمنة، المتخشبة، أنت فعلاً تريد أن تطور نفسك، لتخرج من شرنقة الاضطهاد الداخلي، تريد أن تطير في الفضاء كالفراشة، تريد أن تسبح في العراء كما الحلم، تريد أن تتحرر، ولكن الخطأ الذريع الذي ارتكبته هو عندما زاوجت بين الخرافة والعلم، وبين الحلم واليقين، وبين التاريخ والزمن.. التاريخ نحن الذين نكتبه وكثير مما كتبناه زائف وخرافي، وأحياناً متعالٍ، وكاذب. أما الزمن، فهو الحقيقة التي تقطن داخلنا، فيا ترى ماذا يحصل في العالم عندما تتساوى الكذبة بالحقيقة، فلا بد أن تنتكس الحياة، ولا بد أن تتهيأ السماء، لالتقاط بقايا ما طرأ من صراع.. أنت تتصور أن المرأة جنس مغاير لجنس الرجل، وهذه مفاهيم قديمة أنت تجترها الآن، وبعد اجترارها، كونت معرفتك الخاصة، التي تخاصمت فعلاً مع معرفتك العلمية التي نهلتها من الكتب..
الآن أنت تستمع إلى همس الوريقات الرهيفة، وتنظر إلى الخلاء، هو في الحقيقة لا يبدو خلاء بحت، بل إن مضارب الزائرين تملأ المكان، رجالاً ونساء، وصبية، يغطون في الأمكنة المتفرقة، ويستيقظون متأخرين ليباشروا نشاطهم المسائي، وبالأخص الشبان والفتيات، عالم هؤلاء عالم الأحلام، وفي المساء، وبعد العتمة، تتهيأ الصور الخيالية للرسو عند الجفون، وينتشي الحالمون، ينتشون ويفتشون، عن مراسم لتخليد هذه الذاكرة، الحية، والمستقرة.. وأنت بعد أربعين عاماً تعلمت الكثير، وجلت في الكثير من البلدان، وتعرفت إلى نساء، ولكنك لا تذكر أبداً أنك مارست الحب مع واحدة منهن. ولا تعتقد ذلك تعففاً، ولكن يبقى السؤال لديك مطروحاً، ومفتوحاً على آخره.. تريد أن تتحرر من هذا الوهم الخرافي أنت تعرف أن كل ردود أفعالك ضد المرأة مجرد أوهام، لكن الأوهام، كيف يتم طردها، كيف تستطيع أن تهزمها، وأنت مازلت تبحث عن المجهول.. ما المجهول؟ أتعرف ما هو الشيء الذي تريد أن تصل إليه؟.. بالتأكيد لا تعرف، ولذلك سيظل ترحالك طويلاً، والبلاد التي سوف تمضي نحوها سوف تقربك، أو تقصيك، لكنك سوف تمضي بإيمان راسخ أن الحقيقة التي تبحث عنها ليست عندما تنظر إلى البيوت المتنافرة، بعضها شبه أعشاش، أصحابها شيدوها لمجرد الاستيلاء على بقعة الأرض، وبعضهم اعتنوا بها، فتميزت بأناقة أصحابها، ولباقة العاشقين للصحراء، فتجد بعض الأفنية محاطة بالأشجار، مزخرفة بأرصفة محسومة بحجر السيراميك، أو أصلاب الحديد، وترى أيضاً التنانير، بعضهم يعشق شي سمك القابط، وتقشير جلده، بأناة وتؤدة، ويتلذذ بلحمه الأبيض الهش، والأشبه بالقشدة الطازجة، تنظر إلى حولك، تجد عربات رباعية الدفع بدأت تهرب، وتشيع الضجيج، وتأملاتك لا تنتهي، وأنت تتلفت يمنة ويسرة، فقد تبزغ نيران، قد تهبط فجأة، كالحمام البري، لتلتقط من حبات القلب نزقاً، معرفياً وعرفانياً، يحيق بك وبها.. لا.. لا أنت لا تريد أن تمسها بلهفة ولا نبضة، تريدها فقط أن تتأمل الوجه الحسن تريد أن تتمعن في تضاريس الجسد، وتسجل ملاحظاتك عن التغير الذي طرأ على الناس، وكذلك المكان.. الناس هم الذين غيروا المكان بعد أن تغيروا.. واستبدلوا أشياءهم الصغيرة بأشياء أخرى، كبرت الأشياء كما كبرت الحاجات، وتعقدت أيضاً..
في البدء عندما تأملت وجه المرأة، وأمعنت في النظر إلى حركات يدها، وتوتر أصابعها، حسبت أنها يائسة، وبالفعل تضامنت معها، فكرت أن تقترب منها بفضول ذكوري، لمحت في عينيها بريقاً أنثوياً غائراً، لمحت حكايات قديمة مطموسة تحت الجفنين، لكن جفنيها في الحقيقة لم يكونا ذابلين، ويبدو أن الجمال الرائع الذي تمتعت به أخفى كثيراً من يأسها، معظم الفتيات في هذه البلاد يائسات قانطات، مفعمات بخيالات مزدهرة بأحلام مبتورة.. الآن انقلبت الحال، فبعد أن كانت الفتاة تتزوج في سن الرابعة عشرة، وقبل ذلك، صار الزواج محنة، عناء بالنسبة إلى الفتاة، الواحدة منهن لا تحظى بشريك الحياة إلا بشق الأنفس، وإن عثرت عليه فإنه يأتي متأخراً بعد أن يذبل الجسد أو يشارف على الخمود، ولكن التي رأيتها لم تتجاوز سن الثامنة عشرة أو نيفاً، ولكن هذا لا يبرر أبداً زوال القلق، القلق رفيق كل فتاة عندما تبدأ في نزف الدورة الشهرية، وتتوافد الأحلام، تقطرها بسيل من المشاهد الليلية المبهجة أحياناً، والمبتسرة أحياناً أخرى، المهم في الأمر أن الفتيات يعانين كثيراً، ويخسرن الكثير من وهج الشباب إثر التفكير العميق، في شريك الحياة، الذي لا يأتي في أغلب الأحوال. لست وحدك الذي يصاب في أغلب الأوقات بالحسرة، ولست وحدك الذي يمارس جلد الذات ليل نهار، فالبلاد التي نشأ أهلها على الأحلام المبتورة لا بد أن يواجه أجيالها المتعاقبة مثل هذه المشاعر المكسورة، تسقط الأشياء الجميلة بين أيدي الأجيال كون المجتمع يمضي بقفزات متلاحقة، ويحقق بعض النجاحات وكثيراً من الإخفاقات، إخفاقات تحفر الفجوات بين المراحل، وإلا لماذا يهرب الناس من جديد إلى الصحراء، لماذا يستعيدون الماضي بين أفنية بدائية، يفترشون التراب، ويلتحفون السماء، ويتحملون لدغ العقارب، ولسع الرطوبة الخانقة، وشم الأرض اليباب، لا توجد هنا أنهار محفوفة بالبساتين، ولا توجد هنا غابات، وأحراش، كل ما هناك بطحاء رملية قاسية، ترقد منذ أزمنة تاريخية بعيدة، وإلى حتى الآن، لم ينبت شعر شبابها، أو يستقيظ فحل يفوعها.. تتذكر أنت الفتاة اليافعة وتلهج بالأسى، كونك لم تقترب أكثر من نيرانها، فقط أنت حسدتها على رونق الجسد، ولم تتقصّ ما يجيش في الداخل.. هالك جداً ذاك الجسد البض، ونعومة الأصابع التي لوحت بها كأعواد اللوز النبيلة. ورحت تتأسف على زمانك الذي لم تقطف من أغصانه غير الشوك.. فهب أنك حظيت بامرأة طيعة لينة، وقالت لك في لحظة غيبوبة، هيت لك نفسي، فهل ستفعل كما تصير الضواري إلى الفرائس، أم أنك ستتريث، وتتأمل أولاً ثم تتلو التفاصيل، وتضع أصبعك على أعلى جبل في بستانها المزدهر، ثم تقول لها، أريد أن نتجانس معاً.. ثم تمارس الحب.. وأنت تعلم أنك لن تفعل شيئاً، أنت سوف تغوص في الغيهب، وتبحث عن نفسك وحتى تصحو ستكون الأنثى التي بجوارك قد انتزعت نزعاً وغادرتك إلى الأبد.. تتأوه الآن، تقبض على قلبك، تعصر عضلة الصدر بعنف، وتنظر إلى الخلاء، وتقول في نفسك، من هناك جاءت، ثم حلت زائراً خفيفاً، تطل، ثم ذهبت، لا تتصور أنها ستعود، لأنك خذلتها، لأنك أطلت كثيراً في السرد، وتركتها تقضم أظافرها تلفاً، ثم تزم شفتيها، مجلودة بفورة الدماء الحارة.. أنت تفكر كثيراً، وتفسر وتؤول، وحتى تستقصي الحقيقة، تكون أنت قد ضعت في التفاصيل.. ألم تسمع قصة العاقل والمجنون؟.. المجنون تزوج وأنجب الأطفال، بينما لبث العاقل يفكر ويدبر، حتى فوات الأوان، ولم ينجز أي شيء.. قد تضحك أنت من هذه الحكاية، وتسخر، لكنك لا بد أن تفهم أنك بمحض إرادتك تخسر نفسك..
تشعر الآن بعهد المكان، تتوقف عن العويل، تتوقف عن جلد الذات، وتنتصب، تود أن تغادر المكان إلى غير رجعة، فما بالك تفكر في أوهام، ربما كانت تلك الفتاة مجرد وهم، ربما كانت كائناً من كائنات الفضاء، فلا تدعي أنك تعلم بواطن الأمور، وتغادر، تدع الصحراء وحدها تلملم شتاتها، وتسقي أشجارها من عرق العراء المبلل، تذهب عند طرف الشارع تنتظر حافلة تقلك إلى أي مكان، لا تلوي الآن إلى أي جهة، المهم أن تهرع بعيداً عن الصحراء، وتتحرر من تصوراتك، البوهيمية.. أنت بالفعل بوهيمي التطلع، وتحتاج إلى زمن كي تستعيد نفسك وتصل إلى درجة التباين ما بينك والأشياء غير العاقلة.. أحياناً تشعر بأنك تهيم في فضاء خارجي، وأحياناً تحس بأن كل ما تفعله مجرد هراء، لا داعي للتمادي في فعله، وأحياناً أيضاً تمارس ضد نفسك الاضهاد وتغلب عليك الرغبة في جلد الذات، وكل هذه أفعال تعطل كثيراً من تحقيق أهدافك.. حتى اسمك، لا تريد أن تبوح به، ولا أن تجاهر به، فتستحي أن يسمعه غيرك، وكيف يمكن لإنسان أن يعرف نفسه ويدون اسمه، أليست هذه مهزلة، أنت تمارسها ضد نفسك عندما تشمئز من سماع كلمة فيروز، وتقول إن هذه الأسماء تطلق على أشباه البشر.. أليست هذه مفاهيم متعجرفة وبائسة تستحق البصق، وصفع أصحابها؟ عندما لا تتأنى في تفسير ما يلقى عليك من مفاهيم تصبح كالطفل الشرير الذي يريد الأشياء جاهزة، وطيعة ومتاحة دوماً..
قلت إنها ليست عاهرة.. بالطبع هي ليست كذلك. ولكنها كانت راغبة بحزم وصرامة، الرغبة في ممارسة الحب، هي طهر، يتحلل الجسد في بث الرغبة بطلاقة من عفن الاحتقانات، وتنتعش الروح من كبوتات خانقة.. لا شك في أن الإنسان لا يحقق وجوده إلا من خلال تلك الممارسة النبيلة، بين رجل شبق وامرأة متشهية إلى حد الغيبوبة، غيبوبة النهايات القصوى، ذروة الارتعاشة الفانية.. عندما يفنى جسدان في مسيرات الشهوة العارمة، السماء تبتهل في عرفانية غامضة، وكذلك الأرض تنشأ ضارعة لهذا الولوج الأسطوري.. كانت يافعة إلى حد النضج الملتهب، وكنت أنت تتحرى التفاصيل في نشوة بالغة الخصوبة. للمرأة عينان، عين ترى فيها نفسها وأخرى ترى فيها الآخر.. بينما الرجل له عين واحدة، لا يرى فيها إلا نفسه.. كانت نيران ملهوفة، مندفعة متدفقة، وكان تحت كل ذلك حذر شديد يحرس مشاعرها المتفاقمة هلعاً، وكنت أنت بلا حراس يحفظون توهجك العاطفي، لذا أسفت كثيراً عندما لملمت عباءتها هاربة من المكان، كان يتبعها توجسها وعيناك الشاخصتان، في الفرار الرهيب، شعرت أنت بالخذلان، لعنت الشيطان الذي حال بينك وبين تنفيذ الرغبة الجامحة، لعنت الناس، لعنت الوجود، لم ترَ في تلك اللحظة غير نفسك، ولم ترغب إلا في إرضاء هذا المتضور تحت جلد الجسد، امتعضت كثيراً، وأيقنت أن ما جعلك تمقت الآخرين، وتكره التواصل هو هذا الجرح الغائر، النازف حثالات وغروراً، ولاءات لا تعد ولا تحصى، أنت تفكر في عصر بوهيمي، يفتح لك نوافذ الرغبة بلا امتناع أو امتقاع، والآخرون كذلك كل واحد يريد أن يعيش هذه الحالة، ولكن لكل واحد فريضته التي يؤديها، ولجامه الذي يضعه في عنق الرغبة، أنت فقط الذي لا تطيق أربطة العنق لأنها تضايقك، تلجمك، تحبطك، تقيد نزواتك.. نيران لم تكن معتصمة بحبل الله كما تصورت، لكنها المسكينة مرتبطة بعقد اجتماعي متين، لا يلين، ومحاصرة بحزمة من القيم التي تجعلها قديسة، تكره ممارسة الحب، إلا بالطرق التي تتم فيها عبر رجل اللحية الكثة وشهود العيان.. في لحظة سانحة توحدتما ولكن، فجأة انبلجت سهام القيم متحدية ما كان يجوس في صدر الأنثى، ففرت، طالبة حبل النجاة.. عندما نظرت إلى ساعة المعصم وقالت لقد تأخرت، تأكد أنها لم تكن ترقب الوقت بقدر ما كانت تتهجى تفاصيل الزمن، وما خطه على جبينها من تعاليم وتلاوات وحروز مبهمة ومحكمة.. عليك أن تفسر ذلك، وأنت عالم النفس الجهبذ، وأن تتقصى حقيقة ما فعلته الآنسة المجلودة بسياط الشيطان الرجيم.. تفكر في نفسك، تتحسر على حظك، تلعن الهروب المزري، وتكيل السباب لمن خض قلب نيران بالخوف، ثم تتوقف دون تحليل دقيق لما يجري، في باطن الأمور..
تشعر بفراغ يطوق عنقك، تريد أن تفك عقال البؤس، تريد أن تلجأ إلى أقرب صديق، يرفع عن كاهلك كل هذا الاحتقان، تتذكر صديقاً قديماً كانت لك معه صولات وجولات وحكايات وقصص إنسانية جمعت بينكما.. تريد أن تطير إلى مكانه في صحراء مجاورة، في مهجع قريب.. تتذكر هذا الصديق.. تراهن على صداقته، وقدراته الفائقة في حل مثل هذه العقد الشائكة.. صحيح أنك عالم نفس وقد تكون تشربت بالفلسفة ما يجعلك أشبه بالناسك، لكنك لا تفهم كثيراً في نفوس النساء.. النساء، كما قال لك هذا الصديق في ذات يوم: «الخيل تريد خيال والمرأة تريد ريال»، فلا يطأ المرأة كل من هب ودب، ولا يروض لجامها إلا رجل يعرف كيف يضع إصبعه على مكان الضعف الذي يجعل المرأة الجامحة تنيخ ركابها، وتذعن للراغب في ولوجها..
في مزرعته في الدقداقة، التي يرتادها منذ عقود من الزمن بعد أن هجر الناس جميعاً، فكرت مداهمته.. أبو سيف هكذا أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب قط، فهو أيضاً يكره الزواج، ويعتبره شيئاً من الجنون أن يحاصر الرجل بذراعي امرأة واحدة، لا ينفكان عن عنقه إلا بموت أحدهما.. وهو كان يقول إنه لا يجب أن يموت، بل يعشق الحياة كما يعشق الحرية.. اتهموه بالمجون والزندقة والهرطقة، لكنه لم يهضْ جناح الذل للألسن الطويلة، كان يعتبر ذلك ضرباً من ضروب الجهل..
لم تكن زرت المزرعة، منذ زمن، وتكاد تنسى معالمها، لكنك أصررت على المغامرة، واندفعت باحثاً عن مكانها، كاندفاعك في البحث عن أبي سيف.. مشيت على قدميك، بعد أن انطلقت من الحافلة التي أقلتك حتى الشارع العام، بالقرب من المحلات التجارية، نزلت في الوهاد القاحلة، المحاطة بالمروج، وبساتين النخل، والبقاع الزراعية المفروشة بأعشاب البرسيم، وكذلك الغليون.. تتلفت يمنة ويسرة، فأخذت جادات الوعورة في التيه البغيض، الوقت الذي بدأ يغمض عينيه، ويسترخي تحت غشاء شفيف من الظلمة، والتي بدأت تزحف شيئاً فشيئاً، وأنت في عجلة من أمرك، خشية من أن الظلام يخفي ما حفظته من معالم قديمة عن المزرعة، قابلك ضوء خافت، أطل من بعيد، ويبدو أن قرص النيون المضاء غير مثبت في جدار، فبدا متمايلاً، راقصاً، كشيخ عجوز يتهاوى في قعر وادٍ، أبديت استعداداً على مواصلة الطريق، مهما بلغ الأمر من صعوبة، فلا مجال للتراجع الآن، بعدما قطعت مسافة لا بأس بها.. مررت على البوابة المضاءة، نظرت إلى السواد الداخلي داخل الحزام الحديدي، قلت ليست هذه مزرعة أبي سيف، فهو لم يحط مزرعته بالأسلاك، بل تركها مسيجة بجدار طيني خفيض، وكان يقول إن للطين مزاجاً يأتلف مع مزاج من يريد أن يتفقه في علوم الطبيعة.. إذا تابعت الطريق شعرت بترهل ركبتيك، وتصبب العرق من جسدك، تحاول أن تخفض من لوعتك بالغناء، وتتذكر كلام أبي سيف عن صوتك الجميل الذي كان يطربه، وكان ينقر طبل الصفيح بضربات خفيفة منسجماً مع ترنيماتك الشجية.. تعرج في اتجاه آخر، تبدو لك مزرعة قريبة، غير مضاءة، وما تراه مجرد مساحة واسعة تبرز من جوانبها أشجار عالية، مضيت وأنت تلهث، توقف غناؤك، وأنت تقول يبدو أنها هي.. هذه مزرعة أبي سيف، وانفراج أساريرك ذوب التعب، ونشف العرق قليلاً، لامست جبينك نسمة ناعمة، داعبت روحك، اقتربت من المكان، قلت مبتهجاً، أجل هذه هي إن لم تخني الذاكرة، الجدار الطيني الخفيض يحيط بأشجار النخيل، وكذلك تلك السدرة الوحيدة التي يتباهى بنبقها أبو سيف، كان يقول عنها: إنها سدرة أسطورية، فهي تثمر شتاءً وصيفاً، ولا يمخر عظم ثمارها أبداً.. وقفت أمام الباب، المحكم بالرتاج الحديدي، صرخت بصوت وئيد، وأنت تتلفت خلفك، كان صدى صوتك يذوب في العراء، حاولت أن تقترب من ثقب في الباب الخشبي، لا توجد إضاءة، الغرفة الوحيدة، المحروسة بالأشجار الكثيفة، لا تكشف عن سيئات هذا الماجن، يبدو أنه يغط في أحلام يقظته، يبدو أنه غادر المكان إلى مكان آخر، ولكن أنت متأكد أن هذه المزرعة هي لصديقك أبي سيف، وهو لا يبدو أنه ينتقل إلى مكان آخر بعد حلول الظلام.. ما العمل إذاً.. هل ترفس الباب المتهاوي، وتلج المزرعة دون إذن مسبق، فقد يفاجئك بضربة على رأسك وينهي كل هذه المشقة، ففي مثل هذا المكان، وفي هذا الوقت بالذات الناس متوجسون، وأنت تعرف أبا سيف، يكاد يشك حتى في نفسه في مثل هذه الظروف.. تصرخ مرة ثانية.. أنا فيروز، فيروز أنا، جئت لزيارتك يا صديقي.. إن كنت هنا أجبني.. شعرت بأنك وكأنك من رجال خفر السواحل، أو حراس الشرطة..
يجيبك.. من على الباب، تفضل.. تفضل.. ولا يبدو أنه سمع اسمك عندما صرخت وقلت أنا فيروز..
رجل بثياب مهدلة، سروال فضفاض، وقميص التصق على صدره مبلل بالعرق، جاءك لاهثاً..
ولجت.. وقلبك يهتف مستريحاً، حيث أيقنت أنك حققت المراد، شعرت وكأنك نزلت من علو شاهق، بواسطة حبل مهترئ، وتلقفتك أرض ترابية لينة ولم يصبك أذى، استقبلك استقبال الأبطال.. قال في لهجة فرحة.. لله درك كيف عرفت المكان بعد هذه العقود الزمنية البعيدة، لم يخطر ببالي أنك تتذكر صديقك وتزوره في هذه العتمة البغيضة.. صحيح أنها ليلة مباركة.. كنت باهتاً، لا تنبس بكلمة، وكنت متعباً، تريد أن ينقذك كأس ماء، يلطف مزاجك، كنت تريده أن يدعك تستريح، ولا يباغتك بالأسئلة، لأنك كنت على يقين من أن الليل طويل، ومجال الأسئلة يأتي لاحقاً.. اتكأت على المسند القطني، ونظرك جامداً باتجاه السقف المسقوف بالجريد، وجذوع النخل.. قلت له: اسعفني بالماء..
تتناول الكأس، دلقت ما في جوفه دفعة واحدة، وأخذت نفساً، قلت معاتباً: كيف تسنى لك أن تسكن في هذه البقعة النائية كل هذه المدة الطويلة.. ألا تخشى من الوحدة..
قال لك مبتسماً: ومن قال إني وحيد..
فهمت المغزى، تمتمت قائلاً: صعلوك، ولا تتهاون في مجونك..
يقول: إنه ألذ ما تستمتع به النفس..
تقول: الشيب غزا رأسك، ولم تهمد..
يضحك.. الذين همدوا ماتوا يا عزيزي..
ولكن لا بد من الاستعانة بالورع قليلاً، إنه يمنع من الزلل..
يغضن حاجبيه قائلاً: ألم تكف عن مواعظك السخيفة.. ثم ينهض..
سأصنع لك شاياً يعدل مزاجك، لعلك تهتدي..
تبتسم.. لن ترتدع عن مهازلك..
ثم وهو يعطيك ظهره، ألم تقتنع بعد أن الحياة مهزلة.. ماذا جنيت أنت من تحليلاتك المملة غير التعاسة..
ومن قال لك إنني تعيس..
يقول: سيماهم في وجوههم..
تتنهد.. لا تستطيع مقاومة بلاغته.. فسخريته جاءت من قدرته على منح الحياة فلسفة مغايرة لما اعتاده الآخرون..
تأخذ كأسك.. تتجرع الرشفات الساخنة، ويمخر الدخان فتحتي أنفك، تنتعش ذاكرتك برائحة الشاي..
أبو سيف.. كيف خطر على بالك زيارتي..؟
خفضت رأسك، ولم تسعفك العبارة غير أنك تقول.. اشتقت إليك، وساقتني قدماي إلى مكانك، وصدقني إنني لم أكن متأكداً من أنني سأستدل إلى مكانك. يشيعه بنظرة حالمة.. القلوب يا سيدي.. القلوب عند بعضها، وأنت أصيل.. ثم يعتدل في جلسته، مستدرجاً مشاعرك.. قل لي كيف كنت تقضي أوقاتك كل هذه المدة.. أليس لك أصدقاء؟
تقول له بامتعاض: لا أصدقاء لي، متململاً.. الحياة باتت باهتة وبلا لون.
أبو سيف: الآن عرفت.. منذ أن شحنت الأرض بالبشر وهي مكتئبة، ولو كان في إمكانها لابتلعت كل من عليها.
تأوهت أنت، أحسست بأنه وضع يده على الجرح.. قلت له: زدني من شايك، إنه لذيذ..
يملأ كأساً آخر، وتتلقفه بيد مرتشعة.. شكراً.
في الصباح نثرت السماء رذاذها الفضي على وريقات الشجر، فاستراح الندى قطرات تلمع على سطح الخضرة، حيث الشمس هيأت خيوطها الذهبية، متوزعة بأناة على ألسنة العشب الناعمة، تصديت أنت للشروق بقلب حالم، يستعيد أزمنة قديمة، تطورت وجداً كونياً بين الجذوع السامقة، والأغصان المنحدرة من علو الفضاء، أخذت مكاناً من زاوية الكون، ورحت توزع نظراتك بين المروج، وأصداء الصباح تحثك على جلب الذاكرة، وحلب شلالها المختلط بالمشاهد الراهنة.. جسدت جل أحلامك في المكان النائم على خضم من الزخرفة الطبيعية، وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً، أن أبا سيف، رفيق العمر القديم، استطاع أن ينشق عن جموع الناس، ليبقى شاهداً على بلد يتطور في أشكاله المادية، ثم ينزوي بميراثه القيمي، مترافعاً أمام قضاة الزمن، عن قضية لا يمكن الإفلات من أنيابها الحادة، كونها قضية الوجدان واللاشعور الجمعي، الذي لا ترحم حصاه، أي آله بشرية مهما امتلكت من مقومات التغيير، أنت وحدك الآن تضع أبا سيف في مقلة العين، وتمسك على تمرده بالنواجذ، تعلم أن كليكما استتب أمرة على أن ما يجيش في خلايا المجتمع هو شيء من الخرافة، هو جزء من اعتلال البنية، لكنك لم تجرؤ على سلك الطريق الذي نهجه أبو سيف. فالرجل أغمض البصر عن الكلام المباح، وشد ركابه باتجاه اللامعقول، بينما أنت مازلت في قلب المخاض، لأن علم النفس يحلل كثيراً، ويؤول أكثر ويسرد حكايات، ويفسر أخرى، الأمر الذي يجعلك لا تبادر متى ظننت، بانتظار اليقين، واليقين لا يأتي إلا بعد أجل غير مسمى، وقد لا يأتي البتة. عرجت نحو منعطف، تمرغت قدماك في وحل مياه آسنة، نامت على الأرض الطينية منذ أيام، انتشلت ساقيك بصعوبة، حاولت أن تنظف نعالك البلاستيكي القديم، من بقايا الطين المبلل، انتزعته من قدميك ونحيته جانباً، ماداً ساقيك على ظهر صخرة، أسندت ظهرها على كومة رمل.. تسمرت في مكانك متأملاً، غارقاً في شعاب الفكرة، ولم يزل صديقك يغط في النوم، ويبدو أنه اعتاد على تمضية نصف النهار على السرير الخشبي تحت السقف البارد، المتصدع بهواء المكيف.. ستقول إنك لم تنم البارحة، لأنك كنت تفكر، وكذلك لأنك لم تعتد النوم على فراش لم يستمرئ جسدك الخمود على قماشة القطن برائحة غريبة.. لم تكن الغرفة مرتبة كالمعتاد، لكنها لم تكن رثة أو عفنة، لكنك هكذا دوماً تشعر بالقلق عندما تفارق مخدعك.. العصافير هنا تطير فرحة بحرية، تنتقل على الأغصان في غزل رفيع المستوى، وكذلك الحمام البري، ذو الريش الرمادي، يستفيق صباحاً، ليبحث عن طعامه، من ثمرات الزرع، وذكور الحمير تلاحق إناثها، في شبق طفولي بريء، متحررة من قيد الحطابين، وسقاة الماء، والحادبين على ظهورها. زمن مر وقد استطاعت هذه الحيوانات النبيلة أن تتنفس الصعداء بعد تخلصها من العذاب اليومي، لا تستطيع أن تقول إن التطور الذي نشأ عن ثورة النفط لم تكن له إيجابية، فهذه الحمير الآن تجد منتجعها الصيفي، في هذه السيوح المحزمة بالخضرة والماء والممارسات العفوية، لفطرتها السحرية.
وكذلك القطط، لا أحد يؤذي مشاعرها، في هذا الفضاء الرحب، ورزقها من الفئران، والحشرات الأخرى، يتوافر هنا بكثرة، وبلا منغصات بشرية.. الحيوانات هنا تمارس حقها في العيش الآمن، فلا أيدٍ تطالها، ولا أعين تتربصها.. نهضت، غصت في البرزخ، وفي نفسك رغبة ملحة على أن تتشابه مع صديقك، لكنك ترتدع لمجرد التفكير، في تأسيس مثل هذه المملكة، لأنك مسكون بالخوف، خوفك الذي يلازمك، ويطارد إخفاقك كلما فكرت أن تحتسي من نفس الذي يكرعه صديقك.. تحسده أحياناً، وتنقم عليه أحياناً كونه متحرراً ورعاً، يمارس طقوسه المجونية، والجنونية، في صومعته، في خلاء الكون الفسيح.. تقول: لماذا لم أتخذ القرار الذي يسلخني من كل هذه الهواجس اللعينة، ثم تتعوذ من شر المجون.. في داخلك تتصارع القوى الغامضة، تحاصرك بقواها الفتاكة، فتضطر إلى التراجع، وتنزف بكاءً داخلياً مريراً..
ينصهر المكان بالحرقة، تحاول أن تختبئ في الظل، كما تفعل القطط التي تخلت عن مشاغباتها، وهجعت تحت الأفياء، مادة ألسنتها اللاهثة.. فجأة تقفز يقظاً، كانت يد أبي سيف تهبط على كتفك، تطبق قبضتها، تلتفت مذعوراً، يقول لك بصوت هامس: هل استمتعت بمنظر الصباح، بعيداً عن الضجيج..
تقول له بصوت مشروخ: بالطبع.. إنه منظر خلاب..
يقول لك: لو سمعت كلامي، عندما نصحتك، بالتخلي عن خزعبلاتك، لكنت الآن في أحسن حال..
تقول له بلهجة متحدية: المكان، رائع، لكنه لا يصلح للإقامة الدائمة..
ومن قال لك إنه مقر دائم.. مجرد منتجع، أقضي فيه أوقاتي..
أنا لا أحب العزلة التي تحبها..
بل قل إنك، ممسوس بقواك الخفية.
تبتسم ابتسامة باهتة.. ثم تطرق.. هذه القوى هي التي عصمتني من أفعال ترتكبها أنت.. ولو فعلت لما استطعت أن أقاوم حياتي..
يضحك ساخراً.. ثم يربت على كتفك: خذ بنصيحتي، ولن أخذلك..
تهز رأسك: لا تحاول.. أنا لا أستطيع..
يزم شفتيه.. ثم يردف: دعك من الوسوسة، وتعال لنأخذ إفطارنا.. السفرة المعدة سلفاً، مهدت طعامها بشرائح الجبن، والخبز الأسمر، والحليب، والشعرية المحلاة، والفول المطبوخ، والحمص..
قلت.. كل هذا تجهزه بنفسك كل يوم..
يهز رأسه، فخوراً.. أجل بنفسي.. ثم يمزح قائلاً: وهل تجد أمامك من تسكن معي تحت هذا السقف.. أمر طبيعي أن يخدم الإنسان نفسه بنفسه..
ولما فرغت من طعامك..
قال: الآن تحتاج إلى كأس أحمر.. أليس كذلك؟
هززت رأسك متجاوباً معه.. سيكون أفضل..
شعرت بالوجل وأنت تنتظر كأس الشاي، كنت تريده أن يفرغ من أي شيء تريد أن تدفعه في اللجة، لجة الحديث والحكايات التي تريد أن تستفسر عنها، قد لا يطيق حديثك عن الجن، لكنك على يقين أنه أعتى شيطان في هذه الأرض، ويعرف الشيء الكثير عن الذين يحفظون من حكايات الحب، وخفايا الأساطير القديمة.. أخذت رشفات الشاي وعيناك تحملقان في وجهه اللامع، أبو سيف، رجل يعتني كثيراً بنفسه، ويبدو من سحنته أنه يهذب شعر الوجه يومياً، ويفترض أنه يفعل ذلك كونه كائناً مغامراً، يعشق النساء إلى حد الشغف..
قلت له: يشغلني كثيراً هذه الأيام موضوع الساحرة أم الدويس، فهي المخلوق الذي أسس مساحة واسعة من وعي الناس، واحتل جبلاً من وجدانهم..
يتفرس في وجهك.. والابتسامة الساخرة تعلو وجهه قائلاً: أنت متأكد من كلامك.. صحيح، أنك تريد أن تعرف عن هذه الخرافة؟
تقول: ولم لا؟ أليست هذه الخرافة جزءاً من تاريخ مجتمع بأسره..
وماذا ستفعل بها لو عرفت؟
أريد أن أكمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس..
يضحك بجلجلة.. آخر عمرك تريد أن تدرس حياة أم الدويس..
ألا تعرف أنني متخصص في علم النفس؟
وما شأن أم الدويس، بعلمك الذي تخصصت فيه..
تقول بلهجة جادة.. علم النفس يدرس سلوكيات الناس ومشاعرهم، وهذه الخرافة جزء من مشاعر الناس.. بل هي شكلت هذه المشاعر..
يفرغ كأس الشاي في جوفه، ثم يزدرد ريقه قائلاً: إذا كنت جاداً، فسوف أصحبك إلى رجل كهل يمكن أن يفيدك في هذا الأمر..
ترفع حاجبيك، مندفعاً.. سأكون شاكراً لك.
لا تحتاج إلى شكري.. فلن أبذل جهداً غير أن أصطحبك إلى رجل أعرف أنه غارق حتى أذنيه، في مسألة الجن والشياطين، وقد يطلعك على موضوع أم الدويس.. ثم يبتسم لتكمل دراستك القيمة..
تقول له، باشتياق، ومتى أستطيع أن أذهب إليه؟

بلهجة واثقة وهادئة.. لا تجزع، فالمساء يكون حاضراً في المزرعة المجاورة، هي ليست بعيدة، على بعد خطوات فقط. طبعاً سوف تسمع الكثير من القصص والروايات التي تدوخك، وعليك أن تسمع، وتأخذ منه ما يفيد.. هو رجل، شبه كفيف، لكنه يمتلك ذاكرة قوية، وفكراً ثاقباً، ولديه قدرة فائقة في تلفيق الصور والمشاهد الدرامية، ما يجعلك تعجب به، وتتمنى لو عرفته من زمن بعيد، ولكن عليك أن تحذر من تصديق كل ما يقوله، فهو يعتقد أنه ملك الجن، وسوف يسرد لك أحداثاً ما مرت على عقل بشر..
تزداد أنت قلقاً، وتتحين فرصة لقائه، وتكاد لا تصدق كلام أبي سيف، تريد أن تقابل الرجل في أقرب فرصة، لتنهل من معينة وتعرف منه أسرار أم الدويس، تريد أن تبني نظريتك العلمية، على معطيات ما سيبوح به هذا الشيخ الجليل الذي يهزأ منه صديقك.. شعرت باشتياق أكثر، واقشعر بدنك، كونك ستتعرف إلى رجل سوف يفك لك عقدة طالما عقدت لسانك، وهيضت منامك، وجعلتك تعيش كناسك طرد من صومعته ولم يبلغ مراده، بعد أن غضبت عليه الآلهة.
أبو سيف، يتفرس في وجهك، يقرأ تفاصيل محياك الشاحب، ويشيعك بابتسامة ساخرة، وأنت تحاول أن تغض البصر عن نظراته، ويهيأ لك على أنه رجل لا يعترف بالعلم كما أنه يحاول أن يتحاشى الخوض في عوالم الجن، ليس لأنه لا يعترف في هذا المحيط الغامض، بل إنه اعتنق فكرة منذ زمن بأنه يجب أن يهرب من كل شيء، أن يهرب من الجن والإنس، ليعيش حياته، هو ديماجوجي السليقة، ولا يستطيع أن يرهق ذهنه بأمور تبعده عن مزاجه الشخصي..
قبل أوان الموعد بساعتين أو أكثر بقليل، يخيل إليك أنك ذاهب إلى الجحيم، تصورت نفسك كالمتهم المحكوم بالإعدام، بدأت أطرافك ترتعش، وقلبك يخفق والعرق يسح من جسدك الذي أضحى كالقربة الناضحة.. نظرت إلى صديقك وهو يلج متاهات الفكرة، ولا يريد أن يخاطبك في أمر ما. أبو سيف لا يعتني كثيراً بهذه الأمور، بل يعتبرها ضرباً من الخرافات البالية، وكذلك أنت، لكنك تختلف عنه في أنك تريد دوماً ألا تمر الأشياء من حولك كلحظة عابرة، فالفكرة تظل تجوس في عقلك حتى تنهكك، وتصير أنت كالطفل الباحث، مهمة شاقة.. يشق عليك أن تفوه بالأشياء كما هي، ولا تفكر عميقاً في تفاصيلها المزمنة.. هذا مرض مزمن سكن روحك منذ طفولتك والآن كبر معك، بعد أن كبرت أسئلتك، الغامضة والشائكة.. فعلاً أنت تحسد هذا الصديق، الذي أمسك عصا الحياة من النصف وراح يروغ بها عن نفسه كل ما يشقي روحه، فاستمتع بحياته كما هي، ولا يفكر أبداً في تطويق عنقها بالأسئلة التي ليس لها إجابات سوى الشقاء.. تحاول أن تعتذر عن الذهاب مع صديقك إلى الرجل الذي سميته كاهناً، تريد أن ترتب أفكارك، تريد أن تهذب مشاعرك، لا تريد أن يستقبلك الرجل وأنت مرتبك العقل، تريد أن تقف أمامه بهيئة الرجل الباحث عن الحقيقة لا أنك مراهق، مرتجف، مرتعد الفرائص.. حاول أن تفوه بكلمة تنبئ الصديق عن رأيك الأخير، بينما كان هو مستلقياً على جانبه، يقلب ألبوماً، قديماً، ويبدو أنه رصف فيه مجموعة من الصور، كانت هذه هواية قديمة لديه، يجمع صور الأصدقاء، تجرأت، قلت له: أرني ما في الألبوم..
قال في ابتسامة نبيلة.. هذا لا يخصك..
ألست صديقك؟
بلى.. ولكن ليس كل ما لديّ هو مشاع..
إذاً لماذا تقلب الصفحات أمام عيني..
يضحك.. أريد أن أغريك.
وبماذا تغريني؟
أنت مندهش بكل شيء، وأي شيء يشد انتباهك؟
مديح هذا أم ذم..
بين هذا وذاك.. ثم يضحك مازحاً.. ويمد الألبوم لتتلقفه يداك المرتبكتان..
يصيح.. ما بك ترتعش كزعنفة سمكة ألقيت على الشاطئ..
تقول، زاماً شفتيك: لا أدري، ثم تزعق.. ما هذه الصور..
هل أعجبتك؟
تقول: بالتأكيد أعجبتني، ولكن سؤالي عن هذه الصور؟
يقول: لبشر من دم ولحم..
تضحك ضحكة باهتة..
يقول: ما الذي أدهشك في الأمر؟
تقول: آسف أنك كرست كل هذه السنوات في الجمع والالتقاط.. أليس كذلك.. وهل أجمل من الجمع.. والالتقاط أيضاً..
ولكن ما جدوى هذه الصور، مادمت حظيت بأصحابها..
إنها، رسم مثير تجعلني لا أنسى، الوجوه التي قبلتها..
وهل قبلت كل هذه الوجوه؟
يقول: وإنما لماذا أحتفظ بصورها.. أنا لا أفعل خيراً دون جزاء.. عقيدتي هي هكذا..
تهز رأسك، يأكل صدرك الغيظ من فجاجة صاحبك، رغم محبتك له، وينهش قلبك، أوان الموعد المشؤوم.. تقول في نفسك: لماذا استعجلت في الأمر؟ كان ينبغي عليّ أن أتريث، حتى تستتب مشاعري، وأهيئ نفسي لهذا اللقاء.. أخشى أن أضعف أمام الرجل، وتذوب كل قدراتي لسؤاله.. سأبوء بالفشل الذريع، سأتحطم وأندم أنني تسرعت.. تقفز من مكانك، تدع الألبوم جانباً، تنحيه بالقرب منك.. تقول لصاحبك.. ما رأيك لو أجلت موضوع لقاء الكاهن إلى يوم آخر..
فيغضن حاجبيه، ويزم شفتيه، قائلاً: هذا شأنك.. أنت الذي تريد مقابلته، ولك الخيار متى ما أردت.
ترتاح نفسك، وكنت تخشى من سخريته منك، واتهامك بالخوف والتردد، لكن يبدو أنه بغطرسته فهم الأمر، ولم يعترض.. صحيح بدا من لهجته شيء من الامتعاض، لكنه لم يرق إلى درجة الغضب.. قلت في نفسك هذا مريح، أشعر الآن بالسعادة، إذ سيأتي المساء من دون مواعيد، وأعتقد أنني أكره المواعيد والالتزامات منذ الصغر، وقد تكون هذه الحالة مرتبطة بنفسي منذ أيام المدرسة، كنت في طفولتي، أشعر مساء كل جمعة بحزن رهيب ينتابني، إلى درجة أنني كنت أنكفئ في مكان منعزل، وأظل منتحباً وكأنني سأساق إلى المقصلة، وأتصور أن الإحساس باللوعة مرتبط بالخوف من الفراق، كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق، كنت أبلل ثيابي ليلاً، حتى تظل أمي إلى جانبي، تنظفني، وتغسل أعضائي التناسلية، بل وكنت ألتذ بالملامسة الحانية التي تبديها..
تقول الآن، أشعر وكأنني تخلصت من السجن، تريد الآن أن تغادر الغرفة، لتطلع على مشاريع صديقك الزراعية، رغم أنها متواضعة وليست ذات أهمية إلا أنه يعتبرها من المهمات الجليلة التي أقدم عليها بالفعل، فإنه اختار الطريق الصحيح بالنسبة له، مثل هذا الكائن لا يستطيع أن يمارس حياته المعتادة، وسط زحام الناس.. الناس سوف يرجمونه بالحصى، فيما لو شاهدوا تصرفاته، فهو لا يتورع أن يعانق فتاة، طليقة في مكان عام، لا يرتدع عن فعل أي شيء في اللحظة ذاتها متى ما سنحت له الفرصة، فإذا إن هذا الملاذ الآمن يصبح بالنسبة له، ساتراً وواقياً من الفضائح..
تنظر إليه، تقول: أريد أن أخرج من عتمة الغرفة، أريد أن أتجول في المزرعة، لأشم رائحة العشب..
يقول.. وهو يلتقط ألبومه، الذي تركته مطوياً عند المسند المجاور لمسندك، ألم تعجبك أي منها؟
تقول ساخطاً: لا.. لا تعجبني هذه الأنماط..
يضحك.. مزمجراً.. أنت لا يعجبك شيء غير أم الدويس..
ترمقه بنظرة وأنت تدلف من الباب، تلج المزرعة، ومع انكسار الضوء، وزحف الظلال على الرمل الطيني، أحسست برغبة في فسخ نعليك، لتتلقف الأرض الباردة شيئاً من الدافئة أكثر، قدميك الحافيتين، شعرت بلذة، وكأنما شيء ما في داخلك يطويك طياً، ويدفعك إلى الدفء.. في الدفء حكاية مديدة تقطن روحك، أنت قد لا تحب ممارسة الحب الجسدي، أكثر من توقك إلى الدفء، لذلك شعرت بالاشمئزاز وشيء من المرارة، عندما سألك الصديق، عن اختياراتك، أحسست بأنه يناوئك المشاعر، فهو يمارس الحب لإشباع الغريزة الجسدية، وأنت تبحث عن الظل، تسأل عن الدفء، والدفء لا يأتي إلا من أحضان امرأة مرهفة أجلت مطالب الجسد إلى حين يمتلئ القلب، بسعراته الحرارية..
جلست الآن أنت عند المجرى المائي، وبين الفينة والأخرى صرت تمد يديك، تبللهما بالشلال ذي الرغوة البيضاء، الناصعة.. ترشف شيئاً من القطرات، تقول: الماء هنا، ليس بالعذوبة التي نتوخاها، في السابق كانت مياه الآبار أشد عذوبة، وربما يكون ذلك بسبب النزيف اليومي من قبل المزراعين الذين لا وسيلة لديهم غير هذه العيون، شبه الفاضية.. لم يرافقك أبو سيف، وبطبيعة الحال، فإنه منشغل في إعداد شاي المساء، أبو سيف صاحب مزاج وحس مرهف في تعامله مع الطبيعة، لكن على ما يبدو فهو على خلاف ذلك، في علاقته بالمرأة.. الذي يحترم روح المرأة، لا ينبغي أن يكدس الأشكال والأصناف، كما أنه هاوٍ لجمع الحيوانات أو أي أشياء أخرى..
تقول: على الرغم من إحساسي بأن أبا سيف من أقرب الأصدقاء، وأكثرهم حميمية، لكنني أمقت هذا المزاج الشخصي الذي لا يتلاءم مع أخلاقه كإنسان، محب، ورقيق، ولا أدري كيف تجتمع شخصيتان في شخص واحد.. تهز رأسك، قانطاً، ثم يلفت نظرك طائر الغراب، الذي يحوم فوق رأسك.
قلت: هذا الطائر اللص، يقولون إنه لا يخدم نفسه بنفسه، وإنما من خصاله أنه يسرق ما لدى غيره.. أراه الآن يلوي فوق رأسي، يظن أنني أضم بين يدي طعاماً.. صوته أشبه بصوت مزمار سيارة عتيقة.. محشرج دائماً، لا يثير الشفقة أبداً، عدواني إلى درجة أنه يهيم في الفضاء، ويصطدم بالأشياء بعنف وكأنه طائر أعمى.. تنظر إليه وهو، يتعسف بالأغصان، وعندما يهبط، وعلى الرغم من ضآلة حجمه إلا أنه يثير ضجيجاً، فتفر منه العصافير، وطيور الحمام البري.. تنهض.. تعود أدراجك إلى مأوى الصديق..
الشاي رائع.. ترشف رشفات خفيفة، ثم ترشق في فمك حبات لب البطيخ، ثم تقذف بقشورها في وعاء النظافة.. تسترخي مستريحاً عند حلول الظلام، يقول لك أبو سيف.. وقت الأصيل في حوش المزرعة، الهواء عليل، ومنعش..
تقول: بالفعل هذا رائع..
في المخدع المتواري بين جدران، وأشجان، قلت لطفك.. طوقني.. حاول بكل جهد أن تستحضرها، لتحميك من خوف، وتدفئك من برد.. ارتعشت قليلاً ولما طواك الشرشف القطني السميك شعرت بالهدوء.. ففي الليل الأشياء تلبد، وتسكن، ما عدا شياطين الشوارع الذين يلوبون ليلاً ونهاراً، ولا تخمد نفوسهم من الدوران، وطحن الأسفلت بعجلات الحنق والحمق.. تتذكر صديقك وتستعيد ما سرده من أمجاد، بين أفخاذ نساء، تنوعت أشكالهن وألوانهن، ولم تتغير رغبته عن حب الشهوات والنزوات.. لا تدري لماذا أنت تلومه، ولكن كلما حاولت أن تجد له عذراً انقبض قلبك، وشدك دافع عنيف قائلاً لك: لا تندفع نحو الضلالات.. تريث، تعود أدراجك إلى أيامك الغابرة، تقول ما أجمل هذا الصديق لو أنه تخلى عن مجونه.. وتقول أيضاً هو سيقول، ما أروعني فقط لو انتهيت من فلسفة الأشياء، وتركت الحياة بجبلتها من دون قوانين، ونظم صفها البعض لأغراض أنانية لا غير.. وتقول لا أريد أن أكون أنانياً، فليمضِ صديقي في طريقه، وليبقَ صديق العمر، في شأن سلوكه الشخصي بعلاقتي به.. تستريح الآن قليلاً، تشعر بأنك تخلصت قليلاً من النقمة.. تعود ثانية تحاول أن تستدعي تلك الفتاة العابرة، تقول في نفسك النساء العابرات أشد فتكاً من اللواتي يجاورن الجسد، ألهذا السبب لم ينفرد صديقي بواحدة، حتى يتخلص منها، ليصبو إلى أخرى.. الأشياء البعيدة أجمل من القريبة، البناؤون لا يرون ما أنجزوا جيداً إلا عندما يتقهقرون بعيداً، فيكون الإحساس بالجمال أدق.. ولو أنني اعتليت بدنها لأول وهلة، ستصبح بلا قيمة بعد ذلك.. الأشياء التي تأتي بصعوبة تكون أشهى وألذ.. المرأة المراوغة تستقطب المشاعر أكثر من المرأة التي تسقط بسهولة كثمرة فاسدة..
أنا على يقين لم تكن عاهرة.. قلت.. أجل نيران، ربما كانت تواجه مأساة كسائر الفتيات اللائي يمررن في فترة المخاض.. كانت أشبه بالحمامة التائهة، وكانت تود لو أنني أنقض عليها، وألتهم بدنها، وأمارس الحب معها بصورة نهائية ونموذجية، ولكن لم أكن لأفعل.. تقول بغضاضة.. هذه أساليب حيوانية أن يطأ الرجل امرأة، في عرض الصحراء، ولا لحاف لهما غير سقف السماء العاري.. الحمير تفعل ذلك، لأن فطرتها تتيح لها ذلك. أما أن يمارس ذلك الإنسان فذلك فعل من أفعال الهبل..
تحاول أن تغادر الفراش، لقد سخن السرير، وصارت عظامه المتهالكة تصرصر، كأحجار الجدران القديمة. تقف عند النافذة، تفتح الستارة المخملية، ثم الشيفون الشفاف، ثم الزجاج الداكن للنافذة، تطل على الشارع، الساهر وحده على حراسة الأشجار، والحيوانات الصغيرة، الدائبة ليلاً بحثاً عن فرائس.. تلمح عن بعد مطاردة عنيفة، ومواء أشبه بالاستغاثة، قط شرس، برأس مدبب دائري، ينقض على أنثى صغيرة الحجم، تحاول أن تلقمه بحجر، لكن ليس لديك ما تلقمه إياه.. الهرة الصغيرة تستلقي على الأرض الحجرية، وترفع سيقانها إلى الأعلى، تحاول أن تدافع عن مصيرها، بيد أن العدوان أقوى من المقاومة، بعد فترة سمعت الهدوء، همدت الأصوات، ويبدو أن الهرة الصغيرة وجدت مفراً، فلاذت بالفرار، الروح أغلى من أي شيء، ومن له حيلة لا بد أن يحتال، ربما وجدت الهرة الصغيرة من وسيلة، خدعت بها القط المهاجم، فهربت.. كان في إمكاني أن أفعل ذلك ساعة العدوان المباغت، وأحمي بدني من الانتهاك، لكن الحيلة أحياناً تكون ضئيلة أمام عدوان غاشم، لا يردعه استجداء، ولا يمنعه احتواء، ولا ينفك عن فعل جريمته إلا بعد أن يقضي ما أمره شيطانه..
تفكر الآن فيما قاله صديقك أبو سيف.. تقول وأنت تحت وطأة القلق. تقول وأنت مستريب من كلام الصديق.. لماذا حاول أن يحبط ذلك، الرجل بهذه الهالة السحرية، حتى جعلني أرتعد.. لماذا كانت عيناه تجحظان وهو يسرد القصة عن صاحبه العجوز، وكأنه يقص قصة من حكايات ألف ليلة وليلة.. صحيح أنه اعتاد دوماً ومنذ الصغر أن يفخم الأشياء، ويضخم الأحداث، لكن هذه المرأة كانت أكثر مبالغة من ذي قبل.. تشعر بصراع، تمسك رأسك بيدك، تعقد جبينك، تحاول أن تمسد الجبهة، ثم تذهب إلى الدرج المجاور للسرير، تفتح الدرج، وتنزع علبة الفوكس، تمسح جبينك بالدهان الساخن، ومع ارتفاع درجة حرارة الدخان، تخف ضربات الصداع، تعود ثانية إلى المناظرة، تسمع طرقات خف على صلابة الأسفلت، تتبين الهيئة، شخص ما يمر بجوار النافذة، شخص يلمع وجهه تحت ضوء النيون الخافت، يتحدث بصوت مرتفع، ولا أحد يسير معه، لكنه يتكلم، يكلم نفسه، يحث خطى مسرعة، وكأنه يريد أن يلحق بركب ما، لمحت عصا فوق الكتف، وعلق حبال قفة من سعف النخيل، عرفت أنه أحد الصيادين الذين يرتادون البحر في هذه الساعات من الليل، وربما كان قد تأخر عن موعد الوصول إلى المركب الذي سيقله مع مجموعة من رفاقه.. قميص قطني بنصف كم، وإزار مخطط بالأبيض والأحمر، مرتفع قليلاً عن الكعبين، ليس تديناً وإنما لحاجة العمل في البحر، ولإنجاز المهمات الصعبة، في أقصى سرعة.. الكادحون وحدهم الذين يسيرون في الليالي وتحت جنح الظلام، ويمخرون عباب البحار، متفانين من أجل لقمة العيش، بينما المستهترون يهلكون أنفسهم وينفقون أموالهم في لحظات طيش مميتة..
يبتعد الرجل، ويبقى صدى صوته، تقول، الليل يستر كل شيء عدا الأصوات، فهذه الذبذبات تتسرب إلى الآذان مع الهواء، فلو أن امرأة شهقت في عراء الليل، لأسمعت من به صمم.. تبتسم أنت، تعود أدراجك إلى السرير بعد شعورك بالتعب من الوقوف، تقفل الزجاج، وتسدل الستارة، تعدل الوسادة، تسند ظهرك، تتذكر سيجارة كنت قد خبأتها منذ فترة، شعرت بالشوق، إلى رائحة الدخان، على الرغم من أنك، لم تدمن التدخين، لكن في ساعة وله، تشتاق إلى الدخان، تفتح العلبة، وتأخذ سيجارة، تأخذ شهيقاً عميقاً، يتغلغل الدخان في رئتك، حتى تنتابك دوخة طفيفة ثم بعد استراحة قصيرة تستعيد أنفاسك. تمز مزة أخرى لكن بتأنِّ، وعيناك ملتصقتان في السقف.. عاودك السؤال، لماذا أراد أبو سيف أن يهول من شخص صاحبه.. أهو حقاً يستحق ذاك التهويل؟ وهل سيستطيع أن يقدم لي شرحاً وافياً عن هذه الساحرة.. تصمت قليلاً.. تأخذ مزة، ثم تخمد السيجارة في المنفضة، تنظف يدك من الرماد، تقول: كيف سيكون شكله، وجهه، هيئته، قامته، طويل أم قصير، سمين أم نحيف، قبيح أم جميل؟ وتقول: عادة ما يكون هؤلاء، أشبه بالأشباح، يكونون قبيحي المنظر، لأنهم، يهملون أنفسهم، ولكي يعطوا أنفسهم هيبة ومهابة، فإنهم يطيلون اللحى ويكثفون الشوارب، ويجحظون أعينهم ويكونون دوماً جاهمين، واجمين، عابسين، لا يبتسمون، إلا في حالات الضرورة، وإن ابتسموا فإنها تكون باهتة وجامدة. تقول: إذا كنت أنا، أوقن تمام اليقين، أن كل هذه التصرفات ليست إلا تهويمات وإيحاءات، وخدع بصرية، لا أساس لها في الواقع، تقول مرة أخرى: إذا كنت واثقاً بأنها خرافة فلماذا أتعمد البحث في تفاصيلها، وأجهد نفسي، وأعرض نفسي لمتاعب أنا في غنى عنها.. ثم تعود ثانية لتذكر نفسك بالبحث الذي نذرت نفسك من أجله.. لا.. لا بد من التعب، بل أشعر بيقين أنني سوف أقف عند نقاط مهمة، في مسألة أم داس، وعلاقتها بأمور كثيرة.. إذاً يجب أن أعود إلى صديقي في أقصر وقت، لأذهب بصحبته إلى ذلك الكاهن.. أريد أن أعرف سر هذا الرجل، كما أريد أن أتقصى السر الأكبر.. أم داس.. آه، تقول وأنت تتأوه: كم لعبت هذه الشيطانة اللئيمة، بالعقول، وكم أمرضت وأماتت.. أجل كانوا يموتون خوفاً لمجرد سماعهم صوت خشخشة من خلف الجدران، أو قبل ذلك، خلف جريد الخيام المتداعية.. الأطفال بالذات كانوا يتبولون في فراشهم.. تقول: أنا كذلك كنت أتبول، وأمي كانت تنهرني، وتمقت هذه العادة السيئة، لكني لم أذكر قط أنها أخبرت أبي بأمر هذا التبول.. تقول: بعض الأمهات عظيمات تستحق الواحدة منهن أن يبنى لها تمثال في شارع عام.. كانت تعرف أمي، لو علم أبي بالأمر، فإنه لن يستطيع فهمه على أنه تبول لا إرادي، لكنه سوف يشبعني ضرباً، ويوسعني زجراً ودون فائدة.. الآباء طبيعتهم الخشونة، والأمهات الليونة. لذلك، يحن الأبناء إلى الأمهات أكثر من الآباء..
تقول: يجب أن أنام، تحاول أن تطفئ النور، أطفأته، وسحبت الملاءة القطنية حتى غطت وجهك، تريد أن تغيب عن العالم، لا تريد أن ترى شيئاً. تعود منذ زمن، عند النوم لا بد أن تغطي وجهك، تقلبت كثيراً، نفخت متذمراً، النوم لا يأتي بالسهولة المعتادة لكثير من الناس.. تقول: الليل سبات، وراسي لا يسبت، ولا يخفت.. أحب اليقظة كثيراً، لكنني أيضاً أحب أن أرتاح.. يجب أن أرى أبا سيف غداً، وليس في استطاعتي تأجيل الأمر إلى يوم آخر..
تقول: لم أنم إلا ساعات قليلة، لم تتجاوز الثلاث ساعات.. نهضت مفزوعاً، أسناني تصطك، وركبتاي ترتجفان، وشفتاي ترتعشان، وجسدي كله أشبه بسمكة مقذوفة على الرمل، أحاول أن أمتلك لساني، أو أن أمسك بشيء ما جامد كي أخفف من الانتفاضة العارمة التي عمت جسدي، لم أستطع فعل أي شيء، كان الحلم مفزعاً، مرعباً، شكل جهنمي تراءى لي، على هيئة طائر ضخم، بمنقار طويل وحاد، رأيته يقترب من وجهي، ويرفرف بجناحيه العريضين، وكأنه يريد أن يخطفني.. حاولت أن أتحاشاه بيد أنه كان يطوق المكان أكثر مما يطوق بدني النحيف، احترت ماذا أفعل، لجأت إلى الملاءة، خبأت جسدي تحتها، خبأت وجهي، انكببت على وجهي، وغطست في بحر الوسادة القطنية، كان ينهق كالحمار، ولا يزغرد كالطيور، كان يحرحر كالوحش الضاري، يقف على ظهري، شعرت بثقله فقدت أنفاسي، صرخت دون جدوى، كان يصفعني بأحد جناحيه كي ألجم فمي، همدت ولم أتحرك، عيناه أشبه بجمرتين متقدتين، أنفاسه تخرج من جوفه ساخنة كالجحيم، مخالبه كمسامير الحديد، ماذا أفعل.. قلت لم أفعل شيئاً سوى أنني سكنت كالذبيحة على مقصلة الإعدام، وبانتظار ما سيسفر عنه هذا الغزو الغاشم، أسرفت في النحيب الداخلي، كطفل مختون، أكظم حنقي كي لا أستفزه بنظرات استجداء، لكنه لم يكن يأبه لمحاولاتي في استعطافه.. بعد مضي فترة، رأيت مجموعة من طيور أخرى، تهيم في فضاء الغرفة، وتصدر زمجرة مرعبة، أسمع صفقات أجنحتها العظيمة فأنكفئ مختبئاً في جلدي المقشعر لا أحد سواي في الغرفة وليس بجواري من أستعينه، لبثت متحيراً كي أستطيع التخلص من هذه الورطة.. بينما العدوان يزداد شراسة. بعد فترة وجيزة، تغيرت صورة الطائر الضخم، وبرز أمامي بهيئة كائن قبيح المنظر، يرتدي عباءة، يخرج من أطرافها شعر كثيف، يداه بطول قدميه، أو أقل بقليل، لكنهما تنفردان كجناح نسر جبلي، يقف عند رأسي، وتخرج من عينيه، شذرات من لظى وحميم، شفتاه غليظتان متدليتان، وأنفه ضخم، بحجم حبة الباذنجان، وجهه أسود فاحم، يحمل بإحدى يديه فأساً حديدية.. قلت عندما استيقظت صرت تبحث عن الشبح المرعب، تلفت كثيراً، بحثت عن نفسك قبل أن تبحث عن الصورة المفزعة.. عدت إلى الفراش، استلقيت، حاولت أن تسترجع المشهد المروع، وعيناك تغرقان بالدموع.. عدت إلى علم النفس.. حاول أن تفسر، أن تحلل، أن تصل إلى تيمة الحلم، وجدت نفسك تعاني من خوف شنيع لم يسعفك على التقصي.. فتحت الدرج، شعرت بحاجة إلى حرق أي شيء.. أشعلت السيجارة، دخنت، زممت العقب بعنف وبشراسة، وبمحبة أخذت الدخان إلى صدرك، سحبته امتلأت رئتاك جيداً، ثم زفرت، طردت الدخان بتنهيدة عميقة، كررت بانتظام أخذ الدخان، شعرت بأنك بحاجة إلى كأس شاي دافئ، لكن قدميك لا تحملانك، بعد الحلم، وبعد الاستيقاظ، ترهل جسدك برداً، ونزف العرق من مسامه، غزيراً، أسندت ظهرك إلى الوسادة، تأملت السقف وحلقت في فضاء الغرفة التي كانت ممتلئة، بالضجيج والصور، المخيفة.. قلت.. هذه سلبية من سلبيات الوحدة، العزلة قد تلهمك الهدوء والسكينة، لكنها لا تنقذك من أحلام الليل عندما تباغتك.. قلت لو أن امرأة حافية تنام هنا، لو أن امرأة تجاور جسدي الآن، لنهضت، وأعانتني بكأس شاي ساخن وأسعدتني بهدهداتها، وقبلاتها، وتمسيدها على جبيني..
تغمض عينيك على صورة مثلى لحلم اليقظة.. قلت، كم هي الفجوة واسعة، بين حلم النوم وحلم اليقظة.. الشيء الذي تستحبه النفس لا يأتيك، وأنت قد أرخيت أعصابك، واستسلمت لعدم النوم، أو الأشياء اليقظية حتى، كالوحش الضاري يداهمك، ليلاً، ليقضي على آخر رمق في حياة هدوئك..
تقول: أحياناً أشاطر أبا سيف رغبته الجامحة، في حب النساء، لأنهن كائنات نبيلة، عندما تكون بجوارك كأنها تنعش مسام الجسد، وتطرد الشياطين، وتقودك إلى نعيم الجنات الخالدات.. تصمت قليلاً.. تقول: ليس فـيّ ما يخيف وما هو إلا مجرد حلم.. ثم تستعيد ذاكرة مجونك.. لكن الحلم لا يأتي من فراغ.. الحلم وسيلة للتعبير عما يقطن في اللاشعور.. إذاً أتكون هذه هي أم داس، التي أبحث عن تاريخها ولم لا؟ قد تكون ولكن ما يهمني الآن أن أعرف الأشياء الغامضة عن هذه الشيطانة.. تتراءى لي مجرد رموز مبهمة، لا تعنيني في شيء.. أي حلم مرعب يمكن أن يجلب صوراً بهذه الهيئة.. والأحلام في كثير من الأحيان تتشابه، ثم تضيف.. لا ضرر.. عليّ أن أمتلك ناصية الشجاعة، وأمضي قدماً لعلي أكتشف أشياء لم تكن في خلد الآخرين.. لا شك في أن الرجل الذي تحدث عنه صديقي سوف يعينني على الفهم.. أنا أفكر في أن أجد حلاً لمعضلة الجهل الملازم للخرافة.. تتشجع.. تنهض، تذهب إلى مطبخك الصغير، وتصنع الشاي تعود إلى السرير، تضع الكأس على الكوميدينو، وأنت تلهج.. يجب أن أذهب اليوم، فلا أوان، للتأجيل..



تقول عنها صومعة، لما دخلت الصومعة، كان الصديق يرتدي بيجامة قطنية مخططة بالأزرق والأبيض، بياقة عريضة عقدت بزر عند أسفل الرقبة، استقبلك بود مشيعاً إياك بابتسامة لطيفة.. شعرت بالإحراج قليلاً لما لقيته من حفاوة الصديق، وبشاشة وجهه المشرق، بنداوة صباحية، اكتسحت محياه المزخرف بالفرح.. ويبدو أنه كان، يتحين فرصة مجيئك إلى منتجعه، بحضور الحسناء، هيفاء العود، لدنة البشرة..
قلت: ما اسمها؟
قال: اسألها..
قلت: ما اسمك يا جميلة..؟
قالت بصوت عذب.. ماسة..
أحسست بأنها تنام على صدرك وهي تنزل الجفن الناعس على مقلة شعت بنضارة الشباب الأنثوي اليافع..
تلعثمت.. انعقد لسانك.. كان لا بد أن تمضي في الحديث معها، حتى تكسر حاجز الصمت، وتهزم خجلك.. لكنك، شعرت بأن الكلمات تتيبس على شفتيك الناشفتين، حاول أن تستنجد بصديقك، بيد أنه بدهاء الأخ المجرب تلهى في صناعة الشاي، تاركاً إياك وحيداً في صلب المعركة الوجدانية تقاسي مرارة عجزك.. بينما كانت الحسناء تفتل خصلة شعرها، متلمظة رعونة الفتيات، ذوات الأصول الشيطانية العريقة. تتنحنح أنت، تلعق شفتيك المصفودتين بأغلال الوجل المريع، تتلفت بينما جلس الصديق يراقبك من بعد عن كثب ويرسل إشارات مبهمة إلى الحسناء التي اقتعدت مسنداً كملكة متوجة..
قلت في سرك.. بؤس الشرف الوضيع..
أيعجز أربعيني مثلك عن مداعبة حسناء صغيرة، ولو بكلمات تفضي عناق الصمت المريب؟ لماذا أتصلب هكذا كالمتهم؟ ولا أستطيع أن أنبس بكلمة تفتح باب حوار على أقل تقدير تنتشلني من وهدة الارتباك. قدم أبو سيف كأس الشاي، لك، وللحسناء، وأخذ كأسه، وانزوى قريباً من الحسناء.. قال مشاغباً مشاعرك: ما رأيك، في هذا الطير؟
ابتسمت أنت، ازدردت ريقك بصعوبة، قلت بلهجة مرتبكة، رائعة.. وصمت منتزعاً نفسك من خيط بؤسك ثم رفعت الكأس، متشبثاً به وكأنك تريد أن تفر من موقفك العصيب..
قال الصديق.. ماسة من أذربيجان.. مسلمة..
لم تفه بكلمة، لكنك قلت في نفسك، ونعم المنتج الإسلامي، عالي الجودة.. قطع الصديق حبل أفكارك.. قائلاً.. ماسة، خريجة علم البيولوجيا، جاءت إلى هنا في زيارة قصيرة، من أجل التعرف إلى حضارة بلادنا، تعرفت إليها صدفة في أحد المتاجر، وبسرعة فائقة تعمقت العلاقة.. نظرت إليه مستخفاً بكلامه، وهززت رأسك محيياً الفتاة، ورشفت من كأسك، وقلبك يخفق مضطرباً، وودت لو أنك لم تأتِ في هذا الوقت، أحسست بأنك جئت في الزمن الخطأ، كما تحث خطاك دائماً إلى الأماكن في الأوقات غير الملائمة..
قال الصديق: تقول إن لديها صديقات كثيرات في بلادنا، وهن يزرن بلادنا بين فترات متعاقبة، تمضي الواحدة منهن أسبوعين أو ثلاثاً، بعد أن تتبضع، وتملأ حقائبها بمشتريات نادراً ما يجدنها في بلادهن..
وخزك قلبك.. فهمت مغزى حديثه، لا بد أنه يريد أن يعلق شباكك بواحدة منهن، أو أنه يريد أن يفهمك ألا تضع عينيك على رفيقته. وتزيح عن كاهله، مغبة شكوكه.. قلت بلهجة جادة: بلادنا بخير بل وصارت مقصداً لجميع الشعوب.. هذه حسنة من حسنات الانفتاح، مع غض النظر عن السيئات التي لحقت بهذا الاكتساح الرهيب للقيم.. يهز رأسه برماً.. يقول: أي قيم يا سيدي، وعلى من هذه الترهات، نحن بحاجة إلى تحسين النسل، وإضافة محسنات بديعية، على أجساد نسائنا، ألا تجد في هذه الحسناء ما يثيب الذين انفتحوا، ويرفع عنهم وزر أخطائهم.. ويرشف من كأسه، متسلطاً، وبعجرفة يستطرد قائلاً: انظر إلى الهيئة البريئة، انظر إلى المكانة العالية لوجه يحترم الأصول الحضارية لشعوب ناضلت من أجل استقلال المرأة وحريتها..
تتمتم.. تقول في لهجة ضارعة: لكنهم أيضاً ضحية لبطش شعوب أخرى.. أليس كذلك؟
يقول محتجاً: لا.. لا تفكر بهذه الطريقة العشوائية.. الاستغلال شيء وممارسة الحياة بعفوية شيء آخر..
وكانت الحسناء، تستمع إلى الحوار بلا مبالاة، كونها لا تفهم اللغة العربية، ولكنها تستشعر من الحديث أنك لم تكن راضياً كل الرضا عن وجودها في حضرة الصديق، لذلك كانت تشبعك بنظرات استرابة على الرغم من ابتسامتها الباهتة المتربعة على خدين، ناصعين..
سألت الصديق: هل له أن يصحبك إلى الكاهن..
قال، متململاً: لا أعتقد أننا سنجده اليوم.. فقد جئت في اليوم الخاطئ، حيث إنه في كل يوم خميس يذهب لزيارة أهله في عمان..
أيقنت أنك لم تأتِ في الوقت المناسب، وأن حدسك لم يخنك عندما قلت إنك دائماً تأتي في الوقت الخطأ..
قلت: إذاً يجب أن أعود إلى حيث أتيت..
الصديق أمسك بيدك، راجياً قائلاً: انتظر حتى الغداء.. ثم يردف غامزاً ألم تعجبك هذه الجلسة الشاعرية..
قلت: لا شكراً.. دعني وشأني، سأذهب الآن وأعود في وقت آخر..
يقول: وقت آخر.. متى بالضبط؟
غداً.. أليس الوقت مناسباً..
يهز رأسه.. لا غداً لن نجده.. ألم أقل لك إنه ذهب إلى عمان، والرحلة إلى هذه البلاد تستغرق يومين، بمعنى أنه سوف يعود بعد غد..
حسناً.. بعد غد ستجدني في الوقت الملائم.. وكنت تنظر إلى الحسناء وكأنك توجه الحديث إليها، حيث إنه قال إنها سوف تغادر غداً إلى أذربيجان.. اصطحبك حتى ولوجك الفسحة الخارجية من المزرعة، وكان يضغط على يدك معتذراً، مودعاً بحرارة، وكنت تملص أصابعك من أصابعه، متخلصاً من الحرج، وسوء الطالع، والانكسار الذي داهمك، إثر عودتك، خاوي الوفاض، إلى جانب أنك كنت تتمنى تحاشي مثل هذه المواقف التي تعتبرها أوقاتاً عصيبة، تغرق بإحساس الضيم، بما يعقبه من تأنيب ضمير، وانشغال مشاعرك بآلام العجز.. ابتعدت عن محيط المزرعة، لكن صورة الحسناء تطاردك بنظرات الإذلال، ولا بد أن الصديق سوف يشرح للحسناء ظروف فرارك وأنت خالي اليدين، ولا بد أنه سوف يسبغك بأسوأ الأوصاف لينبري هو أمامها الفارس المحض، الصنديد الذي لا يساويه مخلوق.. أجل سيقول عنك ذلك، وهذه صفة الرجال الماجنين، عندما يكونون في حضرة النساء، اليافعات الناضحات بشهوة الحضارات القديمة، المعطرات، برغبات هائلة تنثال من أنوفهن المفتوحة على رائحة الجنس.. تمضي في الطريق، في اتجاه الشارع العام، تحت اللظى، ممتقع ممتحن، تخفي حثالة الكلام الذي سمعته، والذي سيقال عنك في غيبتك.. تفكر في صديقك الذي حنط المشاعر القديمة، واستبدلها بقائمة من العواطف البلاستيكية المهجنة، والمصفدة بشكل لا يدع مجالاً لانثنائها أمام أي موقف أو حالة من حالات الإحراج.. فكرت ملياً في هذا الصديق، الذي خرج من كومة ركام أخلاق. واعتلى تلة أخرى، ووقف على رأسها ليؤذن في الناس، مبشراً إياهم بميلاد عصر جديد.. زمن يختصر المراحل، كما يختزل القيم ليضعها في حفنة ضئيلة، وقميئة، لا تفرج إلا عن رغبة واحدة.. شهوة ذكورية عارمة، حازمة، حاسمة، كاسرة، في ذروة فجورها، وانهيالها باتجاه الأنثى.. أنثى الركوب، والسطوة الغامضة، وأنت في الحافلة، تمر على المحلات التجارية الصغيرة، المعقودة في صفوف متراصة، وكأنها في طابور مدرسي تمر على الأشجار المعمرة، البساتين، ولكن رأسك معلق في مشنقة الصديق، الذي فجر الكرة الأرضية في وجهك، ومنحك الرجوم والشظايا.. لم تكن مفاجأة أن تعرف أنه رجل نسائي بالدرجة الأولى، ولكن ربما لأنك، صعقت حين قارنت نفسك بالصديق.. ستأتي بين السماء والأرض، لا فرق بين رجل وآخر، في كل المواثيق، إلا أن الصفة الفارقة هي ما يفعله رجال، ويعجز عن فعله رجال آخرون، هكذا شعرت، وكأنك وقعت في قعر بئر سحيقة، طوتك الظلمة والوحشة، والشلل، حين حاولت أن تعالج عجزك، بكلمات مختصرة، فلم تعبأ بك تلك الحسناء، لأنها أنثى، والأناث ساحرات، في فهم معاني الرجال.. من أول وهلة، عرفت أنها تحتقرك، وتقلل من شأن حضورك، فلم تلق بالاً لوجودك، بل انشغلت في حساب الوقت ومتى ينتهي موعد زيارتك المشؤومة.. بقدر ما كنت تحب صديقك، بقدر ما كنت حملت ضده كرهاً، شعرت بأنها مصيدة لاختبار قدراتك، وفخ المراد منه، استعراض عضلات الصديق، الذي دائماً ما يتباهى، بمصائده الزاخرة بالصيد الثمين.. قلت.. ولكن، يجب أن أمرن نفسي على مثل هذه المواقف مادمت قد قررت الاستعانة به، للمعرفة..
قلت ما المرأة.. ما هذه المخلوقة العجيبة التي أتحاشى الوصول إليها.. ولماذا الاقتراب منها يبلد الجسد، ويجمد القلب، وتتصلب الشرايين لمجرد رؤيتها؟ من فوهة هذا الفندق، المنصوب كالوهم، عند شاطئ البحر، في البلدة المسحورة، والمذعورة من ظلام سمائها، واكفهرار ترابها، تمر أنثى، كل مساء، مرتدية بنطالها الأبيض المحزوز عند الردفين، وقميصها الأحمر الفاقع، المربوط عند دائرة السرة، فيبرز جزء من البطن مشاغباً الفراغ وأعين المتلصصين بشظف الرغبات المؤجلة، أو المسربلة بالتأويلات وتراتيل أصحاب التعاويذ السماوية.. أنظر إليها.. تقول إنك تنظر إليها، وتتفحص التفاصيل بعناية، ولما ترمقك، تنتفض، كطفل ضبط يلعب بعضوه التناسلي.. تقول إنك تفعل ذلك، عندما تغرقك التضاريس الأنثوية بسيل من المشاهد المزدحمة بصور النهايات القصوى للجسد، المكتوي بنيران اللظى الصيفي، المحاصر بفراغ غير منته.. هي أيضاً، تستدعيك بنظرات عفوية، وقد لا تقصدك، لكنك تشعر بأن النداء الداخلي يستجيب، لكنك تردعه، تقمعه، بكل ما أوتيت من وجل، وترتجف أطرافك وكأنك تخشى الوقوع من علٍ إلى أسفل محفوف بمخاطر جمة.. تحاول أن تشيح، لكن قوة تسطو على إرادتك، تجعلك تخنع بضراعة، وهشاشة، تظل هكذا بين البين بين، لا تقاوم، لا تقدم، لا تحجم، لا تفعل شيئاً غير أنك، تعصر القلب، فينزف.. تقول إنها، ماضية في الإغراء، وأنت مستمر في الإطراء، عيناك غزالتان فارتان من ناب ومخلب، قلبك أرنب مذعور، يفتش عن ملاذ، لكن القدرة الأنثوية الفائقة، تتغلغل في أحشاء الرغبة الليلية، تزلزلها، وتهز جذعك، ولكن بلا ثمار.. تقول إنك لا تكره النساء، بل إنك تشم في رائحتهن طيب الحياة، ولكن لا شيء يدهشك عندما تقترب، أو عندما تنوي الإطاحة بمقمع النفس.. تقول إنك كم مرة ومرة زعقت في وجه فيروز.. قلت يا فيروز، لقد ذبحتني هذه السوءات وأطواق الموت، أشعر بالاختناق، وأنا أجوس كالمغلل بالأصفاد، أحاول أن أهرب من شيء ما، أحاول أن أفك عقال هذه العقدة المحكمة حول عنقي، لكني بعد حين، أجدني أتقهقر، تقول إنك تصرخ بعنف.. تلعن الظلام الذي لا يريك غير الحلكة، ويغيب عن ناظريك النجوم والأقمار وعيون الإناث اللامعة، بالشهوات المباركة.. تستعيد صورة ماسة، صديقة أبي سيف، تجسدها أمام عينيك، تحاول أن تقرأ الحروف الهجائية في عينيها، تمرر إصبعك على شفتيها، تشعر بالدفء، لكنك فجأة تشد يدك بعنف، تشعر بالحرقة، تحاول أن تهدئ من روعك، لكن ماسة التي لم تطقها، تصدقك، تضحك بجلجلة ساخرة، ممتقمة، وتشيح في وجوم، لاعنة سلسبيل الرجال الأنذال الذين لا يصلون إلى الذروة. ولا يحققون غير الخذلان.. تقول رأيت في عين ماسة، لعنة شيطانية، تطحن رأسك، ترديك صريعاً، ثم تضع هي قدمها على عنقك، تقول لك باشمئزاز مت أيها النذل، أذهب إلى الجحيم.. تقول إنك حاولت أن تنهض وتصفعها، لكن رغبتها الجامحة، هيضت قوتك، بل صرت أنت الذي تلحس عرق الأرض، وتمد خطمك كالحمار البائس، تحاول أن تستعيد الصورة مرة أخرى، بيد أن ماسة تختفي فجأة، تاركة وراءها النقمة، وفجور النساء، المسحوقات بالغبن.. تقول إنك تعود ثانية، تنظر إلى المرأة التي لم تزل تمارس غيها تجاهك، وتسرف في سحق إرادتك، وأنت تتأمل الوجه بإمعان، تتحرى الدقة في تصوير الردفين الناهضين، وكذلك ترنو إلى المنتصبين في الصدر، تود لو أن لك قارباً يمخر عباب ما بين الشاهقين، ثم تضع لسانك الظامئ على شفة الجبل، البنية، وتظل تلعقها حتى تحمر، ويلتهب جلدها.. تذهب بعيداً، تفر عميقاً، تتصور أنك قد تفقد عقلك فيما لو استمرأت هذا الخيال اللعين، ربما أراد صديقك أن يغري روحك، ويأسرك بما جاءت عليه الطبيعة، من أجساد لا تفنى ولا تزول، فهو الذي يجدد نسيجها، ويلون الأرض، بحاملات الصدر الزاهية، عندما تقذف على جانب السرير، لتكتمل حلقة العناق البوهيمي، وتتطور العفوية إلى شهقة ما قبل الذروة.. تقول إنك في حيرة من أمر هذا الصديق، تحبه لأنه عفوي، وتنفر منه لأنه سمج، وماجن إلى حد الانتحار.. تقول إنك تحاول أن ترتب هذه الفوضى في داخلك، تشعر بأنك، كالوعاء المهشم، نثارك يزعجك، وينهك قواك العقلية تقول إنك لا تريد أن تفقد عقلك، تريد وعيك، لكي تكمل البحث الذي بدأته، تقول إن المدهش في الأمر أن النساء اللائي تريد تحاشيهن، يتوافرن بكثرة، وينتشرن في الأمكنة كالأحجار الملونة، تتحاشى إحداهن، فتتعثر بأخرى، ولا تدري ما الذي يجعلك تتعثر ثم تتبعثر، ثم تنثر تأوهاتك حتى تنصهر الشمس التي تغسلك بالعرق..
تقول بحسرة.. ها هي، قد عادت، ويبدو أنها تريد أن تختزل الزمن في لحظة، وكثيرات هن اللائي، يعتبرن اللحظة تاريخاً يمتد إلى عقود، وتقول: لو أن هذه المرأة فكرت أن تتعرى، وتنزع كل ما على جسدها، وتأتي تواقة إلى هنا، إلى حيث أجلس في هذه الغرفة. ثم تبدأ في تهجي تفاصيل جسدها، فقرة فقرة.. يا ترى ماذا سأفعل.. هل سأكظم غيظي وأحبس أنفاسي، وأغمض عيني، إلى أن تنطفئ وتزول؟ أم أني سأرتعش خوفاً، ويخفق قلبي، ثم يغمى عليّ.. وألا أصحو إلا وأجدها تعتلي جسدي، وقد نفضت ما في جوفها، ثم تصدمني بعنف قائلة: نذل.. جبان.. رعديد..
تقول بتوجس، هل صحيح كما يقول بعض الرعناء، إن الرجل الذي لا يطفئ رغبة امرأة، إنما هو حشرة حقيرة، تستحق الإبادة؟
تهز رأسك، وتزم شفتيك، ممتعضاً.. تقول: في المجتمعات الذكورية تقاس الفحولة بقدر امتطاء الخيول الأصيلة، وهذا وهم..
تقول إنك، تسأل نفسك ثم تجيب عن سؤالك، وأنت كما أنت، لم تزل تشعر بالأسى، عندما ترمقك هذه الأنثى بعينين، تشعان بلمع الجمرات.. تقول: الحل أن أقفل النافذة، وأنكفئ على السرير، ولا أدعها تمارس الفحولة المضادة.. تقوم، وتوصد النافذة، وترخي سدول الستارة، ثم تنط على السرير كالطفل المرتجف، تأخذ سيجارة، تقول إنك صرت تداوم على التدخين، وربما لأنك تريد أن تطرد كائناً ما بدخان الغليون الخانق.. تمز الدخان، ثم تقذف بالكتلة الرمادية، خارج فيك، تتصعد ولهاً في داخلك قوة صارمة، تدعوك لأن تفتح النافذة، أو على أقل تقدير أن تطل من خلال الزجاج.. تنهض، تتردد، تعود وتجلس على السرير، لكنك تنهض مرة أخرى، ترفع الستارة، تلصق وجهك بزجاج النافذة، تلتصق أنت بكامل بدنك، المرأة تصول وتجول ولكنها هذه المرة، ابتعدت قليلاً.. يبدو أنها أنهكت جسدها ركضاً.. تلاحق شبحها المتواري، خلف سدول الظلام، وهي تتجه نحو الإضاءة الخافتة لمصابيح الفندق.. تيأس، تعود ثانية إلى مخدعك..
قلت: تملكني الخوف وأنا أجثم على السرير، وأزم شفتيّ، وعيناي منتصبتان في السقف.. قلت لو أصبت الآن بوعكة صحية، فمن سيأخذني إلى الطبيب، من سيساعدني على النهوض من هذا المخدع؟ قلت: سوف أفطس بعد أن أنفق كالحيوان الموبوء، وسوف تطير رائحتي إلى أنوف الجيران، ولن يتجرأ أحد على الاقتراب من جيفتي العفنة.. سوف يستعينون برجال الإسعاف، والإنقاذ، سوف تأخذني سيارة الإسعاف ملفوفاً بقماش أبيض.. لا.. لا.. بل سوف يطوون جثتي بنفس الملاءة التي أنام عليها، سوف يقذفون بي في حفرة عميقة، وكأن شيئاً لم يكن.. بمعنى أن هذا الكائن الذي يفكر، ويتحرك، ويسرد القصص والحكايات، وينقم على هذا، وينتقد ذاك، ويحقد على غيره، سوف ينتهي إلى لا شيء.. الحشرات التي تنفق يستفيد منها أكلة اللحوم، وكذلك الأشجار التي تتغذى على بقاياها كسماد.. أما أنا فلن تستفيد مني البشرية ولا الحيوانات ولا النباتات.. إذاً أنا أشبه بالعدم.. قلت.. ما العدم؟ أهو كائن حي، أطلق عليه العدم، كونه لا يرى؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الفضاء يعج بكائنات لا نراها، وقد تكون ضخمة بضخامة هذا الكون الفظيع.. قلت.. ماذا جرى لعقلي؟ أصرت أهذى؟ العزلة تفعل بالإنسان ما يفعله السحر.. السحرة والكهنة يعيشون العزلة، لزرع تخيلاتهم وتصوراتهم حول الكون.. أبو سيف يعيش في عزلة لكنها عزلة غير التي يعيش فيها المشعوذون، لأنه رجل ملأ كونه بالنساء، وتشبع برائحة أنفاسهن. أما الرجل الذي حكى عنه فهذا بحق كاهن يصنع الخيال بنفسه، ويحيك القصص، وقد يسرد لي عندما أقابله قصصاً وهمية عن أم داس، لا أساس لها في الواقع.. وقد تكون أم داس هذه مجرد وهم.. ولم لا؟
تقول.. أما أنا، ما أشعر به هو شيء من الهلوسة، لو أن امرأة ما تجلس هنا في حضني، فألعق شفتيها، وأمرر يدي على جسدها، فتعطرني بأنفاسها الحارة، فلن أشعر بالوحدة.. يقولون: الذي أنجب ما مات.. الأبناء يعيدون صياغة الكيان الأبوي..
تتأفف.. تضجر.. تشعر بأنك كمن يحاول أن يتسلق جبلاً وهو عاري البدن، نزيف داخلي، إثر انسحاق قلبك بحاسة العدم.. تقول، العدم، لو نظرنا إلى أشياء كثيرة، تبدو أشبه بالعدم.. لأن تلك الحسناء.. ماسة.. بالنسبة إليّ عدم.. لأنني لا ألمسها، وشيء لا تلمسه هو عدم، لا شيء.. تضحك.. لأول مرة منذ زمن تضحك، يرتفع صوتك وترتطم الجلجلة بالجدران، فيرتد الصدى، مزلزلاً بدنك.. تأخذ نفساً عميقاً، وتقول يا الله.. كم هو الضحك مريح، أشعر بأنني أزلت عن صدري حجراً ثقيلاً.. أحس أنني أذبت جبلاً جثم على قلبي.. تنهض من الفراش تتوجه إلى النافذة، الظلام يكسو الفراغ أمامك، لا ترى غير هامات الأشجار السوداء، وهي تبحلق في الفضاء من خلال الجدران المتهالكة في البلدة القديمة.. وأنت تحاول أن تحملق لترى شيئاً ما يسعدك، تقول لا شيء.. كل الأشياء داكنة ما عدا أنوار الفندق، الذي يبدو نافراً وهو يطل على البلدة بخيلاء وبطر، كونه المكان الوحيد، الذي يتزحلق على أضواء تلألأت كالنجوم واستقر بنيانه الشاهق على الأرض الرخامية.. مكان أشبه بشجرة غريبة نبتت في تربة قاحلة.. تقول في امتعاض.. لماذا يشيدون مثل هذه المنشآت التي تقفز على مراحل التاريخ، فتبصق في وجه البيوت المتهالكة بسخرية مرة.. وتضيف، البلدة تبدو كلقمة ممجوجة أمام هذا العمران المترف، بأحجاره الكريمة، والسيراميك المنقوش بأشكال هندسية خلابة..
تقول إنك شعرت بضجة حادة في قلبك المنجبس، كمن يسحق مسماراً حديدياً على لوح زجاجي، عندما ماءت قطة تحت النافذة، من خارج الغرفة.. تقول إنك فعلاً توجست، وتخيلت في البدء أن هذا الصوت يصدر من حنجرة امرأة، تفاقم جسدها بنيران، وجودية صارمة.. توجست، حين انتهك سكونك المواء البغيض، نهضت، أطللت من النافذة، وكان قلبك يخفق، ويضرب قفصك الصدري، بضربات عنيفة، تذرعت بالصبر، أصغيت جيداً، ولما لمحت القطة، خشع قلبك، ولم تتوانَ عن الشهيق، تبينت القطة كي تتأكد أنها ليست خيالاً، تأكدت من وجودها تحت النافذة، فكرت أن تلقمها حجراً، لتهشم رأسها، لكنك، غيرت رأيك، تناولت قطعة رغيف ملفوف حول إصبع نقانق، رميته، قفزت القطة في البداية مذعورة، ثم تقدمت نحو المادة الملقاة أمامها، بخطوات حذرة، قربت أنفها من لفة النقانق، ثم انقضت عليها، ملتهمة إياها دفعة واحدة.. وأنت تتفرج على فم القطة وهي تمضغ الطعام، وعينها متربصة بأي خطر داهم، لا شك في أنها تعرف أنك أنت الذي أطعمتها، لكنها لم تزل متوجسة، وتخشى أن يكون الطعام طعماً من أجل الاعتداء عليها. قلت: لا يبدو أن القطة، من تلك الحيوانات الأليفة، وأنها تنبش في الذاكرة. قلت: القطط في هذه الأيام تبدو متوحشة، خائفة، لأن البيوت على اتساع أفنيتها ما عادت تألف القطط، هذه الحيوانات التي كانت تنام في فراش الصغار، تستنكفها الصدور اليوم، وتروغها بعيداً، بل كل ما تناله من طعام إنما من خلال براميل القمامة، وبفدائية تخوض القطط صراعاً مريراً مع الشوارع المتوحشة، فلا يمر يوم إلا تجد هرة، مسحوقة على الأسفلت..
قلت لقد أجهشت بالبكاء مرة عندما شاهدت قطة كبيرة تقف بجوار قطة صغيرة، وقد سحق نصفها الخلفي، على الرصيف، بينما القطة الكبيرة تقف مندهشة من عنفوان البشر وتهورهم، وانصياعهم للحماقة.. وهي تتلفت وكأنها تلعن من صنع هذه المركبات الحديدية، لتقع تحت طائلة من يجهل قيمتها ولا يرحم خلائق الكون.. تأملت هذه القطة وهي، تقشر قطعة الخبز، رويداً رويداً، وتلتهم بأناة بعد أن اطمأنت أن لا أحد يراقبها وقد كنت قد أخفيت جسدك خلف الستارة، وبقيت تطل عليها من خلال شق ضيق.. انتهت القطة من الأكل، وانقطع العواء. قلت: المسكينة كانت جائعة، وكانت تنادي، لعل من يستجيب.. شكرت نفسك على فعلك النبيل، أيقنت أنك قدمت خدمة جليلة لكائن لا يملك غير الاستغاثة.. عدت إلى فراشك، مستنداً، هادئاً شيئاً ما، ألقيت بدنك على الفراش، وحضنت الوسادة، بلهفة.. قلت: كم هي دافئة، كصدر امرأة حنون.. غصت في مخمل الهدوء، وأنت تغطس وجهك في نعيم المخدة الوادعة.. قلت: ليت النساء كالمخدات.. ولو كن كذلك، لما أتعبن من يعتلي أبدانهن، ولا يفرضن الشروط الطائلة.. دافئة، وساكنة، ووادعة، هي المخدة.. أما النساء، فهن أشرس من الضواري إذا لم يعرف الرجال فن المعالجة لأجسادهن الملتهبة.. تغوص في المبهم، تهيم.. تدوم في اللحظة الراهنة، وتختصر عمرك، في معانقة القماشة المحشوة بالقطن.. تقول: يجب أن أنام لأصحو باكراً، وأذهب إلى أبي سيف.. بالتأكيد هو ينتظرني، ليس لاصطحابي إلى الكاهن، بل لسرد بطولاته، ومنجزاته الحضارية العظيمة مع حسنائه البديعة.. سوف يقول لي ما لم يقل في الحكايات الأسطورية، ويفرد ذراعيه مفتوناً بنفسه.. وسأجلس أنا كالتلميذ النجيب الذي ينصت ولا يسأل إلا حين يسمح له بالسؤال..



عند الرجل الجليل، الشيخ ضاوي، تصلبت أنت، وشخصت البصر، تتبين الوجه الناحل، المعشوشب بالشعر الأبيض واللحية الطويلة.. عيناه الحمراوان تدوران كجمرتين، وأسنانه البيضاء التي يفركها بالمسواك بين الفينة والأخرى تبرز من فم، تدلت شفتاه الذابلتان..
تقول إنك كنت مشدوداً، ومتوتراً، وزادت هيبة المكان رهبة في قلبك، الغرفة الصغيرة المزدحمة بالكتب والأوراق، والأقلام، والأواني الخزفية تتناثر بلا نظام، والملابس المعلقة في مشابك ثبتت عند زاوية من الجدار، ولكن ما كان يشعر بجلال المكان، هذا الصمت الخفي لكل ما يدور من حولك، والنور الخافت الذي، انسل منه الشيخ ضاوي كالسيف القديم قدم الدهر.. قبل أن ينطق بأي كلمة، قلت إنك اقشعر بدنك وبدأ قلبك يخفق خفقات ضارية، خشيت أن تقع مغمى عليك وتسقط أمام الرجل ولا تحظى بمرادك، وتعود خاوي الوفاض.. أجل قلت إنك خفت أن تفشل في هذه الجولة، وبالطبع لن تكون بعدها جولة أخرى، لا شك في أن أمثال الشيخ ضاوي يهمهم أن يكون الشخص الذي يجلس أمامهم، يشعر بالرهبة، فالسيطرة على مشاعر الطرف الآخر لا تتوافر إلا بالاستيلاء، على إرادته، وكلما كان الشخص ضعيفاً، سهلت المهمة.. مهمة، السطو على عقله وجعله وسيلة مطيعة، للإقناع.. قلت إنك لبثت هكذا متماسكاً شيئاً ما، أو بالأحرى، أنك تحاول أن تتشبث بخيط الصمود لتتمكن من قلب هذا الرجل الذي يبدو عليه ومن خلال هذه الأكوام من الكتب، أنه يملك معرفة واسعة، بالشأن الذي جئت من أجله، كان صديقك أبو سيف يجلس بجوارك، متحكماً في أعصابه، بل إنه يشبع الرجل بابتسامات عريضة، قلت.. أيقنت أن أبا سيف أكثر صلابة منك، أو أنه يحاول أن يخفي ما يكنه في جوفه، لكي لا يضعف.. قلت في نفسك: أنا أيضاً أستطيع أن أكون مثل هذا الزنديق.. أستطيع أن ألجم خوفي، كما يفعل هو.. ولماذا الخوف من رجل كسائر البشر؟ فلا يحمل سلاحاً، ولا منجلاً كما تفعل أم الدويس.. إنسان عادي بطبيعة عفوية، وربما تكون سحنته تختلف عن سواه، كونه يعيش في هذه العزلة، ولا يهتم بهيئته.. تقول، عندما فتح الشيخ ضاوي عينيه، ورفع بصره، ليطل عليك، بشعاع، أو أشبه بوميض البرق، ارتعدت فرائصك، قرفصت ساقيك الباردتين، وفرقعت أصابع يديك، وتلمظت، حاولت أن تشيح قليلاً ناظراً إلى صاحبك، الذي أسرف في التحديق فيك وكأنه جاء لاستجوابك، وليس لسؤال الشيخ ضاوي، لبثت هكذا مضطرباً حقيقة، وجفناك يطرفان، بتوتر، وأنت تحاول أن تلتزم النظام، تحاول أن تخرج من شرنقة الخوف، تريد أن تطير قليلاً لتحلق في السقف.. قلت في نفسك: لو أن إرادتي تحملني قليلاً إلى فوق، وأظل معلقاً في سقف الحجرة الخشبية، سوف أطرد هذا الشيطان الذي يسكن تحت جلدي، ويهز جذعي، كأنني جذع نخلة تشوهت، شعرت بأنك تتشوه أمام الشيخ الجليل وأنت الجامد كالخشب المسند، لا تملك إرادة الكلام، وصاحبك ينظر إليك، يلاحق خفقات قلبك ثم يشيع الشيخ وكأنه يريد أن يحثه على الكلام، طالما يئس من تحريك لسانك المتبلد.. تقول: تنحنح الشيخ، وتزحزح معتدلاً، مسنداً ظهره إلى الأريكة القطنية، ثم أطرق: ما اسمك يا ابني؟
قلت: فيروز.
قال: ونعم الأسامي.. ثم أردف هل تعرف أن الفيروز هو من الأحجار الكريمة..
قلت: نعم وأنت تهز رأسك..
قال: وأنت فيروز..
قلت: شكراً سيدي..
وكانت إجاباتك وردودك مقتضبة، ومتلعثمة..
قال في لهجة، باردة، وجادة..
أنت مرتبك؟
أومأت برأسك.. لا.. لا سيدي..
قال: بلى..
زممت شفتيك والتزمت الصمت..
يتدخل صاحبك.. هو دائماً هكذا.. خجول وقليل الكلام..
يبتسم الشيخ.. ثم يغمض عينيه، وكأنه يبحث عن كلمة ما.. قال..
الحياء من الدين، ولكن أحياناً يخسر الإنسان جراء حيائه الكثير الكثير من المواقف.. ثم يستطرد.. لا يا ابني.. عند مجالسة الرجال يجب أن تفتح قلبك وعينيك، ولا ترتبك، حتى تستطيع أن تصل إلى ما تريد بوضوح.. قلت: شعرت بأنك كالصبي الصغير، يتلقى التعليمات، كرهت نفسك.. احتقرت تصرفك المشين، قلت: كان عليّ أن أكون أكثر جرأة، وأن أتخلى عن خوفي.. هو وصف تصرفي بالخجل، لأنه لا يريد أن يحرجني، لكني أعرف أنه يقصد أنني جبان. ثم أردفت.. كيف أعد نفسي مثقفاً كبيراً، وأجتهد لحل معضلة شغلت الناس، كما شغلتني وأنا أجبن أمام رجل أشيب، أقرب إلى الهيكل العظمي..
يتدخل صاحبك قائلاً.. بلهجة، مترفة: فيروز جاء ليستعين بك يا شيخ..
تنحنح الشيخ ضاوي.. أبشر.. نعين ونعاون..
قال صاحبك: فيروز يريد أن يجمع معلومات عن أم الدويس، وهو مشغول بها كثيراً، ويريد أن تساعده..
يضحك الشيخ ضاوي.. يفتل لحيته، وعيناه مسقوفتان في الأعلى، ثم يطرق: ماذا يريد أن يعرف عنها.. فهي لم تشغله هو فقط، بل شغلت الناس أجمعين، وخوفتهم وأرعبتهم، وبخاصة منهم الجهلة، وقليلو المعرفة بهذه الكائنات، الماورائية، العملاقة..
استيقظت خلايا جسدك.. واستقرت الجمرات تحت جلدك، قلت إنك لما نطق كلمة الماورائية، شعرت وكأنه يريد أن يغوص، بك في أعماق غائرة، أو أنه يريد أن يفض بكارة المبهم في هذا العالم.. تحريت وجهه الجامد، قرأت تفاصيل بشرته السمراء الناحلة، سحرتك بلاغته.. أحسست بأنك صغير جداً أمامه.. كنت تتخيل أنك ستقابل رجلاً طاعناً، يحفظ قصصاً خرافية، قد تفتح لك مجالاً للشك لا أكثر، بينما الآن وأنت تجلس قبالته، يواجهك كائن خرافي عجيب، يطل عليك، بمحيا، واجم لكنه ليس مكفهراً، بقدر ما هو مرسوم على شكل إنسان قديم، جاء من عالم ماورائي، ليحكي للناس عن قصص الجن، والكائنات العملاقة والمهيبة..
كان صاحبك يرقب الموقف عن كثب، كان ينصهر قلقاً من ارتباكة أصابعك، كان يخشى أن تخذله. فقد وصفك بالباحث، والمثقف، والأكاديمي، الذي يهم بإجراء دراسة عن أم الدويس، بينما تبدو الآن أمامه كطفل مرتعد يكاد يتبول على نفسه..
قلت: كان الشيخ فطناً، محنكاً، أدرك أنك لم تزل لم تألف الموقف، وحتى يخفف من وطأة اضطرابك، استأذن ليعالج إبريق الشاي.. غاب برهة، فلكزك أبو سيف قائلاً: ما بك، تنتفض هكذا.. ألست أنت الذي طلبت مقابلة الرجل، ها هو يجلس أمامك، رجل مسالم، رزين، وذو شيمة عالية، فليس ساحراً، ولا دجالاً، ولا مشعوذاً..
قلت إنك.. تمتمت، بلهجة أقل اضطراباً.. لا عليك، دعني قليلاً وسوف أعيد ترتيب مشاعري، رهبة الموقف، ولأول مرة، أجد نفسي أمام رجل كهذا وبهذه القامة المهيبة، فلا بد أن أكون مرتبكاً.. ثم وأنت تربت على ظهر صاحبك، هون عليك، وسوف أستعيد طاقتي، وأوجه الأسئلة إليه تباعاً.. زم صاحبك شفتيه، ملتزماً الصمت.
أخذ صاحبك كأس الشاي قائلاً: من يد لا نعدمها..
وأخذت أنت كأسك، شاكراً فضل الشيخ..
يتربع الشيخ بجوارك، وابتسامة مشرقة تتراقص بين شفتيه..
قلت: شعرت بالارتياح، ربما من سخونة الشاي، أو من الابتسامة، المهم، أنك شعرت بشيء من ارتخاء الأعصاب، وأمسكت الكأس الكبير بيديك، وعيناك تشخصان في وجه الشيخ، قلت في نفسك متحدياً، هذه المرة لن أدعه ينتصر عليّ، لن أتركه يشيع الفزع في نفسي، ويبدو أنه رجل وديع، بوداعة الكائنات النبيلة الوادعة.. لا بد أنه بدا لي كذلك متوحشاً أول الأمر، أو أنني أنا الذي تصورته هكذا، بينما هو على غير ما تخيلت..
قال صاحبك وهو يثبت كأس الشاي قريباً منه: قلت لي إنك تعرف الكثير عن أم الدويس، وسبق أن أعطيتني موجزاً عن كنهها، وفيروز جاء ليعرف من هي أم الدويس، لأنه في واقع الأمر يريد أن يكتب بحثاً علمياً عن قصتها..
الشيخ ضاوي، تتغير سحنته، وتلمع عيناه، ببريق، على أثره اغرورقت عيناه، وهو ينظر إلى السقف، فقد تحول من النظر إلى الرفيقين، لينظر إلى سقف الغرفة.. قلت: لقد شممت رائحة تاريخ، وحكاية قديمة قدم الزمان، وعلى الرغم من إحساسك ببقايا الارتباك، إلا أنك شعرت برغبة جامحة، لسرد الشيخ، وكأنه كان في تلك اللحظات يستجمع مفردات ما سيقوله، أو أنه يريد أن يزرع هالة فخمة على حديثه كعادة كل من يملك معلومة، يجهلها الآخرون.. سررت جداً، من لباقته وفخامة لهجته، وسرعة بديهته، وهو يحاول أن يمهد للحديث عن أم الدويس.. وكان صديقك يترقب الموقف على الرغم من عدم اهتمامه بما سيقوله الشيخ لأنه لم يفكر قط في أن يعرف عن أم الدويس، بل عن كائنات أخرى تهمه كثيراً..
ينبري الشيخ ضاوي معتدا بنفسه، متباهياً بقدرته الفائقة على استدعاء معلوماته من مخزن الذاكرة، وأنت تستمع بإمعان، ورهافة حس، تشعر بأنه يسليك، ببلاغة لفظه وطلاقة لسانه وحسن ترتيب أفكاره، وبداهة تنظيم مشاعره، وهو ينسج خيوط الكلمات تباعاً، بإبرة الفكرة الحادة..
قال.. يا ولدي، قصة أم الدويس ليست حكاية تنفرد بها بلادنا، بل هي موروث إنساني، تعاقبت عليه شعوب وحضارات، وهي قصة لا تخلو من الغرابة العجائبية، والدهشة والخيال الجامح، ولأننا جزء من هذه الحضارات العريقة، وامتداد لها، وتقول الروايات إن أم الدويس امرأة.. ويدق بإصبعه قائلاً: انتبه إنها امرأة، جبارة، ماكرة، مخادعة، ذكية وعدوانية، شرسة، لم تتخصص في إرهاب الأطفال كما هو شائع، بل كانت يدها العملاقة تمتد لتطال الرجال والنساء.. ثم يضيف الشيخ ضاوي، وهو يعتدل في جلسته منسجماً مع حمية القصة الرهيبة قائلاً: تقول الروايات، إن كورونوس، وهو اسم قديم لحضارات قديمة، ابن لملك الجن أورانوس، وكانت زوجة أورانوس غايا امرأة عنيدة، عنيفة، أنجبت لأورانوس، خمسين من الأبناء الذكور، جاءوا مشوهين بعاهات مزرية، وقد لعن أورانوس هذه الولادة البغيضة، فأراد أن ينتقم من زوجته غايا، فاسترق الوقت، وأخذ الأبناء المشوهين ليدفنهم في حفرة عميقة ويتخلص منهم، بيد أن غايا استنكفت فعل الزوج، ووجدت في سلوكه ما يشين، ويجحد أبسط معاني الأبوة، فاستطاعت بذكاء الأنثى أن تحبط هذه المؤامرة الكونية، فأخفت عن الزوج أحد الأبناء، والذي هو كورونوس وربته على كره والده، ولما كبر الابن، أوغرت صدره بالحقد على أبيه، وفكرت في خطة جهنمية مفادها، أن تنصب كميناً للزوج، وتهدي الابن منجلاً.. يرفع ضاوي حاجبيه، انظر ماذا فعلت، أهدت كرونوس الابن منجلاً، وطلبت منه أن يهوي على رأس أبيه بهذا السلاح الفتاك ليتخلص منه، وينقذ إخوانه الذين أقصاهم والده.. لكن، الابن لقلة خبرته في القتال لم يستطع أن يقضي على أبيه، بضربة المنجل، فظل أورانوس ينزف، وهو يهدد ويتوعد بالثأر من الزوجة والابن، لأنه فهم أن المؤامرة مدبرة من قبل غايا زوجته، فما كان للزوجة من وسيلة، كي تنجو من ثأر الزوج، إلا لتأخذ المنجل، وتذهب إلى المكان الذي ينطرح فيه الزوج جريحاً، وتهوي عليه بالمنجل بضربة قاضية، أنهت حياة رجل حافلة بالجرائم.. ولما انتهت من المهمة، طالبها الابن بالمنجل ليحمي نفسه من الأعداء، الذين تضامنوا مع ملكهم أورانوس، لكن غايا أصرت على أن تحتفظ بالمنجل كونه السلاح الذي سيمكنها من معاقبة أي رجل يحاول أن يعتدي عليها، ومنذ ذلك التاريخ الضالع في جذور الجغرافيا، وهذه الجنية تتأبط منجلها، أو فأسها، كما نسميها نحن في بلادنا، وصدرها يفور عدوانية ضد الرجال، وهي لا تستثني النساء أيضاً، كونهن جزءاً من الأصلاب الرجولية.. ثم يحملق الشيخ ضاوي في وجهك، قائلاً: هل رأيت يا فيروز كم هي المرأة عدوانية وشرسة، إذا داهمها الخوف على مصيرها.. كان رفيقك ساهماً، شارداً، متوغلاً في وجه الشيخ ضاوي، الذي بدأ يتلون ويتشكل منفعلاً بأحداث القصة، وأنت يرتعد في داخلك كائن آخر غيرك أنت.. أنت تحاول أن ترتب أفكارك..
ثم تقول متسائلاً: وهل هذه قصة حقيقية يا شيخ؟
يهز رأسه، قائلاً: بالتأكيد.. ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً: أتعرف ماذا تعني أم الدويس؟ افهمها أنت كما شئت.. إنها الموت.. الموت المحقق الذي يغتال الأغبياء والضعفاء والذين يرفضون الحياة.. ثم يستطرد الشيخ ضاوي.. أورانوس يمثل في حقيقة الأمر الكائن الأناني، المتفرد، وأم الدويس، تتجلى في صورة القدرة فائقة العتمة، الماورائية الجبارة، تمثل الصراع الأزلي بين الحياة والموت، بين القوة والضعف، بين الحب والكراهية، قل بين المتناقضات بمجملها..
تبهت أنت، تتفرس في وجه الشيخ ضاوي، تتأمل حركات وجهه، وإسرافه في عض شفتيه وهو يهيل اللعنات على أي شكل من أشكال العدم.. ثم تقول: ولماذا المرأة بالذات؟
قال: لأنها الطرف الذي نال ما ناله من ظلم واضطهاد، على مدى التاريخ الإنساني.
تقول: وهل فعلاً أم الدويس تحمل منجلاً.. فأساً؟
يقول: أجل.. أجل، هذا شيء أكيد.
أرأيتها؟
نعم رأيتها.. ثم يتلمظ.. ويلوك لسانه في حلقه..
وكيف رأيت شكلها؟
امرأة عملاقة، تحمل ذراعاً أشبه بالمنجل العملاق..
وأين رأيتها؟
في مكان ما.. لا أستطيع أن أوضح أكثر من ذلك..
ولم لا؟
يقول: أخشى من الضرر..
ممن؟
من أم الدويس..
وهل هي تسمعنا الآن؟
يهمس بصوت خفيض.. أجل تسمعنا..
وهل هي تجوب الأمكنة ليلاً ونهاراً؟
الشيخ ضاوي.. يأخذ نفساً.. يعلو صدره وينخفض.. قائلاً بلهجة جادة: يا ولدي يا فيروز.. يجب أن تعرف أن علاقة أم الدويس ليست مرتبطة بالبشر، بل هي بالكواكب، والذي لم تعرفه أن ألد أعداء البشر هو كوكب زحل هذا هو رمز الكون والعالم، وهو المسيطر، والأسود وسبب النهاية، وهو الدمار والموت، وجالب الخراب، والباطش المستولي على الأرواح.. ثم يتوقف الشيخ ضاوي برهة، يسترد أنفاسه، ويستطرد قائلاً: زحل هو هذا الكائن المتوحش، قابض الأرواح الذي تنطلق منه أم الدويس..
تتقطع أنفاسك، وكأنك، جلبت حجراً ثقيلاً على صدرك بمسافة عشرة كيلومترات، تحاول أن ترتب مشاعرك المبعثرة، تحاول أن تستعيد ما قاله الشيخ ضاوي، تحاول أن تصدقه.. تحاول أن تكذبه.. تحاول أن تقف في منتصف الحيلتين، لكنك تقع في مستنقع بأسك، تتدهور في الوحل، تتهور، تفكر أن تصفعه، وتفر هارباً بجلدك الذي برد وتعجرف، تحاول أن تقبله على جبينه وتقول له، عافاك الله، لقد أفدتني.. تحاول أن تنهض، زاماً شفتيك، ولا تنطق بأي كلمة.. تتلفت، تنظر إلى صديقك الذي ذاب في المكان منبهراً، والابتسامة تطوف على وجهه، كحشرة ملونة بألوان الطيف..
الشيخ ضاوي، يمقت الصمت.. ينهض ليجلب الشاي..
يشرب صديقك.. وتشرب أنت، لتذيب مرارة حلقك، تدلق نصف الكأس في فمك، تحرقك السخونة، لكنك لا تبالي، تضيف النصف الآخر..



في البيت، وقد رفضت أن تمضي ليلتك في ضيافة الصديق، كما اتفق، كانت النجوم تتساقط على رأسك، وكنت تتوخى الحذر من تسليط زحل، لمنجله على عنقك.. كنت تضحك أحياناً من سذاجة الشيخ الذي ظن أنك طفل أراد أن يهدهد مشاعرك لتنام على فخذه مستريحاً، ثم تنتفض مسترجعاً الحديث عن المرأة الجبارة المخادعة، تذكرت نيران، الفتاة الصحراوية، التي نبتت على الرمل فجأة، ثم ذابت مع أعشاب الكثبان، وتختفي إلى الأبد.. داهمك المساء، وكنت تنوي الذهاب إلى الصحراء، وتبحث عن نيران، تبحث عن المرأة الجبارة، لتسطو على جسدها في لحظة انهيارها، ثم تعود أدراجك، لتخيب ظن الشيخ ضاوي، الذي تمثل شخصية أم الدويس، كعملاق، ختار، مكار، جبار، مخادع، ومجرم فتاك.. تخيلت المرأة الأجنبية التي تمر في كل يوم بجوار نافذتك، تخيلتها وهي تهوي على رأسك بقضيب حديدي، وتجعلك تنزف إلى أن تموت وحيداً في غرفتك المعزولة.. تخيلت الموت.. قلت: الموت.. هل هو أنثى؟ هو أيضاً يقبض الأرواح، ويحيل البشر إلى العدم، الموت، يجعل الأشياء تذهب إلى اللاشيء، الموت يبكي، ويحزن، ويعذب.. قلت: قم يا فيروز، وأحكم إقفال باب غرفتك، ففي الصباح رباح.. ثم، أطرقت قائلاً: وإلى أين ستذهب؟ الموت في كل مكان، والشيخ ضاوي أكد، بيقين العارف، أن زحل، قابض الأرواح، وزحل يقف الآن فوق رأسك.. لن تستطيع أن تهرب بعيداً فهو في كل مكان..



قلت يائساً: سأبحث عن ماذا الآن.. عن زحل.. عن أم الدويس.. عن المرأة.. أم عني أنا.. أنا لا شيء في حضور امرأة، تحتفظ بمنجل ورغبة جامحة في القتل..
تقول إنك تخاف منها، لكنك ترغب في أن تراها، تقول إنك تشعر وكأنك ذاهب إلى الجحيم، لكنك تتمنى أن تراها، لتملأ عينيك، بزهو التفاصيل، الفخمة.. ماذا لو أطلت عليك الآن، من بين كثبان الرمل، ورمقتك بعينين لامعتين، وقالت لك: هيت لك..
تقول إن بدنك بدأ يسح بالعرق الغزير، وإن قلبك صار مضغة منبجسة جراء الحرقة الداخلية.. تحاول أن تكذب كل ما رواه الشيخ ضاوي حتى لا يثبت مقولتك إن المرأة كائن فظ غليظ القلب مهما تحايل على مشاعر الرجل، وأفصح عن مكنون هو غير جبلته.. تذهب بعيداً والصحراء الغارقة بتاريخها المجيد تطويك كطي السجل، تأخذك بين أحضانها، تضمك، وأنت طفل، روعته الثقافة، خذلته المرأة، طعنته الجهات المتوحشة.. صديقك أبو سيف، لم يبالِ بما قاله الشيخ ضاوي، قال لك جملة واحدة، لم تزل تطن في أذنيك.. دعك منه.. ولا تدري لماذا إذاً ساقك إلى مأواه؟ ولماذا وصفه في البداية بالكاهن؟ وبعد سماع حديثه عن أم الدويس، استحال إلى مناهض، أهو أيضاً خائف لكنه يريد أن يدس خوفه في حزمة كلمات غامضة.. أم أنه أصبح لا ملاذ له غير جسد المرأة، فلا يستطيع أن ينفر منه، أو يستعديه ضده؟.. تحتار أنت، تفتح علبة السيجارة التي خبأتها في جيبك، ثم تستل صلباً وتشعله.. تدخن بشراهة، وتنفخ الدخان، في فم الصحراء المفغور، وتتأوه.. الوقت لم يزل مضاء بالأشرطة الذهبية، المنبثقة من قرص الشمس، المستدير عند الغسق، أصفر لامع، يميل إلى البرودة شيئاً ما. قلت متذمراً: تحدث عن زحل، وربطه بالموت ولم يقل شيئاً عن الشمس.. كم من البشر دفنوا هنا تحت هذه الرمال، لأن الشمس امتصت الماء الذي يشربونه، ويسقون منه الزرع، ويروون به ركابهم.. لم يفه بكلمة عن الشمس، ويبدو أنه من أبناء زحل.. تضحك بمرارة، ثم تطرق: أليست هذه حكاية غرائبية.. يتحدثون عن زحل الذي لا يرونه ويشيحون عن الشمس؟
تمضي.. تتوغل في الرمل، القرص الأحمر، يذبل، يتهاوى شيئاً فشيئاً، يتوارى خلف حجب الكون.. وأنت لا تضيء طريقك سوى بعض أنوار البيوت السفلية المضاءة، بالجنريترات الخاصة.. تكتسب الصحراء وقاراً مسائياً، وأنت على يقين أن الفتاة التي تبحث عنها لن تجدها، وربما جئت في هذا الوقت بدافع باطني.. اللاشعور يحفزك على عدم الالتقاء بها، يخوفك من المرأة، يهز جذعك بعنف وأنت تقترب من منازل المخيمين صيفاً.. تسمع أصواتاً وضحكاً، وصراخاً، وأغاني في بعض الأفنية.. يشدك نشيد قديم إلى الأغاني الشعبية، تتوقف، وتنصت، لكن عينيك تبحلقان في العراء، ربما تبزغ نيران من بين أكفان هذه البيوت المتلفعة بالجريد وجذوع النخل.. عند منحدر رملي تسمع صراخ شبان، غطست مركبتهم في بحر من الرمل، زئير سيارة الفورويل، وهي تحاول أن تنتشل أقدامها من الرمل الذي غطست في أحشائه، وكذلك الدخان، والغبار، سحابة في فضاء متوحش، تسير بالجوار ولا تقترب، أنت تقول، إنك حريص على عدم الاقتراب من الشباب في هذه الأماكن، وبخاصة وقت المساء، أغلبهم يكون قد عبأ رأسه بالخمر وتاه في الصحراء بحثاً عن نقاهة، صرت الآن في مواجهة المركبة، صرت بعيداً قليلاً لكن تسمع الأصوات، وتختلس بمسمعيك أيضاً ضجيج نساء، إذاً الشبان بصحبة نساء، فقد يكن من أقاربهن وقد لا يكن.. الليل هذا، مجمع ثقافات، كما أنه وعاء تختلط فيه الأجساد، والأمزجة.. ابتعدت قليلاً، سمعت صوتاً يناديك.. صوتاً يريد المساعدة، سمعت في الصوت لون استغاثة، لكنك صممت على عدم الانصياع لضميرك الذي هش لإنقاذ مأزومين.. قلت يبدو أنهم في حاجة حقاً إلى المساعدة، لكنك تزم شفتيك، قائلاً: وما شأني أنا بهم.. دعهم يعانوا قليلاً، كما يعاني الآن الفقراء في هذا البلد، الذين يشقون، ويكدون ويكدحون، ويحفرون الصخر من أجل لقمة العيش.. المترفون يجب أن يشعروا بقيمة التعب..
تقول إنك وقفت على تلة.. ربوة رملية، محاطة بشريط من الأعشاب الشائكة، والظلام قد يخفي حشرات ودواب، والأفاعي السامة، هي المستوطنة هنا منذ الأزل.. كثيرون ذهبوا ضحايا هذه الوحوش، القاتلة، الحطابون، والمزارعون، والسقاؤون.. على الرغم من أن ضجيج المركبات الهادرة طرد الكثير من هذه الحشرات، إلا أن الأمر لا يخلو من بعضها المتربص بالضحايا بين هذه الأعشاب..
رميت بدنك على الرمل، المغسول بالندى، بعيداً عن التلة قليلاً عند المنحدر، ألقيت بأشواقك، مختلطة بأحزانك، ممزوجة بدهشتك، صرت تبحث عن الفكرة الضائعة، صرت تفتش عن زحل بين النجوم.. قلت لنفسك: أنا مجنون.. زحل، أي زحل، ليس هو إلا في رؤوس الذين يختبئون في عباءة أم الدويس.. بعد برهة، سمعت خشخشة بين الأعشاب القريبة، فرت عيناك، من محجريهما، انتفضت، جلست، ثم استقمت، قلت.. يجب أن أغادر المكان، حذراً، يبدو أن حشرة ما تكمن هنا.. تمشيت الهوينى، سرت بعيداً، بعد فترة، لمحت حيواناً صغيراً يهرول، في اتجاه المنحدر، بعيداً عن مكانك، تفحصته، تمليت شكله، فهمت.. قلت هذا ثعلب.. كيف جاء إلى هنا هذا الماكر المخادع.. الثعلب يجري بسرعة فائقة ثم يقع.. ظننت أنه يخدعك، تقدمت نحوه، وقفت قريباً منه، ركلته بقدمك، فلا حراك.. قلت.. يبدو أنه أصيب بلدغة.. قلت الحمد لله الذي فكرت في الابتعاد عن مكان العشب.. هذه لدغة أفعى مميتة.. لم تمر دقائق، على ارتطامه على الأرض، حتى انتفخ الثعلب، وذهب مع الريح.. قلت: مسكين، الثعلب غدار، لكنه يجد من يغدر به، ويلقيه صريعاً، ثم تطرق: إلا أم الدويس، فلا أحد يستطيع أن يفتك بها.. إذاً فهي إله، كما يقول الشيخ ضاوي. هي إله الموت في جميع الثقافات، منجلها يعني الحصاد، والانتهاء من الأشياء ساعة البطش..
الليل، مسامر، مقامر، مهاجر في معصية النور، لكنه خير دليل على صدى الهمسات، عندما تختلس جنحه، فتطير مع النسيم المبلل بقطرات السماء.. يصون الليل، شرف الناعسات الفارعات اليافعات المترفات، بمجون الأحلام الصبية، تقول إنك كنت وادعاً في مشيتك، متلاطفاً مع الشعاب الرملية الطبيعية، فإذا بك تسمع ضحكة، اخترقت شغاف القلب، توجست، بهت، كيف لهن، تسللن بين ما يعرشون، ويطفن الأمكنة كأنهن الفراشات التائهة.. كيف أودعن الخشب المسند بين الجريد المسقوف، وجئن إلى المنحدر.. انحدرن، بكعوبهن العالية، يخفقن، بصدور كواعب، ويهززن أردافاً ممتلئة بالفخر والاعتزاز.. تنحيت وأنت تمر بالقرب من عطرهن الأخاذ، تحريت الأنفاس، المشتاقة إلى رائحة التراب، تمليت العيون الملتصقة من خلف حجب السواد، اللعين، والمحتال على ثقافة البؤس.. كانت اللفتات، الملهمة، تجري في الدم جريان الشلال، في أحشاء وادٍ مقفر..
خففت من وطء قدميك، ولكن قلبك الذي هبط من علو مجده تخبط كثيراً، وأنت ما بين النزعة إلى اللحاق بركب السائرين، ورغبة التلحف بملاءة الليل، والتعوذ من رغبة الشيطان.. أنت ما بين البين، أنت في وسط الشلال المتدفق بين الشرايين والأوردة.. أنت تسمع بإنصات إلى زمجرة الداخل، الممتعض من الهرولة، الممتقع من هول المفاجأة.. نساء في هذه الساعة من العتمة، أين هن ذاهبات؟ لا تدري ولكن قلبك حدثك عن سر.. أن المرأة المتشحة بالسواد، المشنشلة بالجواهر، المعبقة بالعطر الساحر.. امرأة مكافحة من أجل المصير.. مصير أنثاها النائمة تحت جلدها، اللابدة بين الشريان والوريد.. قلت هل أتبعهن، وأجازف؟ فتلك مراهقة رعناء.. أم أمضي في طريقي بسلام؟
سيخبرك صديقك بالنبأ اليقين.. ويقول هازئاً بجفولك.. يا لك من رعديد جبان.. كيف لم تلبّ واجب الوطن؟
ستقول: وما علاقة الوطن.. بنساء، طارئات..
يقول: هن بنات الوطن.. خرجن للاطلاع على آخر مستجدات الطريق، وللأسف فإنهن قابلن مصدراً من مصادر البلادة، واليأس..
ستضحك، مستخفاً بعباراته الركيكة.. لكنك، سوف تفتح مصراع الباب الداخلي ستشعر بأنك متخاذل إلى أبعد الحدود.. الرديف الداخلي، سيؤنبك، ويوجه إليك إصبع الاتهام، بأنك شخص غير مرغوب فيه، في المكان الذي مررت به.. ستقول لماذا؟
سيقول لك، لأنك، حشوت الفؤاد بحزمة، من الأزمات الداخلية، حين اقشعر بدنك لمجرد أن صادفت نساء، كن يتوخين منك اللطف بالقوارير..
تضحك ساخراً.. لا تدري ممن تسخر.. من نفسك.. من صديقك.. أم من هذا المتوهم الداخلي، الذي بدأ يزلزل كيانك، ويجلجل مصرحاً بأنك بالفعل كائن جبان.. تقول.. جبان.. ثم تضرب الأرض بقدمك، وتنهزم من المكان، ناقماً، محتدماً، متورماً، متأزماً.. وفي الطريق، تبحث عن مركبة تقلك، تسأل عن خيرين يأخذونك إلى مأواك الأمين..
تقف على الرصيف متحاذراً من التائهات في حماقة.. يطير بدنك مع الهواء المنسحب بسرعة فائقة إثر مرور هذه الصواريخ الأرضية.. يتوقف شاب، يقول: لن تجد سيارة أجرة في هذا الوقت من الليل.. تفضل لأصحبك إلى حيث تريد..
شكراً.. تقول شكراً، وتلبد على الكرسي الأمامي، بجوار السائق، كتلميذ مهذب، لم تنبس بكلمة.. وكان يرمقك بنظرات خاطفة، ثم يحلق في الطريق..
نزلت وشكرته ثانية، وودعته بابتسامة حنونة، وغادر هو ممتناً..
أيقنت أنك عدت بخفي حنين..



شهر أغسطس ذروة الصيف، والحرارة في هذه البلاد تصل إلى الخمسين درجة مئوية.. بمعنى أنها حرارة تبلي الحديد فكيف بأجساد البشر.. قديماً كانوا عندما يصاب شخص بضربة الشمس، يقال إنه أصيب بمس.. أي أنه صفعه جني. ضحايا كثر ذهبوا جراء اضطهاد الطبيعة وظلم الناس للناس.. البيدار هذا خادم النخل، والمعني بشؤونها بدلاً من صاحبها، الذي يقف كالمتفرج، مقابل مبلغ زهيد من المال، وأحياناً لا شيء يأخذه هذا البيدار سوى ما يملأ بطنه من التمر وخشاش الأرض الذي يطعم به ماشيته قليلة العدد..
اليوم تغيرت الحال، البيدار سكن البيوت المكيفة، وصاحب النخل عافها، لتصير إلى إعجاز خاوية، تنحني جذوعها منتحية شاكية إلى الأرض، التي هي أيضاً فقدت نصيبها من الماء الذي ترطب به طينها..
كل شيء يبدو يابساً، أعجف، ولو زرت إحدى المزارع، ستظن أن حرباً طاحنة دارت رحاها على هذه الأرض، فخلفت الخراب والدمار، وعبوس البساتين التي كانت..
مررت عند شارع خال من المارة والسيارات ولا أحد غير عمال يسدون الطريق، ويعكفون على الحفر بالمناجل وقضبان الحديد، إيذاناً لرصف شارع، ضمن شبكة من الطرق، المزمع إنشاؤها.. تطور مذهل تشهده البلاد، وحشود من العمال الآسيويين، يتقاطرون على المكان، وشركات كبرى عالمية ومحلية، تنسج خيوطاً من العمل اليومي الدؤوب..
تقول.. أذهلك منظر وجوه العمال السابحة بالعرق، تحت جحيم ناري، يصلب أجسادهم السمراء الناحلة، وقفت تتأمل، وتتفرس في المشهد الجنائزي، الذي يعيشه البشر هنا، عصر من العصور الوسطى، يمارس في القرن الواحد والعشرين.. تُلِفتَ في داخلك.. هذه هي الرأسمالية المتوحشة، تأكل أجساد البشر، وتكوي قلوبهم، بالضئيل من المقابل المادي الذي لا يساوي شهقة عامل، ساعة الإنهاك..
انبجس قلبك وأنت ترقب الرجال المنهمكين المنهكين في مقارعة حمى الوقت بسواعد تورمت عروقها من سطوة التعب، لمست شيئاً من العار الذي ترتكبه الإنسانية عندما يموء وجدان بشر، تحت لظى الموت البطيء، بينما يختال آخرون مبتهجين بالسعادة الكونية التي نزلت على رؤوسهم، إثر بزوغ فجر النفط.. قلت في نفسك.. أتخيل هذا الزيت الأسود كذراع أم الدويس، العملاقة التي تهوي على الرؤوس، فتهشم عظامها.. غضب بشري، يقع على كاهل بشر آخرين.. ولكن الحياة يجب أن تستمر.. لا بد أن يموت أحد ليحيا أحد.. هذه سخرية من سخريات القدر، حينما يلهج الناس وراء النمو الحضاري، على حساب أرواح آخرين، تزهق، تحاول أن تأخذ مكاناً في الظل، لتحمي عظام رأسك من السياط اللاهبة، تحاول أن تكون بعيداً عن السعير.. قلت: ما الذي دفعني لأن أغادر البيت، وألتقط هذه النيران على قلبي.. أشعر بالموت وأنا أشاهد هذه النفايات البشرية تجمع هنا لتكون قرباناً لمن يريدون أن يسيروا بعجلات سياراتهم من دون ضجيج أو خضات توتر بطونهم المليئة بغازات الأكلات البروتينية.. قلت: لماذا لا أعود أدراجي إلى بيتي وأكتفي باتصال هاتفي أخبر أبا سيف بتغيير موعد اللقاء، كوني لا أستطيع الذهاب إليه اليوم؟ ولما عدت إلى منزلك، هاتفت صديقك، ولم تجده، أو بالأحرى أنه لم يرد..
قلت: لا بد أنه أمضى ليلته في أحضان إحدى فتياته، وأخذته نومة صباحية مفعمة برائحة جسد أنثوي رائع..
لبثت في مكانك، وصورة العمال الآسيويين تشاغب مخيلتك، فكرت ملياً، قلت: ما الذي يجعل الإنسان يمعن في طلب الاسترخاء، في الوقت نفسه الذي يقوم بإجبار آخر ليقوم بالمهمة نيابة عنه.. لأن الظاهرة أصبحت عامة، ولم تقتصر على قلة من البشر.. مجتمع بأكمله يتثاءب نهاراً، ويسهر ليلاً، في أوعية الملذات والشقاء الجسدي المجنون..
تخيلت صديقك، المدون ضمن قائمة الذين انبهروا بالحضارة، لكنه اتخذ زاوية قصية من الناس، وتنحى عن مزاولة المجالس، دافئاً بعزلته ليمحو كل ما تأخر وما تقدم من ذنوب الحراك الإنساني المشين.. قال لك ذات مرة: أنا نفضت يدي من الناس، ولم أعد أثق بالأصدقاء، واخترت لنفسي منهجاً جديداً.. ولما سألته عن منهجه.. قال: أمارس لذتي في العزلة، وبين أفخاذ العاريات الكاسيات.. ثم أكد لك.. قائلاً: المرأة السخية هي الحسنة الوحيدة، في هذا العالم، وكل ما عدا ذلك، فهو هراء.. لا تصدق ما يقولون.. وسخر من بحوثك، وقال: إن كل ما تفعله مجرد، لعب في الوقت الضائع، العالم ذاهب إلى زوال، طالما انحشر الجميع في فوضى، إما السياسات الخربة، أو الخرافات المتعجرفة.. تذمرت من لهجته الفظة، مقته، وأوغرت صدرك بسخرية لاذعة تجاهه، لكنك لم تستطع بغضه، لأنه صديق العمر، وتعرف عن نقاء طويته، وأنه ما فعل ذلك، إلا لأنه عجز عن إيجاد الحلول، للاندماج في محيط الناس..
تقول: طامة كبرى أن ييأس الإنسان.. ولا تشك أن صاحبك يعاني من أيام عصيبة على الرغم من تظاهره باللامبالاة.. قلت: عدم مسايرة الناس لا يعني الولوج في معمعة السلوكيات المستهترة.. ما يفعله أبو سيف ضرب من ضروب الانتحار.. والانتحار هزيمة، والهزيمة دلالة على الهشاشة والضعف..
الإحساس بالهزيمة هو خرافة أيضاً.. أبو سيف، يحاول أن يداوي الداء بالداء، والأمرّ من ذلك أنه يمارس الجنس ليس كفضيلة فلسفية المراد منها تطهير الروح من الاحتقان، وإنما يمارس هذه العادة كتعويض عن نقص..
الجنس الذي يمارسه ليس عفوياً، ولا فطرياً، إنما هو توغل مقيت في الهروب واستئناف الاضطهاد الذي ينتقده بطرق ملتوية.. حينما تحول المرأة إلى آلة تفريغ للشهوة، فهذا في حد ذاته إمعان في الاستغلال.. ماسة لم تحبه لذاته، بقدر ما تقوم بمسعى غير بريء لكسب المادة..



تذهب نحو الشاطئ، عند صخرة مسطحة، وقفت في البعيد تلمح المباني الكبيرة، قلت بلهجة محايدة.. ربما كان الخرافيون على حق، عندما انسحبوا إلى ذواتهم، وذهبوا بعيداً في معتقداتهم، لأنهم لم يروا شيئاً مجسداً غير أم الدويس التي تقصف الأرواح، وتبيد تاريخ البشر بضربات منجلها.. وتذهب أنت بعيداً، إذ تقول: ماذا سيطعم العمال الأجانب لولا أنهم ما جاءوا إلى هنا، ورضوا بالأمر الواقع.. إذا القضية تمر ضمن حلقة مستديرة، لا ينقطع وصالها إلا بتوقف حركة الكون.. تمرغت الفكرة في رأسك وأنت تحوم حول ما يدور في هذا الرأس، تشعر بأنك أيضاً تحوم في حلقة مفرغة.. تجتهد.. تجهد نفسك لكي تلقي حجراً في المياه الآسنة.. البحر الآن ساكن، لكن نفسك تقرر بمعطيات لا يبدو لك أن لها نهاية.. تبحث في قائمة الأسماء، في هاتفك، تريد أن تتصل بأصدقاء الماضي، قوة رهيبة تستيقظ داخلك، توقظك، تنبهك، بأن الزمن دار دورة سريعة، وأخفى أسماء، وأطل بأسماء، وأسماء أخرى لم تزل تتموضع عند حافة الذاكرة، لكنها لا تتذكرك.. كنت أنت الذي بادرت بالانفصال، وانشغلت في البحث وتحري الحقيقة، حقيقة من؟ لا تدري، حقيقة نفسك الضائعة في خزائن التاريخ الهارب من جلده، أم حقيقة أم الدويس، التي لم تزل مجرد أحفورة في الذاكرة، تقول: لا شك في أن الناس الآن نسوا شيئاً اسمه أم الدويس، والأضواء الكاشفة أذابت الكثير من الطلاسم، ولكن هل تذيب هذه الأضواء الصدأ أيضاً.. في النفوس صدأ، وفي النفوس شوائب تتطور أشكالها، لكن مضمونها يبقى متشبثاً في الباطن إلى أجل غير مسمى.. تقول: يا ترى من يسمي الأشياء بأسمائها؟ لا أحد.. لأن كل واحد يريد أن يهرب، كل واحد يريد أن يتغير. الجلابيب التي كانت رمادية بفعل القذارة، أصبحت الآن بيضاء ناصعة، المخاط الذي كان يسيل كالصديد من فتحات الأنف، اختفى الآن.. أشياء كثيرة رديئة تلاشت.. أشياء كثيرة قميئة اضمحلت، لكن هل تلون الكون بالجمال الكلي..؟
تقول: ما الجمال الكلي.. أهو أن يضع الناس جمهوريتهم المثالية على أعقاب ماضٍ ملوث.. تهز رأسك.. تقول ممتعضاً لا.. الأشياء هنا لم تتغير هكذا. أنا مثلاً.. أعد نفسي مثقفاً.. أليس كذلك؟ تقول: نعم.. لكن هذه الثقافة، التي اكتسبتها بفعل القراءة والبحث، لم تزل بعد، مسجونة بين أنقاض الشك.. ثم ترفع حاجبيك.. تقول: آه.. الشك هذا العملاق العظيم الذي لم أستطع أن أهزمه.. كما لم يهزم غيري أم الدويس.. ولكن.. تقول، في حيرة: لو هيئ لي وهزمت الشك.. ماذا سأكون بعد ذلك؟ هل معنى هذا أنني سأكون أمسكت بزمام الحقيقة.. وما هي الحقيقة.. إنها الوهم، الذي نلهث خلفه ولا نجده.. إذن هو الشك.. إذن هو أم الدويس.. تدخن.. تشعل سيجارتك، وتنفث الدخام بكثافة، تزفر نفساً ساخناً، وتنظر إلى البحر.. البحر الذي يطوق اليابسة، البحر الذي يمارس وعياً جنسياً فظيعاً عندما تزمجر موجاته حافرة جوف الأرض برعونة الشباب اليافع، لكنه الآن يستريح، ويبدو أنه يمارس الاستدراج، من أجل صولات جديدة، تدفن العقب في الرمل المبلل، تدفن الفكرة، تنهض، تقول: يجب أن أعود إلى البيت، بدأت الشمس، تخنع للذبول، وصار الشفق الأحمر، كخد أنثى خجلى، وانعكاسه يراوغ الماء، ويسجي لوناً تاريخياً مهيباً، على الفضاء.. الفضاء يطارد طيوره، العائدة إلى أعشاشها، تقول: الأشياء عندما يقفل الوقت ساعته، تعود عودة مباركة بالانتصارات وأخرى مخيبة بالهزائم.. لا بد أن يكون طوال هذا النهار، أن دارت معارك بين الطير والطير، وبين الطير وطرائده.. والكل يهم بالظفر على الكل.. وفي النهاية، تبقى الأزمنة تتوالى، والقاسم المشترك أحلام لا تتحقق..



من جديد تحرى أبو سيف نظرات الفتاة المتمددة بجواره.. كانت شبه عارية إلا من حمالة الصدر وسروال قصير شفاف.. قال في نفسه: أحب أن أكون وحيداً مع أنثى تستسلم بكل ضراعة، وتسلم جسدها لي من دون تمنع.. والشمس تشرق في الخارج، وتتلصص من خلال زجاج النافذة، ثم تمد لساناً خافتاً من النور تسقط على جسد عذاب.. عذاب أشبه بالنائمة وهي تسبل جفنين ذابلين، مخدرين، تحت توهج لمسات الأصابع التي تمر على التفاصيل وكأنها تعيد خارطة الجسد من جديد..
قال في سره: أبداً لن أكون السبب في خسارتك..
تقولين إنك خسرت جل مدخراتك، في غرفة الفندق، عندما هرعت للرد على المكالمة، في الطابق الأرضي، وتركت باب الغرفة مشرعاً..
قال: وماذا سنفعل إزاء هذه الكارثة؟
مرر أبو سيف أنامله على جيدها.. قائلاً: لا تجزعي، كل شيء معوض..
قالت: كيف؟.. إن ما فقدته يوازي مبلغاً كبيراً..
قال: كم..؟
قالت: لا أدري بالضبط.. لكنه.. يساوي شقاء العمر.
قال في لهجة بارعة: عمرك الأبقى..
قالت: وما فائدة العمر من دون مال..
قال.. لا تقنطي.. سأعوضك كل ما فقدته..
انبجس قلبها.. ورفعت رأسها، مسندة جزءها العلوي على زند أبي سيف..
أصحيح ما تقول؟
قال وهو يهز رأسه: أنا لا أخذل أحداً..
قالت بابتسامة غانجة: كل أحد..
قال: لا.. فقط المخلصين..
قالت: وهل ستجدني مخلصة..
قال: بلى، ولكنك قلقة إلى حد ما..
قالت: ولم لا أقلق.. أتعرف أن هذا الذي فقدته، هو اللقمة التي ستعتاش منها أسرة بكاملها..
حدق في وجهها.. تغرس في الجسد الحار، فكر في من يفكرون في أسرهم، فقال في سره: ما هذه الخدعة البصرية التي يسمونها أسرة.. إنها أكذوبة.. خرافة.. الحرية أجمل من كل الأساطير الأسرية.. ثم أردف.. أأنت متزوجة؟
قالت: كنت.
والآن.. ليس لي غير هذا الجسد، يحملني كالقارب إلى بلاد العالم، لأجلب من خلاله ما يجعل أسرتي تعيش بلا معاناة..
قال مازحاً: جسدك هذا ليس قارباً، بل أيقونة الزمان، والمكان.. ثم يستطرد.. أنت يا عذابي، تملكين ما لا يملكه ملوك وأباطرة..
قالت متسائلة: ماذا تقصد..؟
مشيراً إليها: هذا الجسد.. لديك ثروة هائلة تستحق التقدير..
قالت يائسة: ثروة بائرة..
قال مندهشاً: كيف..؟
قالت: عندما لا تعلي الثروة شأن صاحبها، فإنها أشبه بالنقمة..
قال: كيف..؟
قالت: جسدي هذا الذي تعتقد أنه كنز، تداوله زوج جاحد، خانني بعد مضي سنة من زواجنا، وبعد أن انتقم من جسدي، وجدتني في الشارع، أبحث عن الحقيقة الضائعة..
يرفع حاجبيه.. الحقيقة الضائعة؟!
قالت: أجل الحقيقة الضائعة.. ألا تعرفها..
قال.. في قنوط: لا..
قالت: الحقيقة الضائعة يا سيدي، هي المرأة في حد ذاتها..
قال في سذاجة: المرأة نصف المجتمع..
أجابت في فتور يبطن غيظاً: نصف المجتمع عندما يمور تحت سوط العهر، فإنه أمر مقرف، ومسيء إلى الإنسانية..
بهت أبو سيف.. كيف تصفين نفسك بالعاهرة..
قالت محتجة: أنا.. وأنت.. وهم، الجميع لا يصفونني إلا بالعاهرة..
أومأ بيده، قائلاً: لا.. لا، لا تفكري في الأمر بهذه النفسية المحبطة..
لست أنا المحبطة، بل جل نساء العالم محبطات..
لماذا..؟
قالت: لأنهن مضطهدات..
ومن اضطهدهن..؟
أنت وهو...
شعر أبو سيف بتأنيب ضميره.. انتابه شعور بالخزى، وهو مستلقٍ عارٍ بجوار امرأة محبطة، وأطرق قائلاً: ألا تمارسين الحب بطواعية وعن رغبة..
قالت وهي تأخذ نفساً عميقاً: لا توجد امرأة في الكون تقدم جسدها لأكثر من رجل، عن رغبة وحب.. إنما دوافع أخرى، ترغمها على فعل ذلك..
تصهد الرجل، ذابت كل خيالاته التي نصبها قبل سماعه هذه الكلمات السامة، ذبل جسده، وخابت مساعيه النفسية في استنهاض القوة السحرية، لجأ إلى السيجارة، دخن بنهم، وعفر فمه بالدخان، وملأ صدره بغبار ما يقذفه عقب السيجارة من ثاني أكسيد الكربون، وتمنى أن يعاقب نفسه أكثر، إذ أوقع نفسه في شرك امرأة يائسة، حانقة.. فكر أن يرفسها بقدمه لتقع عن السرير مضرجة بدمائها.. فعلاً انتابه شعور بأن هذه المرأة لم تأتِ للمؤانسة، وإنما جاءت لتكيل له الضربات القاسية.. أحس بأنها العقاب الذي حل به جراء عدم اختياره للمرأة التي تنحاز لشهوته، أكثر مما تنفر منه، لتؤكد أحقيتها في الوجود..
لكنه أيضاً، وجد من الضروري أن يلملم شتاتها، وأن يحاول بقدر الإمكان طمأنتها بأنه لا يريد من جسدها شيئاً إذا لم تكن راغبة..
قال لها بحنكة المجرب، وبلهجة هادئة.. عليك أن تطمئني أنني لم أصطحبك إلى هنا من أجل الاستمتاع بجسدك.. إنما لأنني أعزل، فأحب مؤانسة أنثى تشاطرني لغة الحوار الدافئ..
نظرت إليه بشيء من الريبة.. قالت بلهجة مكسورة: أرجو المعذرة.. يبدو أنني تجاوزت الحدود.. حدود العلاقة بين رجل وامرأة، لم يسبق لهما معرفة بعضهما بعضاً.. مدت يدها تمسح على صدره الكث.. سامحني..
أخذ نفساً عميقاً وقد نهشت الحيرة صدره.. وتجاذبته الأفكار، فكيف يمكن له أن يخرج من هذا اللقاء من دون خسائر، وخير ما يريحه من الفتاة التي تقع بجواره، ممارسة، هادئة بلا منغصات فلسفية..
قال بصوت مشروخ: لا تقلقي. كل ما تودي أن تحصلي عليه فهو ملبى ثم ينظر إلى عينيها اللامعتين، بشعاع أنثوي، رهيب.. سأعوضك كل ما فقدته من دون مقابل.. وأشعر بأن من واجبي أن أكون رجلاً لا يقايض امرأة من أجل الحصول على اللذة..
لبثت عذاب بين ذراعيه، لبدت كأرنبة تتوخى الدفء.. قالت في صوت متحشرج، اعذرني لم أقصد مضايقتك..
قال متشجعاً: لا بل أنا في أتم السعادة..
قفزت عذاب، هاجمت شفتيه بشراسة، بينما هو أسلم جسده بهدوء، غرقت عذاب، في مجون رغبة طالعة من أعماق جسدها، أعطته كل شيء، ولج فيها بذكورة يافعة، تهادى فوق جسدها، وارتمت هي كأفعى تتلوى شظفاً.. غابت الكلمات وذابت الفلسفات، وحمي وطيس الجسدين في غيبوبة الآمال المؤجلة.. شعر أبو سيف بأنه يخرج تواً من أحشاء أنثى ويصرخ، متوهجاً، وأحست عذاب بأنها من جديد تعيد ترتيب مشاعرها، وتخصب العالم بشهقة أنثوية، مدوية، تتفجر الأرض من تحتها، كما تنهمر فوق أبي سيف شلالات من الرغبات والأمنيات مفرغاً حثالاته النائمة في باطنه في جوف اللحظة الراهنة، كل شيء تحرك فجأة بعد مخاض عسير، كل شيء تنامى كالزهر في أرض صحراوية، حاول أن يقتص من بقايا العمر المأزوم، ولأول مرة يشعر بأنه يمارس الحب مع أنثى تتوارى تحت جسده، كنجمة تذوب في ريعان سطوع القمر، يهتدي أبو سيف إلى جل التضاريس الغائبة في المجهول، يتحرى ما اختفى من ضوء ساعة ما انبلج فجر وعي المرأة الغارقة في خصومات قديمة مع الذكور.. الآن يشعر بأنه تحدى طيشه، وتجاوز حدود ما أغمض عنه العينين، الآن فقط، بدأ يفكر في كلام صديقه فيروز.. قال في سره: صحيح أنه كائن يثبط الهمم، لكنه في الحقيقة قد يرى ما لم أكن أراه.. هذه المرأة أيقظت حساً غريباً في نفسي، ولما تمادت في صلبي على لوح التأنيب، علمت أن الممارسة البديهية ليست إلا ضرب من ضروب البؤس البشري..
نفضت عذاب جسدها، كهرة مشبعة، واستدارت ناحية أبي سيف قائلة..
أتصدق أنني لم أشعر بمكانة جسدي إلا الآن.. معك..
اغتبط الرجل، تنحنح، قال مسروراً: شكراً لك يا عذاب..
فتح محفظته.. قال، خذي ما يرضيك يا سيدتي..
قالت حبورة: لن آخذ شيئاً.. لا أريد شيئاً..
قال: لم..؟
قالت: لقد أخذت منك ما يقنعني..
قال: بل لن أدعك تغادري من هنا إلا لما أعرف لماذا ترفضين أن تأخذي المقابل، وقد أبلغتني لتوك أنك قد خسرت مالك..
قالت: المال يعوض.. ولكن المشاعر المهدرة لا مقابل لها..
قال: إذاً سأعطيك هدية.. أتقبلينها؟
قالت: في مرة تالية..



عندما دخلت غرفته، كانت النار متأججة في صدره، وعيناه تلمعان بشرر لم تره من قبل، في هذه الحال، شعرت بالخوف، خشيت من أنه قد أصيب بمرض، أو مس.. وجه أبي سيف، ليس وجهه المعتاد، فقد غابت البشاشة، وذابت الابتسامة تحت ركام هائل من الغضون.. للوهلة الأولى انبجس قلبك وظننت أنك دخلت في مكان غلط، وأن هذا الشخص الذي يبدو أمامك ليس هو صديقك.. شحوب واصفرار، اكتسح وجهه، وشفتاه مطبقتان على صمت رهيب، عندما ألقيت عليه التحية، رد باقتضاب وكأنه شخص لا يعرفك..
قلت مندهشاً، وبلهجة ملهوجة: ماذا دهاك يا صديقي؟
رد بلهجة مختزلة: لا شيء..
قلت: لا بل إنك تعاني من شيء ما.. قل لي ماذا دهاك؟
أومأ متململاً: لا شيء.. لا شيء..
جلست قبالته.. تفحصته.. تفرست في وجهه.. ثم أردفت مبتئساً: هذا المكان مكروه.. قلت لك إن ما تفعله بنفسك شيء من الجنون..
يلتفت ناحيتك، وعيناه تغرورقان بالدمع.. ثم يطرق: الآن عرفت الحقيقة.
قلت دهشاً: حقيقة؟ حقيقة ماذا؟
قال مرتبكاً وشفتاه ترتجفان: إنني كنت غائباً عن الوعي..
قلت: وهل نزل عليك الآن الوحي..
قال بلهجة جادة: بل الوعي الحقيقي..
قلت في لهوجة: نورني يا صديقي.. قل لي.. كيف سقط عليك الوعي فجأة..
قال محتدماً.. ليس فجأة، وإنما هي الحقيقة عندما تكون ساطعة في عيني امرأة مكظومة، فهي الكفيلة بأن تضع الإنسان أمام نفسه ولا ثالث لهما غير الحقيقة المطلقة..
قلت متذمراً: أطلق سراحي، وصارحني.. ماذا جرى من بين يوم وليلة؟
اعتدل في جلسته.. قال في لهجة واثقة: لقد زارتني امرأة، وكنت أعتقد أنها كسائر النساء اللائي عرفتهن.. للوهلة الأولى حاولت أن أعتليها كما كنت أفعل في صولاتي السابقة، لكنها رفضت. في البداية بكت منتحبة، فاستغربت من سلوكها، وظننت أنها تريد أن تستدرجني لتكسب مزيداً من المال، لكنها بعد أن كفكفت دموعها، اعتدلت، شائحة بوجوم، قائلة أرجوك لا تجرحني، أريدك أن تفهمني، أريدك ألا تكون كسائر الرجال الذين يمتطون جسد المرأة كخيل جامح، ثم يروضونها بالدغدغة والهدهدة، واللجلجة، ثم يسرقون منها ما يريدون، ويلفظونها عارية مضرجة بدماء الرذيلة، بعد ذلك، يمدون لها مبلغاً من المال، لكي تدسه في حقيبتها، وتذهب، لتقع فريسة في أحضان آخر، ثم ثالث، وهكذا..
ويستطرد: قالت هذه الكلمات، وكأنها صفعتني على وجهي، فدارت الدنيا بي ومادت الأرض من تحتي، وسقطت السماء على رأسي.. حاولت أن أستقطب مشاعرها متشهياً إياها بعنف، ضغطت على جسدها، عصرتها، بيد أنها أشاحت في وجوم محتجة على الهمجية، قائلة: لا تفعل معي هكذا.. لا تحاول أن تستغلني كعاهرة.. ثم تشجت بعنف.. صدقني لست عاهرة.. لست عاهرة..
قلت لها: إذاً ماذا أنت تكونين إن لم تكوني عاهرة..
قالت امرأة، فقدت قدرتها على عصيان رجل لم ينظر إلا إلى جسدها..
بعدها جنحت على صدري، كتلة من جحيم، حاصرني حزن رهيب.. أيقنت أنني بهيمة، وأنني أستعمل عضوي لحرث أجواف النساء لمجرد التفريغ لا غير، وفهمت لماذا كنت أشعر بالانكسار، وتطويني موجة من الحزن فور التخلص من السموم التي تنثال من جسدي.. عرفت أن كل ما كنت أفهمه مجرد إفراز حيواني، لا علاقة له بالفطرة البشرية.. حاولت أن أهدئ من روعها، اقتربت منها، قلت لها، لقد أعطيتني درساً لن أنساه، لذلك لا تخشي شيئاً، لن ألمسك، لن أمارس الحب معك، بل أريدك أن تبقي هكذا نظيفة، أريدك قديسة، وأنا كائن ضئيل أمامك.. فقط كل ما أريده أن تلبثي أمامي لأتأملك جيداً.. ومضى الوقت وبعد حين، شعرت بأنها تتغير، وتقترب مني، تداهمني في قبلات غير التي كنت أتلقاها من الأخريات..
قلت وأنت تبحلق في وجهه، مرتعداً.. وماذا بعد.. هل مارست معك الحب..
لوح بيده قائلاً: أرجوك لا تفهمني خطأ.. بالفعل مارست ولكن، بشكل مختلف.. ولما حاولت أن أكافئها بمبلغ من المال، رفضت.. قالت: أنا لست عاهرة، أنا أبحث عن رجل يحتويني بكرامة، ويضمني إلى صدره من دون نفاق اجتماعي.. وذهبت وودعتني، وأنا أمتلئ امتناناً لها.. ولكن في تلك الليلة لم أنم.. فكرت فيها جيداً.. فكرت في تاريخي المنمق بالهنات الأخلاقية، فكرت فيما جنته عقيدتي البائسة..
قلت له: والآن ماذا تريد أن تفعل..
قال وهو يتأفف: لا أدري.. أشعر بانقباض صدري، وحرقة تكوي جسدي، وفراغ وسيع يلتهمني، ويخفيني عن الوجود.. أشعر بأنني الآن، كائن يذوب شيئاً فشيئاً، أشعر بأنني أغوص في حفرة عميقة بلا قرار..
حاولت أن تهدئ روعه، حاولت أن تتجنب تأنيبه، حاولت ألا تدعه يغرق في التشاؤم، دنوت منه، ربت على كتفه، قلت له بلهجة وادعة.. لا تجزع يا صديقي، الآن أنت في الطريق الصواب، ولكن لا تدع نفسك فريسة الشعور بالذنب، إن ما فعلته في السابق يجب أن يكون شيئاً من الماضي..
يقاطعك.. الماضي ليس مادة معدومة.. الماضي كائن حي، يعيش في داخلنا..
قلت: لكنه كائن يستطيع أن يشذب من أوراقه الصفراء، لتتحد أوراقاً حية خضراء، فينتعش حاضره بالازدهار..
قال: الذاكرة.. الذاكرة ليست وعاء مثقوباً، بل هي قربة تنضح بالملح، الملح قد يتسرب إلى التربة، ويميت الزرع والضرع..
قلت في لهجة جادة.. لا.. لا يا سيدي، يجب عليك أن تنهض من هذا الوهم، وأن تستأنف حياتك من جديد، ربما كان مجيء هذه المرأة إلى مخدعك لأجل أن تصفع الماضي وتسحق جذوره، لتبدأ أنت من جديد.. ابدأ من جديد، ويكفي أنك استيقظت قبل فوات الأوان..
يأخذ سيجارة، ويعطيك أخرى..
يمج الدخان بكثافة، ويتنهد، يحملق في السقف.. قال: يا له من سقف عنيد، كم تحمل من التأوهات، والشهقات لكنه صامد..
قلت: إذاً يجب أن تصمد أنت كذلك، لأنك نمت تحته لسنوات، ويجب أن تتماهى بهذا السقف الذي ضم شهقاتك..
يبتسم.. ينفض رماد السيجارة، ثم يشعل جمرتها برشفة عميقة، وينفث الدخان.. قائلاً.. عذاب.. اسمها عذاب، لكنها فعلاً عذبتني، بسلوكها الذي لم أشهد له مثيلاً في حياتي.. لا أدري كيف خرجت هذه الأنثى من بين براثن الفنادق، التي لا تدلق غير العارهات..
قلت له: لا عجب.. لا تندهش، ألا تخرج الجمرات من تحت ركام الرماد التالف؟ فليس من الطبيعي أن تكون جميع النساء اللاتي يهجعن في مخادع الجنس كلهن فاجرات.. ثم تضيف.. هذه عقيدة اجتماعية بائسة، بل كذبة، نحن الرجال اخترعناها، وصدقناها، وعلينا أن نحاول التخلص من الكذب.. الكذب جزء من الخرافة التي نحيك خيوطها، ونرسم لها أشكالاً هندسية مذهلة، ونظن أنها الحقيقة..
قال: إذاً أنت لم تصدق ما قاله الشيخ ضاوي..
قلت: ليست المسألة أن أصدق أو لا أصدق.. بل يجب البحث عن الحقيقة فالقضية الأساسية لا تتعلق بأم الدويس ككائن قد يكون مخترعاً، بل إن الجوهر في الموضوع.. الأبعاد الاجتماعية واللاشعور الجمعي الذي يصنع مثل هذه القصص.. وتستطرد: يجب أن نسأل أنفسنا، كيف جاءت قصة أم الدويس، وكيف تجسدت ككائن طبيعي يعيشه الناس، ويصيغون حوله الحكايات والروايات..
قال: هل رأيت وجه الشيخ ضاوي كيف كان يتلون وتجحظ عيناه؟
قلت: أجل وهذا أمر طبيعي.. فالشيخ ضاوي ضحية من ضحايا التاريخ المزور، هو يعتقد أنه يعلم ما لا يعلمه غيره، بينما هو مجرد محفظة لقصص تراكمت محتوياتها عبر عصور من الخوف..
قال: الخوف.. الخوف من ماذا..؟
قلت: هذا الذي يجب أن نبحث عنه.. الخوف.. الخوف هو الكائن المجهول الذي صنع كل هذه القصص، ودبلج المشاعر البشرية، لتصير مجرد أكوام من الخيال، يعيش على ضخامته شريحة من البشر..
قال: ألست مقتنعاً بالخوف؟
قلت: ولم لا؟.. لكنني يجب أن أبحث في كنهه..
إذاً أنت تخاف؟
قلت: أجل..
قال: ولماذا ترفض الخوف ولا تعترف به؟
كوني أبحث في جذوره، فهذا لا يعني أنني أرفضه.. أنا أريد أن أعرف..
تعرف؟ تعرف ماذا؟
قلت: أعرف لماذا الناس يخافون؟
أهذي فلسفة؟
قلت: سمها ما تشاء.. المهم، كل ما أريده هو أن أدافع عن نفسي..
قال: ضد من؟
قلت: ضد نفسي..
ضد نفسك؟
قلت: أجل..
قال: إذاً هذه فلسفة..
قلت: قلت لك سمها ما تشاء..



وحيداً تتخبط في هذا العراء، يخيفك الليل بسواده المعتم، وتتلقفك الأرض وخطواتك، تلج الصمت، بطرقات، تقدح الصخر، تحلم حبات التراب بماء الجسد المتصبب، هلعاً.. لا تدري، أين تأخذك الريح، لا تدري أين تمضي بك الدقائق، وأنت تحاول أن ترتب أفكارك..
صدمة.. بل لطمة أن تشهد لمعان الدمع في عيني صاحبك، الماجن، وأن ترى يديه ترتجفان كزعنفتي سمكة مذعورة.. فأي امرأة ساحرة هذه زلزلت كيان الرجل، ليستحيل إلى بقعة زيتية مترعة بالمخاوف والإرهاصات الزمنية.. كان في الماضي يقول على الحياة وعاء مترف بالملذات، فاغرف منه كيف شئت قبل أن يمتص رحيقه غيرك.. اليوم، ينكفئ متكئاً على مشاعر مبعثرة، ويخض خضيضه شعور بالذنب لم تشهد له مثيلاً.. أبو سيف، تحلل من كل ثيابه القديمة والرثة، اغتسل من عفونة زمنية غابرة، وتجلى شخصاً آخر، وانبرى يتهدج بلغة مجروحة، متمخضاً عن مشاعر طفولية ورعة، منتشلاً نفسه من وعورة سلوكيات، ظننت أنه لن يخرج منها سالماً، طالما غاص في ضحالتها، واستمرأ اللذة حتى باتت شيمة من شيمه الأخلاقية، كان يسخر من عصاميتك، يقول إنك تضيع العمر في ترهات وبحوث لا تجدي، يقول عنك، إنك متقاعس كثيراً من جانب المرأة، ولم تعطها حقها.. كان يؤمن بأن اللذة هي ثمرة الحياة، ومن يبخسها حقها فإنه كائن مجافٍ لملة الكائنات الحية..
يا إلهي.. تقول: كيف استطاعت هذه الشيطانة اللئيمة أن تطير عقله، وتحتل مساحة واسعة من روعه وتستولي على مشاعره، ليصبح كائناً آخر مختلفاً متميزاً؟ ثم، تبتسم.. أبو سيف يتميز في انحرافاته ويذهب إلى أقصى حدود التطرف، ويتميز في مثاليته، ليأخذ جانباً حاداً من مهارات العفة..
تصمت قليلاً.. تقول: يا ترى هل سيصمد أبو سيف؟ هل سيمقت الماضي إلى الأبد، وينفض يديه من براثنه وحثالاته المزرية؟ تتأمل صورة وجه الرجل الذي جلس قبالتك قبل ساعات، تتبين دمعة الخنوع، وتستمع إلى شريط الكلمات المبهمة التي كانت تخرج من فيه، كالتلاوات الغامضة، حتى كدت تشك في أمره.. لكنك أيقنت أن أبا سيف، الذي يجلس أمامك هو نفسه الذي تركته قبل يومين، لكنه ليس هو نفسه في مشاعره التي تدفقت مندفعة كشلال، يمر على سفح جبل مغبر، فيغسله، ويرمي بطينه وغباره، عند مستنقع الأرض الخفيضة.. أبو سيف فعلاً تغير، وهو يسرد قصة الفتاة عذاب، ويسرف في الإطراء عليها، والثناء على أخلاقها، جعلك تتأكد تماماً أن صاحبك قطع النية، واستفاق بعد غيبوبة.. تصمت.. تفكر، تتأمل الظلام، تقول ولم لا.. أبعد هذا الظلام الدامس، تنشق السماء عن نور ساطع، أبعد هذا النسيم الوادع، يهب هواء النهار الساخن، يسكب جحيمه على الوجوه.. التغير حتمي في الوجود، وأن يتغير أبو سيف، فالأمر ليس مستحيلاً.. عند منتصف الطريق، وقبل أن تصل إلى منعطف يؤدي بك إلى الشارع العام، تقف.. ثم تجلس على ظهر صخرة جبلية.. تأخذ نفسك.. تدخن.. تمج الدخان في الهواء، فتتصاعد حلقاته في دوائر رشيقة، ثم رويداً رويداً تذوب في المجهول، تقول.. كأن تصرفات أبي سيف، استدارت إلى حلقات، ثم صعدت إلى الخلاء، ثم تلاشت إلى لا شيء، لتنبري أخلاقه الجديدة، ناصعة كبياض قندورته التترون، ثم تنظر إلى الخلاء، تنظر إلى الصمت الذي تجسد شيئاً واقعاً، في هذا المكان، تصفو القريحة، إذ لا ضجيج، لذلك، يستطيع الإنسان أن يلتقط حبات الفكرة، حبة حبة من دون تشتيت.. أبو سيف في هذه العزلة على الرغم من كل سلبياتها، إلا أنه عثر على نفسه التائهة بعد ضياع..
ثم تبهت.. تقول: لكنه قال إنه ضاجعها.. مارس معها الحب، برغبة عارمة، ثم غادرت راضية مرضية.. إذاً ما الفرق.. لماذا تظاهر وكأنه نبي، وصار يذرف الدمع مدراراً، ويخشن صوته، وترتجف أطرافه؟ تقول: قال لي إنه أيقن أن نظرته إلى المرأة كما إلى الحياة تغيرت، وأنه اعترف بأنه كان شخصاً آخر، واليوم يريد أن يسلك طريقاً مختلفاً.. ما الفرق؟
تكرر الكلمة، وتقول: أكان يريد أن يخدعني بتظاهره بالورع؟
تقول: لا.. لا شيء يضطره أن يفعل ذلك، فهو بنفسه الذي كان يجاهر برغباته الجنونية في كسب اللذة، وكان يعتبر كل من مج اللذة متبلداً، يائساً، ولا يحب الحياة.. إذاً ما الفرق؟ أريد أن أعرف، أريد أن أخرج من هذه التهمة الفظيعة، أريد أن أحرر عنقي من طوق الشكوك والخيالات القاتلة.. تصمت.. تشعل سيجارة أخرى، تقول: لقد أصبحت مدمناً على التدخين، صرت لا أفوت فرصة إلا أشعل سيجارة.. القلق، يدفعني دفعاً إلى التدخين، وقد اتفقت مع نفسي على أنني لن أدع هذه السيجارة تسيطر على إرادتي، لكنها اليوم باتت شيئاً مهماً، بالنسبة إليّ رائحتها تلاحقني، وتتكدس في أنفي، كرائحة أي مخدر.. تدفن العقب في الرمل، تنهض، تأخذ نفساً عميقاً فتمضي..
تقول: لقد أشعلت قلبي، يا أبا سيف، بخزعبلاتك هذه.. كنت تتهمني بالهزيمة، والتصرفات المبهمة، والآن، أنت صرت أشد فظاظة وفجاجة، صرت كائناً غريباً تدحرج فجأة، فوقع أمام قدمي فلم أستطع إزالته من أمامي، ولم أستطع الفرار منه.. أنا الآن أمام متغيراتك المدهشة.. أنا، تستعبدني عبثيتك، تعبث بداخلي، تحركني لا أستطيع أن أذعن لفكرة بعينها، لأنني مازلت في قلب الصدمة.. وأسأل نفسي: ما الفرق؟ لقد اعتليت جسدها، ولعقت رضابها، حتى ذاب فيها القلب والروح، ماذا بقي أن تتساوى به أيها المأفون.. ثم تضيف.. لكنك بالتأكيد لا تمزح، ولا تريد أن تخادع، أو تراوغ.. إذاً الأمر يستحق التفكير والتأمل.. تقول في آخر المطاف، لا بد أنك ستقتنع بأن صديقك قد انتعل مشاعر جديدة. وأنه حين قال قد علمته تلك المرأة ما لم يعلمه، فإنه كان يتحدث بجدية، بل كان متأثراً بكلامه من جراء إحساسه أنه أذنب في الماضي في حق المرأة..



فكرت.. تذكرت كلامه، فقد قال إنها رفضت تقاضي مال مقابل الممارسة، كان يقصد أن الفتاة جاءت لتكسب الحب وليس المال، كان يرمي إلى أنها ليست عاهرة، فكل امرأة تمارس الحب من أجل الحب، فهي طاهرة وخيرة، لأنها لا تتكسب، لا تبتز، ولا تستغل، وأفضل من ذلك كله أنها لا تتاجر بجسدها.. المرأة التي تحترم الجسد فإنها تحترم الطرف الذي يتعاطى معها الحب، ومن تفعل ذلك فإنها تمارس قدسية التسامي البشري.. ثم تقول: معنى ذلك فإن أبا سيف سوف يقتصر على فتاته الأخيرة، ولن يمارس عادته القديمة، ينام في النهار، ويخرج في الليل كالخفاش، باحثاً عن فرائسه، في ردهات الفنادق، وكواليس البارات، وكذلك الأزقة المعتمة في أنحاء البلد.. تقول إن أبا سيف سوف يمارس الحب، ولكن بقوانين حمورابي، أي لا عدوان ولا استغلال.. ثم تردف: الآن في إمكاني أن أكون حليفاً لصيقاً لهذا الصديق، المرتد عن تعاطي الفكر الفوضوي.. ثم تصمت، ثم تقول: لكنه ينقصه شيء واحد.. أنه لم يزل مقتنعاً بالكثير من مقتنيات المجتمع، لم يزل يؤمن بأن الكثير من القيم الاجتماعية، لا غنى عنها، ولذلك لا بد من التشرب بألوانها كونها تحفظ ماء الوجه لإنسان لا يستطيع ممارسة التمرد في أقصى صورة.. معنى ذلك أن أبا سيف سوف يدحض اعتقاداتك بأن الخرافات مصدرها الخوف.. أنت توصلت إلى أن الاعتقاد بوجود كائن قوي يسدد ضرباته متى ما شاء، ضد كل من يعترض طريقه فكرة الإحساس بالنقص.. ثم تقول النقص من ماذا؟ من الضعف.. والضعف كيف يستولي على الإنسان.. تقول الجهل.. لكن أبا سيف لا يفكر في كل ذلك، هو لم يزل متشبثاً بلذة، رغم اختصارها.. أبو سيف يريد أن يعيش في نفس المحيط بشروطه.. وأنت تريد أن تدور خارج فلك هذا المحيط بشروطك.. إذاً كلاكما يختلف عن الآخر، أنت خرجت عن ملة المجتمع لأنك تتهمه بالخرافة.. وهو خرج عن سياق المجتمع، لأنه يبحث عن لذة.. ثم تقول: كلانا يبحث عن لذته، ولكن لكل منا منهجه. وعندما تصل إلى البيت.. ترى جسدك المنهك، تقول في نفسك: لماذا لم أستقل مركبة..؟ ثم تستغرب كيف قطعت كل هذه المسافة الشاسعة مشياً على الأقدام ولم تشعر بالمسافة، وبالتعب إلا عندما وطأت قدماك فناء المنزل، ثم ألقيت بجسدك على المخدع الأمن.. تقول، الفكرة تدحض الألم، والانغماس في تفكير ما يجعل الإنسان لا يشعر بالمحيط الذي يطوقه، الأمر الذي يجعل الكثير من الأطباء، عندما يريدون إجراء عملية جراحية لمريض، فإنهم يستخدمون التنويم المغناطيسي. تبهت.. تقول يا إلهي.. أكنت منوماً مغناطيسياً، أثناء سيري في الطريق.. أحقاً كنت كذلك.. ثم تطرق ولم لا؟ فالفكرة عميقة، والإحساس بهذه الفكرة كان متقداً، ما أذهلني وجعلني أنسى التفكير في أي شيء إلا فيما دار بيني وبين أبي سيف..
وأنت تستلقي على السرير، وتزحف شيئاً فشيئاً تحت الملاءة، القطنية، قلت: إذاً كلانا يبحث عن لذته، وكلانا يظل سؤاله مطروحاً إلى الأبد.. تقول إلى الأبد، فهذه معجزة، أن تبقى تسأل من دون جواب.. ثم تستدير وأن تأخذ سيجارتك، وتقول: بعض الأسئلة تبقى هي الأجمل، والإجابة عنها تفقدها معناها، بل وتتفه مغزاها.. تدخن.. تستمتع بدوائر الدخان وبأفكارك التي صارت تنثال عليك كرذاذ المطر..
عندما اختلى أبو سيف بالفتاة الضالعة في الحزن. شعر بأنه من الواجب عليه أن يرفه عنها، وأن يحمل عن كاهلها بعض الحزن الذي أثقل قلبها، وجرح روحها، كان لا بد أن يجاهر بتعاطفه معها، وعلى الرغم من أن الرغبة الجامحة تفور تحت جلده وإن لم يزل، يحتفظ بجزء كبير من ماضيه المفعم بالغزوات والحروب النسائية الطاحنة، لكنه وجد نفسه أمام واقع جديد، أمام امرأة، تتقلب على جمرات عذابات سابقة، ولم يصدق أن ما تعانيه عذاب مجرد إحساس بالذنب من تصرفات ذكورية هوجاء عصفت بروحها بعد أن دمرت معالم الجسد الشاب.. نظر الرجل إلى وجه الفتاة، الجامد، وملامحها المشوبة بتجاويف التعب والبؤس.. قال: هلا أخبرتني بالحقيقة؟
قالت متوجسة: وماذا تريد أن تعرفه، فقد فصلت لك جل تاريخي الأسود..
قال: لا بل أريد أن أفهم ما هو الأهم؟
قالت وهي تلملم أطراف ثوبها الطويل الشفاف، وتلعق رضابها، وتضغط على مخارج ألفاظها أي أمر مهم تريد أن تعرفه..
قال: لست مقتنعاً بأنك تمقتين الرجال، كونهم فقط استغلوا جسدك لشهواتهم، وأتصور أن أمراً آخر هو الأهم، وهو الذي جعلك تشعرين بكل هذه الانكسارات التي ألمت بك..
تصمت الفتاة.. تنظر إلى الرجل الرابض بجانبها، بعينين دامعتين، وقلب مقبوض.. تقول: لماذا تريد أن تقلب المواجع.. لماذا تريد مني أن أستعيد تاريخاً قررت دفنه، والمضي بعيداً نحو غايات أرحب.. لماذا تبخل عليّ بلحظة سعادة، بعدما استأنست بوجودي بجانبك؟
قال: لم أقصد أذيتك، ما أردته هو الانسجام معك، بعد أن نتقاسم معاً الهم.. ثم يستطرد: صدقيني، أنا كنت إنساناً لاذعاً، ومؤذياً، وديماجوجياً، وصرت الآن إنساناً آخر.. أريد أن أكفر عن ذنوبي، وأتطهر من كل المآسي التي ارتكبتها.. ثم يضيف ملوحاً بيدين مرتعشتين، وشفتين مرتجفتين: صدقيني لم أقصد التسلية، أو التلهي بعذاباتك، بل كل ما أتوق إليه هو أنني أريد أن أبدأ بداية لا تشوبها شائبة، أي غموض..
تعتدل عذاب، تتبين ملامح وجهه الجامدة، تتفرسه جيداً، ثم تردف بلغة جادة، وعيناها متصوبتان في وجهه المكفهر.. تقول: يا عزيزي إن مأساتي أنني من أسرة مسلمة في أذربيجان، وكنت سعيدة بين أفراد أسرتي، المكونة من ثلاثة إخوة وشقيقتين، أنا أصغرهم سناً، كنت في المدرسة ذكية ونبيهة، وأحصد الدرجات العالية، ولكن بعد وفاة أمي، لم يمهلنا أبي الوقت الكافي، بل سرعان ما عثر على الزوجة والتحق بها، وجلبها إلى البيت الذي عاشت فيه أمي والسرير الذي ضمها وإياه.. والمطبخ الذي كانت تطهو له الطعام بيديها فيه.. الزوجة الجديدة.. تصمت، تتنهد، تأخذ نفساً عميقاً، ثم تخبئ وجهها بين يديها، وتنشج.. مد أبو سيف يده، رفع يديها عن وجهها، كفكف دموعها، قائلاً: أرجوك لا وقت للدموع، أريد أن تتجلدي قليلاً، وتحكي لي القصة بتفاصيلها، وجزئياتها.. مسحت الدموع، بأنامل رقيقة، ونخرت ترفع المخاط المنسال من تحت فتحتي الأنف، ثم أطرقت: زوجة أبي كانت قاسية، ولاذعة، وبذيئة، كانت دائماً تناديني وكذلك شقيقتيّ.. بالعاهرات.. كنت أشمئز من هذه الكلمة، لكنها لصقت في ذهني، كانت دائماً تشي إلى أبي عني وعن شقيقتيّ، وكان ينصاع لأخبارها السيئة عنا، فينهال علينا شتماً، وضرباً.. حتى إنه صار يكرر نفس عبارتها البذيئة، كان يقول لي أيتها العاهرة الصغيرة، وأحياناً يقول لي: أنت مشروع عاهرة.. أنا لست مطمئناً لمستقبلك.. كنت أحس بالبؤس وتنتابني نوبة حزن رهيبة، كنت أدخل غرفتي التي تشاركني فيها شقيقتاي، وأنكب على السرير، كانت أختي الكبرى تحاول أن تخفف عني، تهدهدني، لكنها لا تصمد كثيراً، بل كانت تنهار، وتظل تبكي معي، ونظل طوال الليل نتذكر أمنا، ونتخيل صورة زوجة أبي البشعة، ولا نملك غير إكالة اللعنات لها، ولكنها عند الصباح تجازينا، بالشتم، واللطم والتهديد لنا بأنها سوف تشردنا، وتجعلنا عاهرات رسميات.. ومرت الأيام، كان لزوجة أبي أخ، استضافته في البيت، ولم يكن معها سواي، حيث كانت أختي وأشقائي الثلاثة خارج المنزل في زيارة لأحد الأقارب في بلدة قريبة من قريتنا، بينما أنا تقاعست عن الذهاب معهم.. أحضرته زوجة أبي إلى البيت، وطلبت مني أن أبقى معه، بحجة أنها ذاهبة للتبضع في السوق، وشراء بعض الاحتياجات المنزلية، أذعنت لرغبتها، وما كان لي غير أن أنفذ ما تريد، لبثت معه في البيت بمفردنا، وكان في البداية، بدا لي أنه شخص لطيف، وصار يحكي لي عن أمنياته وطموحاته في المستقبل، وكنت أصغى له ببراءة، واطمئنان، كونه قريبي، وشقيق زوجة أبي، لكن بعد فترة وجيزة، وجدته ينحرف بالحديث نحو قضايا أخرى عاطفية، فتوجست، وحاولت أن أحترس من التعاطي معه، لكنني لم أبين له انزعاجي من حديثه، لكنه رويداً رويداً صار يقترب مني، حتى صار لصقاً، فشعرت بالخطورة.. حاولت أن أتملص بادعاء أنني أشعر بالصداع ولا بد أن أذهب إلى غرفتي، بيد أنه لم يتركني أذهب، بل تشبث بي، وصار يلهث ويزبد، فعرفت أن الخطر داهم، حاولت أن انتزع نفسي بقوة، بيد أن شبابه اليافع ساعده على إخضاعي، وإجباري على الجلوس من دون مقاومة، انصعت مرغمة، لبثت جامدة، لكني حذرة، صار يتوغل فـيّ، يتفرس إلى جسدي، ويطري على جمالي، ثم امتدت يده إلى جسدي، نهضت حاولت أن أفر، لكنه اجتذبني بعنف، وبطحني على الأرض واعتلى جسدي، وصار يمرغ يده على كامل جسدي، ثم انتزع ثيابي وأنا أحاول أن أتحرر من بين يديه، دون جدوى، كانت ذراعاه القويتان تجبرانني على الخضوع، حتى استطاع أن يتوغل فـيّ، وأن يفرغ سمومه في جوفي، ثم رفع جسده، وفر من البيت.. ولما جاءت زوجة أبي، ووجدتني، معذبة بدمائي، سابحة بدموعي، سألت عن أخيها، أومأت لها بأنه هرب.. انهالت علي بالضرب قائلة بلهجة قاسية.. انصرفي من هنا يا عاهرة، ثم مهددة، ومتوعدة إياي، لو أنني صرحت بذلك لأبي، وأخبرته عن الأمر، فسوف تقول له، إنها شاهدتني وأنا أمارس الجنس مع أحد الشبان الذي لا تعرفه، هضمت غيظي، ورحت إلى غرفتي ودخلت الحمام، وغسلت بدني، وغيرت ملابسي، وعدت إلى سريري، أحاول أن أستعيد الموقف الوحشي الذي عشته مع ذاك الكائن المتوحش، شعرت بحقد لا يوصف تجاه تلك المرأة التي تسمى زوجة أبي، وأيقنت أن ادعاءها بالذهاب إلى السوق ليس إلا خطة مدبرة، الهدف منها الإيقاع بي، وكانت تريد أن تكسرني وتجعلني ضحية عقدة، لا براء منها، كوني الوحيدة في البيت، التي كنت أحياناً أشاكسها، وأرد على بعض ألفاظها النابية بعدما يفيض بي الكيل، لذلك كانت تريد أن تنحرني بسكين الشرف، وأن تفقدني عذريتي لكي لا أفكر في الاستقامة إلى الأبد..
تلهج عذاب، ويصفر وجهها، ويغرق محياها بالدمع الغزير، تقول: تاريخ أكثر سواداً من الحروب والكوارث الطبيعية، تاريخ يكمن في الروح، ويقبض على شغاف القلب بكل شراسة..
وينظر إليها أبو سيف بشفقة، وتعاطف جم، يريد أن يفعل شيئاً ما يغير من مجرى حياة الفتاة.. يفكر في الزواج بها، لكن هذا الرهان الذي لن يكسبه أبداً، لن يستطيع أن يخترق حاجزاً نفسياً صنع منذ الأزل، ليجعل شرف المرأة وكيانها ومستقبلها مرتبطاً بذلك الغشاء الرقيق الذي لا يساوي قشرة بصلة..
يقول أبو سيف: إذاً في إمكانك أن تفعل كي تستعيد عذاب بقايا قلبها المحطم.. انكفأت.. لا شيء يمكن أن يرمم هذا الجدار المتهالك.. غير الغشاء المفقود.. هذا مستحيل.. رفعت بصرك، قلت: لكنك لا يجب أن تعيشي هذه المأساة إلى الأبد، الإنسان يستطيع أن يدفن الماضي بشيء من الثقة وتستمر الحياة..
عذاب.. تتأمله.. وإذا كانت الثقة في الأساس سحقت تحت عجلات الشك الرهيب، وما تبعثر من مشاعر إثر الانسحاق اليومي في مجمل العلاقات الإنسانية..
يرد أبو سيف.. أريدك أن تتفاءلي، أريدك أن ترتفعي عن هذه الجروح..
عذاب: أنت تقول ذلك لأنك لم تجرح، ولأنك رجل، ولا تربطني بك صلة القرابة.. تصور لو أنك أخي أو قريب مني، ماذا ستفعل، وكيف ستنظر إليّ وأنت تعرف أنني فقدت عذريتي إثر اغتصاب بغيض؟
أبو سيف.. سوف أقتل المجرم الذي ارتكب هذه الجريمة الشنيعة..
ردت بلهجة معاتبة.. أعرفت الآن، مدى فداحة الجرم؟ نحن لا نهون من هذه الأمور إلا عندما تكون عند جيراننا، لكنها عندما تلمس ثيابنا فإنها تصبح كارثة كونية لا يمكن السكوت عنها.. ثم وهي تلعق شفتيها.. أرجوك اعذرني لقد أشقيتك بهذه القصة المأساوية، لكنني كنت مرغمة أمام إصرارك على معرفة كل ما يجول في ذهني.. ثم تقترب من أبي سيف قائلة: هل أزعجتك؟ سامحني..
أبو سيف.. لا بل أشعر بأنني أصبحت أكثر قرباً منك..
عذاب.. وهي تمرر يدها على جبينه: صحيح..
أبو سيف: هذه هي الحقيقة.. ثم يردف قائلاً: يبدو أننا نتقاسم الجروح، على الرغم من أننا لم نتعرف إلى بعضنا إلا من فترة وجيزة..
تأملت وجهه بنظرات طفولية، وقالت وهي تقبل فمه: هل تسمح لي بسؤال صغير، بحجم هذا الفم الناعم..
قال: نعم يا غاليتي الصغيرة.. أسمعك..
قالت: في بلادكم الناس يعبدون الجنس، بل ويفضلونه على الأكل والشراب..
قال دهشاً: وفي بلادكم، كيف يرون الجنس؟
قالت بصوت رخيم: ربما أكثر من هنا..
قال متعجباً: ولماذا تستغربين من عبادة الناس للجنس هنا؟
قالت: لأنكم الأقرب إلى الأماكن المقدسة..
ضحك بسخرية قائلاً: وكلما تقتربين أكثر تجدينه أكثر سطوة على قلوب الناس، وهذا أمر طبيعي..
قالت باستغراب: كيف؟
قال: لأن الجنس جزء من عبادة الإنسان، سر الله في خلقه..
أزاحت خصلة من شعرها، انسحبت على جبينها، لتنظر إليه جيداً، ثم أطرقت: أهذه فلسفة.. أم تقليد اجتماعي؟
قال.. بل هي فلسفة كونية.. ثم استطرد، الشعوب تتطور، والحضارات تتبدل، وتندثر حضارة، وتمتد على أثرها حضارة أخرى، لكن الإيمان بقوة الجنس في تشكيل حياة الإنسان مبدأ لا يتغير..
قالت: ولكنك تغيرت لمجرد أنك فهمت قصتي تبدلت كثيراً..
يأخذ شهيقاً عميقاً، ثم يزفر، تغيرت نحوك، وليس نحو الجنس.. هذا شيء وذاك شيء آخر..
قالت في حيرة: لم أفهم..
قال: يجب أن تفهمي..
قالت: أوضح أكثر..
يعتدل في جلسته.. ثم يطرق..
كوني أعدل عن ممارسة الجنس بوحشية الكائنات الضارية شيء، وكوني أحب الممارسة، بطريقة حضارية شيء آخر.
قالت: هذا ما قصدته..
قال: ماذا؟
قالت: الناس.. بل الكثير من الأشخاص، الذين مارست معهم الحب، شعرت بأنهم يتعاملون مع جسد المرأة كما لو أنهم يقضمون شرائح من اللحم الحيواني، النيئ.
يضحك. ثم يستأنف: أمر طبيعي.. البشر أصناف، وأخلاقهم تتعدد، بتعدد ثقافتهم وتنشئتهم.. أليس كذلك؟
لم تنبس بكلمة، واكتفت بإيماءة إيجابية.. قالت: أشعر بأن ريقي ناشف وأحتاج إلى كأس شاي..
قال: الشاي على النار، انتظري قليلاً وسوف يكون جاهزاً..
ابتسمت، وأرخت رأسها على كتف أبي سيف المضطجع، ثم راحت تمسد شعر صدره، بأناملها الرقيقة، بينما سبل هو جفنيه، مسترخياً، متوائماً مع حركة أصابعها، التي بدأت تمشط الشعيرات النابتة كالعشب عند ربوتي الصدر وعلى ضفتي الحلمتين المنتفختين، كحبتي الحمص الصغيرتين، المحمصتين على نار الجلد المتوهج.. لبث هكذا حتى سمع أبو سيف صوت فوران الشاي، قفز قائلاً: لقد طفر الشاي.. كانت عذاب قد استتبت قليلاً، بعد أن نفضت من صدرها حثالة ماضٍ قديم، وشعرت بأنها أوصلت الرسالة بالشكل المأمول، ما جعلها تطمئن لمشاعر أبي سيف نحوها، وما أبداه من تعاطف تجاهها..
أخذت الفتاة كأسها، قربت أنفها الصغير من الدخان المتطاير، قالت منتشية: كم أحب رائحة الشاي أكثر من طعمه.. إنه يذكرني بشاي المساء الذي كانت تعده أمي للأسرة يومياً، حيث كنا نجتمع معاً حول سفرة مستديرة، وكانت أمي تدير الجلسة، بحوارات عائلية شاعرية. ثم تهز رأسها، في أسف.. ولكن، القدر لم يمهلها، وكأنه كان يريد أن يعاقبني في غيابها، لتحل محلها تلك اللبؤة الفاجرة..
يقول أبو سيف: هدئي من روعك. وعليك أن تنسي، لا داعي لاجترار الماضي، فإنه فعل شيطاني بغيض. عيشي أيامك الحلوة، عيشي الحاضر، فإنه الأجمل.. وليس أحد منا يخلو من الهموم، لكن لا بد أن نضع الماضي وراءنا، ونسير إلى الأمام حتى نستطيع أن نعيش..
تضع الكأس جانباً، وتقول: وأين هي الحياة الحلوة؟
قال: الحياة التي تعيشينها..
قالت.. لو تعلم كم قاسيت منذ أن وطأت قدماي أرض الله، لقد قاسيت الأمر نفسه، تلقفتني أجساد الرجال، وراحوا يهيلون عليّ حثالة عقدهم، حتى شعرت بأن هذا الكون يضيق بالأنذال والأوغاد..
أبو سيف: قلت لك يا غاليتي الصغيرة، يجب أن تفندي علاقاتك، وألا تضعي كل الرجال في كفة واحدة، الناس أجناس.. وأنفاس..
تهز رأسها: أجل، ولكنني لا أستطيع أن أتخلص بسرعة من أحزاني.. إنها ضخمة وثقيلة، وجسدي يرزح تحت أوزان لا تحتمل..
قال بصوت مبتهج: أريدك أن تضحكي قليلاً..
ضحكت..
ثم قال.. أريدك أن تغمضي عينيك..
أغمضت عينيها..
فتح علبة صغيرة، ووضع في يدها عقداً ذهبياً، لمع في كفها الناصع، ثم قال: افتحي عينيك الآن..
فتحت عينيها، شهقت، قالت: ما هذا؟
قال: كما ترين..
قالت في حبور: أهذا لي؟
قال: أجل، وتستحقين ما هو أثمن..
لبثت تقلب العقد، وتتفحصه وتتأمله، بعينين دامعتين فرحاً، ثم قالت منشرحة: كم أنت نبيل، يا أبا سيف..
قال معتداً: لا يا غاليتي، أخلاقك النبيلة جعلتني أراك بعين مختلفة، وما هذه الهدية إلا جزء يسير من أفضالك..
قالت معاتبة، أفضالي، وماذا قدمت لك، حتى تذكرني بالفضيلة؟
قال: لقد علمتني كيف أرى الحياة.. كيف أرى النساء..
خفضت بصرها، متلمظة، وقد ملأ قلبها الفرح، فأطرقت: لولا أنك رجل ذو سجية نقية، وسريرة نظيفة لما استطاعت كل نساء العالم أن تثنيك عن عقيدك، ثم تستطرد: يبدو لي أنك الحظ السعيد، الذي وعدني به الله، فالتقيتك، وهذا ما حصل..
يأخذ أبو سيف رشفة الشاي، وهو ينظر إلى فتاته من خلال الدخان المتطاير، ومن خلال خصلة الشعر المنسحبة على جبينها اللجين، ثم يطرق: يا الله.. كم كنت غائباً عن الوعي. هل تصدقين عندما علم صديق لي بنبأ تخلصي من إغواءاتي السابقة، أصيب بالصدمة، ولم يصدق ظل ساهماً، شارداً يتأملني، ويتفرس وجهي، وكأنه يقرأ تفاصيل وجه رجل غريب، وبعد محاولات لإقناعه، والتي باءت بنجاح باهر، قال.. الآن أشعر بأنك إنسان طبيعي تنتمي إلى حظيرة البشر..
ضحكت مسرورة.. قالت.. يبدو أنك كنت موغراً صدره بمشاعر التشاؤم.
أبو سيف: بل كان يائساً من إصلاحي..
وكيف كان يتعامل معك..؟
أبو سيف: كان يقوم بدور الإصلاحي، وكنت أتبوأ دور الماجن الذي لا أمل في إصلاح شأنه..
عذاب: لكنه كان يرتاد مأواك..
لقد غاب عني لسنوات طويلة، وبعدها، وجدته فجأة. يتصل بي، فرحت برؤيته، كصديق، لكني ضقت به ذرعاً وهو يملي عليّ شروط الاستقامة..
وماذا فعل..؟
أبو سيف: حقيقة، صديقي هذا رجل، صبور، ومحنك، وفيلسوف.. ينظر إلى الحياة بمنظور مختلف، عما يراه الآخرون، وأنا واحد منهم..
تبحلق عذاب: ما هي فلسفته..؟
أبو سيف: طبعاً لن تعجبك رؤيته للحياة..
تبسمت عذاب: كيف..؟
هو كان على الضد تماماً.. لا يحب الاقتراب من النساء، وله رؤيته الخاصة في ذلك، حتى إنني كنت أسخر منه أحياناً وأقول له: أنت من الجنس الثالث. وكان يغضب مني، ويهزأ بنظرتي إليه، لكنه سرعان ما يهدأ، ويتحول إلى حوار آخر..
عذاب: ولم لا يكون كذلك..؟
أبو سيف.. يزم بوزه، ويطقطق، قائلاً: لا يمكن أنا أعرفه جيداً.. قلت لك إنه رجل فيلسوف، ويقوم الآن ببحث يدور حول الخرافات..
ولكن ألا تشعر بأن مقت النساء، جملة وتفصيلاً، مرض.
ربما يكون، لكن لا علاقة له بأي عنة جسدية، أو خلل في هرموناته الجنسية..
تقول بلهجة مازحة.. وهل فحصته؟
يضحك: كنت أود أن أفعل ذلك، لكنني خشيت أن يلطمني على وجهي، ثم يقفز فوقي، ليثبت أنه فحل ومارد..
تضحك عذاب، بجلجلة، وتقول منشرحة، ما أعذب حديثك..
يقترب منها أبو سيف.. يمهد مشاعرها، يهدهد جسدها، وتغوص أصابعه في الخصلات المتدلية كعناقيد، ناعمة، تغمض الفتاة عينيها، يلفحه نسيم فمها الدافئ، يذوب، يمرر أصابعه بين الجبلين المنتصبين، يضع رأس سبابته فوق حبة الكرز القرمزية، تتورم، يلمس ندا العرق، يلمس الخفقات، يتحسس الخلود المتربص به، ثم يدخل فمه كاملاً في لجة الفم الملتهب، يتوارى أبو سيف خلف الجلجلة الواعدة، يتلاشى، وتذوب عذاب، تتعذب شيئاً فشيئاً، وهي تحاول أن تنفض النيران المشتعلة في الأقاصي، تغيب المبادئ والقيم والأخلاق، تغيب الذاكرة المكتظة بالأوهام، وينشأ المتعانقان تحت وطأة الجحيم، يستديران، وينغمسان في الغيبوبة، يستبدان في دعك الجسدين، تستولي عليها أعاصير ورياح هائجة، ولا يحرس شهيقها المتهور، غير الجدران المكابدة عناء الزمن، والصمود الأبدي.
قال، وهو يشهق في وجهها، كم أشتهيك، وأنت تمتصين لعنات الجسد النبيلة، وتباركين قدسية العناق اللذيذ.
قالت: ليس من نبل غير الممارسة، عندما تكون أشبه بصلوات الابتهال، إنها الفريضة، التي تنتصب لها أطراف الجسد، وتنحني شهامة الوجود، إجلالاً وتكريماً..
ينهض أبو سيف، تعتدل عذاب، تتغرس في وجهه، المتشرب بحمرة الالتحام، يتفحص وجهها، يغرس ناظريه في العينين اللامعتين، لنجمتين تتألقان في الوجه الناضح بعرق اللهفة، تقول له.. يجب أن أغادر..
يرمقها بنظرة اشتهاء، يجب أن أراك في أقرب وقت..



قالت وهي ترتب خصلاتها.. أسندت جسدها إلى الباب: إلى القريب العاجل..
تجلس وحدك في هذا المكان النائي، المختبئ تحت خاصرة الجبل العملاق..
تجلس وحدك، ولا تدري كيف حملتك قدماك، في غضون الوعورة والأحراش، والطرقات المزدحمة بالوحشة، الثملة بصمت مريع، وتتأمل المكان، تتمثل لك الأشياء من حولك، كأنها قوافل جاءت من عصور وسطى مطحونة بصلابة الصحراء، وشح الأيدي التي لا تصل إلى جذورها، إلا بشق الأنفس، تنظر إلى سفح الجبل المنحدر بصخوره العارية، المجلودة بتراكم السنين العجاف. وجماجم الذين تدحرجت آمالهم بين الشقوق الصخرية، والمتعرجات الجبلية، وأحراش الأعشاب الشوكية، وكذلك تداهمك صور قديمة بقدم الأشخاص الذين مروا من هنا، وتسلقوا أحلامهم بأقدام حافية، وأحياناً على ظهور الحمير، المجيدة، وربما أنهم أيضاً استراحوا عند الوهاد الساخرة، واستحموا بالعرق، واغتسلوا بالتعب، والتأموا تحت القنادير الصفراء، الحالكة، مزملين بمعاصم الرأس، وأعقلة الجمال التي تاهت في ضياعها الصحراوي الرهيب..
وحدك تمارس غيك، وحدك تمارس وعيك، ووحدك تتحرى نجوم الظهر، المختبئة تحت ظلال الغيوم الشاحبة، وضوء الشمس المزخرف بحلي السماوات العريقة.. هنا عند حافة الجبل، تربض هذه العين الحارة، تحتضن أجساد نساء، تربصن بالدفء، وتلملم زعيق الصغار الذين جاؤوا من أقاصي البلاد سعياً وراء العفوية الملائمة.. الحفرة الواسعة، تجويف يقع في باطن الأرض، تنثر قطرات حليبه الساخن، حتى حافة الحفرة، ثم يستدير باتجاه البساتين المجاورة، المحملقة بدهشة، جراء إمعانها في سماع أصوات النساء المزغردات بابتهاج، بالزيارة الميمونة.. الجبل يقف حارساً أميناً منذ البدء، يحدق بالزائرين، ويمنحهم صلابة الأشياء الخالدة.. تنظر إلى الأعلى، تلمح الفندق المتألق بجدرانه الشاهقة، والأشكال الهندسية الرائعة، ترفع رأسك عالياً، تحدق في النوافير التي أسكتت صوت العصافير، وحمام البر والبلابل، واتخذت مقعداً مجاوراً وراحت تمخر الفضاء، بخرير لا يشبه جمال الطبيعة في شيء، لكنه يحاول التماهي.. تقف، تتمشى على الصلابة الصخرية فتيات صغيرات، يافعات، يتأبطن، أذرع بعضهن، ويهبطن قادمات من العلو الشاهق، ومع الهبوط المترف، تتخبط الكواكب المنصوبة في فضاء الأجساد الباذخة، وتسمع الهمسات تخترق أسماع المحيط الذي يطويك، وتنصت شجية وشهية، تحرك أشجانك، وأنت تحاول أن تتلاشى بعيداً عن أعينهن، ربما لأنك تريد ألا تسوف ذهنك برغبات مشوشة، وربما لأنك كعادتك تفر من الأصوات التي تلامس الشغاف.. ابتعدت ونأين هن عنك، صرن في الجانب الآخر، لا ترى إلا كتلة من السواد يلمع بعض البصيص من خلال شقوق في الأثواب الملفوفة بعناية الحائكين البارعين.. تقف على الجانب البعيد، إلى ظل شجرة، وعلى الرغم من أن شهر سبتمبر لا يسلط لهيباً كشهر أغسطس، إلا أنك شعرت بالإنهاك لأنك قطعت مسافة طائلة مشياً على قدميك.. تحت الشجرة، تمر عليك حشرات واثبة، تقلب مواجعها بحثاً عن فرائس أو طعام، تنظر إلى مسافة قريبة، ترى خنفساء الروث، تدحرج ذخيرة، وافرة، مبتهجة إلى ملاذ قريب.. والعصافير تزغرد، وترفرف بأجنحة كأوراق التوت الشفيفة، وشجرة الغاف تمد الأذرع والسيقان، متذرعة بالصبر، والجلد، الأشياء تمر من حولها، وهي كما هي تخلد مع الأيام كهذا الجبل..
تقول: كانت هناك عين أخرى، كان الرجال يؤمونها في فصل الشتاء، عندما تلتئم العائلات، ويتزايد عندها النساء والرجال، كانت أصغر حجماً، لكنها كانت تكفي لأن تمنح زوارها المتعة، والاستجمام بالماء الدافئ، تقترب من الحفرة، تمعن النظر، لقد أصبحت مجرد حفرة جافة، لا تسمع فيها غير الصرير، وبقايا ماء صار مستنقعاً، تتقافز في حثالته الضفادع، وفي الشقوق تستقر أنسجة العناكب.. تأخذ نفساً عميقاً، تتذكر أنك جئت مع أفراد العائلة، وقد حرمت أمك المجيء إلى هنا في أعقاب غرق أحد الأطفال، وإصابة أمه بالجنون، إثر الفاجعة الأليمة..
قلت: لم أكن شقياً، لكن، قلب أمي كان مرهفاً إلى حد تخويفي من أي شيء، كانت تطاردني، وتمنعني من الذهاب بمفردي حتى إلى أقرب بقالة..
تجلس على سطح صخرة، تتأمل البيوت الحجرية والطينية، المستندة على أضلاعها المتهالكة، والأزقة الصخرية تبدو لك كأفواه خنادق من زمن جلفار القديمة..
تقول: في هذا المكان قال أحد كبار السن إنه شاهد أم الدويس، تحمل فأساً عملاقة، وتسحق بها الجدران، التي تمر من حولها، تصدر صوتاً مرعباً، مدوياً، كانت تحاول أن تتكالب في الأماكن المهجورة، تلبد خلف الحفر الصخرية، ولما تلمح كائناً بشرياً، ذكراً أم أنثى، فإنها تزأر كالوحش، وأحياناً تتحرك بسرعة، لم يقل الرجل إنها فتكت بأحد، لكنه وصف هيئتها بأنها رهيبة، ومن يراها من الناس، كان يصاب بالشلل، كمن يعذب بصعقة كهربائية.. ويضيف الرجل العجوز أنه لما رأى أم الدويس، احتشد خنجره الذي كان يخبئه في حزام بطنه، واستعد لأي طارئ، لكنها لما سمعت بهدير صوته المجلجل، انسحبت نحو اتجاه آخر، واختفت. لا أدري إن كان صحيحاً ما كان يقوله، أم أنه من نسج خياله، فكبار السن كالأطفال، تتراءى لهم الخيالات كالواقع، ويصرون على أنها وقائع ولا بد من تصديقهم.. أنا الآن، في منتصف النهار، وهي لا تظهر في النهار، ولا أعلم إن كانت أم الدويس امرأة عملاقة وداهية بحق، فلماذا تختفي بالنهار، وتتمثل بالليل، أليس هذا جزءاً من أوهام الذين يرونها. سمعت صهيل الفتيات، التفت، مررن من حولك، كن قادمات من فوق، من جانب السفح الجبلي، من أبهة الفندق، هابطات كالنجوم السماوية، باتجاه المنحدر..
قلت: لسن من هنا.. بادرت بالنظر، تمعنت، أيقنت أن العيون الخضراء ليست منتجاً محلياً.. لا ضير العباءة، لباس شمولي، بل خيمة عالمية، تخبئ أجساداً، وتخفي أحلاماً.. استمرأت النظر إلى العابرات، الممطرة، ونثر قلبك بقطرات من نزف داخلي مكتوم، معصوم، من الانجراف، باتجاه غايات لا تستطيع ذكرها الآن..
نهضت صعدت ظهر صخرة، ثم نزلت ملأت قلبك بالشهيق، وعيناك ترصدان العراء البعيد، مجموعة من الحافلات تتجه نحو الفندق، رجالاً ونساءً، بحقائب صغيرة، تقع على الأكتاف. يهبطون بسلام من أدراج المركبات الفخمة، ويلجون باب الفندق الزجاجي، ثم يختفون في الردهات العميقة..
تستدعي أنت وعيك أو أنك تستدعي شيئاً من المخبوء، تتذكر هذا المكان، الذي لم يكن يسرد غير حكاية الضفدع الذي عض إصبع الطفل المشاغب، أو العقرب التي لدغت ساق امرأة، لاهية في قطع الأعشاب من أجل حيوان أليف ينتظرها في الحظيرة. أو قصة الرجل، الذي انقطع به حبل تسلق الجذع، فوقع صريعاً من قمة نخلة شاهقة..
اليوم، تخلع الصحراء نعليها، وتلبس حذاءً صقيلاً، بكعب ارتفاعه أكثر من عشرة سنتيمترات، وقمصان نسائية، مربوطة عند الصرة، لافتة النظرة إلى تضاريس بدت سهلة الاكتشاف من دون عناء، أو بناطيل محززة عند الردفين، لاصقة بالسيقان، إلى حد الاختناق..
تضحك.. تقول يبدو أنني أهذي.. ما هذه الهلوسات، المعربدة في رأسي، حتى بت أشعر بفوضى عارمة، تعشش في داخلي..
قلت يجب أن أعود، يجب أن أغادر المكان إن كنت سأظل أمارس الاستدعاء الهمجي لتفاصيل يجب أن تندثر..
عدت وجلست على الصخرة إياها، تأملت نزول وصعود الرجال والنساء، والحركة الدؤوبة، والجلبة التي أحدثت تواً، فجلجلت في عراء الجبل حتى بدا لك الأمر، أنها قيامة، عين خت.. أدركت الآن أنك محاط بعالم من الموتى، وآخر يتناسل وعياً مختفياً.. تمثلت لك المساحة الشاسعة، الممتدة، من الكثبان الرملية الذهبية حتى عيون الماء هذه، المحفورة في الزمن كنقش أسطوري، لا يختف باختفاء المريدين، بل إنه يزدان بعزلته بخزف، الصمت وخلود الأشياء الصامدة..
تشعر بآلام في قاع القدمين، إثر تشققات النعال الذي ترتديه، بهت لونه بعد أن لفته سحابة من الغبار المتلاطم على نسيجه البلاستيكي، تشعر بالتعب والإرهاق، كنت تود أن تزور صاحبك في المساء، لكنك عدلت عن رأيك، فكرت أن تؤجل الزيارة ليوم آخر، ولا تدري لماذا أوغرت العيون صدرك بالبؤس، لا تدري لماذا أنت مترع بأحزان تجاذبت فجأة، في صدرك..
قلت يجب أقطع المسافة نفسها مشياً على الأقدام، لا وجود لأي مركبة هنا تقلني إلى البيت، المكان يبدو كأنه محاط بأسلاك شائكة فلا تطؤه الحافلات غير الباصات التي تقل ضيوف الفندق.. تقذفك بعض سيارات النقل الكبيرة، بهديرها، وغبار عجلاتها، لكنها لا تفيدك في شيء، هذه المدرعات كتل حديدية، لا تجد فيها غير السائقين المنكوين بحرارة الحديد، المتقلب على نيران اللهب، سرت بخطوات متباطئة، قطعت مسافة، عند رأس الشارع توقفت، مرت حافلة الفندق، بيد أن سائقها ضغط على دواسة السرعة، وكأنه يريد أن يغيظك.. غضنت جبينك، ورمقته بنظرة ساخرة، قلت: لن أستجديك، قدماي أولى بحملي إلى حيث أريد.. مشيت، مفرطاً في التأوه، مشيت، وقاع قدميك، يفشي تململه، لقلبك، وقلبك ينز بالخفقات، وأنت تتجلد..



كان قرص الشمس يوشك على طمس أسراره، وينضوي في المجهول، وكنت أنت قد تلقفك السرير، واحتوتك الملاءة، وشهقات تعبك، تشق سكون الجدران، الوادعة.. حاولت أن تأخذ قسطاً من الراحة، ثم تستأنف نشاطك الليلي، المعتاد.. قراءة كتبك المتراكمة بجانب السرير..
يكتظ صدرك بحشرجة مخاطية، تسعل، تضع يدك على صدرك وتضغط بقوة وتصدر سعالاً مدوياً، تشعر بالضيق، تقفز، من فوق السرير، تتجه إلى النافذة، تفتح ضلفتيها بقوة، فتصدمان بلحاء الجدار، يهدر صوت قوي، تطل من النافذة، وسط النور الخافت لا ترى شيئاً غير الفراغ، وسط ستار العتمة الحالكة لا ترى إلا ما هو تحت النافذة مباشرة، ترفع رأسك، فترى ظلاً عملاقاً ينتصب أمامك، تطلق صرخة مدوية موشكاً أن تقع على الأرض، يتحرك الظل العظيم، حركة هائلة، يخيل إليك أنها أم الدويس، يتحرك الظل، يطل ويختفي، يتأرجح، يتمايل لكن لا صوت، لا هدير، سوى صفير الريح التي تهب من الجهة المعاكسة، فتصدم بالجدران، مجلجلة في الفضاء، ترفع رأسك، ترى نجوماً، تبصبص من تحت عباءة سحابة شفيفة، تحاول أن تستطلع سر هذا الظل وقلبك يهتف هلعاً، تتخيل أن أم الدويس تناوشك في هذه الساعة المتأخرة من الليل، تريد أن تهاجم وحدتك، وقد تختطفك تتبين الفندق جيداً، تتفرس، ممسكاً بطرف النافذة المفتوح، متأهباً للاختباء في ما لو جد طارئ، أو حدثت كارثة، أنت والليل لا تلتئمان، ومنذ طفولتك وأنت تخشى الوحدة، لكن، هذه العزلة يبدو أنها فرضت عليك فرضاً..
كنت تقول إن الليل مثار جدل بين الإنسان والشياطين الذين يعتبرونه، معاشهم، وموطئ حركتهم الدائبة. أما الإنسان، فحقه تحت ضوء الشمس.. كانت أمك، تحذرك، باحتراس المشي ليلاً، أنت الآن لا تسير في غابة ولا في صحراء، بل أنت في ملاذك الآمن، لكن الخطر يداهمك، ويباغتك، في عقر دارك.. تنظر إلى الظل المتحرك، بتوجس ثم ترفع رأسك، تلمح طرف ذيل لشيء عملاق، يتخايل بتؤدة تمعن النظر، تطرف عيناك الزائغتان، يخفق قلبك، فتهتف فجأة قائلاً: سامحك الله، أهو أنت.. كان طرف شراع قديم، تركته منذ فترة على السقف ليحمي برميل الماء من الحرارة ومن الحشرات بعد أن تهرأ غطاؤه، الصدئ.. تتنفس الصعداء.. تقول: يا له من خيال فج وقميء.. كيف شكل الخوف في صدري الشراع المرقع على أنه كائن مخيف.. تضحك بسخرية.. تهزأ من مخيلتك التي أصبحت عجينة رثة، صارت مستعمرة للتشوهات.. تعود إلى سريرك، تدخن بشراهة، تمج الدخان، وتأخذ شهيقاً، تتحسس صدرك المضطرب، تدعك جفنيك، ثم تأخذ رشفة من شايك الساخن..
تقول: أبو سيف يتحين وصولي أو اتصالي، بلهفة.. لم أتصل.. ربما نسيت..
تقول: لا أتخيل أن صاحبي، سيكف عن همجيته السابقة، ربما هي فترة وجيزة، ويستعيد قواه من جديد ويجدد العهد باللقاءات المخملية مع نسائه الفارعات.. فكم كانت ماسة رائعة، وكم كان مغرماً بجسدها، الثري، المتأنق ببياض أشبه بقطن طويل التيلة.. كانت طويلة، هيفاء، تزم شفتيها، على ألق أنثوي رهيب.. تصمت.. تتخيل ملهمتك، تتخيل الصحراء التي غيبتها، وتحتسي رضابك، بشغف البالغين في قضم المهارات الجسدية، الناقصة.. قلت: ما الذي يجعلني أفكر في الأنثى، وأنا أتحاشاها؟ ما الذي يجبرني على تصور أجساد النساء الجميلات وأنا أبغض الانتماء إلى ذوي الآهات الجنسية، أمثال أبي سيف؟.. لكن شيئاً ما يهاجمني، قوة ما تتجسد أمامي، تدفعني لأن أمارس خيال المراهقين الذين يندسون تحت اللحاف، ويداعبون أعضاءهم التناسلية، حتى ينتشوا وينتشوا ويرتعشوا، ويقذفوا سموم الجسد، بين أفخاذهم، ثم يشهقون، مشبعين بارتخاء الجسد. تضع يدك على صدرك، تتحسس شعر الذئب المقشعر، تمسد لحمك بأناة وتؤدة، تختصر المسافة إلى عضوك، فتخبئه عن يدك المشاغبة، تنهض، تطل من خلال النافذة بثقة، تتلفت يمنة ويسرة، لا أحد يمر من هنا في الساعات المتأخرة من الليل، الظلام يجثم على البلدة الوادعة، تسلمه جل أنفاس النائمين، ويقبض الظلام السكينة..
تقول: هذه الأنا المحبوسة في قفص الهو، تحاول أن تتحرك، تحاول أن تتحرر من وهدة السطوة المفجعة، أنت أحياناً تكون ليست أنت، أنت أحياناً تخرج من شرنقة معتمة، تحاول أن تتنفس الهواء الطلق، ورغبات الناس العاديين، تمارس ما يمارسونه، وتفكر فيما يفكرون فيه، ثم تنتكس، وتتقمص شخصية كائن آخر يخرج من جوفك متوحشاً، متورماً بحثالات ونخالة ما قبل الأنسنة.. تشعر بأنك تريد أن تغتصب أي أنثى تقابلك، كما أنك تندم على أنك لم تستأذن صديقك، لتضاجع تلك الأنثى التي احتقرتك كثيراً عندما لمح أبو سيف أنك رجل لا تفكر في ممارسة الحب.. ثم تدلف من نافذة داخلية تدخل في العتمة مرة أخرى، تجد نفسك متبرماً، متأففاً، متقززاً من أشياء الناس العاديين، تقول عنهم إنهم جهلة، وسذج، لا يساوون فلساً، كونهم يلهثون وراء الجنس الرخيص أو أنهم يؤمنون بخرافات مفضحة، ولا يرون في الحياة أبعد من أخمص القدمين..
تمكث على السرير، تطالع السقف الجامد، وتفكر في نظرات صديقك الأخيرة، عندما زرته مؤخراً، كان يغالب قلقه، ويصارع أسفه، ويحاول أن يستشف منك المغفرة، كونك الناصح له منذ زمن، والمحذر له من ويلات عبثيته المزرية..
تقول: ربما يشفى من علته، ربما يبرأ من أدواء الزمن، لكنه لن يستطيع أن يكون أنا.. أنا كائن ربما لا شبيه لي، لأنني علقت في شرك التحدي الداخلي، ولأنني آمنت بأن الفلسفة هي العصا التي تنشق عنها أحلام يقظة، وأفكار تتجاوز حدود ما يفكر فيه العامة.. تقول العامة، وتغضن حاجبيك، وتزفر مستفيقاً على نقطة ضوء، ترسم دوائر صغيرة، عند حافة العقل..
تقول: أريد أن أزور صديقي صباحاً، من دون أن أهاتفه، أريد أن أكتشف قوته الإرادية، إن كان صادقاً أم أنه كان يراود نفسه عن شيء، لا يستطيع مقاومته.. تتحرك عقارب الساعة، والليل يفقد قواه السوداء، ويرحل شيئاً فشيئاً، لكنك لم تنم بعد، صرت تتناجى مع العتمة وتسهر كثيراً، والعمر يمضي ولم تنجز شيئاً مما نذرت نفسك لأجله.. تريد أن تكون شيئاً آخر غير الآخرين، وكذلك غير نفسك.. تريد أن تحاصر أناك المهترئة بحزمة مبادئ، لتتخلص من خوفك..
استيقظت من نومك على وقع حلم مباغت، قمت كطفل مفزوع يبحث عن صدر أمه، حلمت حلماً قديماً، مشوهاً، لم تصل إلى تفاصيله الواضحة.. حلمت بأنك كنت في قارب صغير وحيداً، في عرض زرقة بحر عميق، فجأة تهب عاصفة، فينقلب القارب، وتقذفك الأمواج العاتية، بعيداً تصرخ، تحاول أن تستغيث، فلا أحد يسكن بجوارك حتى يمد لك يد العون، تظل هكذا تغطس وتطفو، ويداك مرفوعتان إلى الأعلى، بعد فترة وجيزة، ولم يكتمل الحلم، أو ربما هو هكذا الرسالة التي أراد الهو أن يوصلها إليك.. قفزت مفزوعاً متلعثماً، وريقك ناشف، وشفتاك ذابلتان، وعيناك زائغتان.. تتلفت، تنظر من حولك، ولا يقطن بجوارك غير المنفضة التي خلفت في جوفها كومة من أعقاب السجائر، وعلبة الدخان، تفتح فاهها، وفي جوفها بضعة أعواد من السجائر..
تقول: ماذا يعني القارب، وما رمز الغرق؟ في التحليل النفسي، تناولت كتاباً من علم النفس، لسيجموند فرويد، أخذت تقلب الصفحات، بيدين مرتجفتين، وجسد هامد، متصبب بالعرق، ما الكارثة التي ستداهمك فجأة، وهل أنا أسير في الطريق الخاطئ..
تقول، مذعوراً.. يا إلهي.. هذا العقل الصندوق المقفل، ينفتح عن أسرار وأخبار هذه النفس، تبدو كمزرعة للكائنات المخيفة، تدعك جفنيك، تحاول أن تستجدي النوم، فلا نعاس يملأ عينيك، لا شيء أمامك غير التدخين، تشعل سيجارة، وتذهب ناحية النافذة، فلول الظلام بدأت تهرب من عرمرم نهار يتمشى الخيلاء، تحت ضوء باهت يتشكل رويداً رويداً.. تسترد أنفاسك الضائعة في صدرك المكظوظ بالقلق، تسترجع تفاصيل الحلم.. هل سأغرق فعلاً أم أنه الخوف؟ أنا لاأزال خائفاً، متوتراً، من ماذا.. لا أدري.. لكن شيئاً ما يتضرر داخلي.. هي الأنا المحاصرة بأنياب الهو المعتم أو المعترك بأشلاء خبايا قديمة قدم الدهر..
قلت سأجرب النوم ثانية، لم يزل متسع من الوقت حتى أذهب إلى أبي سيف.. استلقيت على الفراش، دفنت وجهك في الوسادة، ويبدو أن المخدع مطارد من خفقات قلبك، حاولت أن تتعاطف مع نفسك، وأن تتضامن مع المخدع، وترخي جسدك بهدوء.. أصررت على النوم، وطردت الهواجس، لكنك نسيت أن تقفل النافذة التي تركت إحدى ضلفتيها مفتوحة، نهضت ثانية متململاً، دفعت الضلفة بعنف، وعدت إلى فراشك، عدت محتبس الأنفاس، وكأنك على يقين أن النوم الذي هرب مذعوراً لن يعود ثانية.. النوم طائر جبان، يفر لمجرد برهة خفيفة، تطرق أصابعه، بل هو أنت الذي لا يتحمل حتى صوت الحفيف، متوجس، برم، مضطرب، يهفو قلبك لمجرد حلم خاطف.. تبحلق في السقف.. تقول: الآن أحتاج إلى كوب شاي ساخن، وشريحة جبن، مع نصف رغيف. تعد طعامك، تشغل نفسك منهمكاً في تقطيع الجبن، ومسحة على صفحة الرغيف، ثم تطوي الخبز، وتلف لفيفك وتجلس بجانب النافذة، على سطح الكوميدينو ترشف شايك، وتقضم رغيفك، ورأسك تدور رحاها بحكايات، وروايات عن أحلام النوم، تقول: لولا فرويد العظيم، من يا ترى كان سيحل معضلة الأحلام الكابوسية الفظيعة؟! لولاه لكان معظم الناس يعتقدون بنبوءة الحلم.. ولم لا؟.. فلايزال الكثيرون تسيطر عليهم خرافة أن ما يحلم به الإنسان يتحقق في مستقبله الراهن، أو البعيد..
تقول مؤنباً نفسك.. مادمت كذلك، فلماذا فزعت إذن.. إذا كان الحلم لا يفسر الكوارث المستقبلية، أو الآمال المبهجة، لماذا، فررت من الفراش، كفأر مطارد، تصمت.. ثم تستطرد.. الهو اللعين، استولى على أناي، صفدها بأغلال محكمة، وجعلني أسير قواه الغيبية العتيدة.. ثم تفكر.. إذا كانت الأحلام هكذا لماذا لا يقتنع الناس، أن أم الدويس جزء من معطيات العقل الباطن، هذا الكائن العملاق، الذي يتحكم في أعناق القوة والضعف في الإنسان، منذ متى سكنت أم الدويس في اللاشعور؟ هذا ما يجب البحث فيه بتقصٍ واحتراز..



تقول إنك تخاف منها، وتقول إنك تشك في ولائها لك، على الرغم من نظراتها التي تتبين منها أنها امرأة عاشقة، متلهفة.. وتدرك أنك كل ما تفعله من أجلها لن يجدي نفعاً، لأنك أنت الذي سوف تهرب في نهاية الأمر، ولا تدري لماذا يراودك مثل هذا الإحساس، علماً بأنك لا تكرهها، ولا تكن لها غير مودة رجل يريد أن يرتوي، رجل عرته الصحراء كثيراً، سار في دروبها، حافياً إلا من أشواق قديمة، لكن عندما اقتربت منك، ولفحتك أنفاسها الحارة، شعرت بالتوجس، ترددت، تقهقرت، تواريت خلف قلقك، صرت بعيداً عنها شيئاً ما، بينما كانت هي تتبعك بخطوات متباطئة، لكنها تتجه إليك، قالت لك، في لهجة متسائلة وبدهاء الأنثى: ما الذي يجعلك ترتاد الصحراء، وحيداً، وتمضي أوقاتاً طويلة وأنت تتأمل، العراء، ثم تعود بخفيك، دون هدى، وكأنك ضيعت شيئاً ما؟
تقول إنك تلعثمت، حاولت أن تلتقط أنفاسك، حاولت أن تطوق الكلمات بين شفتيك الناشفتين، لتلفظ عبارة مفيدة، لم تستطع، اخترت الصمت، لكن داخلك يحترق، وحطب جهنم يتساقط على رأسك، والعرق يسح من جسدك.. لا تعرف لماذا راودتك رغبة في أن تفر وتختفي من أمام عينيها، تختفي من الوجود، لكن تشبثك بجذع الشجرة المجاورة هدأ من روعك، جعلك تسكن قليلاً من التوتر الذي تلبسك.. الفتاة، تقترب منك رويداً رويداً، تختزل تاريخاً مديداً من عمرك، وتستعيد تاريخاً مثخناً بآلام ونكسات وعقبات وكبوات، وتقول إنك لا تفكر في نبش قبوره، لكنه يحشرك عند نقطة ما، ما بين حاجبي الفتاة، فتجد نفسك وكأنك تمر عبر قتاة فضية، باتجاه عينين لامعتين بحشرجات قلب متصهد.. تلبث قليلاً هادئاً، ثم، يختفي قلبك عندما تشم عطراً نفاذاً، يفوح من عباءتها الشفافة، وهي تهفهف على الكائنين المنتصبين، عند محراب الصدر.. تفكر.. تقول: فعلاً إن عطرها يتغلغل في مسام جسدك كأنه الرقية المقدسة لدى الأجيال السابقة. تقول: أتمنى لو أن لسانها ينطلق، وتتحدث ببلاغة النساء المجتهدات جداً في صناعة العلاقات العاطفية. تقول: أتمنى لو أنها تسرج جياد الكلمة، وتستعين بالقلب، لتفض بكارة الصمت، وتعينك على سماع ما قد يستفزك، ويدفعك للخروج من وهدة الصمت المطبق.. لكنها مثلك تحاورك بعينين دامعتين، ربما لأن الهواء قذف عينيها بحبات تراب، أو أن الفتاة من صنف الإناث اللائي عندما يحترقن تدمع قلوبهن، أي كأنهن جذوع شجر القرط.. أخذت قسطاً من الراحة، استرحت عند جفنيها المسبلين، اتعبتك أوهامك السابقة، لكنك عدت مرة أخرى، محاصراً بإرهاصات قديمة، ضالعة في البؤس، استدرت نحوها، ضغطت على مخارج ألفاظك، استدرجت مشاعرك المكبوتة.. قلت: لقد اختفيت فترة طويلة..
تمتمت.. ظروف.. ازدردت ريقك.. قلت لنفسك: وماذا عن السؤال الثاني. عن ماذا أسأل، لكي يستمر الحديث بلا ارتباك. لم تجد الكلمات، لم تجد نفسك إلا في تيه الصحراء الشاسعة.. ولكن الفتاة، المشنشلة بالجواهر، ترمقك بنظرات من سلالة أسلاف عبقوا التاريخ، بأحلام الرمل، وطموحات الشجر عندما ينمو على تلة، ويستأذن السماء كي تمطر قطراتها من أثداء النجوم المتلألئة..
تحاول أن تستفزها، أن تستعديها ضدك، وأن تستحضر لعناتها لتطردها، من حياتك إلى الأبد، لكن لا جدوى، فهناك في داخلك كائن خفي يهفو لأن يستدرجها نحوك، وآخر أكثر توحشاً وضراوة يدفعك إلى أن تلفظها كنواة تمر، لتبقى وحدك، تستمني في العراء، وبلا حاجة لأنثى تستحلب الجسد.. تغمض عينيك، تزم شفتيك، والفتاة مستمرة في مراودتك، وكأنها تقول لك هيت لك، وأنت تعتصم، وتلجم الرغبة بكل صرامة وحزم، فكرة ما تهاجمك، تقول لك إن هذه المرأة عاهرة رسمية لا محالة، لكنك لست مقتنعاً، ولا مستعداً لأن تصدق مجرد هراء، وكيف مجرد فكرة تلوث طهراً ربانياً، لا تنتجه غير الصحراء، كيف تسول لك نفسك أن يلتاث فكرك بمثل هذه الخرافات القديمة، ولا تقتنع بأن ليس كل النساء ملوثات.. لم تنفك وأنت تتجرع مرارة الموقف، وقد تمنيت في لحظة لو أنها تغادر المكان بسلام.. وتنقذك من عذاب الإحجام والأقدام، تمنيت أن تفعلها هذه الفتاة، لكن، يبدو أن في النساء خصلة سيئة، حيث إنهن يحاولن حتى آخر رمق ولا ييأسن وإذا ما سنحت الحيلة، واحتقن، وصرن كتلاً جهنمية، لا تقارع..
قلت.. إذا كنت أنا كذلك، فعن ماذا جئت أبحث.. عن أم الدويس.. تهمهم بسخرية.. عن امرأة ما.. عن وهم ما.. عن ماذا.. يا رب ارفع عني ضيم اختلاجاتي، ودع عني أذى نفسي..
عندما هممت بالمغادرة، عطفت رأسها بحنان أنثى وادعة، ورمقتك بنظرات عتاب. عرفت المغزى، قلت.. بالفعل، أنا إنسان غريب، أنا إنسان لا أستحق أن أجاري عيني امرأة حسناء مثل نيران.. ولم يضمك غير الفراغ صحت.. نيران.. تعالي أريدك.. رفست التراب، محتدماً..
قلت: كيف تغادرني من دون أن تقول لي وداعاً.. ثم تطرق: ولماذا تودعني، حتى الآن تشاغبني في الداخل، هي تعلم أنني صرت سجينها.. اعتراك الخوف، وانفتح فرغ وسيع، التهمك، اختفيت، تلاشيت، لا شيء غير العتمة، والوحشة المزرية.. صرت تريد أن تغادر الفراغ، تود أن تتشبث بشيء واقعي، تلمسه بيديك ولا شيء.. الفتاة التي كانت أمامك كانت مجرد وهم، ثم تصرخ بصوت وئيد بل هي حقيقة.. تبعتها، صعدت على تلة عالية، نظرت إلى المخيمات المنتشرة، في مساحة واسعة من الصحراء، نظرت إلى الحركة الدائبة، والأصوات التي تأتيك من بعيد كأنها موسيقى جنائزية حزينة، ليس لأنها كذلك، بل لأنك وقفت في هذا المكان، تحمل نعش إرادتك المكسورة، وتقف مستأنفاً حديثك مع نفسك، بيد أنك لم تنطق بما يفيد، أثناء ما كانت الفتاة تناوشك بوداعة.. قلت.. لقد غابت، الآن تندثر في الظلمة، بين جدران الجريد، لن تفكر إلا في ملامح رجل، غابت قدرته على الكلام لمجرد أنه يقف أمام امرأة.. تقول: لو علم أبو سيف بأمري، سوف تصطك أسنانه ضحكاً، سوف ينكل بي، ويهزأ ويسخر، ويكيل النعوت المخزية، ويجزل في أوصافي المخزية.. وبطبيعة الحال سوف يستعرض بطولاته، ويطيل في الشرح، ويفصل في سرد النصائح.. سيقول إن الخيل تريد خيالاً، والمرأة تريد ريالاً، وسوف أقف أمامه كتلميذ فاشل متقاعس. تارة أخرى، تستعيد صوتك، وتصرخ بصوت مرتفع.. نيران يا نيران.. أنا فيروز.. وتضحك بهستيريا، تحثو التراب في الفراغ. تفكر.. يا ترى، لماذا تقاعست عن ملاطفتها.. لماذا لم أستعن ببطولة التاريخيين العظام، وأذهب معها بعيداً وآخذها على صهوة حصان، وانطلق بها، وهي تلتصق بي، تملأني غبطة بحرارة جسدها، وتمتلئ هي برائحة جسدي، المعرق، جراء اكتظاظ المشاعر..
رفعت رأسك، السماء الصيفية ترسل لعناتها، وتصب جام غضبها، وهي تحيطك بفضاء يبدو ليس فضاءك. تقول: لم أجئ إلى هنا من أجل النساء، ثم تزم شفتيك، إذاً لماذا أهفو إليهن، ويدق قلبي ناقوس الخطر وكأني على وشك الوقوع في كارثة.. لماذا أخشى النساء، أتحاشاهن، عندما يقتربن مني، ما الفرق بين المرأة والرجل حتى أصير لا أخشى الرجال، ولكني أكون شخصاً آخر عندما تصادفني امرأة..
وأنت تعود أدراجك، وتطوي المرتفعات، والمنخفضات، بقدمين مترهلتين واهيتين، قلت: لا أتخيل أنني أعرف امرأة اسمها نيران.. تصمت.. تبهت ثم تطرق: ومن هذه المرأة التي كانت قبالتي قبل فترة وجيزة.. تسأل نفسك وتجيب.. وهم.. تهز رأسك، ثم تردف: وهم.. كيف تكون كذلك وقد شممت رائحة عطرها، ولمست في عينيها دمعة تتجول في محجريها، كأنها كرة صغيرة من فيروز البحر، وأنت في الطريق، حيث الشمس سلمت أمرها، وانتهت إلى زوال، وصارت الوجهة إلى المنزل، مكسوة بلون رمادي، يدكن شيئاً فشيئاً.. وأنت تسير وكأنك عائد من حرب ضارية خسرت فيها المال والعتاد، ولم يبقَ لك غير قلب مجروح، ونفس مكسورة، وجسد متهالك، بعد قطع مسافة واسعة، مشياً.. في الشارع العام، تقف ولا تحبذ أن تستقل مركبة، ولولا أنك تشعر بالتعب لفضلت السير على القدمين وعدم الاحتكاك بأي كائن بشري، في هذا الوقت تشعر بأنك لست في حاجة إلى أي إنسان يطرح عليك أسئلة تبدو أنها ساذجة ومقززة، ومؤذية للمشاعر، لكنك، رفعت يدك أشرت إلى سيارة أجرة، واندفعت بصمت في المقعد الخلفي، وتجمدت كالتمثال العاجي، سرت في اتجاه البيت، لا تريد أن تذهب إلى أي مكان آخر، لا تريد أن تفكر في أي شيء.. كل ما تريده فقط أن تتوحد بنفسك..
تقول إنك كرهت هذا النعال، تريد أن تتخلص من عشرته التي دامت سنتين. فقد التصق بقدميك هذه المدة الطويلة، حتى ارتسم لون جلده الأسود في قاع قدميك، وعلامات ضغط أحزمته تشكلت على ظاهر قدميك، تريد أن تستبدله بنعال جديد، يلمع عندما تضربه أشعة الشمس، وينفث رائحة جلده في أنفك فتشعر بالانتعاش.. الجديد لافت، ويشيع شيئاً من السعادة، على الرغم من أن كل جديد يصبح بعد حين قديماً، والأشياء القديمة عزيزة على النفس، لأنها ترتبط بذاكرة وبأحداث ومواقف هذا النعال القديم، اشتريته منذ سنتين، بعدما تهرأ النعال القديم، وأحلته إلى التقاعد في مكب الأشياء فاقدة الصلاحية، لم يهن على قلبك أن تقذفه في براميل القمامة، ليلتقطه أحد الشحاذين، النابشين في فضلات الآخرين، بل وجدت من الصعب التخلي عن صديق حملك لسنوات، وأثقلته بمشيك وقطعك المسافات الشاسعة، وكذلك هذا النعال، ولن تلفظه لن تتخلص منه إلى الأبد، لن تدعه في قدم شخص آخر، لا بد أن يبقى أمام عينيك، يذكرك بأحداث، ويحكي لك قصصاً أنت نسجت خيوطها وقد تحاول أن تتناساها، أو تدعها في مستودع اللاشعور، وعندما تلف نظرة إلى نعالك القديم، تذكر أشياء تلاشت، وتراكم عليها الغبار، كما تلبد الغبار على نعالك..



في هذا الصباح، تبدو مشرقاً شيئاً ما، ولعلك عندما تفكر في شراء شيء جديد تتسرب إلى نفسك نسمات الغبطة، لفترة وجيزة، ولم لا؟ لعلك تهرب قليلاً من جفولك، تريد أن تغير من سحنة هذا الوجه، وتذهب لشراء نعال جديد رخيص إلى حد ما، فلا تحبذ شراء المستلزمات باهظة الثمن، وتعتبر الإسراف في شراء حذاء أو عقال، أو قندورة، شيئاً من البذخ الذي لا لزوم له.. وتستطيع أن تستخدم هذا النعال لمدة سنة مقبلة، لكنك تفكر في التجديد.. تفكر في الهروب بشيء ما، للانشغال بشيء آخر، حتى الأشياء التافهة تكون أحياناً بديلاً رائعاً لزحزحة المشاعر، وتحريك المياه الآسنة والعفنة.. فما جاش في صدرك في الأمس، كان أمراً عظيماً، شعرت بأنك مازلت تتقمص دور المراهق، الذي لا يستطيع أن يخرج من جلباب زمنه الطفولي، أحسست بأنك تحب ولا تحب، تكره ولا تكره، شعرت بأنك تخطو خطوة باتجاه أمر ما، ثم تتراجع خطوات، تتقهقهر، وعندما تنكص إلى الوراء تتلبسك حالة من الامتعاض ولا تدري ممن أنت ممتعض.. ترتدي ملابسك، وتنفح جسدك بالعطر. فالزجاجة، التي وضعتها على جانب من سريرك فوق الكوميدينو، لم تزل تحتفظ بنصف طاقتها الإنتاجية، لم تزل ترشح برائحة نفاذة، وفي هذا الصباح وجدت من الضروري أن تملأ أنفك بحفنة من رائحة طيبة، على الرغم من أنك تحبذ دهن العود على العطر البخاخ، لكن زجاجة دهن العود باتت فارغة، ولا تستطيع أن تمنحك ذاك السائل اللزج الأصفر المائل إلى السواد، وعبقه الأخاذ، لذا ركنتها جانباً، لكنك لم تلقها في سطل الزبالة، بل لا تزال تتدحرج، مخشخشة بصوت يذكرك بأنك كنت في يوم ما تملك زجاجة صغيرة، بحجم إصبع اليد، تمتلئ باللزوجة الطيبة.. عند باب المنزل، وقفت وكأنك تستطلع الطيب، وكعادتك لا تندلق من باب المنزل باتجاه الشارع، في لهوجة، بل تقف متأنياً، متأملاً المكان، والبيوت المتراصة، والأزقة التي تدلف من فتحاتها السيارات والناس الراجلين، كل يذهب في مسعاه.. ثم تتمشى، وتحب أن تسير على قدميك حتى تشرف على الشارع العام، في منطقة الخور القديمة. هذا الشارع المرصوف بالقار الآن، كان لساناً بحرياً، صغيراً، يخترقه المد البحري، حتى يصبح، شريطاً مائياً، يلهو به الأطفال، يسبحون، ويلعبون بالمراكب الورقية والمعدنية، ويتراشقون بقطرات الماء المالح، مبتهجين.. أما عندما يبدأ القمر في الأفول، وينحسر ماء البحر، جزراً، وتأتي أمطار الشتاء الغزيرة، فإن هذا اللسان يتحول إلى نهر صغير، تغوص في أحشائه أقدام الصغار العابثين، اللاهين، المبتهجين بالهطول.. وفي المواسم القاحلة، حيث لا بحر ولا مطر، فإن الأرض الطينية اليابسة، تصبح ملاذاً للعب الصغار، الذين يلعبون «التيلة» و«المحطة»، وكذلك كرة القدم البلاستيكية.. الآن صار الشارع المزدحم، لا مكان فيه، للسائرين على أقدامهم، بل إن الشاحنات والمركبات الصغيرة، تخب خبيبها في شارع، أشبه بشريان ضيق، محاط بأبنية تجارية، ومحلات بيع المواد الاستهلاكية، ترى البائعين الهنود بالسحنة السمراء الهادئة، والعيون الشاخصة في الفراغ، الوسيع، وترى ألواناً أخرى من البشر، تدأب في حركة نشطة.. وخلف هذه الدكاكين، تنام البيوت القديمة، تميل بأكتافها المتهالكة على بعضها، وتخبئ أسراراً وأخباراً، تتذكر الأشخاص الذين ناموا تحت أسقفها، الآن أصبحوا عظاماً رميمة، ولم تبقَ غير أسمائهم، تظل في الذاكرة، باهتة لا معنى لها.. هذه البلدة التي كتب عنها ابن ظاهر في شعره، وقال إنها كانت تعج بالبشر، ولما جاء الطوفان في القرن الثامن عشر، أكل الشجر والبشر، وصار البحر في مستوى قمم النخل.. هذه البلدة التي أصبحت لا تساوي شيئاً غير مأوى.. للعمال الهنود، والشحاذين، وبعض المكسورين والأرامل.
استقللت سيارة الأجرة، طافت بك المركبة الصغيرة، يقودها سائق باكستاني، ينشف عرقه من حرارة الشمس، وانصهار حديد مركبته القديمة.. عبرت بك الطريق، بعد تجاوز عدة إشارات صعد على الجسر، الفاصل بين ضفتي البحر، الجسر المنحني كظهر امرأة عجوز، يرتفع عن سطح البحر بعشرات الأمتار، ويبدو أنه الحارس الوحيد لأقدار الذين يمرون على ظهره، مشدودين للوصول إلى أماكن شغلهم أو محطات جلب حاجاتهم، الجسر الحديدي، يبدو من بعيد، كقامة متهاوية، تهبط من علو لتبطئ سير المركبات الذائبات في أتون الفراغ الموحش، تقول إنك عندما ترى ظهر هذا الجسر تشعر وكأنك تستقل طائرة ورقية تخشى أن تقع في أي لحظة، وتقضي على الذين فوق ظهرها، والذين يسيرون تحت جثمانها المرعب. تتطلع إلى السائق المكفهر، الجامد المتشبث بمقود المركبة وكأنه يقود مركبة فضائية لا يعلم أين تحط به.. لا تحاول أن تستنطقه بكلمة كونه أطبق الشفتين وكأنه حلف ألا يكلم أحداً في الصباح.. لا يبدو أنه أخرس، فقد التفت قبل برهة، متذمراً، وشتم أحد السائقين بعد أن التصق بسيارته وكاد يحرفه عن طريقه، ثم انكتم صوته..
قبل أن تذهب إلى محل بيع الأحذية، راودتك رغبة قديمة، وجامحة، فانعطفت باتجاه مقهى قديم، مقهى السيد كندر، لم يزل كما هو يحتفظ بسماته، وسلالة الأقدمين، الذين أشعلوا نيران الأرجيلة تحت السقف الخشبي، دلفت مدفوعاً برائحة التبغ المعتق، وأخذت ركناً معتماً، واستقللت طاولة صغيرة.. طاولة خشبية، صف على سطحها النادلون أكواب الماء، والقناني الزجاجية المملوءة بالماء البارد، أشرت بيدك للنادل، الواقف عن قرب، متربصاً، يتفحص الوجوه القادمة، الجديدة والقديمة، ولا أحد سواك، الذي بدوت شخصاً غريباً، فجميع الذين يجلسون على الطاولات، يعرفون النادل، وينادونه باسمه، ويتمازحون معه، ويلقون عليه النكات، معظمهم من شيوخ القبائل وفضائل الزمن الجميل.. طلبت شاياً أحمر، وقصعة فول مطبوخ.. تفرست في الوجوه، أغرتك الرائحة، المتفاقمة المتصاعدة، من رؤوس الأراجيل، المتصهدة، طلبت النادل. قلت: أحضر لي أرجيلة، قلت لأطلب أرجيلة بدلاً من السيجارة التي مجتها نفسي.. الرجال الذين يحيطون بالطاولات جلهم تعرفهم، لكنهم بطبيعة الحال لا يعرفونك، وأغلبهم من الذين كانوا شباناً في زمن صباك المبكر، تغيرت أنت، وشاب شعر لحيتك، وذبلت أجفانك، وغزت التجاعيد وجهك، لكنهم هم الذين ابيضت عيونهم بغشاوة الزمن، وانحنت ظهورهم، وشاخت ذاكراتهم، لن يذكروك.. لبثت في مكانك، في صمتك، منصتاً بإرهاف إلى ضحكاتهم العالية..
رشفت شايك، وأخذت نفساً عميقاً من دخان الأرجيلة، سعلت، علت كحتك وانتشر صداها، مزمجراً، قال جارك القريب في الطاولة المحاذية. سلمت.. ثم أردف.. يبدو أنك جديد على الأرجيلة، خفف من سحب الدخان، لا تأخذ نفساً عميقاً، رويداً رويداً على صدرك، حتى تألف الدخان رئتك. اتبعت النصيحة بعد أن شيعته بابتسامة خفيفة، وصرت تكتم سعالك، خشية الإحراج.. تذكرت محمد بن سباع، كان عباراً ماهراً، كان شاباً يافعاً، تمتلئ زنداه بالعضلات، كان يدفع قارب العبور بين الضفتين، بصدره عندما يلتحم بالشاطئ الرملي.. كان رجلاً، مبتسماً دائماً، لكنه لا يناور على حقه في كسب العيش، ولا يساوم، تذكرته عندما تشاجر مع أحد العبارين، الذي حاول أن يسرق منه الدور، صفعه على وجهه، فأرداه على الأرض، ولم يلق بالاً لما حصل، بل باشر في استقبال الركاب، وهو يرمق منافسه بنظرات الشذر والتهديد الصامت.. تنظر إليه الآن تتفحص وجهه الذي بات أشبه بورقة اللوز الصفراء، وأسنانه، أو بالأحرى ما تبقى له من أسنان صفراء، برزت كالمسامير الصدئة، تفضحها ضحكاته المتعالية، لم يتغير المقهى، عدا صاحبه الذي ودع دنيانا، ليمسك بزمام الأمور الهندي الذي استأجره قديماً، وصار يتحدث العربية بلباقة، ويتطبع بطباع الكهلة الذين لازموا المقهى طوال هذا الزمن. الرجال القريبون من طاولتك لا يتحدثون إلا عن الجنس والزوجات الهنديات، تسمع أحدهم يقول ضاحكاً، محدثاً صاحبه، لقد هربت منك، يبدو أن سلاحك فتاك، ولم تحتمل طلقاته المدوية، بينما يقول آخر: لا.. لا تصدق هذا، لقد هربت لأنه كان يستعمل إصبعه، فملت منه، ولاذت بالفرار، يلكزه الرجل الأشيب، قائلاً: تريد أن تجرب أن كنت استخدم إصبعي أم لا؟.. يتعالى الضحك.. وفي حوار آخر على طاولة أخرى، يتحدث الكهول عن الأمراض. يقول أحدهم بسخرية: لقد يئست، لم أدع مصحة ولا مستشفى إلا وطرقت أبوابه، فلا جدوى، السكر لا علاج له، ويئن آخر، والضغط كذلك.. هذان مرضان لا يستطيع الطب أن يجد لهما علاجاً..
وينبري رجل، وهو يلفظ دخانه من صدره، المكتظ بالسعال.. وهل لدينا مستشفيات؟ فدواء الضغط والسكري أشتريه بنفسي من الصيدليات، الأطباء، يضعون السماعة على الصدر، وحزام الضغط على الزند، ويعطيك ورقة صغيرة، ويقول لك اذهب إلى الصيدلية الفلانية، فالدواء ليس متوافراً لدينا.. ويصدح آخر متذمراً الأطباء هم الذين يحددون الصيدليات المعينة.. صوت آخر: الأمر واضح.. عصابات تدعم بعضها بعضاً، ونحن ندفع الفواتير. يسود صمت، ويعلو الدخان، وتنشف أنت كأسك، وتجفف عرقك، وتعطي النادل أجرته وتنهض. تغادر المقهى، وتتبعك ذاكرة قوية، تتشبث في ثيابك، تلوم نفسك لماذا لم تعرف نفسك على الذين عرفتهم؟ لماذا فضلت أن تكون غريباً؟ فهؤلاء الأفذاذ قطعوا مسافات بعيدة، وجاؤوا من التلال العالية، في الظيت الشمالي والجنوبي، ليستعيدوا أيامهم، وجاؤوا من هناك مستمرئين إعادة صياغة الأحلام، وتجديد الأيام، جلهم تقاعدوا عن كل شيء، لكنهم لم يتقاعسوا عن تلوين اللوحة القديمة، وإعادة ترميمها، بحكايات مسلية، وسرد الروايات التي تنفحهم برائحة الزمن الذي تولى.. مازالوا يذكرون، ويتذكرون كل شيء، أجسادهم المطحونة تحت الشيب، لم تتخلّ عن مواقد الذاكرة المشتعلة بجحيم الأحلام..
تقول إنك وقفت أمام محل بيع الأحذية، الذي رصفت في أعلى بوابته يافطة عريضة، محل بيع الأحذية الرجالية.. تدلف المكان هو المكان الذي اشتريت منه نعالك المتوفى قبل سنتين، والرجل ذو السحنة الرمادية هو نفسه كذلك، ما تغير فقط ملامح وجهه المكفهرة، القانطة، سحبت إحدى العلب الكرتونية ونزعت الورق الشفاف الحافظ، وأدخلت قدمك في فردة النعال، رفعت بصرك في وجه الرجل الواقف أمامك. قلت.. كم سعره.. قال، في لهجة جامدة وحادة شيئاً ما.. بأربعمائة درهم..
بهت رافعاً حاجبيك.. أربعمائة.. لماذا؟
قال: هذا سعر السوق..
قلت: نفس هذا النعال.. بشحمه ودمه، اشتريته من هذا المحل، ومنك بالذات قبل سنتين، بمائتين وخمسين.. ماذا تغير؟
قال مبتسماً ابتسامة باهتة: كل شيء تغير.. لو ذهبت إلى سوق السمك، وسألت عن مشك سمك الشعري، سيقول لك بعشرين درهماً، بينما كان قبل سنتين بعشرة دراهم، والأمر كذلك لو دخلت سوق الخضار، البطيخة ذات الأربعة كيلوغرامات صارت من عشرة دراهم إلى عشرين.. ثم يردف متأففاً.. كل شيء يا أخي بهظ ثمنه، إيجار المحل، هذا الذي كان بعشرين ألفاً أصبح يؤجر بضعف الرقم هذا إن وجد..تحول نظرك إلى ماركة أخرى..
يقول لك: هذا سعره أرخص.. بثلاثمائة درهم..
تسأل.. لماذا؟
يقول: الماركة مختلفة.. ذاك إيطالي.. وهذا تايلاندي..
تشبك يديك خلف ظهرك، تتفرس في الأرفف، وتنظر إلى الرجل المتجهم باستقطاب، وكأنك تريد أن تستدر مشاعره، لكنه كان يتحول جانباً في عجالة من أمره، يريدك أن تغادر، ظافراً أم خاسراً، فلا وقت لديه للمساومات.. فهمت المغزى، ولم تجد ما توفره من كلمات..
قلت في يأس: أعطني ذاك..
قال.. الإيطالي..
قلت برماً: ولم الإيطالي.. أريد التايلاندي.. قدماي لا تستحقان أكثر من هذا..
قال.. مبتسماً: بل تستحق أكثر من ذلك..
أخذت العلبة، وأعطيته ثمن النعال، منصرفاً بتذمر، لاعناً الوجوه التي تغيرت ألوانها، وشحبت بشرتها، وصارت عدوانية إلى درجة النكد.. في عودتك فكرت أن تزور سوق السمك، فكرت أن تستعيد شيئاً من الذاكرة المنطوية، تجاوزت محال تجارية، لم تزل تحتفظ بقاماتها، ومكانتها، ورائحة الخردوات والبهارات، وعطر الزنجبيل المزنجل برائحة الحرقة.. قلت: كان هنا دكان المصلي، وفي مقابله دكان أسد لبيع الأقمشة النسائية والرجالية، وفي الطرف الآخر عند الزاوية دكان حسن الشامسي، وآخرون، بعضهم قضوا وآخرون أحياء، والشارع لم يزل يكتظ بسيارات البدو، محملين بزاد الشهر، بعد أن باعوا العسل، والسمن البقري، والأشياء هنا لا تهشم سلالة السلام، حتى وأن دارت الدوائر على كثير من الظواهر الاجتماعية القديمة، وبزغت شمس ظواهر أخرى.. في السوق الكبير، المشرف على اللسان البحري، من خلال الميناء، هنا كون مختلف، وقوارب الفيبرجلاس، ترسو متراقصة، وعلى ظهرها رواد البحر الأعزاء، هنا تسترخي بعض السفن الخشبية، متثائبة، مغتسلة بالملح، وعرق الذين ناموا على سطوحها المدهونة بعبق التاريخ. دخلت، تجولت، تفرست، أمعنت النظر في حديقة الأسماك الزاهية، شممت الرائحة كما تطايرت على قندورتك قشور السمك، المقذوفة من أسنان السكاكين الحادة، لكنك لم تقرف، بل شعرت باشتياقات قديمة تهاجمك بعنف، تهشمت حنيناً، صرت الآن عند البوابة الخلفية للسوق، الذي صارت جدرانه العالية، المتعلقة بالفضاء، كلوحة جبلية تتسابق في صناعة المستقبل، توقفت، تأملت البحر ملياً، بعض السفن تعود متأخرة، لكنها زاخرة بالرزق الوفير، وفي انتظارها سماسرة، قابضون على اللهفة، متمسكون بتقاليد المقايضات في عز ظهيرة اليوم الصيفي، يقفون كمدافع وحرس ثوري، لا يتيحون الفرص، لأي مشترٍ أن يهبط صدر السفن الرابضة عند حافة المرسى الأسمنتي، ينتقلون بأقدام حافية، وصدور عارية، وقلوب محترقة، وينتعلون الإصرار، قافزين قفزات الطيور الجارحة، منقضين بشراسة على سلال السمك. وبعض المشترين ينسحبون خلفهم بخطوات متباطئة، متواطئة مع الكسل.. تقول: ربما يكون هؤلاء متفرجين، كحالتي.. قلبك المغمور بالسعادة، والحزن معاً، صدرك العامر بمشاعر متلاطمة، لكنك الذي صرت تتمتم بلغة مبهمة، وتحشد الذاكرة، بزخم من معطيات الزمن القديم، وما تبدى في زمنك الجديد من بؤر خطر ونفور، تطفر منها فيروسات قاتلة.. قلت: سوق السمك، لم يتغير منذ زمن، ومنذ أن انتقلوا من مقره القديم، عند الطرف الآخر من المرسى، والقريب من البنك البريطاني، لكن أشياء أخرى تغيرت.. البائعون.. وجوه لم تزل، غريبة، لكنها امتزجت في النسيج الاجتماعي حتى النخاع، هؤلاء الرجال الأفذاذ بسحناتهم الفضية، اللامعة بالعرق، احتلوا مكاناً واسعاً، واستولوا على حظوظ أبناء البلاد الذين تواروا بعيداً، سواء بالموت، ولم يحل مكانهم جيل جديد، أو الذين اختفوا طائعين، قانعين بمساعدات الشؤون الاجتماعية.. تشعر بالألم، يخالجك شك في أن هذه البلاد سوف تلقى مصير الحضارات التي اندثرت، والأمم التي غيبتها صروف التاريخ، بعد أن تخلت عن التزاماتها الأخلاقية.. الرجال الذين يقفون اليوم على مصاطب بيع السمك، يبدون كالمماليك، وربما يكونون في المستقبل أشد بطشاً.. تتردد في الحلم، تقول: لماذا كل هذه القسوة؟ لماذا أضعهم جميعاً في خانة الاستعمار الاستيطاني؟ آثرت الخروج من زحمة الأجساد، وزمجرة الأصوات العالية..
تقول: هذه التظاهرة العشوائية، تملأ السوق يومياً، منذ الصباح الباكر، وحتى ساعة الظهر، ثم يهدأ المكان ليأتي دور القطط، التي تلوب في الممرات، وحول الدكك، وعند صناديق الذخيرة.. تبحث عن طعامها، تتشمم الرائحة، وتدعك أجسادها، في الضحالة اللزجة، وتأخذ مؤنتها ثم تغيب، وبعض صراع مرير يحدث هنا بين هذه الحيوانات التي ألفت المكان، واحتلته، كما فعل الرجال السمر.. ينتابك فضول في أن تعرج نحو سوق الخضار المجاور، تتفحص المكان.. تقول: كانت سيدات المجتمع العامل يحملن السلال وحزم الرويد، والقلمان.. والبصل الأخضر، والجزر الأحمر.. والنبق، وكذلك اللبن البقري، ومستحضراته من الجبنة، واليقط، وغيرهما. كن يأتين فجراً، قادمات من أحشاء الجبل، ويتساقطن زهرات، عند المرفأ القديم، تستقبلهن العبارات، لتنقلهن إلى الضفة الأخرى من البحر، هناك في السوق القديم، كن يبسطن البضاعة، ويجلسن مفترشات الأرض، يضحكن مع هذا ويشاغبن ذاك، ويتداولن على سعر مع ثالث، ويغبطن رابعاً، برأس جزر. ثم تضيف قائلاً: كل الحمولة، التي كن يتأبطنها أو يحملنها على رؤوسهن، ما كان يزيد ثمنها على مئة درهم، لذا فإن المشتري ما كان يصرف أكثر من عشرة دراهم إن أسرف في الشراء. أما اليوم، فالعشرة دراهم، لا تعود إليك إلا برأسين أو ثلاثة رؤوس بصل.. تمضي في الردهات، تجوب أرجاء السوق، تتحول نظراتك في الرفوف المزخرفة، بألوان وأصناف الفاكهة، والخضراوات. قلت: تعجبني الفراولة، أشعر بأن طعمها يتسرب في حلقك، كما هو طعم الحياة في الروح.. لا أدري لماذا أحب هذا الصنف من الفاكهة، وكذلك الرطب. الرطب الذي تنعشني رائحته، فيه عطر الانتماء، وطعم الولوج في الأشياء العميقة.. تغادر السوق، تمضي في خطوات بلا هدى، شاعراً بنشوة.. تقول: على الرغم من إحباطي مما شاهدته إلا أن قلبي استرد شيئاً من نزيفه السابق، أشعر بأنني أستجيب لنداء الوجود، أستعيد كياني.. وتسير، وتقول الأشياء القديمة عندما تندثر، يندثر على أثرها تاريخ وعمر، بمعنى أن الأشياء التي من حولنا هي جزء من حياتنا، فعندما تذهب بعيداً في المجهول، فإنها لا تذهب وحيدة، بل تأخذ معها عمر الإنسان، ووجدانه، المسكون بها..
تقول: أشعر بأنني في حاجة إلى البكاء، أشعر بأنني أتهشم وأتناثر كزجاج، مصعوق بعاصفة ثلجية.. البكاء أحياناً استعادة لتوازن الذات.. ولو أنني بكيت عندما حلمت ذاك الحلم البائس، ولما شعرت بالانقباض وأنا أصحو مفزوعاً، جراء شعوري بغرق قاربي في عرض بحر عميق.. البكاء، النعيم الذي يزخر به البكاؤون، ولكن ليس كل إنسان في إمكانه أن يبكي، مشكلتي أنني لا أبكي.. لا أدمع كثيراً، لكنني أنزف.. وهذه معضلتي..
رميت مشاعرك في أحضان فراغ ملتهب، وسعيت إلى أن تتخلص من ضعفك، ولا تريد أن تستمر في ضياع زمنك.. قلت وأنت تنظر إلى الساحل الرملي وهو ما تبقى من الشاطئ، بعد أن عج بالحيطان الأسمنتية، والصخور ومخلفات المراكب، وسفن الصيد، ماذا سيؤول إليه حال الناس، بعد عقد من الزمن. كيف سيصير مصيرهم وهم يقضمون جزءاً يسيراً من الرغيف، والجزء الأعظم يذهب في أفواه الذين اغتصبوا الفرصة، وتسنى لهم أن يقتنصوا الظرف الراهن، فلا يكتفون بالمناصفة، ولا بالثلاثة أرباع، الأمر الذي يجعلهم هم الذين يتسيدون زمام المراحل، ويمضون بالمصير في اتجاه المجهول.. تغضن حاجبيك، تقول: لا بأس هذا شأن الناس، هذا خيارهم، ولا علاقة بالذين ينتهزون أنصاف الفرص، لينالوا ما نالوا.. عند المرسى، تتوقف، تنتظر سيارة أجرة.. تسمع صوت بوق، تلتفت.. صوت يناديك تاكسي.. تهرع، مسرعاً.. وأنت في المركبة، تفتح علبة الكرتون، تتفحص النعال الأسود، وتنظر إلى نعالك القديم، تقول: الجديد كيده حديد.. ثم تتلمظ قائلاً: شكله أنيق..



تقول إنك متوجس، وقلبك منبجس، وبدوت وكأنك تدخل في نفق مظلم، موحش، لا حركة فيه، لا نفس.. وتسأل.. أين أنا الآن، عندما انتعلت الفراغ وسرت بنعالك الجديد، شعرت وكأنك تستقل مركبة حديثة العهد، لذا فسررت في السير بلا هدى، ولم تكن تعرف إلى أين أنت ذاهب.. في هذا الخلاء، المفروش بالحصى، والأرض العجفاء، تتمدد على صخور قديمة قدم الأسلاف الذين كانوا هنا، ولا أحد الآن.. تتلفت يمنة ويسرة، كالفار من العدالة، يبحث عن ملاذ آمن، ولا أنيس لك سوى أنفاسك المكررة، من جراء السعي على قدمين أتعبهما المشي ووعورة الطريق.. ليل بهيمي، يتشبث بالعتمة، كما تقبض هذه الأرض على أحجارها العريقة.. وجدت نفسك تحت جنح الليل، بين جدارين طينيين، متهالكين، كانا في الأصل حزاماً لمزرعة نخيل، الآن لا أثر للنخل، لا أثر للناس الذين كانوا هنا، لا رائحة للمواشي التي ترعى الحشائش في مساءات الصيف.. من بقي من الأرواح ذهبوا بعيداً، أو تناسلوا عن أجيال، ترمق سكنى هذا المكان، هذه البقعة الطينية الأليفة على مسافة نصف كيلومتر تقريباً، ترى أضواء النيون اللامعة على صفحات جدران مبنى شيد لعلاج المرضى.. تقابله مقبرة، لأناس ماتوا منذ زمن، ولم يبقَ أثر لهؤلاء غير رائحة الكافور المنبعث من أحشاء القبور المتلاشية.. انتابتك قشعريرة وأنت تقترب من معشر الأموات، تصورت أن أحداً من هؤلاء سوف يبعثر التراب من على جسده، ويستقيم واقفاً، ثم يمد ذراعاً عظيمة، ويجذبك إلى الحفرة العميقة، لتغيب عن الوجود.. تحاشيت المرور بجانب المقبرة، وانعطفت نحو جانب آخر، لكنه يحاذي سور الفناء للمقبرة.. بعض السيارات تمر من حولك، ومزامير وأبواق تنفتح بين الفينة والأخرى تبدد وحشتك، وتشيع جواً من الألفة على المكان.. الموت.. قلت والقشعريرة تمد لساناً رهيباً تحت جلدك، تخفض رأسك، تحاول أن تنأى عن النظر إلى السور الطيني، تتوقف برهة، لعلك تلتقط أنفاسك المتقطعة، تتلفت.. تتذكر نخل كنان، الرجل القصير الأسمر بسحنته الصباحية المشرقة عندما كان يشاغب الماء المتدفق من شريان الماكينة الهادرة، ويتسلق نخل القيظ بخفة الطائر اللبق، ويلتقط حبات الرطب حبة حبة، ويداور ويناور، ويحاور العصافير التي كانت تزقزق صباحاً، فرحة، بعطر الأجنة المتدلية من رحم ذات الأساور الصفراء، والحمراء، تتذكر هذا الرجل، المتعاظم شبقاً كونياً، عندما يجلس عند حافة القنوات المائية، ويغني أغاني القيظ، وينشد باسم الحياة الحبلى بمجيء المصيفين، والمعرشين عند المروج الخضراء، المرتحلين من إمارات وبلدات بعيدة، طلباً لاستنشاق عطر الصيف، في بلاد الخضرة اليافعة.. وكذلك تتذكر بو زيد، الرجل الشهم، الورع، المشنشل بإزاره الأبيض المخطط بألوان الزهر، وقميصه القطني الأبيض الناصع، تتدلى منه رائحة صابون اللايف بوي، وما ينتجه صباح النخل من عفوية الابتسامات.. أبو زيد، الرجل الستيني في ذلك الزمن، كان يلج بستان النخل، ينادي على الفلاح العامل في النخل، يحثه بلطافة أن يجمع ثمار اللوز، والهمبو، ويضعه في مكان آمن، ليقدمه بنفسه للصغار الذين يأتون صباحاً، ليرموا أجسادهم الحارة في حوض النخل البارد، المنثال من عيون الأرض السخية.. قريباً من المستشفى التاريخي الكبير، تقف ترمق البوابة الكبيرة، حيث سيارات الإسعاف تنسل منها بأضوائها الحمراء، كعيون النساء الباكيات على من ثكلنهم.. تمتعض وينقبض قلبك. جراء سماعك صوت نواح سيارات الإسعاف، تعود القهقرى، تريد أن تنتعل الفراغ وتفر بجلدك، تريد أن تمارس دور الرجل الخفي وتذوب في عبارة الليل، تريد أن تنتهي إلى مكان آخر، أي مكان، يأخذك بعيداً عن أبصار هذا المكان الذي لا تخرج منه الأجساد إلا ملفوفة بالأبيض، مغطاة من أخمص القدمين حتى ذوائب الرأس.. تصعقك النهايات جداً، تمحوك وتشعر بأنك لا شيء.. عدت في اتجاه المقبرة. كان ضوء خافت عند البوابة، التي توارت خلفها غرفة صغيرة، أشبه بالكوخ.. تمشيت، سرت بخطوات متباطئة، وقدماك ثقيلتان وكأنهما تخوضان في وحل أو كأنك مزنجل بسلاسل حديدية.. وصلت عند البوابة الحديدية، الأشبه ببوابات السجون، تخيلت أن الذين يقطنون في الداخل ليسوا إلا لصوص أو رجال عصابات غللوا هنا بفعل الجرائم التي ارتكبوها.. فكرت.. لماذا تسور المقابر، وتحكم بأبواب حديدية، ويقف الحراس عند بواباتها.. ماذا تعني حراسة الأموات.. هل يعتقد الناس أن الذين ماتوا يمكن أن يخرجوا من الأجداث، وينتقموا من الذين واروا عليهم التراب.. تضحك.. تسخر من أفكارك البائسة.. تقول.. كيف يستطيع رجل حي بشحمه ولحمه، أن يمضي الليالي وهو يجاور الموتى، ولا تنتابه الوساوس، والخوف من الموت.. أي قلب هذا متخشب إلى درجة أنه لا يحس بشيء اسمه الموت.. الموت.. الموت.. تقول مردداً كلمة الموت، وأنت تضع يدك على صدرك، متوثباً، متحاشياً أي عثرة بحجر، متعقباً ظلك الذي صار خلفك، يتبعك وكأنه شخص ما يلاحق خطواتك.. قذفت بصقة لزجة من فمك، وقفت عند الباب العملاق الصدئ.. حاولت أن تتفحص الداخل، والداخل يعج بظلام دامس، وصمت مطبق، يحيي القبور، الخامدة.. فجأة سمعت نحنحة وسعالاً لرجل في الداخل.. لمحت هامة كائن يتقدم نحوك..
قال بصوت جهور، من في الفضاء، كطرقة قضيب حديدي، التطم بجدار سميك.. ارتجفت، لكنك تماسكت، قلت: أنا.. وألقيت التحية، قبل أن تسمع الصدى.. اقترب.. كانت ملامحه مغبرة، شائهة، عيناه يشع منهما ضوء أحمر، وشفتاه تتدليان عند ذقنه.. قال في لهجة جافة: ماذا تريد؟ ثم تابع: هذه مقبرة، وليست سوقاً للخضار، فماذا تتفحص في الداخل؟ ويتابع: سوف تزورها في يوم ما، فلا تتعجل من أمرك..
كلماته الجامدة، خضت قلبك، وددت لو تفر من المكان، لكن فضولك تحداك ومنعك من أن تفعل ما يفعله الصغار، قلت بلهجة فاترة.. زيارة الأموات واجبة.. يضحك بسخرية.. ليس في أنصاف الليالي..
قلت متهكماً: ومتى إذاً؟
قال: ألا تعرف الأصول.. الناس يأتون لزيارة موتاهم في أوقات محددة، بمعنى في أيام الجمعة، وساعات النهار..
رميت قلقك بعيداً، بعد أن برد جسدك، وفتر خوفك، قلت: وماذا يمنع أن يزور الإنسان عزيزاً عليه في مثل هذا الوقت؟
قال منزعجاً: يا سيد.. قلت في الليل الزيارة مكروهة، ولا يجوز أن تتصرف بما يخالف تقاليد الدين..
قلت: مكروه.. ولماذا مكروه؟!
قال وهو يضغط على مخارج ألفاظه: ليس لديّ الوقت للمجادلة، ثم وهو يمنحك ظهره، بلا مبالاة.. يبدو أنك فارغ الصدر، والعقل..
تقول إنك ناديته.. رجوته بأن يمهلك قليلاً، ويتصرف كفاعل الخير.. توقف.. التفت نحوك.. ماذا تريد..؟
قلت: أريد أن أتحدث معك..
قال: عماذا؟
عن أمر شغل بالي كثيراً، وربما تستطيع الإجابة عن سؤالي..
يستند إلى جذع خشبي، وينظر إليك بإمعان.. قائلاً: عماذا تريد أن تسأل..
تقول: في هذا المكان، في هذه المقبرة، الموحشة، ألا تخاف من أم الدويس؟
جحظت عيناه.. نظر إليك، مبهتاً.. قال: وهل جئت لتنصحني كي لا أحفظ لقمة عيشي..
قلت مصراً: هذا يعني أنك تعترف بأنها موجودة في هذا المكان.
قال: وفي أي مكان..؟
قلت وأسنانك ترتجف: وهل شاهدتها في يوم؟
قال.. في ثقة: أجل شاهدتها.. وماذا يعنيك أنت في أمرها؟
قلت في صوت مزمجر: أنت تكذب.. أنت تخدعني..
لمح عصبيتك.. قال مهدئاً من روعك.. لا تجزع يا سيد.. كل واحد منا يمكن أن يرى هذه الشيطانة العملاقة.. ولا ضير في ذلك..
قلت.. برما: لكنني لم أرها.. أجل لم أرها، كلكم تقولون إنكم رأيتموها، وأنا لم أعثر لها على أثر.. هذا ما يزعجني..
قال مبتسماً: ولماذا تريد أن تراها؟
قلت: لأتأكد أنها، موجودة بالفعل..
قال: ولماذا لا تصدقني، أنا أقول لك إنني رأيتها..
قلت محتداً: هذا لا يعني أنها موجودة..
قال.. متململاً: ولتكن كذلك.. فلماذا تشغل بالك بأمر لا تعترف بوجوده؟
قلت بائساً: هذه هي المعضلة.. أن يعتقد الناس جميعاً بشيء وأنا مازلت في شك من أمره.. أشعر بأنني أبحث عن شيء غير موجود، أشعر بأن الناس يكذبون.. ثم بعد صمت تقول: أشعر بأنهم جهلة..
قال محتدماً بالغيظ: ولماذا لا تكون أنت الجاهل..
ازدردت ريقك الناشف، وقلت: الدلائل تسير كلها على أن أم الدويس مجرد وهم، وأن الذين يقولون إنهم رأوها، لم يصفوا شكلها بدقة تؤكد أنهم حقاً رأوها، وأنها موجودة..
يأخذ الرجل نفساً عميقاً، ثم يقرب منك، يضع يده على كتفك، ويقول: ألا تريد أن أستضيفك بكأس شاي..
سال لعابك، وكنت في أمس الحاجة إلى هذا السائل السحري الذي تحبه.. تمتمت.. قلت.. إذا كان هذا لا يضايقك..
قال في مودة: بل يسرني كثيراً..
دخلت الغرفة الطينية الصغيرة، لجت قدماك، الضوء الخافت.. واقتعدت مسنداً قطنياً، وتجمدت في مكانك..
الرجل الكهل، يقدم لك كأس الشاي، ويتفرس في وجهك، كان ورعاً إلى حد ما، لكنه خيل إليك أنه رجل عمل كثيراً في هذا المكان. لذا، استمرأ مجالستك، ليطرد وحشته، الأمر الذي شجعك على الجلوس معه.. قلت: ألا يجدر بك أن تصف لي شكلها؟
قال: من هي؟
قلت: أم الدويس..
قال مبتسماً: هذه الشيطانة، لا تظهر للناس بهيئة واحدة، فهي متلونة متشكلة، ولكن الشيء الوحيد، الذي تثبت عليه هو فأسها..
بحلقت.. قلت: وماذا تفعل بهذه الفأس؟
قال: ترعب الناس.. وأحياناً عندما تكون غاضبة وجائعة فإنها تقتل بها..
ارتعدت فرائصك.. قلت: هل لك أن تصف لي هيئتها كما رأيتها؟
قال.. متلعثماً: هي امرأة، عملاقة، قبيحة الشكل، منخارها ضخم، وذراعاها طويلان، تمتشق في يدها اليمنى فأساً ضخمة، ومرعبة..
قلت: وعندما رأيتها.. ماذا قلت لها.. وماذا قالت لك؟
قال مرتبكاً: لم أقل لها شيئاً، ولم تقل لي شيئاً، رأيتها تهيم وسط القبور، فأختبأت في غرفتي حتى تأكدت أنها زالت. وبعدها، صرت أتبع خطواتها، عثرت على خطوات ضخمة، وهذا دليل أن قدميها كبيرتان.. بعد ذلك لم أنشغل بها كثيراً، عدت إلى غرفتي، ونمت ليلتي أفكر فيها، وكنت أخشى أن تدفع هذا الباب الخشبي، وتهاجمني، لكنها والحمد لله لم تفعل.. وفي الصباح، سمعت أن طفلاً صغيراً قد اختفى من منزل ذويه، وروى الناس، أنه كان يلعب بجوار بيته، في الليل، وأن الناس سمعوا صوت صياح واستغاثة، لكن الطفل ذاب في الظلمة ولم يعثر له على أثر.. ولما ذهب الأهل، يتساءلون، قال لهم أحد المطوعين: إن الصغير اختطفته أم الدويس.. وبالفعل بعد يومين، وجدت جثته ملقاة، عند شاطئ البحر، وقد انتزعت أحشاؤه، القلب والكبد.. يصمت الرجل قليلاً ثم يستطرد: هذه الشيطانة الشريرة، عندما تفتك بالأشخاص، فلا تأكل غير الكبد والقلب..
تقول مندهشاً: ولماذا الكبد والقلب..؟
يقول، في لهجة حزينة: القلب مصدر الحب، وهي شريرة لا تكن إلا الكره للإنسان. والكبد، هي وعاء الدم في جسد الإنسان، وهي مصاصة دماء..
تقول إنك ألفت وجه الرجل، شعرت بأنه فتح لك دفتراً مقفلاً، وأنه منحك قلبه.. لمست في حديثه شيئاً من الود، وأنت في حاجة إلى إنسان يحكي بلا تمنع، ويروي لك الحكاية التي شغلتك من دون تردد..
تقول إنك صرت تفكر بشكل جدي، في أن تستعين به، كمصدر ملهم، يعاونك على بحثك المتعسر...
أنت الآن تستعيد دوران الزمن، أنت الآن تقف عند حافة تهوي بك في منعطف يبدو أنه لا عودة من بعده.. الرجل الذي يجلس قبالتك، كأنه الكاهن الذي يلهمك، ويسرد لك الحكاية، ويطور الفكرة في ذهنك.. أنت الآن، وحيد تحت هذا السقف المهترئ، وبجوارك أموات ناموا تحت التراب منذ أزمنة غابرة، العظام التي كانت مكسوة باللحم، المغطى بالجلد، أصبحت الآن جزءاً من التراب الذي تدوسه الأقدام.. الإنسان، يعيش، ويتمنى ويفكر ثم يموت ويصير كعصف مأكول، لا قيمة له، حتى هذا الحارس الذي يسهر الليل على رعاية العظام النخرة، قال لك، إنه يستقر هنا من أجل لقمة العيش، وكانت نظراته تدل على أنه يحتقر كل من يثوون تحت الرمل، والطين.. إذاً الحياة التي يتحدث عنها الناس مجرد وهم، والحقيقة أن الموت هو المخلب الذي ينغرس في الأجساد ويحملها إلى شيء تافه، وتصور لو أن الأجساد التي فنيت لو بقيت على سطح الأرض، فإنها سوف تتعفن، وتفوح منها رائحة عفنة ونتنة، قاتلة.. لكن هذا الوهم الذي نسميه الحياة، هو أيضاً شيء مجسد، شيء مكون من مادة.. هذه المادة، تحركت وانشغلت بأشياء كثيرة في الحياة، ومن ضمنها أم الدويس.. إذاً أم الدويس، التي تبحث عنها قد تكون وهماً، خرافة، خيالاً في عقول الناس، ولكن طالما شغل الناس فهو تجسيد.. تقول إنك نظرت إلى الرجل الكث، تفرست في عينيه الحمراوين، ووجهه الأغبر، قلت له: كم عمر هذه المقبرة؟
نظر إليك بعينين شذرتين، قال: لا أعلم بالضبط، لكنني منذ أن فتحت عيني وهذه الأرض تعج بالقبور، والناس يرتادونها، ويدفنون موتاهم.. ثم سألك.. ولماذا تسأل؟
قلت: مجرد سؤال..
همهم، مبتسماً..
قلت: وأين ذهبت بساتين النخل التي كانت تجاورها..
قال بصوت حزين النخيل.. النخيل ذهبت مع أصحابها..
قلت: وأين ذهب أصحابها..؟
قال: ذهبوا إلى الجحيم..
بهت.. إلى الجحيم.. وأين هذا الجحيم؟
أن أقطع المسافة نفسها مشياً على الأقدام، لا وجود لأي مركبة هنا تقلني إلى البيت، المكان يبدو كأنه محاط بأسلاك شائكة فلا تطؤه الحافلات غير الباصات التي تقل ضيوف الفندق.. تقذفك بعض سيارات النقل الكبيرة، بهديرها، وغبار عجلاتها، لكنها لا تفيدك في شيء، هذه المدرعات كتل حديدية، لا تجد فيها غير السائقين المنكوين بحرارة الحديد، المتقلب على نيران اللهب، سرت بخطوات متباطئة، قطعت مسافة، عند رأس الشارع توقفت، مرت حافلة الفندق، بيد أن سائقها ضغط على دواسة السرعة، وكأنه يريد أن يغيظك.. غضنت جبينك، ورمقته بنظرة ساخرة، قلت: لن أستجديك، قدماي أولى بحملي إلى حيث أريد.. مشيت، مفرطاً في التأوه، مشيت، وقاع قدميك، يفشي تململه، لقلبك، وقلبك ينز بالخفقات، وأنت تتجلد..



كان قرص الشمس يوشك على طمس أسراره، وينضوي في المجهول، وكنت أنت قد تلقفك السرير، واحتوتك الملاءة، وشهقات تعبك، تشق سكون الجدران، الوادعة.. حاولت أن تأخذ قسطاً من الراحة، ثم تستأنف نشاطك الليلي، المعتاد.. قراءة كتبك المتراكمة بجانب السرير..
يكتظ صدرك بحشرجة مخاطية، تسعل، تضع يدك على صدرك وتضغط بقوة وتصدر سعالاً مدوياً، تشعر بالضيق، تقفز، من فوق السرير، تتجه إلى النافذة، تفتح ضلفتيها بقوة، فتصدمان بلحاء الجدار، يهدر صوت قوي، تطل من النافذة، وسط النور الخافت لا ترى شيئاً غير الفراغ، وسط ستار العتمة الحالكة لا ترى إلا ما هو تحت النافذة مباشرة، ترفع رأسك، فترى ظلاً عملاقاً ينتصب أمامك، تطلق صرخة مدوية موشكاً أن تقع على الأرض، يتحرك الظل العظيم، حركة هائلة، يخيل إليك أنها أم الدويس، يتحرك الظل، يطل ويختفي، يتأرجح، يتمايل لكن لا صوت، لا هدير، سوى صفير الريح التي تهب من الجهة المعاكسة، فتصدم بالجدران، مجلجلة في الفضاء، ترفع رأسك، ترى نجوماً، تبصبص من تحت عباءة سحابة شفيفة، تحاول أن تستطلع سر هذا الظل وقلبك يهتف هلعاً، تتخيل أن أم الدويس تناوشك في هذه الساعة المتأخرة من الليل، تريد أن تهاجم وحدتك، وقد تختطفك تتبين الفندق جيداً، تتفرس، ممسكاً بطرف النافذة المفتوح، متأهباً للاختباء في ما لو جد طارئ، أو حدثت كارثة، أنت والليل لا تلتئمان، ومنذ طفولتك وأنت تخشى الوحدة، لكن، هذه العزلة يبدو أنها فرضت عليك فرضاً..
كنت تقول إن الليل مثار جدل بين الإنسان والشياطين الذين يعتبرونه، معاشهم، وموطئ حركتهم الدائبة. أما الإنسان، فحقه تحت ضوء الشمس.. كانت أمك، تحذرك، باحتراس المشي ليلاً، أنت الآن لا تسير في غابة ولا في صحراء، بل أنت في ملاذك الآمن، لكن الخطر يداهمك، ويباغتك، في عقر دارك.. تنظر إلى الظل المتحرك، بتوجس ثم ترفع رأسك، تلمح طرف ذيل لشيء عملاق، يتخايل بتؤدة تمعن النظر، تطرف عيناك الزائغتان، يخفق قلبك، فتهتف فجأة قائلاً: سامحك الله، أهو أنت.. كان طرف شراع قديم، تركته منذ فترة على السقف ليحمي برميل الماء من الحرارة ومن الحشرات بعد أن تهرأ غطاؤه، الصدئ.. تتنفس الصعداء.. تقول: يا له من خيال فج وقميء.. كيف شكل الخوف في صدري الشراع المرقع على أنه كائن مخيف.. تضحك بسخرية.. تهزأ من مخيلتك التي أصبحت عجينة رثة، صارت مستعمرة للتشوهات.. تعود إلى سريرك، تدخن بشراهة، تمج الدخان، وتأخذ شهيقاً، تتحسس صدرك المضطرب، تدعك جفنيك، ثم تأخذ رشفة من شايك الساخن..
تقول: أبو سيف يتحين وصولي أو اتصالي، بلهفة.. لم أتصل.. ربما نسيت..
تقول: لا أتخيل أن صاحبي، سيكف عن همجيته السابقة، ربما هي فترة وجيزة، ويستعيد قواه من جديد ويجدد العهد باللقاءات المخملية مع نسائه الفارعات.. فكم كانت ماسة رائعة، وكم كان مغرماً بجسدها، الثري، المتأنق ببياض أشبه بقطن طويل التيلة.. كانت طويلة، هيفاء، تزم شفتيها، على ألق أنثوي رهيب.. تصمت.. تتخيل ملهمتك، تتخيل الصحراء التي غيبتها، وتحتسي رضابك، بشغف البالغين في قضم المهارات الجسدية، الناقصة.. قلت: ما الذي يجعلني أفكر في الأنثى، وأنا أتحاشاها؟ ما الذي يجبرني على تصور أجساد النساء الجميلات وأنا أبغض الانتماء إلى ذوي الآهات الجنسية، أمثال أبي سيف؟.. لكن شيئاً ما يهاجمني، قوة ما تتجسد أمامي، تدفعني لأن أمارس خيال المراهقين الذين يندسون تحت اللحاف، ويداعبون أعضاءهم التناسلية، حتى ينتشوا وينتشوا ويرتعشوا، ويقذفوا سموم الجسد، بين أفخاذهم، ثم يشهقون، مشبعين بارتخاء الجسد. تضع يدك على صدرك، تتحسس شعر الذئب المقشعر، تمسد لحمك بأناة وتؤدة، تختصر المسافة إلى عضوك، فتخبئه عن يدك المشاغبة، تنهض، تطل من خلال النافذة بثقة، تتلفت يمنة ويسرة، لا أحد يمر من هنا في الساعات المتأخرة من الليل، الظلام يجثم على البلدة الوادعة، تسلمه جل أنفاس النائمين، ويقبض الظلام السكينة..
تقول: هذه الأنا المحبوسة في قفص الهو، تحاول أن تتحرك، تحاول أن تتحرر من وهدة السطوة المفجعة، أنت أحياناً تكون ليست أنت، أنت أحياناً تخرج من شرنقة معتمة، تحاول أن تتنفس الهواء الطلق، ورغبات الناس العاديين، تمارس ما يمارسونه، وتفكر فيما يفكرون فيه، ثم تنتكس، وتتقمص شخصية كائن آخر يخرج من جوفك متوحشاً، متورماً بحثالات ونخالة ما قبل الأنسنة.. تشعر بأنك تريد أن تغتصب أي أنثى تقابلك، كما أنك تندم على أنك لم تستأذن صديقك، لتضاجع تلك الأنثى التي احتقرتك كثيراً عندما لمح أبو سيف أنك رجل لا تفكر في ممارسة الحب.. ثم تدلف من نافذة داخلية تدخل في العتمة مرة أخرى، تجد نفسك متبرماً، متأففاً، متقززاً من أشياء الناس العاديين، تقول عنهم إنهم جهلة، وسذج، لا يساوون فلساً، كونهم يلهثون وراء الجنس الرخيص أو أنهم يؤمنون بخرافات مفضحة، ولا يرون في الحياة أبعد من أخمص القدمين..
تمكث على السرير، تطالع السقف الجامد، وتفكر في نظرات صديقك الأخيرة، عندما زرته مؤخراً، كان يغالب قلقه، ويصارع أسفه، ويحاول أن يستشف منك المغفرة، كونك الناصح له منذ زمن، والمحذر له من ويلات عبثيته المزرية..
تقول: ربما يشفى من علته، ربما يبرأ من أدواء الزمن، لكنه لن يستطيع أن يكون أنا.. أنا كائن ربما لا شبيه لي، لأنني علقت في شرك التحدي الداخلي، ولأنني آمنت بأن الفلسفة هي العصا التي تنشق عنها أحلام يقظة، وأفكار تتجاوز حدود ما يفكر فيه العامة.. تقول العامة، وتغضن حاجبيك، وتزفر مستفيقاً على نقطة ضوء، ترسم دوائر صغيرة، عند حافة العقل..
تقول: أريد أن أزور صديقي صباحاً، من دون أن أهاتفه، أريد أن أكتشف قوته الإرادية، إن كان صادقاً أم أنه كان يراود نفسه عن شيء، لا يستطيع مقاومته.. تتحرك عقارب الساعة، والليل يفقد قواه السوداء، ويرحل شيئاً فشيئاً، لكنك لم تنم بعد، صرت تتناجى مع العتمة وتسهر كثيراً، والعمر يمضي ولم تنجز شيئاً مما نذرت نفسك لأجله.. تريد أن تكون شيئاً آخر غير الآخرين، وكذلك غير نفسك.. تريد أن تحاصر أناك المهترئة بحزمة مبادئ، لتتخلص من خوفك..
استيقظت من نومك على وقع حلم مباغت، قمت كطفل مفزوع يبحث عن صدر أمه، حلمت حلماً قديماً، مشوهاً، لم تصل إلى تفاصيله الواضحة.. حلمت بأنك كنت في قارب صغير وحيداً، في عرض زرقة بحر عميق، فجأة تهب عاصفة، فينقلب القارب، وتقذفك الأمواج العاتية، بعيداً تصرخ، تحاول أن تستغيث، فلا أحد يسكن بجوارك حتى يمد لك يد العون، تظل هكذا تغطس وتطفو، ويداك مرفوعتان إلى الأعلى، بعد فترة وجيزة، ولم يكتمل الحلم، أو ربما هو هكذا الرسالة التي أراد الهو أن يوصلها إليك.. قفزت مفزوعاً متلعثماً، وريقك ناشف، وشفتاك ذابلتان، وعيناك زائغتان.. تتلفت، تنظر من حولك، ولا يقطن بجوارك غير المنفضة التي خلفت في جوفها كومة من أعقاب السجائر، وعلبة الدخان، تفتح فاهها، وفي جوفها بضعة أعواد من السجائر..
تقول: ماذا يعني القارب، وما رمز الغرق؟ في التحليل النفسي، تناولت كتاباً من علم النفس، لسيجموند فرويد، أخذت تقلب الصفحات، بيدين مرتجفتين، وجسد هامد، متصبب بالعرق، ما الكارثة التي ستداهمك فجأة، وهل أنا أسير في الطريق الخاطئ..
تقول، مذعوراً.. يا إلهي.. هذا العقل الصندوق المقفل، ينفتح عن أسرار وأخبار هذه النفس، تبدو كمزرعة للكائنات المخيفة، تدعك جفنيك، تحاول أن تستجدي النوم، فلا نعاس يملأ عينيك، لا شيء أمامك غير التدخين، تشعل سيجارة، وتذهب ناحية النافذة، فلول الظلام بدأت تهرب من عرمرم نهار يتمشى الخيلاء، تحت ضوء باهت يتشكل رويداً رويداً.. تسترد أنفاسك الضائعة في صدرك المكظوظ بالقلق، تسترجع تفاصيل الحلم.. هل سأغرق فعلاً أم أنه الخوف؟ أنا لاأزال خائفاً، متوتراً، من ماذا.. لا أدري.. لكن شيئاً ما يتضرر داخلي.. هي الأنا المحاصرة بأنياب الهو المعتم أو المعترك بأشلاء خبايا قديمة قدم الدهر..
قلت سأجرب النوم ثانية، لم يزل متسع من الوقت حتى أذهب إلى أبي سيف.. استلقيت على الفراش، دفنت وجهك في الوسادة، ويبدو أن المخدع مطارد من خفقات قلبك، حاولت أن تتعاطف مع نفسك، وأن تتضامن مع المخدع، وترخي جسدك بهدوء.. أصررت على النوم، وطردت الهواجس، لكنك نسيت أن تقفل النافذة التي تركت إحدى ضلفتيها مفتوحة، نهضت ثانية متململاً، دفعت الضلفة بعنف، وعدت إلى فراشك، عدت محتبس الأنفاس، وكأنك على يقين أن النوم الذي هرب مذعوراً لن يعود ثانية.. النوم طائر جبان، يفر لمجرد برهة خفيفة، تطرق أصابعه، بل هو أنت الذي لا يتحمل حتى صوت الحفيف، متوجس، برم، مضطرب، يهفو قلبك لمجرد حلم خاطف.. تبحلق في السقف.. تقول: الآن أحتاج إلى كوب شاي ساخن، وشريحة جبن، مع نصف رغيف. تعد طعامك، تشغل نفسك منهمكاً في تقطيع الجبن، ومسحة على صفحة الرغيف، ثم تطوي الخبز، وتلف لفيفك وتجلس بجانب النافذة، على سطح الكوميدينو ترشف شايك، وتقضم رغيفك، ورأسك تدور رحاها بحكايات، وروايات عن أحلام النوم، تقول: لولا فرويد العظيم، من يا ترى كان سيحل معضلة الأحلام الكابوسية الفظيعة؟! لولاه لكان معظم الناس يعتقدون بنبوءة الحلم.. ولم لا؟.. فلايزال الكثيرون تسيطر عليهم خرافة أن ما يحلم به الإنسان يتحقق في مستقبله الراهن، أو البعيد..
تقول مؤنباً نفسك.. مادمت كذلك، فلماذا فزعت إذن.. إذا كان الحلم لا يفسر الكوارث المستقبلية، أو الآمال المبهجة، لماذا، فررت من الفراش، كفأر مطارد، تصمت.. ثم تستطرد.. الهو اللعين، استولى على أناي، صفدها بأغلال محكمة، وجعلني أسير قواه الغيبية العتيدة.. ثم تفكر.. إذا كانت الأحلام هكذا لماذا لا يقتنع الناس، أن أم الدويس جزء من معطيات العقل الباطن، هذا الكائن العملاق، الذي يتحكم في أعناق القوة والضعف في الإنسان، منذ متى سكنت أم الدويس في اللاشعور؟ هذا ما يجب البحث فيه بتقصٍ واحتراز..



تقول إنك تخاف منها، وتقول إنك تشك في ولائها لك، على الرغم من نظراتها التي تتبين منها أنها امرأة عاشقة، متلهفة.. وتدرك أنك كل ما تفعله من أجلها لن يجدي نفعاً، لأنك أنت الذي سوف تهرب في نهاية الأمر، ولا تدري لماذا يراودك مثل هذا الإحساس، علماً بأنك لا تكرهها، ولا تكن لها غير مودة رجل يريد أن يرتوي، رجل عرته الصحراء كثيراً، سار في دروبها، حافياً إلا من أشواق قديمة، لكن عندما اقتربت منك، ولفحتك أنفاسها الحارة، شعرت بالتوجس، ترددت، تقهقرت، تواريت خلف قلقك، صرت بعيداً عنها شيئاً ما، بينما كانت هي تتبعك بخطوات متباطئة، لكنها تتجه إليك، قالت لك، في لهجة متسائلة وبدهاء الأنثى: ما الذي يجعلك ترتاد الصحراء، وحيداً، وتمضي أوقاتاً طويلة وأنت تتأمل، العراء، ثم تعود بخفيك، دون هدى، وكأنك ضيعت شيئاً ما؟
تقول إنك تلعثمت، حاولت أن تلتقط أنفاسك، حاولت أن تطوق الكلمات بين شفتيك الناشفتين، لتلفظ عبارة مفيدة، لم تستطع، اخترت الصمت، لكن داخلك يحترق، وحطب جهنم يتساقط على رأسك، والعرق يسح من جسدك.. لا تعرف لماذا راودتك رغبة في أن تفر وتختفي من أمام عينيها، تختفي من الوجود، لكن تشبثك بجذع الشجرة المجاورة هدأ من روعك، جعلك تسكن قليلاً من التوتر الذي تلبسك.. الفتاة، تقترب منك رويداً رويداً، تختزل تاريخاً مديداً من عمرك، وتستعيد تاريخاً مثخناً بآلام ونكسات وعقبات وكبوات، وتقول إنك لا تفكر في نبش قبوره، لكنه يحشرك عند نقطة ما، ما بين حاجبي الفتاة، فتجد نفسك وكأنك تمر عبر قتاة فضية، باتجاه عينين لامعتين بحشرجات قلب متصهد.. تلبث قليلاً هادئاً، ثم، يختفي قلبك عندما تشم عطراً نفاذاً، يفوح من عباءتها الشفافة، وهي تهفهف على الكائنين المنتصبين، عند محراب الصدر.. تفكر.. تقول: فعلاً إن عطرها يتغلغل في مسام جسدك كأنه الرقية المقدسة لدى الأجيال السابقة. تقول: أتمنى لو أن لسانها ينطلق، وتتحدث ببلاغة النساء المجتهدات جداً في صناعة العلاقات العاطفية. تقول: أتمنى لو أنها تسرج جياد الكلمة، وتستعين بالقلب، لتفض بكارة الصمت، وتعينك على سماع ما قد يستفزك، ويدفعك للخروج من وهدة الصمت المطبق.. لكنها مثلك تحاورك بعينين دامعتين، ربما لأن الهواء قذف عينيها بحبات تراب، أو أن الفتاة من صنف الإناث اللائي عندما يحترقن تدمع قلوبهن، أي كأنهن جذوع شجر القرط.. أخذت قسطاً من الراحة، استرحت عند جفنيها المسبلين، اتعبتك أوهامك السابقة، لكنك عدت مرة أخرى، محاصراً بإرهاصات قديمة، ضالعة في البؤس، استدرت نحوها، ضغطت على مخارج ألفاظك، استدرجت مشاعرك المكبوتة.. قلت: لقد اختفيت فترة طويلة..
تمتمت.. ظروف.. ازدردت ريقك.. قلت لنفسك: وماذا عن السؤال الثاني. عن ماذا أسأل، لكي يستمر الحديث بلا ارتباك. لم تجد الكلمات، لم تجد نفسك إلا في تيه الصحراء الشاسعة.. ولكن الفتاة، المشنشلة بالجواهر، ترمقك بنظرات من سلالة أسلاف عبقوا التاريخ، بأحلام الرمل، وطموحات الشجر عندما ينمو على تلة، ويستأذن السماء كي تمطر قطراتها من أثداء النجوم المتلألئة..
تحاول أن تستفزها، أن تستعديها ضدك، وأن تستحضر لعناتها لتطردها، من حياتك إلى الأبد، لكن لا جدوى، فهناك في داخلك كائن خفي يهفو لأن يستدرجها نحوك، وآخر أكثر توحشاً وضراوة يدفعك إلى أن تلفظها كنواة تمر، لتبقى وحدك، تستمني في العراء، وبلا حاجة لأنثى تستحلب الجسد.. تغمض عينيك، تزم شفتيك، والفتاة مستمرة في مراودتك، وكأنها تقول لك هيت لك، وأنت تعتصم، وتلجم الرغبة بكل صرامة وحزم، فكرة ما تهاجمك، تقول لك إن هذه المرأة عاهرة رسمية لا محالة، لكنك لست مقتنعاً، ولا مستعداً لأن تصدق مجرد هراء، وكيف مجرد فكرة تلوث طهراً ربانياً، لا تنتجه غير الصحراء، كيف تسول لك نفسك أن يلتاث فكرك بمثل هذه الخرافات القديمة، ولا تقتنع بأن ليس كل النساء ملوثات.. لم تنفك وأنت تتجرع مرارة الموقف، وقد تمنيت في لحظة لو أنها تغادر المكان بسلام.. وتنقذك من عذاب الإحجام والأقدام، تمنيت أن تفعلها هذه الفتاة، لكن، يبدو أن في النساء خصلة سيئة، حيث إنهن يحاولن حتى آخر رمق ولا ييأسن وإذا ما سنحت الحيلة، واحتقن، وصرن كتلاً جهنمية، لا تقارع..
قلت.. إذا كنت أنا كذلك، فعن ماذا جئت أبحث.. عن أم الدويس.. تهمهم بسخرية.. عن امرأة ما.. عن وهم ما.. عن ماذا.. يا رب ارفع عني ضيم اختلاجاتي، ودع عني أذى نفسي..
عندما هممت بالمغادرة، عطفت رأسها بحنان أنثى وادعة، ورمقتك بنظرات عتاب. عرفت المغزى، قلت.. بالفعل، أنا إنسان غريب، أنا إنسان لا أستحق أن أجاري عيني امرأة حسناء مثل نيران.. ولم يضمك غير الفراغ صحت.. نيران.. تعالي أريدك.. رفست التراب، محتدماً..
قلت: كيف تغادرني من دون أن تقول لي وداعاً.. ثم تطرق: ولماذا تودعني، حتى الآن تشاغبني في الداخل، هي تعلم أنني صرت سجينها.. اعتراك الخوف، وانفتح فرغ وسيع، التهمك، اختفيت، تلاشيت، لا شيء غير العتمة، والوحشة المزرية.. صرت تريد أن تغادر الفراغ، تود أن تتشبث بشيء واقعي، تلمسه بيديك ولا شيء.. الفتاة التي كانت أمامك كانت مجرد وهم، ثم تصرخ بصوت وئيد بل هي حقيقة.. تبعتها، صعدت على تلة عالية، نظرت إلى المخيمات المنتشرة، في مساحة واسعة من الصحراء، نظرت إلى الحركة الدائبة، والأصوات التي تأتيك من بعيد كأنها موسيقى جنائزية حزينة، ليس لأنها كذلك، بل لأنك وقفت في هذا المكان، تحمل نعش إرادتك المكسورة، وتقف مستأنفاً حديثك مع نفسك، بيد أنك لم تنطق بما يفيد، أثناء ما كانت الفتاة تناوشك بوداعة.. قلت.. لقد غابت، الآن تندثر في الظلمة، بين جدران الجريد، لن تفكر إلا في ملامح رجل، غابت قدرته على الكلام لمجرد أنه يقف أمام امرأة.. تقول: لو علم أبو سيف بأمري، سوف تصطك أسنانه ضحكاً، سوف ينكل بي، ويهزأ ويسخر، ويكيل النعوت المخزية، ويجزل في أوصافي المخزية.. وبطبيعة الحال سوف يستعرض بطولاته، ويطيل في الشرح، ويفصل في سرد النصائح.. سيقول إن الخيل تريد خيالاً، والمرأة تريد ريالاً، وسوف أقف أمامه كتلميذ فاشل متقاعس. تارة أخرى، تستعيد صوتك، وتصرخ بصوت مرتفع.. نيران يا نيران.. أنا فيروز.. وتضحك بهستيريا، تحثو التراب في الفراغ. تفكر.. يا ترى، لماذا تقاعست عن ملاطفتها.. لماذا لم أستعن ببطولة التاريخيين العظام، وأذهب معها بعيداً وآخذها على صهوة حصان، وانطلق بها، وهي تلتصق بي، تملأني غبطة بحرارة جسدها، وتمتلئ هي برائحة جسدي، المعرق، جراء اكتظاظ المشاعر..
رفعت رأسك، السماء الصيفية ترسل لعناتها، وتصب جام غضبها، وهي تحيطك بفضاء يبدو ليس فضاءك. تقول: لم أجئ إلى هنا من أجل النساء، ثم تزم شفتيك، إذاً لماذا أهفو إليهن، ويدق قلبي ناقوس الخطر وكأني على وشك الوقوع في كارثة.. لماذا أخشى النساء، أتحاشاهن، عندما يقتربن مني، ما الفرق بين المرأة والرجل حتى أصير لا أخشى الرجال، ولكني أكون شخصاً آخر عندما تصادفني امرأة..
وأنت تعود أدراجك، وتطوي المرتفعات، والمنخفضات، بقدمين مترهلتين واهيتين، قلت: لا أتخيل أنني أعرف امرأة اسمها نيران.. تصمت.. تبهت ثم تطرق: ومن هذه المرأة التي كانت قبالتي قبل فترة وجيزة.. تسأل نفسك وتجيب.. وهم.. تهز رأسك، ثم تردف: وهم.. كيف تكون كذلك وقد شممت رائحة عطرها، ولمست في عينيها دمعة تتجول في محجريها، كأنها كرة صغيرة من فيروز البحر، وأنت في الطريق، حيث الشمس سلمت أمرها، وانتهت إلى زوال، وصارت الوجهة إلى المنزل، مكسوة بلون رمادي، يدكن شيئاً فشيئاً.. وأنت تسير وكأنك عائد من حرب ضارية خسرت فيها المال والعتاد، ولم يبقَ لك غير قلب مجروح، ونفس مكسورة، وجسد متهالك، بعد قطع مسافة واسعة، مشياً.. في الشارع العام، تقف ولا تحبذ أن تستقل مركبة، ولولا أنك تشعر بالتعب لفضلت السير على القدمين وعدم الاحتكاك بأي كائن بشري، في هذا الوقت تشعر بأنك لست في حاجة إلى أي إنسان يطرح عليك أسئلة تبدو أنها ساذجة ومقززة، ومؤذية للمشاعر، لكنك، رفعت يدك أشرت إلى سيارة أجرة، واندفعت بصمت في المقعد الخلفي، وتجمدت كالتمثال العاجي، سرت في اتجاه البيت، لا تريد أن تذهب إلى أي مكان آخر، لا تريد أن تفكر في أي شيء.. كل ما تريده فقط أن تتوحد بنفسك..
تقول إنك كرهت هذا النعال، تريد أن تتخلص من عشرته التي دامت سنتين. فقد التصق بقدميك هذه المدة الطويلة، حتى ارتسم لون جلده الأسود في قاع قدميك، وعلامات ضغط أحزمته تشكلت على ظاهر قدميك، تريد أن تستبدله بنعال جديد، يلمع عندما تضربه أشعة الشمس، وينفث رائحة جلده في أنفك فتشعر بالانتعاش.. الجديد لافت، ويشيع شيئاً من السعادة، على الرغم من أن كل جديد يصبح بعد حين قديماً، والأشياء القديمة عزيزة على النفس، لأنها ترتبط بذاكرة وبأحداث ومواقف هذا النعال القديم، اشتريته منذ سنتين، بعدما تهرأ النعال القديم، وأحلته إلى التقاعد في مكب الأشياء فاقدة الصلاحية، لم يهن على قلبك أن تقذفه في براميل القمامة، ليلتقطه أحد الشحاذين، النابشين في فضلات الآخرين، بل وجدت من الصعب التخلي عن صديق حملك لسنوات، وأثقلته بمشيك وقطعك المسافات الشاسعة، وكذلك هذا النعال، ولن تلفظه لن تتخلص منه إلى الأبد، لن تدعه في قدم شخص آخر، لا بد أن يبقى أمام عينيك، يذكرك بأحداث، ويحكي لك قصصاً أنت نسجت خيوطها وقد تحاول أن تتناساها، أو تدعها في مستودع اللاشعور، وعندما تلف نظرة إلى نعالك القديم، تذكر أشياء تلاشت، وتراكم عليها الغبار، كما تلبد الغبار على نعالك..



في هذا الصباح، تبدو مشرقاً شيئاً ما، ولعلك عندما تفكر في شراء شيء جديد تتسرب إلى نفسك نسمات الغبطة، لفترة وجيزة، ولم لا؟ لعلك تهرب قليلاً من جفولك، تريد أن تغير من سحنة هذا الوجه، وتذهب لشراء نعال جديد رخيص إلى حد ما، فلا تحبذ شراء المستلزمات باهظة الثمن، وتعتبر الإسراف في شراء حذاء أو عقال، أو قندورة، شيئاً من البذخ الذي لا لزوم له.. وتستطيع أن تستخدم هذا النعال لمدة سنة مقبلة، لكنك تفكر في التجديد.. تفكر في الهروب بشيء ما، للانشغال بشيء آخر، حتى الأشياء التافهة تكون أحياناً بديلاً رائعاً لزحزحة المشاعر، وتحريك المياه الآسنة والعفنة.. فما جاش في صدرك في الأمس، كان أمراً عظيماً، شعرت بأنك مازلت تتقمص دور المراهق، الذي لا يستطيع أن يخرج من جلباب زمنه الطفولي، أحسست بأنك تحب ولا تحب، تكره ولا تكره، شعرت بأنك تخطو خطوة باتجاه أمر ما، ثم تتراجع خطوات، تتقهقهر، وعندما تنكص إلى الوراء تتلبسك حالة من الامتعاض ولا تدري ممن أنت ممتعض.. ترتدي ملابسك، وتنفح جسدك بالعطر. فالزجاجة، التي وضعتها على جانب من سريرك فوق الكوميدينو، لم تزل تحتفظ بنصف طاقتها الإنتاجية، لم تزل ترشح برائحة نفاذة، وفي هذا الصباح وجدت من الضروري أن تملأ أنفك بحفنة من رائحة طيبة، على الرغم من أنك تحبذ دهن العود على العطر البخاخ، لكن زجاجة دهن العود باتت فارغة، ولا تستطيع أن تمنحك ذاك السائل اللزج الأصفر المائل إلى السواد، وعبقه الأخاذ، لذا ركنتها جانباً، لكنك لم تلقها في سطل الزبالة، بل لا تزال تتدحرج، مخشخشة بصوت يذكرك بأنك كنت في يوم ما تملك زجاجة صغيرة، بحجم إصبع اليد، تمتلئ باللزوجة الطيبة.. عند باب المنزل، وقفت وكأنك تستطلع الطيب، وكعادتك لا تندلق من باب المنزل باتجاه الشارع، في لهوجة، بل تقف متأنياً، متأملاً المكان، والبيوت المتراصة، والأزقة التي تدلف من فتحاتها السيارات والناس الراجلين، كل يذهب في مسعاه.. ثم تتمشى، وتحب أن تسير على قدميك حتى تشرف على الشارع العام، في منطقة الخور القديمة. هذا الشارع المرصوف بالقار الآن، كان لساناً بحرياً، صغيراً، يخترقه المد البحري، حتى يصبح، شريطاً مائياً، يلهو به الأطفال، يسبحون، ويلعبون بالمراكب الورقية والمعدنية، ويتراشقون بقطرات الماء المالح، مبتهجين.. أما عندما يبدأ القمر في الأفول، وينحسر ماء البحر، جزراً، وتأتي أمطار الشتاء الغزيرة، فإن هذا اللسان يتحول إلى نهر صغير، تغوص في أحشائه أقدام الصغار العابثين، اللاهين، المبتهجين بالهطول.. وفي المواسم القاحلة، حيث لا بحر ولا مطر، فإن الأرض الطينية اليابسة، تصبح ملاذاً للعب الصغار، الذين يلعبون «التيلة» و«المحطة»، وكذلك كرة القدم البلاستيكية.. الآن صار الشارع المزدحم، لا مكان فيه، للسائرين على أقدامهم، بل إن الشاحنات والمركبات الصغيرة، تخب خبيبها في شارع، أشبه بشريان ضيق، محاط بأبنية تجارية، ومحلات بيع المواد الاستهلاكية، ترى البائعين الهنود بالسحنة السمراء الهادئة، والعيون الشاخصة في الفراغ، الوسيع، وترى ألواناً أخرى من البشر، تدأب في حركة نشطة.. وخلف هذه الدكاكين، تنام البيوت القديمة، تميل بأكتافها المتهالكة على بعضها، وتخبئ أسراراً وأخباراً، تتذكر الأشخاص الذين ناموا تحت أسقفها، الآن أصبحوا عظاماً رميمة، ولم تبقَ غير أسمائهم، تظل في الذاكرة، باهتة لا معنى لها.. هذه البلدة التي كتب عنها ابن ظاهر في شعره، وقال إنها كانت تعج بالبشر، ولما جاء الطوفان في القرن الثامن عشر، أكل الشجر والبشر، وصار البحر في مستوى قمم النخل.. هذه البلدة التي أصبحت لا تساوي شيئاً غير مأوى.. للعمال الهنود، والشحاذين، وبعض المكسورين والأرامل.
استقللت سيارة الأجرة، طافت بك المركبة الصغيرة، يقودها سائق باكستاني، ينشف عرقه من حرارة الشمس، وانصهار حديد مركبته القديمة.. عبرت بك الطريق، بعد تجاوز عدة إشارات صعد على الجسر، الفاصل بين ضفتي البحر، الجسر المنحني كظهر امرأة عجوز، يرتفع عن سطح البحر بعشرات الأمتار، ويبدو أنه الحارس الوحيد لأقدار الذين يمرون على ظهره، مشدودين للوصول إلى أماكن شغلهم أو محطات جلب حاجاتهم، الجسر الحديدي، يبدو من بعيد، كقامة متهاوية، تهبط من علو لتبطئ سير المركبات الذائبات في أتون الفراغ الموحش، تقول إنك عندما ترى ظهر هذا الجسر تشعر وكأنك تستقل طائرة ورقية تخشى أن تقع في أي لحظة، وتقضي على الذين فوق ظهرها، والذين يسيرون تحت جثمانها المرعب. تتطلع إلى السائق المكفهر، الجامد المتشبث بمقود المركبة وكأنه يقود مركبة فضائية لا يعلم أين تحط به.. لا تحاول أن تستنطقه بكلمة كونه أطبق الشفتين وكأنه حلف ألا يكلم أحداً في الصباح.. لا يبدو أنه أخرس، فقد التفت قبل برهة، متذمراً، وشتم أحد السائقين بعد أن التصق بسيارته وكاد يحرفه عن طريقه، ثم انكتم صوته..
قبل أن تذهب إلى محل بيع الأحذية، راودتك رغبة قديمة، وجامحة، فانعطفت باتجاه مقهى قديم، مقهى السيد كندر، لم يزل كما هو يحتفظ بسماته، وسلالة الأقدمين، الذين أشعلوا نيران الأرجيلة تحت السقف الخشبي، دلفت مدفوعاً برائحة التبغ المعتق، وأخذت ركناً معتماً، واستقللت طاولة صغيرة.. طاولة خشبية، صف على سطحها النادلون أكواب الماء، والقناني الزجاجية المملوءة بالماء البارد، أشرت بيدك للنادل، الواقف عن قرب، متربصاً، يتفحص الوجوه القادمة، الجديدة والقديمة، ولا أحد سواك، الذي بدوت شخصاً غريباً، فجميع الذين يجلسون على الطاولات، يعرفون النادل، وينادونه باسمه، ويتمازحون معه، ويلقون عليه النكات، معظمهم من شيوخ القبائل وفضائل الزمن الجميل.. طلبت شاياً أحمر، وقصعة فول مطبوخ.. تفرست في الوجوه، أغرتك الرائحة، المتفاقمة المتصاعدة، من رؤوس الأراجيل، المتصهدة، طلبت النادل. قلت: أحضر لي أرجيلة، قلت لأطلب أرجيلة بدلاً من السيجارة التي مجتها نفسي.. الرجال الذين يحيطون بالطاولات جلهم تعرفهم، لكنهم بطبيعة الحال لا يعرفونك، وأغلبهم من الذين كانوا شباناً في زمن صباك المبكر، تغيرت أنت، وشاب شعر لحيتك، وذبلت أجفانك، وغزت التجاعيد وجهك، لكنهم هم الذين ابيضت عيونهم بغشاوة الزمن، وانحنت ظهورهم، وشاخت ذاكراتهم، لن يذكروك.. لبثت في مكانك، في صمتك، منصتاً بإرهاف إلى ضحكاتهم العالية..
رشفت شايك، وأخذت نفساً عميقاً من دخان الأرجيلة، سعلت، علت كحتك وانتشر صداها، مزمجراً، قال جارك القريب في الطاولة المحاذية. سلمت.. ثم أردف.. يبدو أنك جديد على الأرجيلة، خفف من سحب الدخان، لا تأخذ نفساً عميقاً، رويداً رويداً على صدرك، حتى تألف الدخان رئتك. اتبعت النصيحة بعد أن شيعته بابتسامة خفيفة، وصرت تكتم سعالك، خشية الإحراج.. تذكرت محمد بن سباع، كان عباراً ماهراً، كان شاباً يافعاً، تمتلئ زنداه بالعضلات، كان يدفع قارب العبور بين الضفتين، بصدره عندما يلتحم بالشاطئ الرملي.. كان رجلاً، مبتسماً دائماً، لكنه لا يناور على حقه في كسب العيش، ولا يساوم، تذكرته عندما تشاجر مع أحد العبارين، الذي حاول أن يسرق منه الدور، صفعه على وجهه، فأرداه على الأرض، ولم يلق بالاً لما حصل، بل باشر في استقبال الركاب، وهو يرمق منافسه بنظرات الشذر والتهديد الصامت.. تنظر إليه الآن تتفحص وجهه الذي بات أشبه بورقة اللوز الصفراء، وأسنانه، أو بالأحرى ما تبقى له من أسنان صفراء، برزت كالمسامير الصدئة، تفضحها ضحكاته المتعالية، لم يتغير المقهى، عدا صاحبه الذي ودع دنيانا، ليمسك بزمام الأمور الهندي الذي استأجره قديماً، وصار يتحدث العربية بلباقة، ويتطبع بطباع الكهلة الذين لازموا المقهى طوال هذا الزمن. الرجال القريبون من طاولتك لا يتحدثون إلا عن الجنس والزوجات الهنديات، تسمع أحدهم يقول ضاحكاً، محدثاً صاحبه، لقد هربت منك، يبدو أن سلاحك فتاك، ولم تحتمل طلقاته المدوية، بينما يقول آخر: لا.. لا تصدق هذا، لقد هربت لأنه كان يستعمل إصبعه، فملت منه، ولاذت بالفرار، يلكزه الرجل الأشيب، قائلاً: تريد أن تجرب أن كنت استخدم إصبعي أم لا؟.. يتعالى الضحك.. وفي حوار آخر على طاولة أخرى، يتحدث الكهول عن الأمراض. يقول أحدهم بسخرية: لقد يئست، لم أدع مصحة ولا مستشفى إلا وطرقت أبوابه، فلا جدوى، السكر لا علاج له، ويئن آخر، والضغط كذلك.. هذان مرضان لا يستطيع الطب أن يجد لهما علاجاً..
وينبري رجل، وهو يلفظ دخانه من صدره، المكتظ بالسعال.. وهل لدينا مستشفيات؟ فدواء الضغط والسكري أشتريه بنفسي من الصيدليات، الأطباء، يضعون السماعة على الصدر، وحزام الضغط على الزند، ويعطيك ورقة صغيرة، ويقول لك اذهب إلى الصيدلية الفلانية، فالدواء ليس متوافراً لدينا.. ويصدح آخر متذمراً الأطباء هم الذين يحددون الصيدليات المعينة.. صوت آخر: الأمر واضح.. عصابات تدعم بعضها بعضاً، ونحن ندفع الفواتير. يسود صمت، ويعلو الدخان، وتنشف أنت كأسك، وتجفف عرقك، وتعطي النادل أجرته وتنهض. تغادر المقهى، وتتبعك ذاكرة قوية، تتشبث في ثيابك، تلوم نفسك لماذا لم تعرف نفسك على الذين عرفتهم؟ لماذا فضلت أن تكون غريباً؟ فهؤلاء الأفذاذ قطعوا مسافات بعيدة، وجاؤوا من التلال العالية، في الظيت الشمالي والجنوبي، ليستعيدوا أيامهم، وجاؤوا من هناك مستمرئين إعادة صياغة الأحلام، وتجديد الأيام، جلهم تقاعدوا عن كل شيء، لكنهم لم يتقاعسوا عن تلوين اللوحة القديمة، وإعادة ترميمها، بحكايات مسلية، وسرد الروايات التي تنفحهم برائحة الزمن الذي تولى.. مازالوا يذكرون، ويتذكرون كل شيء، أجسادهم المطحونة تحت الشيب، لم تتخلّ عن مواقد الذاكرة المشتعلة بجحيم الأحلام..
تقول إنك وقفت أمام محل بيع الأحذية، الذي رصفت في أعلى بوابته يافطة عريضة، محل بيع الأحذية الرجالية.. تدلف المكان هو المكان الذي اشتريت منه نعالك المتوفى قبل سنتين، والرجل ذو السحنة الرمادية هو نفسه كذلك، ما تغير فقط ملامح وجهه المكفهرة، القانطة، سحبت إحدى العلب الكرتونية ونزعت الورق الشفاف الحافظ، وأدخلت قدمك في فردة النعال، رفعت بصرك في وجه الرجل الواقف أمامك. قلت.. كم سعره.. قال، في لهجة جامدة وحادة شيئاً ما.. بأربعمائة درهم..
بهت رافعاً حاجبيك.. أربعمائة.. لماذا؟
قال: هذا سعر السوق..
قلت: نفس هذا النعال.. بشحمه ودمه، اشتريته من هذا المحل، ومنك بالذات قبل سنتين، بمائتين وخمسين.. ماذا تغير؟
قال مبتسماً ابتسامة باهتة: كل شيء تغير.. لو ذهبت إلى سوق السمك، وسألت عن مشك سمك الشعري، سيقول لك بعشرين درهماً، بينما كان قبل سنتين بعشرة دراهم، والأمر كذلك لو دخلت سوق الخضار، البطيخة ذات الأربعة كيلوغرامات صارت من عشرة دراهم إلى عشرين.. ثم يردف متأففاً.. كل شيء يا أخي بهظ ثمنه، إيجار المحل، هذا الذي كان بعشرين ألفاً أصبح يؤجر بضعف الرقم هذا إن وجد..تحول نظرك إلى ماركة أخرى..
يقول لك: هذا سعره أرخص.. بثلاثمائة درهم..
تسأل.. لماذا؟
يقول: الماركة مختلفة.. ذاك إيطالي.. وهذا تايلاندي..
تشبك يديك خلف ظهرك، تتفرس في الأرفف، وتنظر إلى الرجل المتجهم باستقطاب، وكأنك تريد أن تستدر مشاعره، لكنه كان يتحول جانباً في عجالة من أمره، يريدك أن تغادر، ظافراً أم خاسراً، فلا وقت لديه للمساومات.. فهمت المغزى، ولم تجد ما توفره من كلمات..
قلت في يأس: أعطني ذاك..
قال.. الإيطالي..
قلت برماً: ولم الإيطالي.. أريد التايلاندي.. قدماي لا تستحقان أكثر من هذا..
قال.. مبتسماً: بل تستحق أكثر من ذلك..
أخذت العلبة، وأعطيته ثمن النعال، منصرفاً بتذمر، لاعناً الوجوه التي تغيرت ألوانها، وشحبت بشرتها، وصارت عدوانية إلى درجة النكد.. في عودتك فكرت أن تزور سوق السمك، فكرت أن تستعيد شيئاً من الذاكرة المنطوية، تجاوزت محال تجارية، لم تزل تحتفظ بقاماتها، ومكانتها، ورائحة الخردوات والبهارات، وعطر الزنجبيل المزنجل برائحة الحرقة.. قلت: كان هنا دكان المصلي، وفي مقابله دكان أسد لبيع الأقمشة النسائية والرجالية، وفي الطرف الآخر عند الزاوية دكان حسن الشامسي، وآخرون، بعضهم قضوا وآخرون أحياء، والشارع لم يزل يكتظ بسيارات البدو، محملين بزاد الشهر، بعد أن باعوا العسل، والسمن البقري، والأشياء هنا لا تهشم سلالة السلام، حتى وأن دارت الدوائر على كثير من الظواهر الاجتماعية القديمة، وبزغت شمس ظواهر أخرى.. في السوق الكبير، المشرف على اللسان البحري، من خلال الميناء، هنا كون مختلف، وقوارب الفيبرجلاس، ترسو متراقصة، وعلى ظهرها رواد البحر الأعزاء، هنا تسترخي بعض السفن الخشبية، متثائبة، مغتسلة بالملح، وعرق الذين ناموا على سطوحها المدهونة بعبق التاريخ. دخلت، تجولت، تفرست، أمعنت النظر في حديقة الأسماك الزاهية، شممت الرائحة كما تطايرت على قندورتك قشور السمك، المقذوفة من أسنان السكاكين الحادة، لكنك لم تقرف، بل شعرت باشتياقات قديمة تهاجمك بعنف، تهشمت حنيناً، صرت الآن عند البوابة الخلفية للسوق، الذي صارت جدرانه العالية، المتعلقة بالفضاء، كلوحة جبلية تتسابق في صناعة المستقبل، توقفت، تأملت البحر ملياً، بعض السفن تعود متأخرة، لكنها زاخرة بالرزق الوفير، وفي انتظارها سماسرة، قابضون على اللهفة، متمسكون بتقاليد المقايضات في عز ظهيرة اليوم الصيفي، يقفون كمدافع وحرس ثوري، لا يتيحون الفرص، لأي مشترٍ أن يهبط صدر السفن الرابضة عند حافة المرسى الأسمنتي، ينتقلون بأقدام حافية، وصدور عارية، وقلوب محترقة، وينتعلون الإصرار، قافزين قفزات الطيور الجارحة، منقضين بشراسة على سلال السمك. وبعض المشترين ينسحبون خلفهم بخطوات متباطئة، متواطئة مع الكسل.. تقول: ربما يكون هؤلاء متفرجين، كحالتي.. قلبك المغمور بالسعادة، والحزن معاً، صدرك العامر بمشاعر متلاطمة، لكنك الذي صرت تتمتم بلغة مبهمة، وتحشد الذاكرة، بزخم من معطيات الزمن القديم، وما تبدى في زمنك الجديد من بؤر خطر ونفور، تطفر منها فيروسات قاتلة.. قلت: سوق السمك، لم يتغير منذ زمن، ومنذ أن انتقلوا من مقره القديم، عند الطرف الآخر من المرسى، والقريب من البنك البريطاني، لكن أشياء أخرى تغيرت.. البائعون.. وجوه لم تزل، غريبة، لكنها امتزجت في النسيج الاجتماعي حتى النخاع، هؤلاء الرجال الأفذاذ بسحناتهم الفضية، اللامعة بالعرق، احتلوا مكاناً واسعاً، واستولوا على حظوظ أبناء البلاد الذين تواروا بعيداً، سواء بالموت، ولم يحل مكانهم جيل جديد، أو الذين اختفوا طائعين، قانعين بمساعدات الشؤون الاجتماعية.. تشعر بالألم، يخالجك شك في أن هذه البلاد سوف تلقى مصير الحضارات التي اندثرت، والأمم التي غيبتها صروف التاريخ، بعد أن تخلت عن التزاماتها الأخلاقية.. الرجال الذين يقفون اليوم على مصاطب بيع السمك، يبدون كالمماليك، وربما يكونون في المستقبل أشد بطشاً.. تتردد في الحلم، تقول: لماذا كل هذه القسوة؟ لماذا أضعهم جميعاً في خانة الاستعمار الاستيطاني؟ آثرت الخروج من زحمة الأجساد، وزمجرة الأصوات العالية..
تقول: هذه التظاهرة العشوائية، تملأ السوق يومياً، منذ الصباح الباكر، وحتى ساعة الظهر، ثم يهدأ المكان ليأتي دور القطط، التي تلوب في الممرات، وحول الدكك، وعند صناديق الذخيرة.. تبحث عن طعامها، تتشمم الرائحة، وتدعك أجسادها، في الضحالة اللزجة، وتأخذ مؤنتها ثم تغيب، وبعض صراع مرير يحدث هنا بين هذه الحيوانات التي ألفت المكان، واحتلته، كما فعل الرجال السمر.. ينتابك فضول في أن تعرج نحو سوق الخضار المجاور، تتفحص المكان.. تقول: كانت سيدات المجتمع العامل يحملن السلال وحزم الرويد، والقلمان.. والبصل الأخضر، والجزر الأحمر.. والنبق، وكذلك اللبن البقري، ومستحضراته من الجبنة، واليقط، وغيرهما. كن يأتين فجراً، قادمات من أحشاء الجبل، ويتساقطن زهرات، عند المرفأ القديم، تستقبلهن العبارات، لتنقلهن إلى الضفة الأخرى من البحر، هناك في السوق القديم، كن يبسطن البضاعة، ويجلسن مفترشات الأرض، يضحكن مع هذا ويشاغبن ذاك، ويتداولن على سعر مع ثالث، ويغبطن رابعاً، برأس جزر. ثم تضيف قائلاً: كل الحمولة، التي كن يتأبطنها أو يحملنها على رؤوسهن، ما كان يزيد ثمنها على مئة درهم، لذا فإن المشتري ما كان يصرف أكثر من عشرة دراهم إن أسرف في الشراء. أما اليوم، فالعشرة دراهم، لا تعود إليك إلا برأسين أو ثلاثة رؤوس بصل.. تمضي في الردهات، تجوب أرجاء السوق، تتحول نظراتك في الرفوف المزخرفة، بألوان وأصناف الفاكهة، والخضراوات. قلت: تعجبني الفراولة، أشعر بأن طعمها يتسرب في حلقك، كما هو طعم الحياة في الروح.. لا أدري لماذا أحب هذا الصنف من الفاكهة، وكذلك الرطب. الرطب الذي تنعشني رائحته، فيه عطر الانتماء، وطعم الولوج في الأشياء العميقة.. تغادر السوق، تمضي في خطوات بلا هدى، شاعراً بنشوة.. تقول: على الرغم من إحباطي مما شاهدته إلا أن قلبي استرد شيئاً من نزيفه السابق، أشعر بأنني أستجيب لنداء الوجود، أستعيد كياني.. وتسير، وتقول الأشياء القديمة عندما تندثر، يندثر على أثرها تاريخ وعمر، بمعنى أن الأشياء التي من حولنا هي جزء من حياتنا، فعندما تذهب بعيداً في المجهول، فإنها لا تذهب وحيدة، بل تأخذ معها عمر الإنسان، ووجدانه، المسكون بها..
تقول: أشعر بأنني في حاجة إلى البكاء، أشعر بأنني أتهشم وأتناثر كزجاج، مصعوق بعاصفة ثلجية.. البكاء أحياناً استعادة لتوازن الذات.. ولو أنني بكيت عندما حلمت ذاك الحلم البائس، ولما شعرت بالانقباض وأنا أصحو مفزوعاً، جراء شعوري بغرق قاربي في عرض بحر عميق.. البكاء، النعيم الذي يزخر به البكاؤون، ولكن ليس كل إنسان في إمكانه أن يبكي، مشكلتي أنني لا أبكي.. لا أدمع كثيراً، لكنني أنزف.. وهذه معضلتي..
رميت مشاعرك في أحضان فراغ ملتهب، وسعيت إلى أن تتخلص من ضعفك، ولا تريد أن تستمر في ضياع زمنك.. قلت وأنت تنظر إلى الساحل الرملي وهو ما تبقى من الشاطئ، بعد أن عج بالحيطان الأسمنتية، والصخور ومخلفات المراكب، وسفن الصيد، ماذا سيؤول إليه حال الناس، بعد عقد من الزمن. كيف سيصير مصيرهم وهم يقضمون جزءاً يسيراً من الرغيف، والجزء الأعظم يذهب في أفواه الذين اغتصبوا الفرصة، وتسنى لهم أن يقتنصوا الظرف الراهن، فلا يكتفون بالمناصفة، ولا بالثلاثة أرباع، الأمر الذي يجعلهم هم الذين يتسيدون زمام المراحل، ويمضون بالمصير في اتجاه المجهول.. تغضن حاجبيك، تقول: لا بأس هذا شأن الناس، هذا خيارهم، ولا علاقة بالذين ينتهزون أنصاف الفرص، لينالوا ما نالوا.. عند المرسى، تتوقف، تنتظر سيارة أجرة.. تسمع صوت بوق، تلتفت.. صوت يناديك تاكسي.. تهرع، مسرعاً.. وأنت في المركبة، تفتح علبة الكرتون، تتفحص النعال الأسود، وتنظر إلى نعالك القديم، تقول: الجديد كيده حديد.. ثم تتلمظ قائلاً: شكله أنيق..



تقول إنك متوجس، وقلبك منبجس، وبدوت وكأنك تدخل في نفق مظلم، موحش، لا حركة فيه، لا نفس.. وتسأل.. أين أنا الآن، عندما انتعلت الفراغ وسرت بنعالك الجديد، شعرت وكأنك تستقل مركبة حديثة العهد، لذا فسررت في السير بلا هدى، ولم تكن تعرف إلى أين أنت ذاهب.. في هذا الخلاء، المفروش بالحصى، والأرض العجفاء، تتمدد على صخور قديمة قدم الأسلاف الذين كانوا هنا، ولا أحد الآن.. تتلفت يمنة ويسرة، كالفار من العدالة، يبحث عن ملاذ آمن، ولا أنيس لك سوى أنفاسك المكررة، من جراء السعي على قدمين أتعبهما المشي ووعورة الطريق.. ليل بهيمي، يتشبث بالعتمة، كما تقبض هذه الأرض على أحجارها العريقة.. وجدت نفسك تحت جنح الليل، بين جدارين طينيين، متهالكين، كانا في الأصل حزاماً لمزرعة نخيل، الآن لا أثر للنخل، لا أثر للناس الذين كانوا هنا، لا رائحة للمواشي التي ترعى الحشائش في مساءات الصيف.. من بقي من الأرواح ذهبوا بعيداً، أو تناسلوا عن أجيال، ترمق سكنى هذا المكان، هذه البقعة الطينية الأليفة على مسافة نصف كيلومتر تقريباً، ترى أضواء النيون اللامعة على صفحات جدران مبنى شيد لعلاج المرضى.. تقابله مقبرة، لأناس ماتوا منذ زمن، ولم يبقَ أثر لهؤلاء غير رائحة الكافور المنبعث من أحشاء القبور المتلاشية.. انتابتك قشعريرة وأنت تقترب من معشر الأموات، تصورت أن أحداً من هؤلاء سوف يبعثر التراب من على جسده، ويستقيم واقفاً، ثم يمد ذراعاً عظيمة، ويجذبك إلى الحفرة العميقة، لتغيب عن الوجود.. تحاشيت المرور بجانب المقبرة، وانعطفت نحو جانب آخر، لكنه يحاذي سور الفناء للمقبرة.. بعض السيارات تمر من حولك، ومزامير وأبواق تنفتح بين الفينة والأخرى تبدد وحشتك، وتشيع جواً من الألفة على المكان.. الموت.. قلت والقشعريرة تمد لساناً رهيباً تحت جلدك، تخفض رأسك، تحاول أن تنأى عن النظر إلى السور الطيني، تتوقف برهة، لعلك تلتقط أنفاسك المتقطعة، تتلفت.. تتذكر نخل كنان، الرجل القصير الأسمر بسحنته الصباحية المشرقة عندما كان يشاغب الماء المتدفق من شريان الماكينة الهادرة، ويتسلق نخل القيظ بخفة الطائر اللبق، ويلتقط حبات الرطب حبة حبة، ويداور ويناور، ويحاور العصافير التي كانت تزقزق صباحاً، فرحة، بعطر الأجنة المتدلية من رحم ذات الأساور الصفراء، والحمراء، تتذكر هذا الرجل، المتعاظم شبقاً كونياً، عندما يجلس عند حافة القنوات المائية، ويغني أغاني القيظ، وينشد باسم الحياة الحبلى بمجيء المصيفين، والمعرشين عند المروج الخضراء، المرتحلين من إمارات وبلدات بعيدة، طلباً لاستنشاق عطر الصيف، في بلاد الخضرة اليافعة.. وكذلك تتذكر بو زيد، الرجل الشهم، الورع، المشنشل بإزاره الأبيض المخطط بألوان الزهر، وقميصه القطني الأبيض الناصع، تتدلى منه رائحة صابون اللايف بوي، وما ينتجه صباح النخل من عفوية الابتسامات.. أبو زيد، الرجل الستيني في ذلك الزمن، كان يلج بستان النخل، ينادي على الفلاح العامل في النخل، يحثه بلطافة أن يجمع ثمار اللوز، والهمبو، ويضعه في مكان آمن، ليقدمه بنفسه للصغار الذين يأتون صباحاً، ليرموا أجسادهم الحارة في حوض النخل البارد، المنثال من عيون الأرض السخية.. قريباً من المستشفى التاريخي الكبير، تقف ترمق البوابة الكبيرة، حيث سيارات الإسعاف تنسل منها بأضوائها الحمراء، كعيون النساء الباكيات على من ثكلنهم.. تمتعض وينقبض قلبك. جراء سماعك صوت نواح سيارات الإسعاف، تعود القهقرى، تريد أن تنتعل الفراغ وتفر بجلدك، تريد أن تمارس دور الرجل الخفي وتذوب في عبارة الليل، تريد أن تنتهي إلى مكان آخر، أي مكان، يأخذك بعيداً عن أبصار هذا المكان الذي لا تخرج منه الأجساد إلا ملفوفة بالأبيض، مغطاة من أخمص القدمين حتى ذوائب الرأس.. تصعقك النهايات جداً، تمحوك وتشعر بأنك لا شيء.. عدت في اتجاه المقبرة. كان ضوء خافت عند البوابة، التي توارت خلفها غرفة صغيرة، أشبه بالكوخ.. تمشيت، سرت بخطوات متباطئة، وقدماك ثقيلتان وكأنهما تخوضان في وحل أو كأنك مزنجل بسلاسل حديدية.. وصلت عند البوابة الحديدية، الأشبه ببوابات السجون، تخيلت أن الذين يقطنون في الداخل ليسوا إلا لصوص أو رجال عصابات غللوا هنا بفعل الجرائم التي ارتكبوها.. فكرت.. لماذا تسور المقابر، وتحكم بأبواب حديدية، ويقف الحراس عند بواباتها.. ماذا تعني حراسة الأموات.. هل يعتقد الناس أن الذين ماتوا يمكن أن يخرجوا من الأجداث، وينتقموا من الذين واروا عليهم التراب.. تضحك.. تسخر من أفكارك البائسة.. تقول.. كيف يستطيع رجل حي بشحمه ولحمه، أن يمضي الليالي وهو يجاور الموتى، ولا تنتابه الوساوس، والخوف من الموت.. أي قلب هذا متخشب إلى درجة أنه لا يحس بشيء اسمه الموت.. الموت.. الموت.. تقول مردداً كلمة الموت، وأنت تضع يدك على صدرك، متوثباً، متحاشياً أي عثرة بحجر، متعقباً ظلك الذي صار خلفك، يتبعك وكأنه شخص ما يلاحق خطواتك.. قذفت بصقة لزجة من فمك، وقفت عند الباب العملاق الصدئ.. حاولت أن تتفحص الداخل، والداخل يعج بظلام دامس، وصمت مطبق، يحيي القبور، الخامدة.. فجأة سمعت نحنحة وسعالاً لرجل في الداخل.. لمحت هامة كائن يتقدم نحوك..
قال بصوت جهور، من في الفضاء، كطرقة قضيب حديدي، التطم بجدار سميك.. ارتجفت، لكنك تماسكت، قلت: أنا.. وألقيت التحية، قبل أن تسمع الصدى.. اقترب.. كانت ملامحه مغبرة، شائهة، عيناه يشع منهما ضوء أحمر، وشفتاه تتدليان عند ذقنه.. قال في لهجة جافة: ماذا تريد؟ ثم تابع: هذه مقبرة، وليست سوقاً للخضار، فماذا تتفحص في الداخل؟ ويتابع: سوف تزورها في يوم ما، فلا تتعجل من أمرك..
كلماته الجامدة، خضت قلبك، وددت لو تفر من المكان، لكن فضولك تحداك ومنعك من أن تفعل ما يفعله الصغار، قلت بلهجة فاترة.. زيارة الأموات واجبة.. يضحك بسخرية.. ليس في أنصاف الليالي..
قلت متهكماً: ومتى إذاً؟
قال: ألا تعرف الأصول.. الناس يأتون لزيارة موتاهم في أوقات محددة، بمعنى في أيام الجمعة، وساعات النهار..
رميت قلقك بعيداً، بعد أن برد جسدك، وفتر خوفك، قلت: وماذا يمنع أن يزور الإنسان عزيزاً عليه في مثل هذا الوقت؟
قال منزعجاً: يا سيد.. قلت في الليل الزيارة مكروهة، ولا يجوز أن تتصرف بما يخالف تقاليد الدين..
قلت: مكروه.. ولماذا مكروه؟!
قال وهو يضغط على مخارج ألفاظه: ليس لديّ الوقت للمجادلة، ثم وهو يمنحك ظهره، بلا مبالاة.. يبدو أنك فارغ الصدر، والعقل..
تقول إنك ناديته.. رجوته بأن يمهلك قليلاً، ويتصرف كفاعل الخير.. توقف.. التفت نحوك.. ماذا تريد..؟
قلت: أريد أن أتحدث معك..
قال: عماذا؟
عن أمر شغل بالي كثيراً، وربما تستطيع الإجابة عن سؤالي..
يستند إلى جذع خشبي، وينظر إليك بإمعان.. قائلاً: عماذا تريد أن تسأل..
تقول: في هذا المكان، في هذه المقبرة، الموحشة، ألا تخاف من أم الدويس؟
جحظت عيناه.. نظر إليك، مبهتاً.. قال: وهل جئت لتنصحني كي لا أحفظ لقمة عيشي..
قلت مصراً: هذا يعني أنك تعترف بأنها موجودة في هذا المكان.
قال: وفي أي مكان..؟
قلت وأسنانك ترتجف: وهل شاهدتها في يوم؟
قال.. في ثقة: أجل شاهدتها.. وماذا يعنيك أنت في أمرها؟
قلت في صوت مزمجر: أنت تكذب.. أنت تخدعني..
لمح عصبيتك.. قال مهدئاً من روعك.. لا تجزع يا سيد.. كل واحد منا يمكن أن يرى هذه الشيطانة العملاقة.. ولا ضير في ذلك..
قلت.. برما: لكنني لم أرها.. أجل لم أرها، كلكم تقولون إنكم رأيتموها، وأنا لم أعثر لها على أثر.. هذا ما يزعجني..
قال مبتسماً: ولماذا تريد أن تراها؟
قلت: لأتأكد أنها، موجودة بالفعل..
قال: ولماذا لا تصدقني، أنا أقول لك إنني رأيتها..
قلت محتداً: هذا لا يعني أنها موجودة..
قال.. متململاً: ولتكن كذلك.. فلماذا تشغل بالك بأمر لا تعترف بوجوده؟
قلت بائساً: هذه هي المعضلة.. أن يعتقد الناس جميعاً بشيء وأنا مازلت في شك من أمره.. أشعر بأنني أبحث عن شيء غير موجود، أشعر بأن الناس يكذبون.. ثم بعد صمت تقول: أشعر بأنهم جهلة..
قال محتدماً بالغيظ: ولماذا لا تكون أنت الجاهل..
ازدردت ريقك الناشف، وقلت: الدلائل تسير كلها على أن أم الدويس مجرد وهم، وأن الذين يقولون إنهم رأوها، لم يصفوا شكلها بدقة تؤكد أنهم حقاً رأوها، وأنها موجودة..
يأخذ الرجل نفساً عميقاً، ثم يقرب منك، يضع يده على كتفك، ويقول: ألا تريد أن أستضيفك بكأس شاي..
سال لعابك، وكنت في أمس الحاجة إلى هذا السائل السحري الذي تحبه.. تمتمت.. قلت.. إذا كان هذا لا يضايقك..
قال في مودة: بل يسرني كثيراً..
دخلت الغرفة الطينية الصغيرة، لجت قدماك، الضوء الخافت.. واقتعدت مسنداً قطنياً، وتجمدت في مكانك..
الرجل الكهل، يقدم لك كأس الشاي، ويتفرس في وجهك، كان ورعاً إلى حد ما، لكنه خيل إليك أنه رجل عمل كثيراً في هذا المكان. لذا، استمرأ مجالستك، ليطرد وحشته، الأمر الذي شجعك على الجلوس معه.. قلت: ألا يجدر بك أن تصف لي شكلها؟
قال: من هي؟
قلت: أم الدويس..
قال مبتسماً: هذه الشيطانة، لا تظهر للناس بهيئة واحدة، فهي متلونة متشكلة، ولكن الشيء الوحيد، الذي تثبت عليه هو فأسها..
بحلقت.. قلت: وماذا تفعل بهذه الفأس؟
قال: ترعب الناس.. وأحياناً عندما تكون غاضبة وجائعة فإنها تقتل بها..
ارتعدت فرائصك.. قلت: هل لك أن تصف لي هيئتها كما رأيتها؟
قال.. متلعثماً: هي امرأة، عملاقة، قبيحة الشكل، منخارها ضخم، وذراعاها طويلان، تمتشق في يدها اليمنى فأساً ضخمة، ومرعبة..
قلت: وعندما رأيتها.. ماذا قلت لها.. وماذا قالت لك؟
قال مرتبكاً: لم أقل لها شيئاً، ولم تقل لي شيئاً، رأيتها تهيم وسط القبور، فأختبأت في غرفتي حتى تأكدت أنها زالت. وبعدها، صرت أتبع خطواتها، عثرت على خطوات ضخمة، وهذا دليل أن قدميها كبيرتان.. بعد ذلك لم أنشغل بها كثيراً، عدت إلى غرفتي، ونمت ليلتي أفكر فيها، وكنت أخشى أن تدفع هذا الباب الخشبي، وتهاجمني، لكنها والحمد لله لم تفعل.. وفي الصباح، سمعت أن طفلاً صغيراً قد اختفى من منزل ذويه، وروى الناس، أنه كان يلعب بجوار بيته، في الليل، وأن الناس سمعوا صوت صياح واستغاثة، لكن الطفل ذاب في الظلمة ولم يعثر له على أثر.. ولما ذهب الأهل، يتساءلون، قال لهم أحد المطوعين: إن الصغير اختطفته أم الدويس.. وبالفعل بعد يومين، وجدت جثته ملقاة، عند شاطئ البحر، وقد انتزعت أحشاؤه، القلب والكبد.. يصمت الرجل قليلاً ثم يستطرد: هذه الشيطانة الشريرة، عندما تفتك بالأشخاص، فلا تأكل غير الكبد والقلب..
تقول مندهشاً: ولماذا الكبد والقلب..؟
يقول، في لهجة حزينة: القلب مصدر الحب، وهي شريرة لا تكن إلا الكره للإنسان. والكبد، هي وعاء الدم في جسد الإنسان، وهي مصاصة دماء..
تقول إنك ألفت وجه الرجل، شعرت بأنه فتح لك دفتراً مقفلاً، وأنه منحك قلبه.. لمست في حديثه شيئاً من الود، وأنت في حاجة إلى إنسان يحكي بلا تمنع، ويروي لك الحكاية التي شغلتك من دون تردد..
تقول إنك صرت تفكر بشكل جدي، في أن تستعين به، كمصدر ملهم، يعاونك على بحثك المتعسر...
أنت الآن تستعيد دوران الزمن، أنت الآن تقف عند حافة تهوي بك في منعطف يبدو أنه لا عودة من بعده.. الرجل الذي يجلس قبالتك، كأنه الكاهن الذي يلهمك، ويسرد لك الحكاية، ويطور الفكرة في ذهنك.. أنت الآن، وحيد تحت هذا السقف المهترئ، وبجوارك أموات ناموا تحت التراب منذ أزمنة غابرة، العظام التي كانت مكسوة باللحم، المغطى بالجلد، أصبحت الآن جزءاً من التراب الذي تدوسه الأقدام.. الإنسان، يعيش، ويتمنى ويفكر ثم يموت ويصير كعصف مأكول، لا قيمة له، حتى هذا الحارس الذي يسهر الليل على رعاية العظام النخرة، قال لك، إنه يستقر هنا من أجل لقمة العيش، وكانت نظراته تدل على أنه يحتقر كل من يثوون تحت الرمل، والطين.. إذاً الحياة التي يتحدث عنها الناس مجرد وهم، والحقيقة أن الموت هو المخلب الذي ينغرس في الأجساد ويحملها إلى شيء تافه، وتصور لو أن الأجساد التي فنيت لو بقيت على سطح الأرض، فإنها سوف تتعفن، وتفوح منها رائحة عفنة ونتنة، قاتلة.. لكن هذا الوهم الذي نسميه الحياة، هو أيضاً شيء مجسد، شيء مكون من مادة.. هذه المادة، تحركت وانشغلت بأشياء كثيرة في الحياة، ومن ضمنها أم الدويس.. إذاً أم الدويس، التي تبحث عنها قد تكون وهماً، خرافة، خيالاً في عقول الناس، ولكن طالما شغل الناس فهو تجسيد.. تقول إنك نظرت إلى الرجل الكث، تفرست في عينيه الحمراوين، ووجهه الأغبر، قلت له: كم عمر هذه المقبرة؟
نظر إليك بعينين شذرتين، قال: لا أعلم بالضبط، لكنني منذ أن فتحت عيني وهذه الأرض تعج بالقبور، والناس يرتادونها، ويدفنون موتاهم.. ثم سألك.. ولماذا تسأل؟
قلت: مجرد سؤال..
همهم، مبتسماً..
قلت: وأين ذهبت بساتين النخل التي كانت تجاورها..
قال بصوت حزين النخيل.. النخيل ذهبت مع أصحابها..
قلت: وأين ذهب أصحابها..؟
قال: ذهبوا إلى الجحيم..
بهت.. إلى الجحيم.. وأين هذا الجحيم؟
قال متهكماً: لا أعلم مكانه.. لكنه هو الذي سول لهم لكي يجعلوا الأرض يباباً بعدما أهملوا النخل..
تقول: ولماذا أهملوها..؟
يقول: لأنهم أغبياء..
شعرت في لهجته غضباً، عارماً.. قلت: وكيف تحولت المزارع إلى مطاحن للغبار، ومزابل لعوادم السيارات..
طقطق قائلاً في حسرة: قلت لك لأنهم أغبياء..
تستفزك كلمة أغبياء.. تقول: ولماذا لا يزرعون النخل؟
يزم شفتيه، في أسف قائلاً: الأشجار لا تنمو في المكان الذي يتكاثر فيه، فيروس الغباء.. النخلة كائن نبيل، لا تستوي وحال الأنذال..
شعرت ببؤسه، وتشرذمه، جراء كلماته المتذمرة.. قلت: ولماذا لا يزرعونها في مكان آخر، لعلها تنمو، وتتكاثر..؟
قال في سخرية: تعني في البحر.. حتى البحر، تم تلويثه.. وفي أي مكان، ستقترحه، ستجده ملآن بروث الكائنات المتوحشة..
قلت: وماذا بعد؟
قال، يائساً: لا بعد ولا قبل، كل ما في الأمر أن زماننا بالت عليه ثعالب البشر، وصرنا نبحث في الفضلات عن بريق المستقبل، ثم صفق بيديه، مكفهراً، مغضناً حاجبيه، في أسى..
قلت: هذا يأس..
نظر إليك، مبتسماً: عندما يبحث رجل مثلك عن أم الدويس فهذا أس اليأس..
قلت: ولم لا؟
قال: كان الأولى أن تسأل عن النخلة التي ماتت وليس عن أم الدويس..
تنظر إليه.. خيل إليك أنك أمام رجل يستخف حتى في افتراضات ما، كنت تعتقد أنه الأمر الجلل.. قلت: أم الدويس ليس موضوع البحث الذي أقوم به، بل هو الوهم.. الخرافة..
قال: وماذا يفيد البحث في الخرافة..
قلت: لأنها أصل الداء..
قال: لنبحث عن الداء..
قلت: وما هو؟
قال: الناس..
قلت.. وأنت تزفر: أتعتقد من المجدي أن تناقش الناس في أوهامهم؟
قال: بل من الضروري أن نواجه الحقيقة..
قلت: وما الحقيقة؟
قال: الحقيقة أن الانشغال بالخرافة، هو هروب من الواقع..
قلت: ولماذا يهرب الناس من الواقع؟
قال: لأنهم عاجزون عن مواجهته.. لأنهم مشغولون بأشياء أخرى..
قلت: وما هي الأشياء الأخرى؟
قال: الخوف..
قلت: الخوف مم..؟
قال: من ضعفهم..
قلت: ولماذا هم ضعفاء؟
قال: لأنهم جهلة..
قلت: وما سر الجهل؟
قال: لأنهم يرفضون الكشف عن جهلهم، ويصرون على العيش في العتمة..
انقطع الحوار مع رجل المقبرة، وانفجر الحوار الداخلي، نمت أشجارك في الداخل بسرعة، ورشاقة، تفرعت أغصانها، غبت في الغابة العتمة، تماديت في الاستبداد، صرت كائناً متوحشاً.. تساءلت بفجاجة.. الجهل، وكيف يمكن للمرء أن يمارس طبيعته في وسط محيط يغط في سبات الجهل، كيف للمرء أن ينأى بهذه الذات الناتجة عن خضم الحثالات والأوساخ التي تتلبد في أذهان الجهلة.. نظرت إلى الرجل، كان شبه غائب، كان هو أيضاً يستأنف حواره الداخلي، ربما كان يفكر فيك، ويقول في نفسه: من يا ترى هذا البائس الذي اقتحم عزلتي، وأثار الغبار من حولي.. هو أيضاً ربما يكون منزعجاً كونك قلّبت مواجع وأثرت فواجع، وانتزعت سكونه، لتجلجل داخله النيران، وتحرض اللهب، بألسنة حارة وموجعة.. قلت: هذا الرجل يستوطن المقبرة، ويعيش مع الأموات وصرير الأحجار، ونعيق الغربان، وصراع الحشرات الضالة، وكل شيء يحيط به، مدعاة للفزع، والاشمئزاز، والقرف، كل شيء يبات معه هنا على هذه الأرض الوسخة، يمرغ القلب في وحل السأم، والكراهية.. لقد بانت على سيمائه علامات البغض، واتشح وجهه، بالحزن.. لا شك في أنه ليس حزيناً على الأموات الذين اندثروا تحت التراب، فهو اعتاد هذه الجثث وفي كل يوم يرى أكثر من جثة، ويشارك في دفنها وإهالة التراب عليها، هو كالطبيب، لا يجزع من رؤية الدم، والجروح المثخنة، لأنه يمارس هذه العادة المشروعة، مرات ومرات، حتى كادت تصير جزءاً من حياته. لكنه إذاً لماذا يغطس في هذا المستنقع الحزين؟ تفرست في وجهه وكأنك تراه للوهلة الأولى، ولم تمض على لقائك به أكثر من ساعتين.. تمعنته، تفحصته، تأملت رموشه الطارئة والمرتبكة، قلت: هذا الرجل ناقم على الأحياء، لكنك لا تعرف سبب هذه النقمة.. قلت في حيرة: ربما لأنه لم يخالط الناس كثيراً، أو بالأحرى ربما لأنهم لا يقتربون منه إلا ساعة حملهم نعوش موتاهم، ولا كلام عند دفن الموتى، فإذاً هو لا يحتك بالأحياء كثيراً، أو يجد من جانبهم نفوراً تجاهه، وبالتالي فإنه يكرههم.. وتضيف.. إذاً يشعر بأنه كسائر الأموات الذين تحت التراب يزوره الناس ساعة الدفن، ومن ثم يغادرونه بلا رجعة.. وهذا ما يشعره بأنهم بشر بلا مشاعر.. ويشعر بأنه ميت، والميت لا يحب أحداً، الميت نائم أبدي، وغائب إلى أمد بعيد، فلا حاجة له لحب الآخرين.. وكذلك فإن الميت لا يشعر بالجوع، ولا يحتاج إلى مأكل، أو مشرب أو ملبس أو مأوى، لذلك فهو ينفض يده من الحاجة إلى الآخرين. ومادام لا يحتاجهم فهو لا يخافهم.. الحاجة هي التي تجعل الإنسان يخاف الآخرين، يخاف من منعهم لقضاء حاجته، ويخاف من اغتصابهم لما يحتاجه، ويخافهم لأنه يخاف أن يكونوا عقبة كأداء، في أداء حاجة أو طلب غرض.. تصمت.. تتأمله.. تقول، هذا الرجل يبدو كتمثال عاجي، جامد، لا غرض له في الحياة، يقف عند حافة مسننة، كمن ينوي الانتحار والخلاص. الإنسان الذي يفقد شهوة الحياة، يخسر رغبته في التشبث بعلاقاته بالناس، وبالتالي فإنه لا يشعر بوجودهم..
بصوت متحشرج، يقول لك الرجل: أتود أن تشرب شاياً..
أومأت إليه بالإيجاب قائلاً: لو تفضلت..
قال: الشاي الساخن يملح الرأس..
ابتسمت شاكراً..
قلت في نفسك: على الرغم من فتور لهجته، إلا أنك لم تلحظ تململاً في سلوكه، لم يتثاءب، أو يبدِ لك إشارات تدل على أنه يريد أن تفارقه.. لكنه يظل طيلة الوقت صامتاً.. ساهماً، ولا يجيب إلا عن الأسئلة، وبمباشرة، واختصار تام تشعر بالرغبة في انتشال نفسك من موقف كهذا، لكن أسئلتك تتوارد تباعاً بإلحاح، تجد نفسك كمن يحتال على أخرس، ويريد أن يستنطقه، تشرب الشاي، وتستأذنه في إشعال سيجارة، يناولك علبة الكبريت، وتشكره وأنت تشعل قداحتك، حتى يحمر وجهك، إثر اشتعال النار، ومرور اللسان الذهبي بالقرب من أنفك، الذي بدا تحت الوميض كمنقار دقيق..
قلت متسائلاً وأنت تنفخ الدخان الكثيف: يا ترى من سيجلب لي أم الدويس..
يضحك ضحكة مجلجلة ولأول مرة، منذ جلست معه، تسمع صوته، يهدر كالرعد، ويقول ساخراً: رب العالمين..
تقول، في صوت رزين: أنا لا أمزح..
يقول بصوت جاد: وأنا كذلك..
تقول: أنا أعني من بني البشر..
يقول: من بني البشر، لن يستطيع أحد إلا إذا كان ذا نسب مع هذه الشيطانة الشريرة، وإلا فلا..
تقول: كفاك سخرية.. ما أقصده أنني أريد أن أعرف المزيد عنها.
يقول: كلامك يدعو إلى السخرية، ثم يحدق في وجهك.. قائلاً: فكيف تتصور أن يجرؤ إنسان ويقول لك، أنا أستطيع أن أجلبها لك..
تصمت.. وتشعر بفداحة، وسخافة سؤالك، ثم تطرق.. وهل يستطيع أحد أن يأخذ لها صورة، تدلل على وجودها حقاً..
يقول محدقاً في السقف: يبدو أنك تخرف.. قلت لك إن هذه الشيطانة تجعل الكبار قبل الصغار يتبولون على أنفسهم لمجرد سماع اسمها، فكيف يستطيع أي إنسان أن يصورها..؟
قلت: ألهذه الدرجة، هي مرعبة..؟
قال: أتريد أن تجرب؟
قلت: كيف؟
اقضِ في هذا المكان عدة ليال، بمفردك، فلعلك تراها، ومن ثم احكم بنفسك..
تشعر بالرجفة.. يخض قلبك كلامه، لكنك تقول مكابراً: أنا لا أخافها..
يهمهم قائلاً: يبدو أنك تحب المجازفة.. فلتفعل..
قلت: كيف؟
يقول: قلت لك، نم هنا، وبجانب أحد القبور، وسوف ترى..
تتخيل نفسك تنام في العراء، عند أحد القبور، والحشرات تحيط بك من كل جانب، وصرير الأحجار يرن في أذنيك، كأجراس مرعبة، والعتمة تخيم على كاهلك، تتخيل أنك ميت كسائر الذين يقطنون هنا بسلام.. تجحظ عيناك وتشعل سيجارة أخرى، تتفرس في وجه الرجل، الذي غرس ناظريه في وجهك، مبتسماً ابتسامة متهكمة، ثم تقول.. هذا ليس حلاً مجزياً..
يضحك قائلاً: بطبيعة الحال، إنه حل مجنون، ولكن ماذا تريد أن أفعل وأنت تصر على انتزاع إجابات قسرية، ولا تخطر على بال بشر..
تشرد قليلاً.. بدأت في سرد المقارنة بين ما يقوله العلم، وبين ما تسفر عنه عقلية هذا الرجل، ثم تعتدل في جلستك قائلاً: ولكن العلم يرفض مثل هذه المفاهيم.. يعتبرها مجرد خرافات وأوهام مزروعة في رؤوس الناس، فقط..
يفتح عينيه جيداً، ويقول: إذاً فسر لي لماذا يراها الناس..
قلت: الناس لا يرونها، وإنما يرون خوفهم منها..
يمتعض الرجل.. وهل الخوف كائن حي؟
قلت أجل.. إنه كائن حي..
يقول: كيف؟
تقول: العلم يقول، الإنسان كائن ضعيف، المتعلم والجاهل على حد سواء، لكن، الفرق بين الاثنين، أن المتعلم يفسر الظواهر، ضمن أدلة علمية ملموسة، ولذلك فهو يطرد خوفه بفهم الأشياء على علتها علمياً، بينما الجاهل، لأنه لا يعرف عن مدلول الأشياء علمياً، فيلجأ إلى الخرافة، يصور الأشياء كما يتوهمها، حتى يكاد يصبح الوهم يقيناً لديه.. وبالتالي، يتنامى الخوف من وهمه.. الذي صنعه من واقع تخيلاته..
يلبث الرجل، باهتاً، ساهماً، مندهشاً، يتلمظ، ويداه تكادان تقبضان على عنقك، يشعر بأنك تريد أن تقتحم سوره العظيم الذي توارثه، من أسلاف وسلالات التاريخ القديم، وأنت على يقين من أنه لن يسلمك رقبته ويقول لك أفلحت..
يقول لك: ما تقوله موجود في الكتب. أما الواقع فلا.. الواقع ما عرفه الناس، وما عايشوه.. ولا تفكر أبداً أن يصدقك الناس كونك تسرد لهم، حكايات من الكتب وتقول لهم هذا من وحي العلم.. العلم، لن يقف في وجه أم الدويس يوماً، ويقول لها أنت خرافة..
تصطك أسنانك بارتعاشة، غيظ، تشعر بأنك تؤذن في خرابة، تشعر بأنك تصرخ في وسط خلاء موحش، تشعر بأنك تريد أن تصطاد سمكاً في عرض صحراء قاحلة، تشعر بأنك تريد أن تزرع زهراً في أعماق البحر.. ينبجس قلبك.. يتفجر داخلك، يستبد بك حنق فظيع.. يتعالى الصخب في داخلك، وتنكفئ أنت وتغور عيناك في إناء المحجرين، الجامدين، تنهض.. تقول: أتسمح لي بأن أغادر..
حملق الرجل متأسفاً، يقول: لا تجزع يا سيد.. سوف تفكر كثيراً، وتنبش الكتب، وتمخر النظرات، لكنك لن تجد الحقيقة إلا في عيون الناس.. الناس الذين سوف يمقتون ما تقوله، ويعدونه على ما تدعي أنه خرافة.. وثق بأن الخرافة متى ما أصبحت، من زرع الواقع، فهي الحقيقة.. وما عدا ذلك، مجرد زيف لا يجدي..
غادرت مكتظاً بإرهاصات.. لم تكن مقتنعاً بكلام رجل المقبرة، لكنك لم تستطع إثبات العكس.



تقول إنك تخاف منها، ولكنك لا تريد أن تبوح بذلك.. تقول إن المرأة، عندما تكون شيطانة وشريرة، تكون مرعبة، وتحوم حولها الأساطير، والحكايات ويكتب عنها التاريخ، ويسرد المؤرخون قصصاً، وحوادث، وأحياناً جرائم.. الشيخ ضاوي تحدث بطلاقة عن بطولات أم الدويس، وفتل شاربيه، وأجزل في التهريج، والتأويل، وامتشق سيف المعرفة وتمطى مسربلاً، بغوغائية ما يجيش في وجدان الناس.. كنت تعرف أن الشيخ ضاوي قد لا يعرف أم الدويس، وقد لا يكون رآها، وهو كذلك، لكنه نقل ما يدور في الذاكرة، وما صورته أحاسيس الآخرين، وما استوطن في لاشعورهم.. كذلك رجل المقبرة، فعندما أومأ بيديه، ولوح، وشوح، وأزبد وأرعد، كان يفضي إليك بأسرار ما أفصحت عنه، مخاوف الآخر.. تقول إنك تخاف لكنك لا تريد أن تبرز خوفك أمام الآخر، تريد أن تبحث وتدرس، وتعرف عن الأسرار الخفية، لامرأة، تعتبر أعظم امرأة وهمية في التاريخ، وعندما يبحث الإنسان في المجهول، فلا بد أن ترتجف يداه، ولا بد أن ترتعد فرائصه، وأن يعيش حياة المطارد، والمشرد، يبحث عن ملاذ في وجدان الآخرين.. ولا تستطيع أن تقول عن هذه الساحرة المفترضة غير أنها اللعنة الجميلة، لأنها فتقت ذاكرة الناس عن قصص اخترعوها بأنفسهم، وأحاطوا حولها الحواشي والهوامش، وداروا من خلفها، وضعوها إلى حيث تستقر النجوم، وتطير الكواكب في الأفلاك النائية..
تقول: إن رجلاً أصيب قبل سنوات بجلطة في المخ، ذهب على أثرها في غيبوبة، لسوء الحظ أن هذا الرجل اعتاد أن يزور بستان النخل، قبل غروب الشمس بساعة، ويعود قبل أذان المغرب، في هذه المرة، شاء حظه أن يتأخر، لأسباب لا يعلمها إلا هو. فيضطر إلى الذهاب إلى النخل بعد أذان المغرب، وقد كان الجو حاراً والرطوبة عالية، وهو يعاني أساساً ارتفاعاً في ضغط الدم.. لم يكد يصل إلى منتصف المسافة في داخل السور المحيط ببستان النخل، إلا ويشعر بصداع حاد، ثم يقع على أثره على الأرض.. ويصادف في تلك اللحظة أن يكون الخادم موجوداً، لم يسعه إلا أن يهرع مذعوراً لما أصاب سيده، اقترب منه، ناداه، صرخ في أذنه، إلا أن الرجل قد فقد الوعي، وذهب في عالم آخر غير عالم أم الدويس، هرول الخادم، واستدعى الأهل والجيران، وحمل الرجل على الأكتاف إلى أن وصلوا به إلى داخل المنزل.. اتفق الجميع بداهة أنه صفع.. من صفعه.. الجن.. الجن وحدهم الذين يجولون تحت جنح الليل.. ما الحل، لا حل غير المطوع، جني بالرجل الأشيب ذي المسبحة الطويلة، اللحية البيضاء، الكثة والشارب المحلوق، إلا من شعيرات خفيفة.. قرأ المعوذتين، وآية الكرسي.. ثم تلا ذلك بسورة يس.. فلا جدوى، فالرجل مسجي على الفراش بلا حراك، وعيناه مفتوحتان، شاخصتان، وشفتاه تتمتمان بصوت مخنوق، أشبه بمن يكون في بئر عميقة، وبعد فترة، فقد الصوت. لبث المطوع يتلو آيات من القرآن الكريم، ويبسمل ويحمدل، ويومئ برأسه يمنة ويسرة، ويضع يده على جبين الرجل، ثم يطلب ماءً فاتراً، يحاول أن يمسح وجه الرجل، ويقرأ الشهادتين، ثم ينهض.. قائلاً بصوت جهور: دعوه تحت رحمة ربه، إن كان له عمر فسوف يشفى، وإلا فهذا قدره. ثم يطرق: واعلموا أن الجن الذي صفعه ليس ذكراً. هو أنثى، وصفعة الأنثى أشد ضراوة وقسوة على الرجل من صفعة الذكر.. يأخذ الرجل نصيبه من الأجرة ويغادر، ويدع الرجل ينسحق تحت وطأة الانفجار الكوني الذي حل برأسه.. لبث الرجل هكذا إلى أن انتزعه أحد أبنائه، وسار به إلى أحد المستشفيات العريقة في البلاد، فقيل له إن والده لا علاج له، لأن الجلطة في المخ أحدثت نزيفاً عالياً، وهي نتيجة لإصابته أساساً بضغط الدم الذي لم يتلقّ عنه علاجاً.. أعيد الرجل إلى مأواه، ومكث لمدة عام، ثم توفي..
تقول: الناس لا يجهلون معنى الضغط.. ولا يجهلون الجلطة.. ويعرفون جيداً مكان المستشفيات، إلا أنهم يصرون على أثر الصفعة.. وتقول: إن الخوف الوهمي من الجنية، وبالذات الأنثى، لا يخلص أحداً من براثنه.. الخوف الوهمي أقوى من العلوم والاختراعات.. يكذب رجل المقبرة عندما وصف الآخرين بالجهل، والدليل على ذلك أنه هو أيضاً يخاف من أم الدويس، بمعنى أنه يختزن جرعة كافية من هذا الوهم، لا يستطيع الخلاص منه..
تقول: ربما تشعر بقليل من الارتياح، كونك توصلت إلى جزء من المعضلة الكبرى، لكنك لن تستطيع أن تتطهر من كل هذا المخزون التاريخي، ذي الامتداد الأسطوري من الأزل.. تقول أنت الآن، لا يهمك أن تخاف أو لا تخاف، كل ما يشغلك أن تبحث في سر هذا الخوف، في المخزون الذي ألف هذه القصة الخارقة.. تريد أن تتوصل إلى مضمون القصة، فحواها، جذورها، ومن صنعها.. أهو رجل أم امرأة.. تريد أن تعرف لماذا قال المطوع: إن الصفعة جاءت من أنثى، لأنها قوية وعصبية، ولماذا تخيل أن صفعة الأنثى أقوى من صفعة الرجل، مع العلم أن الأنثى في التاريخ الأسطوري هي الطرف الأضعف.. فكيف تنقلب الحال هناك لتكون هي الأكثر جبروتاً، وعنفاً؟ أهو الحقد على الأنثى.. أم محاولة لإطالة أمد الاستبداد في حق الأنثى؟ أهو الخوف من تمردها على سيدها الرجل بعد أن طال هذا الاضطهاد الذكوري أو أصبح أمراً غير مبرر؟ ولذلك، ولكي يصدق التبرير حوله، فلا بد أن تحاك القصص المرعبة حول المرأة، والإتيان بصور مغايرة لهيئة المرأة، بوصفها العملاقة، وذات الذراعين العملاقتين..
تقول: إن علم النفس توصل بواسطة التحليل النفسي، إلى أن المرأة تعاني من عقدة الكترا، بمعنى أن المرأة شديدة التعلق بأبيها، على عكس الذكر الذي يكون أكثر تشبثاً بأمه من أبيه، والأمر يعود، كما يفسره علم النفس، إلى أن المرأة كونها تعاني من عقدة النفس الناتجة، من صغر البظر وهو رديف القضيب عند الرجل، يجعلها أكثر تشدداً، وتعلقاً بالرجل والذي هو الأب، لتعوض ما فقدته من جسدها..
إذاً كيف ينقلب الحب إلى عدوانية وشراسة، وانتقام؟ تقول إنك تريد أن تبحث في هذا السر.. وهل هو حقيقة فطرية لدى المرأة، تجعلها، تخلط ما بين الحب والكره، وأحياناً تقلب الحب كرهاً، وفي أحيان أخرى تقلب الكره حباً، ما يجعلها أكثر تقلباً وجدانياً من الرجل.. ولهذا السبب قيل عنها ناقصة عقل كونها تفكر بالعاطفة.. أم هذا وهم، لا يعيشه إلا الرجال، كونهم يريدون أن يحافظوا على المكتسب التاريخي في بسط النفوذ، ولذلك فإنهم يهيلون التراب على كل بريق يخدم مصلحة المرأة، ويلجأون إلى التشويش والتشويه، لتبقى المرأة الكائن الأبدي، الملاحق قضائياً وأخلاقياً من قبل الرجل، ثم صدر ذلك إلى عقل المرأة، إلى ذاكرتها، حيث أصبحت مقتنعة بشبح أم الدويس، بل إن المرأة تقوم في كثير من الأحيان بدور الراوي، الذي يختلق القصص حول أم الدويس وتاريخها الدموي، كما تحتفظ به ذاكرة الناس، تقول إنك، قد لا تجد الدليل على سبب الفكرة وانتشارها، لكنك تجد من الواجب أن تعتني بقصة تاريخية عريقة، شكلت وجدان الناس على مدى قرون، ولم تزل تمارس بطشاً وغطرسة على عقول الأجيال المعاصرة..
تقول: ما جدوى البحث في قصة تافهة، وكيان وهمي، غير مرئي، مخلوق ماورائي، صنعه كائن أهوج مريض، أراد من خلاله، أن يصنع تمثالاً في التاريخ ليحدد نسل المشاعر، إن كانت ذكرية أم أنثوية؟ ثم تردف: هذا صحيح، وكأني هنا أحاول أن أضع السؤال بين غواية المرأة وشهوة الرجل، ولا أعتقد من الإنصاف أن نسأل عن من المسؤول في مثل هذه الحالات، لأنها قوى داخلية أعظم بكثير من أسئلتنا التي تبدو ساذجة وعقيمة في ما لو تعاظم تكرارها..
تقول: ما جدوى ذلك، ولكن، الحقيقة، التي تستحق البحث، هي هذا الوجدان، الإنساني العظيم، هذا المخزن الهائل والمذهل لمكونات الحياة البشرية، وما يختلجها من عواصف تغيرات وزلازل، خوفاً من هذه التغيرات..
تصمت قليلاً ثم تقول: جذر المسألة من أين جاء.. كيف صنع الإنسان خوفه، من أم الدويس؟ وكيف شكلها وصاغ حيلها، ووضع المنجل في يدها، ثم اختفى هارباً من بطشها؟
تقول: ما الغرابة في ذلك؟.. ألم يصنع الإنسان صنمه، وبيديه، ثم صار يتعبد عن قدميه خاشعاً، متصدعاً، متورعاً، طالباً الشفاعة والمغفرة، من حجر صلد، لا حراك فيه، كيف كان يحصل هذا من إنسان يمتلك القدرة على التصوير والإبداع، في خلق القصة، ونسج خيوط المعرفة، بالتاريخ والكون.. الإنسان تخيل الكواكب، النجوم، والأجرام السماوية قبل مجيء المجسات الفضائية، والمكبرات والكاميرات.. إذاً فهذا الإنسان لديه من الحدس الداخلي والقوة الفعلية في صياغة العقل، ما لا يمكن الاستهانة به.
تقول إنك فعلاً تشعر بالذهول، وكلما تعمقت في القضية، ازدادت تعقيداً، وكلما تبينت بصيصاً، غرقت في عتمة البحث.. لكنك مع كل ذلك، تشعر برغبة جامحة في الولوج في عقر دار هذه القصة، ولا بد أن تصل إلى لغة مشتركة بينك وبين الواقع الذي تعيشه.. لا تريد أن تصير مثل أبي سيف، يمقت الوصول إلى الناس، لكنه لا يتخلى عن شغفه بالنساء، وهنا جزء من عالم الناس، أبو سيف يتحدث كثيراً عن القيم البالية، ثم يمارس بعضها أو كلها خفية.. أبو سيف لا يستطيع التخلص من مخزون اجتماعي عريق، تأسس منذ قرون، لكنه يقول إن هذا الإرث بائس وعقيم..
تقول: لقد اشتقت إلى هذا الصديق، البائس، تروعني تصرفاته البوهيمية، لكن يبقى مع كل ذلك شخصاً لطيفاً ويمكن أن يحبه الإنسان بسهولة.. لذلك فإن النساء يحببنه وينجذبن نحوه، كالذباب المنهمر على قطعة سكر.. لكن أبا سيف ليس ذلك الشخص البارع في وسامته، على الرغم من أنه ليس قبيحاً.. لكن لغته، لسانه يبدو أنه من سلالة غير سلالة البشر. تقول إن أبا سيف يستطيع أن يقلب الأبيض إلى أسود، من دون أن يبذل جهداً عصياً، ويستطيع أن يتحول من فاسق، متأصل في النزق، إلى شيخ وواعظ، تستسيغ لسماعة الأذن.. على العموم، هذه ليست سمة سيئة، ربما هي تضايقك وتثير لديك نزعة الغضب في أوقات معينة، لكنك أحياناً تشعر بأنك في حاجة إلى هذا الصديق.. ربما كنت تغضب منه لأنك عاجز عن فعل ما يقوم به، كالإحساس بالعجز، يجعلك تناهض العقل، وتغضب على صاحبه، بحجة واهية، قد لا تقنعك أنت فكيف بغيرك؟
تقول: لن تنسى آخر لقاء، كان شخصاً آخر، كان وجهه أشبه بخرقة مبلولة بالماء، لشدة ما تصبب منه العرق، وهو يحلف بعمره أنه يشعر بالذنب حيال ماضيه.. واعتبر أن الفتاة الأذربيجانية، الغانية، هي سر الانقلاب الجذري في حياته، يدين لها بكل هذا التغيير.. كان يعتبرها الإلهام الذي نزل عليه من السماء، ليطيح بكل مآثره السوداوية، وعديمة المعنى.. تقول.. إنه قال لك، ومع ذلك، فإنه ضاجع فتاته، ليلة كاملة..



تنهض باكراً، تنوي زيارة الصديق، في هذا الصباح، الرطوبة عالية جداً، والضباب يزحف على الأمكنة كجحافل متوحشة، يملأ فمك بالدخان كأنه سجائر قديمة ضربت بالشمس، فأصبحت حارقة تكوي سقف الحلق.. تطوي الطريق طياً. مشياً على الأقدام، ولا تفكر في استقلال سيارة أجرة، تريد أن تملأ صدرك بالدخان السماوي، المهيب، تريد أن يتهاوى قفصك الصدري أمام جدار كثيف من الضباب القادم من علو شاهق، والمتسلق درج الفضاء، كسلاحف بغيضة حانقة.. الشارع مزدحم بالناس، والسيارات، والأشجار التي اقتلعتها الجرافات السخيفة، بحجة أنها تأوي الحشرات الضارة، وأنت تنظر إلى العراء، تشعر بأن كائناً متوحشاً حل على الأرض، ليخلع ثيابها الخضراء، ويصبغ حياتها بلون رمادي قميء.. بعض المباني الشاهقة انتصبت بعجرفة، مدت لساناً ساخراً، ولونت الفضاء بسخرية بائسة.. تمضي لعلك تصل إلي طرف، وادع، لكن الطرق ضجت بأصوات مزمجرة، هادرة، تشعر كأنك تقترب من جهنم، حيث الحر القائظ، يتساقط حمماً بركانية، ولا تستطيع أن تميز بين طرف الشارع والحواف الرملية المحاذية، كالأسفلت ذاب تحت سياط العابرات، الساخطة، والرمل زحف بشهوة عارمة، ليغتال الفاصل الأسمنتي الأقدم من عمر الإنسان، والأبهت من التاريخ والقصص الخيالية، تقتعد تلة خفيضة، ثم تنزلق على جرفها المتهاوى، التلة هي ركام رملي مخلوط بأحجار، وقطع أسمنتية، يبدو أنها بقايا مبنى قديم، شيد مكانه صرح جديد، ولا يبدو شيء جديد في هذه البلاد، فالأشياء تتشابه، كما هي وجوه الناس، التي كحلت بالغبار، والتعب، والحزن البيولوجي، المنبعث من باطن الأرض، كما تنبعث الحمم البركانية، حينما يحبل باطن الأرض، بصراع الصخور في أجوافها الغائرة..
تلفظ أنفاساً ساخنة، تنظر إلى المسافة التي تبعدك عن مأوى الصديق.. بضعة كيلومترات، لكنها أشقى من تسلقك مدارج السماء.. تتوقف، تنتظر سيارة، تعبر بنفسك الطريق.. سيارات الأجرة هنا نادرة في الشارع العام، والتي تمر من حولك تكون مسرعة، بدرجة أن أصحابها لا يرون الواقف على الرصيف.. يسوقك الحظ، أن تمنى بسائق شهم، يتوقف، ويفتح الباب، يقول لك: تفضل يا سيد الجو حار، ولا يمكنك انتظار سيارة أجرة.. تبهت.. تستغرب كيف حصل هذا، فليس من العادة أن يتوقف سائق خصوصاً لرجل لا يعرفه.. السيارات في أغلب الأحيان، تسير مغلقة الأبواب والنوافذ، ولا ترى أصحابها إلا من خلال زجاج ملون بالأسود، بل ترى شبحاً، لا تعرف إن كان رجلاً أم امرأة.. الأصدقاء والأقارب كذلك لا يتوقفون، بل يومئون بالأيدي، وأحياناً يكتفون بزعقة خفيفة من بوق السيارة، ثم يدلفون ويختفون إلى الأبد.. أشياء كثيرة هنا تختفي إلى الأبد ولا تعود، لأنها تتوه في الزحام، تغيب في الخضم من الصخب والضجيج..
جلست صامتاً، كتلميذ مؤدب، وكان يزم شفتيه على عقب سيجارة، وينقر أصبعه على مقود السيارة، وعيناه تشخصان في الأمام.. مضت برهة ثم التفت ناحيتك قائلاً: الجو يفور بنيران جهنم.. كان يريد أن يستنطقك.. التفت نحوه.. قلت: كان الله في عون المساكين..
قال من هم..؟
أشرت بيدك إلى مجموعة من العمال المنكبين في حفر الأرض، لإعدادها في وضع أنابيب الماء..
قال: صدقت..
قلت: لا أدري، كيف سيكون حالنا لولا هؤلاء..
قال: في تحدٍّ.. سنكون نحن الذين نحفر الأرض..
قلت: وهل سنتخلى عن حياتنا هذه..
قال: الحاجة وليدة الاختراع..
قلت: لكننا نسينا الاختراع منذ زمن..
قال: لا بأس.. لكن آباءنا فعلوا ذلك، وأكثر من ذلك..
تفحصت وجهه.. استدرت نحوه، ونظرت إلى السيارة الباذخة.. وقلت آباؤنا لم يركبوا هذه السيارات، بل سكنوا العريش والخيمة، وساروا على أقدامهم، قاطعين المسافات الطويلة..
يبتسم قائلاً: قلت الحاجة.. والإنسان ابن بيئته.. الظروف هي التي تخلق طبائع الإنسان وليس هو..
تقلب ناظريك في وجهه، الباسم، تحرجه.. تقول: صدقت.. وتصمت..
يقول بصوت هامس: أين وجهتك..
تقول: قبل دوار المطار..
يقول: ألديك مزرعة..
تزم شفتيك.. لا: بل ذاهب لزيارة صديق..
يقول: لديه مزرعة..
تقول: أجل.
يقول: مزرعة خاصة، أم تجارية..
احترت.. قلت: لا أدري، بل كل ما أعرفه، أنه مستقر فيها..
يضحك: صديقك رجل، صاحب مزاج..
رفعت حاجبيك.. قلت كيف؟
قال: الذين يستقرون في المزارع، أناس مجوا حياة المدن، واختاروا راحة البال.. ثم يستطرد: تعرف أنا أحب الحياة الريفية، أحب العيش في الأماكن البعيدة عن صخب السيارات والزحام..
تدخلت.. ولماذا لا تشتري لك مزرعة، لتعيش سعيداً..
يغضن حاجبيه منبجساً.. يقول بلهجة غامضة: تعرف أن المزارع تحتاج إلى عناية وتكاليف، رعايتها مكلفة وأنا لا أملك المال الكافي..
عند النقطة المراد الوصول إليها.. أشرت إليه بالتوقف.. رميته بابتسامة عريضة، شكرته.. قلت: وسع الله من رزقك، وأعلى من قدرك..
رمش بعينيه، قائلاً: ربنا يسمع منك. يبدو أنك رجل طيب..
استنفر محرك سيارته، ولبثت ناصباً عينيك في اتجاه دخان السيارة، الذي اختلط بالضباب، إلى أن اختفت السيارة خلف الحجب الضبابية..
في الطريق الذي يأخذك إلى مزرعة الصديق، وهي على مسافة قريبة.. استيقظت في داخلك أحلاماً، وأنت تقفز برشاقة من فوق الأحجار متناثرة كالعصفور، تقفز لاهثاً، انتابك شعور بالكبرياء، تداولت كلمات الرجل الذي حملك إلى هنا في سيارته الفارهة. فقد قال، في سقم إنه لا يملك المال الذي يجلب به مزرعة توفر له راحة البال.. وعندما نظرت إلى هيئة الرجل، كنت متأكداً أنه ليس معدماً، واقتناؤه لسيارة بهذا الحجم، وهذه الرفاهية، يعني أنه رجل على أقل تقدير مكتفٍ.. لكن، نفسه كانت أفقر بكثير من جيبه.. وتخيلت الرجال المنكبين في داخل الحفر العميقة، المتشظين باللهيب، وهم يضحكون، ويمرحون، ويتمازحون محملين بعواطف عفوية، ومشاعر تخلصت من عبث اللهاث، تخيلت هؤلاء وشعرت بأنهم أبطال حقيقيون وبواسل، يذكرونك بالأسلاف، الذين صنعوا التاريخ، وتركوا صفحاته مفتوحة للذين سيأتون من بعدهم، لكن للأسف، الذين جاؤوا لم يقرأوا جيداً.. لقد قال الرجل عن صديقك وهو يأتي بذكر المزرعة، كمن بترت شهوته قبل بلوغ الذروة، رجل، تلمظ ولعق ريقه، وهو يتحدث عن مزاج الصديق.. لكن الصديق الذي امتدحه الرجل، بل وحسده على نعيمه، لم يزل بائساً.. صديقك، لا يشعر بقيمة الرخاء الذي تضفيه المزرعة، كما فكر الرجل.. قلت: وماذا سيقول العمال عن سيارته، هل سيقولون إنه رجل صاحب مزاج رفيع، كونه اختار هذا الصنف من السيارات الفارهة، التي تضفي على أصحابها برزخ الفخامة والعظمة..
تهز رأسك.. تتوقف وتشعل السيجارة، ثم تزفر الدخان يختلط بالضباب، تذوب أنت في تمازج اللونين، تقول: الأشياء الخرافية عندما تصبح واقعاً تبدو قميئة، ومزرية ومرعبة.. يتصور أن المزرعة ستجلب له السعادة، ويتخيل الذي يقطن في محيطها ينعم بالحياة الهانئة. وأنت تتسلق الأرض الحجرية، تغمرك الفكرة، معتمرا ضباب الصحراء، وكأنك تجوس في كون هلامي فياض، وتفيض بك الأرض، المفروشة بالصلابة، واختلاجات العشب، ونشيج الحيوانات الباحثة عن ثمرة الجنة..
مغامرة، قلت متحداً مع وجودك: مغامرة أن يتعرى داخلك، وسط مكونات الطبيعة التي تحللت من أردية الكون، المخادعة، وتصير في النهار تحت بياض الأرض، التي استقبلت أشعة الشمس اللاهبة باستسلام، وتلحفت بغشاء شفاف من العشب الصحراوي، الأشبه بشعر رأس رجل، أصلع إلا من شعيرات متناثرة عند قمة الجمجمة.. تقول إنك، خلي القلب وأنت تجوس الصحراء الواعدة، بعراء مهيب، تقول إنك شيء باهت من هذه الأشياء، الشاحبة، المعطرة بتواريخ مجهولة، وكأنها قطعة أثرية، بلا معنى.. الذين، استوطنوا هذه البقعة الجغرافية كانوا أبطالاً، بحق، بواسل إلى درجة التفاني من أجل إحياء رميم التراب، المتعافي من رهط الطبيعة القاسية، الصخور وحدها هنا التي تتلاقح عن يقين رغبة في البقاء، والصمود، بجرأة، كنساء هذا المكان اللاتي كن يخضن معارك البقاء، ويجلبن على رؤوسهن عطاء الأرض اليابسة من أجل لقمة تسد الرمق.. تتذكر الرجل، الذي أخذ أجرك وحملك مشكوراً بسيارته عندما تلمظ بشهوة يافعة وهو يسمع كلامك عن صديقك ومزرعته المترامية، في جغرافية المكان المتناهي إلى فحولته.. تتذكر رضابه الذي سأل، متوجعاً، متألماً من دون قناعة تذكر، وكذلك، تتذكر عمال الحفر، الذين يحلبون التراب ليجلبوا الحصى مختلطاً مع العرق، واللهاث المريع. تقول: يظل الوهم رغبة قابعة في الصدر، تمتد جذورها إلى ما لا نهاية، والخوف من الفناء، مساحة ضوئية، ضالعة في التأثير منذ الأبد. يسلبك التذكر، وأنت رحى تدور حصاتها دون توقف، تطحن دقيق القلب، وتنفض عرقاً، ثم تقدح الروح، بمسحل الحلم الفتاك، عندما داهمك أبو سيف بأفكاره الجديدة، امتعضت، ولم تتوسم فيه خيراً، لأن يقينك يقول: مادامت المرأة لم تزل تهيم بين أضلعه كالجرادة الجائعة، ويطعمها هو من نزيف نزواته بلا توقف، فلا داعي للوهم، ولا أمل في أن يخرج الرجل من شرنقة عبثيته التاريخية.. عندما نظرت إلى عذاب، ولمحت الشعاع الكينوني يفيض من مقلتيها، شعرت بأن الرجل لم يزل في غي السنوات العجاب، ولم يزل يستحم بعرق الشهقات السادية.. هذه المرأة العملاقة، تجرد مساميرها الحادة، لتنغرس في روحه، فتبقيه كما هو وإن حاول أن يتباهى بدنيوية جديدة مغايرة..
عند باب المزرعة، تقف، الوقت نصف النهار تقريباً، تنادي بصوت متعب، من حنجرة مضخمة بالبصاق.. تبصق أنت، ولا تدري، لماذا تقذف بصقتك بعنف، أهو تذمر، أم تمرد، بالفعل لا تدري، ولكن، شيء ما كتم على صدرك، وشعرت بالضجر يتسلل إلى صدرك. وتتصفد بالاختناق.. يأتي الخادم مسرعاً، يصفق ساقيه النحيلتين، السمراوين، المعفرتين بالغبار، وطين التعب، يقف أمامك ناظراً إليك بعينين ذليلتين، تشفق على حالته، تتضامن معه عاطفياً، تبتسم، ويشيعك بابتسامة باهتة.. تقول: لا أشك أبداً في أنه يكرهني في داخله، كما أنه يكره سيده..
فهو لا يحب أبا سيف.. الذين يجلسون في القاع، يحقدون على الذين يتربعون عند القمة، أياً كانوا، من يحرث الأرض بأظافره لا بد أن يرمق من يستخدمه بعين الشرر، فقد قال الشيخ ضاوي: إن أم الدويس لعنت زوجها وأرادت أن تنتقم منه لأنه فكر في اغتيال ابنائها، كونهم جاؤوا مشوهين.. الانتقام حيلة من يسقط تحت سياط الظلم..
استقبلك الصديق بترحاب جم، احتضنك، ولف ذراعيه حولك، في لقاء حميم.. وكذلك فعلت وأنت تشعر بالطمأنينة..
رغم المسافة التي تشق ندبها بينك وبين الصديق، إلا أنك تشعر بالسعادة، وتدخل إلى قلبك مشاعر هادئة، لما تجد نفسك في حضرة أبي سيف.. لم يحضر أحد عنده اليوم.. ازداد شعورك بالأمان، وهو يجلس قبالتك بملابسه الداخلية.. القميص القطني والإزار الأزرق المخطط بالأحمر والأبيض.. لم يسألك عن رغبتك، بل سارع على الفور ليعد الشاي الذي تفضله على الطعام والشراب.. ساورك الظن وأنت تتأمل هيئته الواجمة شيئاً ما، أنه قد تشاجر مع إحدى عشيقاته.. ولما قدم لك كأس الشاي، قلت متسائلاً: وجهك شاحب.. أتشعر بوعكة..
همهم ضاحكاً.. لا بالعكس، أنا في أتم العافية.. يبدو أن ضوء الشمس، الذي ضرب عينيك، بدل اللون الزاهي بالشاحب..
لكنك لم تغير رأيك.. صمت غير مقتنع بما يقوله، لكنك لم تبادر في مناقشته، فقد لا يعنيك الأمر كثيراً، في المجادلة حول قضية قد تبدو تافهة، المهم أنه يشعر بالعافية، حتى وإن كانت ظاهرية..
تتلفت.. تنظر في أركان الغرفة..
يفاجئك قائلاً: التي تبحث عنها سافرت إلى بلدها..
ترفع حاجبيك، وكأنك مشغول بشأنها.. سافرت.. لم..؟
يقول: وهل يهمك الأمر كثيراً..؟
تقول، متبجحاً: لا، بل مجرد استفهام..
يقول: هي في الأصل جاءت إلى هنا بتأشيرة زيارة..
تقول مازحاً: وأنت تصطاد كل اللاتي يأتين بتأشيرة زيارة كونهن يمثلن بضاعة طازجة لم تدنس بأيدي الغير.. أليس كذلك..
يهمهم.. مبتسماً.. لا.. أظن أنك تبالغ، هي الصدف التي تخلق مثل هذه اللقاءات، وكما تعرف صاحبك تمتع بمشاعر رقيقة ولا يهون عليه ترك عابري السبيل، بلا ملاذ..
مستفيداً من رابطة العلاقة التاريخية المديدة. تقول معنفاً إياه: ألا تجوز عن تصرفاتك الشنيعة: أيعقل أن تمرغ عمرك في الرغبات الطائشة..
يجلجل ضاحكاً.. قائلاً بعبارة تهكمية: أليست أفضل من أن أهيم في البراري بحثاً عن وهم، لا جدوى من نتائجه، سواء أكانت سلبية أم إيجابية..
تمتعض قليلاً.. تغضن حاجبيك، مبتئساً، قائلاً بلهجة جافة: الوهم الذي تتحدث عنه هو الحقيقة التي يجب أن نضعها نصب أعيننا، أنت لا تبالي بكل هذا لأنك مأخوذ بعلاقات جنسية عابرة، وتعيش هنا في برجك العاجي، متسكعاً بين أجساد النساء، وتضاريسهن التي تشبه بعضها..
يقول واجماً: لا تظن بصاحبك هذا الظن السيئ، أنا لست دونجوانياً، ولا أنا زير نساء، كل ما أفعله هو مجرد إسعاد نفسي والأخريات بقدر الإمكان..
تقول محتداً.. تسعد نفسك على حساب ضعف من لا حيلة لهن غير بيع لحومهن..
يلوح بأصبعه: لا يبعن لحومهن، بل يقدمنها طواعية وعن طيب خاطر.. ثم يستطرد: يا أخي، لماذا لا تريد أن تفهمني، أنا لست مستغلاً، ولا طاغية.. أنا إنسان طبيعي، وأشبهك في كثير من الصفات، فقط الأسلوب..أسلوبي الفج هو الذي يجعلك تنفر من تصرفاتي.. المرأة يا سيدي زينة الحياة الدنيا، المرأة التي تخشاها أنت، هي المحتوى والمضمون..
يرتعد بدنك.. تشعر بأنه، يقصم ظهرك، بكلمة «تخشاهن»، تشيعه بنظرة عتاب، تتفحصه.. وتشع من مقلتيك دمعة، حبيسة.. تقول بصوت متحشرج: أنا لا أخشى النساء، وإنما أتحاشاهن، لأنني أخاف من تلويث الذات..
يضرب كفاً بكف.. قائلاً بحسرة: تلويث الذات.. وهل هن كلاب..؟
قلت: لا.. لم أقصد ذلك، ولكن اللهاث خلف الجنس تلويث للفكرة التي أسعى إلى تحقيقها..
يقول برماً: يا أخي.. أتعبت نفسك، وأتعبتني.. ما هذه الفكرة الجهنمية التي تريد أن تفجرها في وجه العالم.. ألم تتعب من البحث أم أن علم النفس شوه الأشياء في عينيك إلى درجة أنك لم تعد قادراً على معرفة الحقيقة؟
تقول، منبجس القلب: علم النفس لم يشوهني كما تدعي، بل إنه فتح أمامي مجاهيل كثيرة، قد لا تعيها أنت..
يتدخل ضارعاً.. صدقني.. أنا أحبك كثيراً، وأتفق معك حول مفاهيم كثيرة، لكن كل ما أريده، أن تخرج قليلاً من هذه العتمة التي ورطت نفسك فيها، ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً بحدة: اخرج يا أخي.. اخرج..
تتورط أنت في حواره، تحاول أن تنسحب، تتقهقر قائلاً: اسكب لي كأساً ثانية..
يسكب، وعيناه تحملقان في وجهك، ثم يقول: لا تجزع، أعرف أن هذا الكلام يسري في صدرك مسرى السيوف الحادة، ولكني أردت فقط أن أمازحك..
تبرد قليلاً.. تفتل شاربيك، تتأمله، تفكر فيه، وأنت تعرف أنه يعيش حياته هنا، وفي صدره غليل النيران، ولم يختر منفاه هنا إلا لأنه رفض التعاطي مع الآخرين بالشكل الذي يريدونه، لكنه اختار أيضاً الطريق الخطأ.. تعرف أنه مثقف جليل، لكن إحباطه ألزمه العزلة الطوعية، ولأنه لم يعبأ، بالعقائد كثيراً، استحال إلى شخص ماجن، إنما سجيته ليست كذلك. قلت متسائلاً: ألم تقل لي إنك لفظت الماضي التليد الذي كنت جزءاً منه.. هل مازلت على العهد أم لا..؟
يخفض بصره، يزم شفتيه، ثم يرفع رأسه قائلاً.. صدقني أنا كائن آخر، أنا الآن أشعر وكأنني انسلخت من قوقعة ودخلت في رحاب واسع.. الفتاة التي مقتها، كانت سبباً في خروجي من الظلمة إلى النور.. أنا الآن، أشع بنور وضياء لا تتصور مدى حجمه وتأثيره في نفسي..
شعرت بالفرح.. قلت: ولم إذاً تجادلني..؟
قال في اهتمام بالغ.. لكن يجب أن تفهم، الخرافة التي تعتني بها، أنا لست مقتنعاً بها، ولن أقتنع..
عندما حلف لك بألا تغادر مكانك لتبقى معه هذه الليلة، انتابك شعور بالفرح، حاولت أن تتملص مجاملة، لكنك، تحت وصاية إصراره، أحسست بأنه يستجيب لرغبة داخلية، لديك، فنزعت القندورة، والمعصم، وقذفت بالعقال أيضاً، واسترخيت.. لازمك شعور بأنك لتمضي ليلة شاعرية، في خميلة صاحبك، وزقزقة العصافير، الحالمة بحثاً عن ملاذاتها، وحفيف الأوراق، المشاغبة وهي تترنم، بأيقونة الوجود الكلي.. تقول: إن الأشجار والأحجار، والأرض والكائنات الحية الأخرى، تتوحد ليلاً، تنسجم، وتعود إلى جبلتها الأولى، وتفتح الأرض، دفاتر التاريخ تتلو صفحاته على كائناتها التي تكونت من نفس معادنها.. في الليل، تتستر أشياء وتشهق أشياء، ويسيل رحيق الحياة، على ترائب الأرض المخلدة وتتذكر الأشجار، أشجار الغاف بالذات، يد قاطعي أغصانها، وحارقي حطبها، وكذلك همسات النساء اللاتي اختلين بعشاقهن، ساعة غفلة من الملأ، والطيور، تبدو حارسة، مجلجلة، متلجلجة وهي تسبح في الفضاء، تتبعها عيون النجوم المشعة، والناس بعضهم من غط وبعضهم ربما يبدأ سهرته في الساعات المتأخرة من الليل، لا متأملاً، ولكنه متزمل بما طوقته به دنيانا المليئة بالأحداث والتصاريف المحزنة..
جلست وطلبت من صاحبك أن يسقيك شاياً.. في هذه الليلة سيكون هو الخادم، النادل، والساقي الذي لا يكف عن إروائك بالسائل الأحمر الذي تحبه..
تقول إنك، انشغلت بكلام أبي سيف، ولمحت في عينيه بريقاً، يخطفك إلى أماكن بعيدة، وشاهقة، رشيقة، قلت لا يمكن أن ينبع من هذا المعدن إلا ما هو نفيس، أبو سيف حتى وإن كان نزقاً، إلا أنه ينتمي إلى فكرة سامية، وراقية، وهذا ما يجعلني أحبه، وأحس بالدفء وأنا أقابله، ولا أستطيع أن أقول إنني أحب هذه الأماكن الموحشة، كما يحبها هو، لكني أحببتها فعلاً، كونه يقطن فيها..
أبو سيف، صديق عمر، تربينا معاً، في الطفولة، وأيام الدراسة المدرسية، وفي الجامعة أيضاً، لكنه اختار الدراسة الجامدة، العلمية، ولم يكن، يعبأ بالنظري، بل كان يقول، هذه دراسات لا تؤكل عيشاً.. كان يضحك مني عندما يجدني أحتضن كتاباً في الفلسفة، ويسخر قائلاً: نعم يا فيلسوف زمانك، إلى ماذا توصلت.. أتريد أن تخترع نظرية جديدة في الكون؟ أتريد أن تفجر العالم باكتشاف جديد غير الذي جاء به داروين.. ويضيف.. بالتأكيد، ستقول إن أصل الإنسان، حمار، لأنه ليس لدينا هنا قرود، إنما الحمير تملأ الصحارى، وكذلك البيوت، ثم يجلجل ضاحكاً، لم أكن آخذ كلامه على محمل الجد.. لم أكن أمتعض منه، لأنني أحبه وهو أيضاً يشاكسني لمجرد إثارة جو من المتعة..
وتقول، ما يحزنني الآن هو هذه المسحة الغامقة من الحزن، التي تشوب وجهه، على الرغم من أنه يحاول أن يغطي ذلك بالابتسامات الباهتة، والنكات أحياناً، إلا أن نبرة الصوت التي أسمعها، لا تخرج من صدر منشرح، بل تندفع، كالحميم من جوف يختزن آهات وأنات.. تشرب الشاي، ويجلس أبو سيف قبالتك، يشيعك بنظرات ترحيبية، وأنت سعيد بجبوره، سعيد بقضاء ليلة بعيداً عن تلك الغرفة، الصامتة الجامدة، صحيح تشعر بوله، وشيء من الغربة الداخلية، لكن أحياناً.. تقول: إن هذا الإحساس يشيع لذة في النفس، كما هو الألم.. تستدرك: طبعاً أنا لست مازوخياً، ولكن طبيعة بشرية تتخللها أحياناً بعض التناقضات، والغرائبية..
يقول صاحبك: اشرب الشاي، وتكلم معي.. لا تنشغل بالشاي وتدعني أنظر إليك، كما ينظر الإنسان إلى تمثال حجري..
تضحك.. تقول: أحياناً الصمت أبلغ من الكلام، الصمت فلسفة الناس الذين ينظرون إلى الحياة نظرة عمق..
لم يتضايق، لكنه هز رأسه، بتململ مصطنع.. قائلاً: يا أخي، أوجعت رأسك ورأسي بهذه الفلسفة، ثم يستطرد: إن لبدنك عليك حقاً.. أعط هذا الرأس فترة من الراحة، فكر قليلاً كما يفكر الآخرون بسذاجة.. أحياناً السذاجة تكون فلسفة، لكنها فلسفة الناس الأبرياء العفويين، الأنقياء، الذين لم تشوههم النظريات المعقدة..
تنظر إليه، وتعلو وجهك ابتسامة عريضة، تتخيله وهو ينظر، وكأنه بوذا، ولكن بثياب عربية، وطموحات أبي سيف الذي تعرفه.. تقول.. كل شيء في هذه الحياة فلسفة، ولو أردت الهروب من الفلسفة فلن تتمكن، وها أنتذا، جئت إلى هنا، لذت بالعراء، طوقت نفسك بعزلة قاتمة، جلست خلف الظلمة، اختبأت عند زاوية من الصمت، وحبست أنفاسك، كي تتلصص عليك النجوم، فهل تشعر حقاً بالسعادة التامة؟.. هل حققت كل ما أردته لمجرد أنك وجدت في هذا المكان القصي؟
يضع سبابته في صدغه، يتفرس في وجهك، يطرف جفنيه طرفات متدثرة، ثم يقول: لا بالطبع لم أشعر بالسعادة..
تقول إذاً لماذا تخدع نفسك وتظن أنك فعلت المستحيل حتى طلقت الحياة العادية وهجرت الناس..
يهاجمك قائلاً: وأنت كذلك انقطعت عن الناس.. أليس كذلك..؟
تقول: أجل.. فعلت ذلك، ولكن ليس لأجل أن أمضي أوقاتي في بيت بلا معنى، وأتصور أنني قد نجحت في تحقيق الذات..
يقول: لم آتِ هنا لتحقيق الذات..
تقول لماذا إذاً؟
يقول.. لأنني سئمت أشياء كثيرة.. لا أحبها..
تقول: الابتعاد عن الشر لا يحل المشكلة.. المواجهة هي الحل..
يفتح بصره، ويحدق دهشاً: مواجهة.. مواجهة من؟
تقول: مواجهة الحقيقة..
يصفق بيديه.. برما.. أمازلت متمسكاً بهذه الحقيقة التي تقتلني بها؟
تقول: بدونها، تبقى الحياة غائمة بلا مطر..
يقول: استحلفك بالله.. لا نريد أمطاراً، وأنت تعلم ماذا تفعل الأمطار في شوارعنا، وأحيائنا، وبيوتنا.. الجفاف أهون من المستنقعات..
تبتسم.. تقول: دعك من الأمطار التي تأتي بها غيوم السماء، ما أقصده أمطار الحياة، أمطار الناس، الأمطار التي تعشوشب لها القلوب وتتخلص من الخرافة، والأوهام، والأحلام المؤجلة..
يغضن حاجبيه، وينظر إليك بعجرفة.. يقول: وتعتقد أنك تستطيع أن تغير كل هذه الأشياء بمفردك..
تقول: لا بالطبع.
يقول: إذاً كيف ستحل هذه المعضلة؟
تقول: بك..
يشير إلى نفسه، واضعاً سبابته في صدره قائلاً: أنا؟
تقول: نعم أنت.. ولم لا؟
بهز رأسه، قائلاً: عفواً سيدي الفيلسوف، أنا لا أنفعك أبداً..
تقول: ولم؟
يقول: جئت متأخراً..
تقول: متأخر.. ثم تقول بإصرار.. مازلت شاباً يافعاً، وتستطيع أن تفعل الكثير، وإمكانك أن تخرج من هذه العزلة، لآفاق أرحب..
يقول: لم أقصد العمر، ما قصدته أنني خرب من الداخل..
يستفزك.. تثب. تقول: هذا يأس وليس خراباً.. أنت سمحت لليأس بأن يتغلغل داخلك واكتفيت باستقباله بترحاب، وجلست متقاعساً، راضياً، في هذه الحياة التي لا معنى لها..
ينهض أبو سيف.. اعتقدت أنه سيقول لك، انصرف من هنا.. اغرب عن وجهي.. مد لك يده، قال: قم..
بحلقت.. تقول إلى أين؟
يقول: إلى الخارج..
تقول: الخارج.. وماذا نفعل في الخارج، وسواد الليل يغطي المكان، وأنا أكره الظلمة الموحشة..
يقول: وأنا أحبها، ثم مازحاً.. أنا صاحب البيت وليس أنت.
تضحك.. تذعن لرغبته. يأخذك إلى مصطبة، حجرية، أضيء ما حولها بإضاءات خافتة، فبدت كجوف قاعة، سرية، لا يطأها إلا الخاصة..
تقول: لم جئت بي إلى هنا.. كنت مستريحاً في الغرفة، والجو لطيف..
يقول: بل هنا ألطف.. ثم يمزح.. أنت عالم نفس، ولك أن تتأمل في خلق الله البديع. لك أن تنظر إلى هذا الكون الفسيح نظرات منفتحة.. الخروج أحياناً من الحوارات المنغلقة يسنح للعقل بأن يلتقط الإشارات الضوئية الصحيحة، فيرى نور الحقيقة.. ويمزح ثانية: ألا تريد أن ترى الحقيقة؟
تضحك، لكنك كنت تشعر بأزمة داخلية.. تريد أن تمسك بزمام الحديث، وهو يحاول أن يتهرب كطبعه في معالجة القضايا..
يقول أبو سيف.. ألا تريد أن ترى أم الدويس بعينيك؟
تقول، ساخراً: لو كنت تعرف أن أم الدويس ستأتي هنا لتبولت في ثيابك، وخررت صريعاً في مكانك..
يضع يده على كتفك.. يقول: كم أنت جميل، ورائع، حتى عندما تكون حانقاً..
تقول بصوت شجي: لأنني أحبك.. أحبك كثيراً يا أبا سيف، وليس لي أصدقاء أعز منك.. لكنك.. وتغضن جاجبيك..
يقاطعك: لكن ماذا؟ قل ولا تتردد..
تزم بوزك.. لا أدري.. ثم تطرق.. أشعر بأنك تبتعد عني أحياناً كثيرة..
يفرك جفنيه.. يقول لك، أنت بحاجة إلى امرأة..
تقول محتجاً: وماذا أفعل بها؟
يقول: أنت تعاني من احتباس..
تضحك بسخرية.. تقول: احتباس؟ وكيف اكتشفت ذلك يا ذكي..
يقول: صدقني.. لا أمزح.. المرأة لديها مؤهلات تستطيع أن تخلصك من حياة التأزم..
تهز رأسك نافياً.. لست متأزماً..
يقول: بلى.. والدليل، أنك تنظر إلى الحياة وكأنها حقل جاف.. وهذا دليل أنك بحاجة إلى من يرطب لسانك..
تتفرس في وجهه.. تقول: أنت جاد..
يومئ برأسه، أجل.. يجب أن تفك هذه العقدة..
تتزلزل الأرض من تحتك، تشعر بأنه قصمك إلى نصفين، وأطاح برأسك.. تقول.. والكلمات ترتجف على شفتيك الناشفتين: أدعوتني للمكوث معك هنا لكي توبخني، وتطعنني في الصميم..
يقول بلهجة هادئة: أرأيت.. قلتها بنفسك.. أطعنك.. ثم يستطرد: لم أرد إهانتك، ولكن هذه هي الحقيقة.. وأنت قلت قبل قليل، يجب مواجهة الحقيقة..
تستدير جانباً، وكأنك تريد أن تهرب.. تريد أن تقفز قفزة واحدة، توصلك إلى غرفتك المعتمة.. تنام على فراشك الهادئ من دون زلزلة.. تقول: الحقيقة.. أنا أبحث عن الحقيقة.. ولكن الحقيقة تبدو كامنة في أشياء أخرى، وليست بين أفخاذ النساء..
يقول مازحاً: ليس من الضروري أن تبحث عنها بين الأفخاذ، خذها من أماكن أخرى، تضاريس النساء واسعة، ورحبة وسخية، وعليك أن تختار، ثم يسقيك كأساً آخر، يقول: اشرب من خمر المسلمين، ادلق كأساً ساخناً لعلك تهدأ قليلاً..
تقول: لست متوتراً..
يقول: بلى.. لكنك لا تريد أن تقول الحقيقة..
تضحك برماً، وأنت تشيح وجهك جانباً.. تقول: منذ أن عرفت كلمة الحقيقة وأنت تلوكها كما تمضغ النسوة اللبان.. صدقني أشعر بالتقزز من أسلوبك، وأود لو أغادرك إلى مكان آخر..
يقول منزعجاً: تغادرني؟! كيف يهون عليك صاحبك، تتركه وحيداً في وحشة الليل البهيم؟ ألم تعدني بأن تنام هنا..؟
تقول بلجلجة: سئمت من حديثك الفارغ، وأشعر بأنك لا تملك غير الكلام المسف، وأن العزلة فرغتك من مضمونك..
يقول معاتباً: كل هذا لأنني قلت إنك تحتاج إلى امرأة.. لماذا تكره النساء هكذا؟ هل أضرتك إحداهن؟ قل لي أنا سوف أقتص لك منها..
تقول: لا تمزح كثيراً يا صديقي.. يقولون إن كثرة الضحك تميت القلب، وقلبك لا يحتاج إلى مزيد من الهلاك، فهو هالك لا محالة..
يضحك.. يضحك.. يصدر سعالاً حاداً، ويقول: سامحك الله، كيف تتمنى لصديقك، صديق العمر، أن يهلك قلبه.. فمن سيبقى لك من بعدي؟
تقول: لا أقصد أنه متوقف عن الحياة، بل ما قصدته أنه لا يحس، أنت أصبحت براجماتياً عفناً، وأنا لا أطيق هذه المشاعر..
يقول: الواقعية، أجمل من الخرافة..
تقول: ليس كل ما في الواقع جميلاً، بل إن هناك معطيات تسمم البدن..
يقول: كلامك صحيح، لكن التعامل مع الرذيلة بواقعية، يذهب فاعليتها..
تقول: أنت تخادع نفسك..
يقول: وأنت تكابر..
تقول: إذاً لماذا نتناقش؟
يقول: لنصل إلى الحقيقة..
تقول: حقيقة ماذا؟
يقول: حقيقة كل شيء..
تقول: كل شيء؟
يقول: أجل..
تقول الأشياء لا تؤخذ بالجملة، فأنت لست في سوق البطيخ..
يقول: الحياة بطيخة كبيرة..
تقول ساخراً: كيف؟
يقول: قد تكون حمراء وقد تكون خضراء..
تقول: وكيف تكتشفها؟
يقول: عندما نقترب منها، ونبحث في تفاصيلها..
تقول: الشيطان يكمن في التفاصيل..
يقول ممتعضاً: هذه خرافة.. معرفة الأجزاء توصلنا إلى الكل..
تقول: وما هي أجزاء الحقيقة؟
يقول: جزءاً منها المرأة..
تبتئس: عدت أيضاً إلى المرأة..
يقول: ولم لا؟ هي جزء من الحقيقة..
تقول: كيف؟.. أفهمني..
يقول: عندما يتحاشى رجل مثقف مثلك الاقتراب من المرأة، فهذه معضلة يجب الاقتراب من فحواها، يجب دراستها..
ترتعد فرائصك، يسخن بدنك، تعرق، تقول: لكني لا أخشى المرأة..
يقول: إذاً لماذا تتحاشاها؟
تهز رأسك: لا أعتقد أنها مجدية..
يقول: ولماذا إذاً خلقت.. لأجل أن نكرهها..
تقول محتجاً: أنا لا أكره المرأة..
يقول: الابتعاد عنها، شيء من الكراهية..
تقول: لا تفهمني خطأ.. أنا لا أكره المرأة..
يقول: ولماذا إذاً، عندما شاهدت عذاب، شعرت وكأنك تلاقي أم الدويس.. أليست تلك امرأة.. وحسناء؟
تتبدد أفكارك، وتلتصق جدران الغرفة، من حولك، تفرقع عظامك، تريد أن تصرخ، تقول: لنعد إلى غرفتنا، أشعر بالاختناق هنا، أشعر وكأن وحشاً ضارياً يطاردني..
يقول: هذه المرأة التي تكرهها..
تقول بصوت مزمجر، أرجوك، لا تحطمني بأقوالك العقيمة، دعني وشأني.. تفر من المكان، تذهب إلى الغرفة، يتبعك، تدلفان يجلس قريباً منك، يربت على كتفك، يقول: اهدأ.. سأصنع لك شاياً ساخناً يعمر طاسة رأسك..
تلجم فمك.. تنكفئ مرتعداً، معرقاً، مكتوياً.. تردد في سرك.. المرأة.. المرأة.. أيعقل أن أم الدويس امرأة، وهل صحيح أنها تملك ذراعاً عملاقة وقوية؟ يا إلهي، أريد أن أشاهدها وأموت بعد ذلك، لا أريد أن ألهث خلف سراب.. المخرفون يتحدثون عن فظاعتها، يفصلون ويؤولون ويسورون، العقل بهالات خرافية، مذهلة.. أريد أن أرى هذه المرأة الهائلة، أريد أن أقبض عليها متلبسة بجريمة، لأقتنع بحقيقتها..
يقدم لك أبو سيف الشاي، يقول مبتسماً: جرب السكر.. مناسب.. ترشف الرشفة الأولى، تهز رأسك، تقول: جيد..
يقول أبو سيف.. الآن حلق كما شئت، اشرب الشاي وطر، أينما تريد أن تسير، ولن أتدخل أبداً، لن أشاغبك، ثم وهو يربت على كتفك.. قائلاً: لا تنزعج مني، ولكن أنا على يقين، ستقتنع بعد زمن قليل بكل ما قلته.. ثم يضيف قائلاً: مشكلتك ليست مع أم الدويس، وإنما مع قضية أخرى، لن أقول المرأة حتى لا تتهمني باستفزازك، ولكن كل ما أريده أن تسأل نفسك بنفسك، لماذا لا تشكل المرأة بالنسبة إليك قضية محببة، تدفعك إلى الاقتراب منها؟ أليست المرأة جزء من الناس؟
تقول: نعم جزء من الناس..
يقول: إذن، لا تجزع من الحديث حولها..
تصمت.. تفكر..
تقول في سرك: عندما تحضر المرأة، تستحضر معها الأسئلة الغامضة، والمخيفة، وربما يكون صديقك على حق، لكنني لا أستطيع أن أفشي أسراري بهذه السذاجة.. تمقت هذه الفكرة.. تقول: لا أشعر حيالها بأي بغضاء، هو مخطئ عندما يصفني بالمعقد، وربما يريد من وراء حديثه تبرير سيئاته التاريخية الفظيعة، ربما يريد أن يتخلص من بعض عقده التي تلازمه على مدى أيامه.. أحياناً أشعر بأنه يريد أن يكفر عن ذنوبه بمجرد الإطاحة بأفكاري العظيمة، هو يعلم أنني فيلسوف غارق حتى أذنيّ في البحث والتقصي، فلماذا يصمني بعار الكراهية للمرأة.. تلبث هكذا، تحك صدغك، وتفتل شاربيك، وتتلمظ، تريد أن تخرج من دائرة مغلقة لكنك تشعر بتحطم عظامك، وأنت تغوص في التفاصيل الشائكة.. المرأة.. المرأة.. كلما استأنفنا الحديث عن الحياة، أقحم المرأة على الطاولة، وصار يلعق رضابه بتشهي كأنه الظامئ، ثم يبدأ في كيل الاتهامات المؤذية لي.. لقد مضى على صداقتنا عقود من الزمن، أي أنه صديق طفولة، لكنني لم أعد أفهمه جيداً، متقلب، متغير، مزدوج الشخصية، ورع ملتزم في ساعة، وفي ساعة أخرى نزق، شهواني إلى درجة تقديس جسد المرأة.. أرغب أن أخرج من مجالسته في يوم، وأنا مقتنع بأن لي صديقاً يكافئني على جهودي العلمية، بالإشارة، والإطراء، لكنه للأسف دائماً ما يفاجئني بالخذلان، ويضطرني إلى أن أكرهه..
أبو سيف ينهض.. يحاول أن يغير مجرى الحديث، يتحرك في محيط الغرفة جيئة وذهاباً، ثم يتجمد عند طرف قريب منك.. يقول: يسعدني دائماً أن أراك مبتسماً لكنك وللأسف قلما تفرج شفتيك عن ابتسامة تكافئ هذه الطبيعة الباهرة على إبداعها المذهل.. أريدك أن تتحرر من الانطواء المزري، أريدك أن تحلم بحياة أزهى، ويستطرد.. دعنا من الآخرين.. فإذا كانوا منحرفين وغير أسوياء، فلماذا لا ننجز نحن عالمنا الخاص؟ أو لماذا لا نتخلص من سوداوية الآخرين؟ كنت تمنحه ظهرك.. تستدير، تنظر إليه بإمعان تقول: وكيف نتحرر من الأصفاد والأقفال بأيديهم..؟ ألست أنت الذي قلت إنهم أوغاد، وأنذال، يمضغون الخرافات كما تجترها العاهرات قبل أي منازلة جنسية خسيسة؟ فلماذا الآن تنقلب رأساً على عقب، وتبدو كأنك، الملاك الذي يهبط من السماء ليحرر العالم، من رجس الشياطين؟
يقول: مشكلتك أنك لم تفهمني.. صحيح أنك صديق عمر لكنك مازلت تجهل توجهاتي، ومشاريعي الإنسانية..
تقول: وما هي مشاريع الصديق العزيز..؟
يقول: هي أن أعيش متصالحاً مع نفسي، أن أتطهر من غبن الآخر، وأن أحيا حياة البوذيين.. وهي تعجبني جداً..
تقول دهشاً: إذاً أنت بوذا جديد..
يقول: لا.. بل أنا معجب فقط بهذه الانثيالة النفسية الرهيبة، التي تمنح الإنسان القدرة على الحلم، والتمسك بالقيم الإنسانية الرفيعة، من دون الإمعان في الإضرار بالآخر..
تطقطق.. تهز رأسك. مستغرباً.. تقول: ليتك تتخلص من هذا الاحتيال الفكري.. بوذا لم يكن زير نساء، بوذا لم يتعبد عند فرج امرأة..
يحنق.. وأنا لم أفعل ذلك، هذا وهم أنت ترتكبه فحسب، كما تتوهم، أشياء أخرى... قلت إنك لم تفهمني، وهذا جلي الآن في لهجتك الحادة..
أحسست بأنه احتقن، فأردت تطييب خاطره.. تقول: لا تجزع هذه مصارحة صديق لصديقه، وإن كنت قد قسوت عليك فسامحني..
يتجرد من كظمه.. يحاول أن يغبطك بالمحبة التاريخية التي سارت عليها الصداقة العريقة.. يقول.. لن يزعجني انتقادك، بل هذا يدفعني إلى أن أفهمك وألتذ، وإذا فهم كل منا الآخر نستطيع أن نحلم معاً بقاسم مشترك واحد..
تقول: عافاك الله، ونعم الصديق، ولكنني أريد أن تفهم شيئاً واحداً، هو أنني رجل شديد المراس، ومن يريد أن يتبعني لا بد أن يتحلى بأخلاق، وأنا من قيمي ألا أتطرق إلى قضايا المرأة وأقحمها في أتون القيم الكبرى..
يعتدل في جلسته.. يقول بلهجة جادة وحادة.. صديقي العزيز، لو لم نتطرق إلى المرأة، فإننا نكون كمن يريد أن يتسلق الفراغ.. المرأة، ليست جنساً كما تعتقد، المرأة كائن شائك، يحتاج إلى قدرات خارقة كي تفك الشفرات، وأستميحك عذراً، لأقول، إن التخلف المزري الذي ترزح تحت طياته الثقيلة سببه بؤس المرأة ورجس الرجل..
تأخذ نفساً عميقاً.. تشعل سيجارة، تقول: لقد أتعبتني اليوم، أشعر بأنك شخص آخر غير الذي كنت أعرفه، تخوض في قضايا، لا تجعل الحوار معك سهلاً..
يقول ضاحكاً: ألست أنت الفيلسوف.. فلا بد أن يكون معك الحوار شائكاً..
تقول: لكنه أيضاً، تافه في بعض جوانبه..
يقول برماً: كيف؟
تقول: لأنك توغل الأشياء في الأشياء، وتوغر صدر محدثك، بحقن سامة، ما يستدعي الملل والسأم.. دعنا نتحدث رويداً رويداً.. ثم ننتقل إلى موضوعات الساعة التي تريد مناقشتها..
يقول في حيرة: وماذا تريد أن نتحدث عنه؟
تقول: أم الدويس..
يضرب كفاً بكف.. يقول، حانقاً: عدنا لنفس الموضوع.. ثم يستطرد قائلاً: أنت لا تريد أن تخرج من هذه الدائرة المغلقة.. أنت حبست نفسك في سجن أم الدويس، ولا تريد فك الأغلال من معصميك..
تقول بإصرار: هذه قضيتي.. إن شئت فساعدني وإن لم تشأ فهذا شأنك ولن أرغمك على شيء لا تحبذه..
يقول مضطرباً: وماذا تريد من أم الدويس؟ لقد شرح لك الشيخ ضاوي ما يكفي شرحه، وأوضح لك كل التفاصيل التي تريدها.. ماذا بعد؟
تقول: لقد قال القصة الكلاسيكية، ولم يفصح عن علاقتها بالمرأة.. ما أريده.. لماذا أم الدويس امرأة، وليست رجلاً..
يضحك.. يقول بسخرية: هي هكذا، الله خلقها امرأة، ماذا تريدنا أن نفعل؟ أتريدنا أن نعيد خلقها من جديد ونحولها إلى رجل..
تقول متهكماً: اسمح لي أن أصفك بالغباء.. فعلاً فأنت غبي..
يبتسم.. يقول: مقبولة منك..
تقول.. معتذراً: لقد حيرتني، وتجيب عن الأسئلة يستنكف طالب في الابتدائي أن يجيب عنها.. فما علاقة الله بأم الدويس؟
يقول متواطئاً مع أفكاره اللامبالية.. إذاً ألا تقل لي من خلقها.. أنت.
تقول محتجاً: بل الجهلاء..
يقول: الجهلاء؟ كيف حصل هذا؟
تقول: أم الدويس صناعة بشرية وليست ربانية.
يبهت.. يقول: إذا كان الإنسان هو الذي صنعها، فلماذا يخافها..؟
تقول: نحن بني البشر هكذا.. نصنع الأصنام ونعبدها، وقد قلت لك ذلك سلفاً، ونصنع كذلك المارد الضخم فنهابه.. والأمور تجري هكذا..
يقول: إذا أنت حللت المسألة المعقدة، فلماذا تجهد نفسك في البحث؟
تهز رأسك ممتعضاً.. تقول: أبحث عن البداية، أبحث عن السبب..
يقول: سوف تتعب يا صديقي.. ثم يستلقي على فراشه قائلاً.. صباحك ورد..
تقول: وتتركني وحيداً وأنا ضيفك..
يقول.. أنت لست ضيفاً.. أنت أخ.. واعذرني فقدت أرهقت.
في الصباح الباكر تستيقظ.. تقول، لم أنجز شيئاً يستحق الاحترام.. هذا الغبي يريدني أن أكون مثله.. يريد أن أنام كالقطط مستريحاً بعد إطعام معدتي.. يجب أن أغادر، وربما أكون قد أثقلت، ربما أكون قد فهمته خطأ بحق..
تودع صديقك، وتغادر منزله، وقلبك مملوء بتوجسات المقبل من الأيام، تقول: ماذا جرى لعقلي، لقد أقحمته في متاهات هو أعجز أن يفهمها.. كان في إمكاني قضاء ليلة مخملية، أستذكر معه أيام الطفولة، وأستعيد ذكريات ماضية جميلة.. أبو سيف رجل شهم، ونقي السريرة، لو أنني أطلعته على رحلاتي في العراء، وأخبرته عن الفتاة نيران، لانفرجت أساريره، وبحلق عينيه، وسال لعابه حتى غطى لحيته الكثة.. أبو سيف يريد أن يسمع عن قصص النساء، وكان في إمكاني أن أختلق القصص، وأصيغ جملاً رائعة تلهب وجدانه، يستفيق على أثرها قلبه الأخضر، المعشوشب بشهيق النساء الغارقات من تعب اللهاث، وشقاء الأحلام الوردية.. لكنني كنت صلفاً، متعجرفاً، متزمتاً، متعنتاً، نعته بأوصاف لا ينعت بها إنسان، وأنا على علم بأنه رجل رقيق وشفاف، يحب الإطراء، ويعشق التغزل بصولاته النسائية، فهكذا يجد نفسه، وهكذا يتطور نسله، وهو يزبد ويرغي أثناء الكلام عن امرأة، ضاجعته من المغيب حتى شروق الشمس، ومنحته جسدها بسخاء الطيبين الأفذاذ، ورطوبة الماجدات، الناعسات الكواعب.
تقول موبخاً نفسك.. خسئت.. لقد أحبطته، وثبطت همته، وكسرت عزيمته، لذا، انزوى بعيداً مكظوماً، منحطاً، ونام في أسفل المشاعر المكسورة..



مشيت على قدمين، متهالكتين، يخضك قلب منعدم، وروح تغوص في سحيق الاندحار المريع.. عند الشارع العام، حاولت أن تستجدي العربات المجنزرة، التي تخوض معارك الوجود، بيد أنك فشلت، لا أحد هنا، يلتفت لعابري السبيل.. لا أحد في المكان النائي يتوخى الصبر في السير على الأسفلت.. السيارات تبدو كالصواريخ منطلقة إلى ما لا نهاية.. تمنيت أن ترى صاحبك الذي أقلك بالأمس، لكن لا جدوى، الأمنيات هنا مجرد سراب، وذاك الرجل لا يتكرر كما لا تتكرر العادات القديمة والنبيلة.. الناس يبدو أنهم خائفون.. مماذا؟ لا تدري، ولكن لا أحد يجرؤ على التوقف في الشارع العام، ويسأل شخصاً ما عن مكان وجهته.. أنت وحدك الذي مازلت تفهم بعض القيم، وتتمنى ألا تزول، ولكن دوام الحال من المحال في مجتمع تطحنه أمواج التغيير من كل حدب وصوب. تشعر باليأس، تحرك قدميك، المتيبستين، تشعر بأنهما ليستا ملكك، تشعر بأنهما تريدان أن تنفصلا عن جسدك، وتفكر أنت أن تمارس غي المشي، رغم التهالك وانسداد الأوعية الدموية عند قاع القدمين.. تمضي قدماً متماسكاً، تقول.. لماذا لم يفكر أبو سيف أن يأخذني بسيارته إلى مأواي، ثم تستدرك: لقد تركته، والنعاس يملأ عينيه، تركته ولم تلتفت إلى نداءاته وترجياته لك بأن تبقى معه وقتاً أطول. فأحس بأنك ماضٍ في قرارك، فترك لك الخيار، لكنك في قرارة نفسك كنت تتمنى في هذا اليوم بالذات، أن يسهم أي مخلوق في مساعدتك.. فسهرة الليلة الفائتة كانت مضنية، هشمت عظامك، وحطمت معنوياتك، صرت كالشيخ الضرير الذي يتوكأ على صخور الصحراء، فتلكمه، بالصلادة، بعدوانية.. لمست بعض الراحة، عند ظل شجرة الغاف.. قلت يجب أن أمنح نفسي بعض النقاهة، ثم أواصل. كانت رائحة الورد الأخضر تفعم أنفك، وتحس بنشوة الناهض من غفوة، جلست على سطح صخرة صغيرة، نظرت إلى الخلاء، ورغم كل ذلك، فالجو اليوم مثالي، لأن الشمس بدأت تتهاوى قليلاً، وشهر سبتمبر، أعدل طقساً من سلفه القابض على الجمرات.. أخذت قسطاً من الراحة، واستأنفت المشي، بعد أن استعدت بعضاً من قواك الجسدية.. استعدت بعض أشياء نفسك المبعثرة، رتبت مشاعرك.. تقول: رغم كل فجاجته إلا أنه صديق يتحمل كل غلظي.. هذه محسنة من محسناته البديعة.. استعدت نشوتك عندما حطت قدماك أرض المنزل..
بعدما فعلت فيك تلك الليلة حامية الوطيس، بعد الاحتقان المزري، بعد المواجع التي تحركت وتصهدت حتى احمر وجه الليل، وارتجفت الجدران، وارتعش السقف الخشبي، وناءت الأشجار في الخارج من ثقل الأنفاس، التي خرجت من شقوق الباب القديم، مسام الغرفة الطينية.. وبعد أن فررت في الصباح الباكر، ليس مهزوماً، وإنما مكظوماً، مثلم المشاعر، تخرجت لا تلوي على شيء، مطوقاً بأحزانك وانفعالاتك التي هدرت وزمجرت حتى ارتعد داخلك ما أهلك جسدك، وجعلك تسير كالمصاب بالدرن..
هل تغادر البيت إلى مكان آخر، إلى أي مكان؟.. أم أنك تحرم الخروج لمدة أيام أو أسابيع.. أو حتى شهور..؟
تقول: لا بالطبع.. ما جرى كان لا بد أن يدور بين صديقين مختلفين في التوجه، وكان من الطبيعي أن يحتد النقاش، وتتصاعد وتيرة اللغة، وأحياناً أسف أنا وأحياناً يسف هو، لكن كل هذا التشعب لن يفسد الود التاريخي بيننا كصديقين.. ثم إنني أعرف صديقي جيداً، رجل طيب القلب، نقي السريرة، مسامح، لا يضمر شراً لأي مخلوق، صحيح أنه ناقم لقيم معينة، لكن هذا لا يعني أنه يكره أحداً بالذات.. وأنا كذلك إن كنت أشد منه فظاظة، وغلظة وهذه سجيتي ولا أستطيع التملص منها، لكن في نهاية الأمر أحبه، وزياراتي له سوف تتكرر، وسأكون أكثر تشدداً في مبادئي، وليكن هو كذلك.. هذا الصديق، كل ما لديه من خصال تعجبني حتى التي لا أتفق معه فيها، ما عدا واحدة.. وهي اعتقاده أن المرأة محور الكون، وليس لأنه يبجل عقلها دائماً لأنه رجل حالم بجسد المرأة، عابد، ناسك، معتزل من أجل اختزال التاريخ، في شهقة أنثوية، تعيد له توازنه.. أنا لا أشك أبداً أنه يعاني تناقضاً في حسه تجاه المرأة، فهذه الأنثى التي يتغنى بها ليل نهار، ويطلق الأناشيد الصباحية لأجلها، هي نفسها الأنثى التي يغتال خصوصيتها، ككائن حي يستحق ألا ننظر إلى أسفله أكثر مما نحترم، ما فوق الأسفل..
تقول.. لقد أغاظني كثيراً عندما تحدث بفجاجة، وصار يرعد ويزبد، عندما جاءت سيرة المرأة، شعرت بأنه تحول إلى كائن آخر، كائن مشتهٍ ومتورم بالجنس حتى آخر رمق.. تصمت.. ثم تستطرد قائلاً: ولكن لا أدري ماذا جرى لعقلي عندما حمي وطيس الحوار، وصرنا، نحن الاثنين، ننبح ككلبين مسعورين، ولو شاهدنا أحد سيقول إن هذين الرجلين يتنازعان على إرث، أو أن لديهما ثأراً قديماً.. كنت أرتعش، وكان يحتد غضباً، على الرغم من أنه كان يشيعني بابتساماته الباهتة بين الحين والآخر، ولكنها كانت كالماء البارد عندما يصب على حديد محمي، ليبرد ويتخذ صلابته، كان يفعل ذلك بهدوء بعد ضراوة، وكان يخفض من لهجته بعد عدوانية شرسة، وكذلك، كنت.. متشبثاً بآرائي، متيبساً كعكب شجرة القرط لا ألين ولا أميل، يجتهد محاولاً أن يطوعني، وأنا أزم شفتي، متعجرفاً.. وهو كذلك حاولت مرات ومرات أن أهدئ من روعه، وأن أستميله، بيد أنه كان يقف متصلباً كالجبل، متزمتاً كشجرة عجفاء بلا ثمر..
تصمت قليلاً.. تفكر.. تقول، متسائلاً: لماذا الارتعاشة. أجل كنت أرتعش عندما توغل في الحديث وعندما حضرت المرأة بقوة في جمله الاستعراضية.. كنت أشعر بالتوجس، وكان قلبي ينبجس، ويتقعر، وينكمش، حتى صرت أحياناً أشعر بأنه سوف يقفز من صدري، ويلتطم في وجهه ليسكته.. تكرر.. المرأة.. المرأة.. تتوتر الآن، تحملق في السقف، تنظر إلى اللاشيء، تبدو لك صورة أنثى شامخة، ضخمة الجسد، عيناها حمراوان، وأنفها ضخم.. تقول: يا إلهي، صورة أم الدويس، كما سجلها لي الشيخ ضاوي في الذاكرة.. كيف دخلت هنا في هذه الهدأة؟ ما علاقتها بالمرأة التي تحدث عنها أبو سيف.. يبدو أنني بدأت أخرف.. ولم يزل البحث الذي أردته في أولى حلقاته.. ماذا جرى لعقلي حتى أسدد كل هذه الضربات القاصمة لصديقي وأرتجف.. أفعلاً كنت أتخيله يتحدث عن أم الدويس، وليس عن المرأة، الإنسانة.. قال لي أنت معقد.. وفعلاً هذه التصرفات المشينة تشي عن نفس مرتبكة، وروح مخذولة، لكني في الحقيقة لم أبدأ البحث لأجل ذلك.. لم أبدأ البحث لأني أريد أن أفك عقدة شخصية.. كنت أنوي أن أدرس هذه الأسطورة.. الخرافة، كنت أريد أن أشبع رغبة طفولية، لازمتني من قديم..
يقولون.. الإنسان عندما يحب موضوعاً ما، فإنه يتلبسه.. يصير جزءاً منه، وهذا الآن يحصل معي، أنا الآن أعيش هذه الحالة..
تهز رأسك.. تطقطق.. لا.. لا.. لست أنا كذلك.. أنا فقط، يلتبس عليّ الموضوع.. تنتفض، تدخن سيجارة، تنفث الدخان، تضرب يدك على صدرك، تقول: أريد أن أنتهي من هذه القصة في أسرع وقت، لقد أرهقتني، أحب أن أعيش حياتي حراً، ولا منغصات، ولا نكدات.. ولكن كيف، أنا مازلت أبحث، والبحث جار على قدم وساق، رغم أن ساقي ترهلت من شدة التجول.. تقول: قال أبو سيف.. أنت تكره المرأة، وكان يصر على اتهامه لي.. لكنني في الحقيقة تلعثمت، انتابتني قشعريرة، وتلبسني كائن آخر غير أني في تلك اللحظة، وددت لو أهم بوضع يدي في عنقه، وأنتزع حنجرته المبحوحة التي كان يطلق منها الكلام الجارح.. فعلاً أحسست بالجرح.. تصمت.. ثم تقول: إذاً لم يكن هو على حق.. لماذا لا أبحث عن الكراهية.. كراهية الرجل للمرأة.. تمقت هذه الفكرة، تلفظها، تقول: هذه سخافة علمية، لا تستحق أن أبذل من أجلها الجهد.. ولو فعلت سوف يؤولون الأمر ويتهمونني بكراهية المرأة، وأول شخص سوف يهلل ويكبر ويقول، لقد صدقت نبوءتي عندما قلت إنك تكره المرأة.. أبو سيف.. لا أدري لماذا أصبح نداً.. لماذا يراودني هذا الشعور عندما أتذكره، رغم حبي له، ألأنه الشخص الوحيد الذي أثار هذه القضية، التي ما كنت أفكر فيها.. ثم تقول: كوني لا أفكر فيها هذا لا يعني أنها غير موجودة.. تصرفات كثيرة نقوم بها ولا نعي كيف قمنا بها، وأشياء كثيرة، تحزننا وتفرحنا ولا نعي أيضاً مصدرها.. هذه ثابتة في العلم.. ثم ترفع يدك عالياً.. تقول: هاه.. أهي ترتجف الآن، لمجرد الحديث في الموضوع نفسه، ترتجف.. تنظر من النافذة، تطل على الخارج، قبل منتصف النهار، أي الضحى، والطقس يبدو معتدلاً، ربما تشوبه بعض الرطوبة، لكنها محتملة.. رطوبة سبتمبر أهدأ مما قبلها.. والوقت سانح للخروج.. إلى أين.. لا أدري، في الطريق سوف أقرر..



من نافذة العراء انطلقت، ولجت الرقعة الفسيحة وأنت ضجر ضيق الصدر، في هذا الصباح وددت أن تخالف المألوف، وتخرج إلى مكان ما ربما يكون سفوح شمل الصخرية، وفعلاً قادتك قدماك إلى هذا المتسع الرهيب، تقول عنه إنه رهيب، لأنه مكان أشبه بالمنفى، مكان ناتئ، مقفر، مكفهر، الطين الذي تغوص في أحشائه قدماك يبدو كجسد رخو، وبعد كل خبطة من إحدى قدميك، ينفر الغبار، ممتشط حولك، يغطي مساحة الرؤية بينك وبين الأشياء التي تود أن تراها، ولا تراها إلا بعد أن تدعك جفنيك، ثم تمسح بطرف المعصم، تحت الجفن وفوقه، ثم تمضي، ممعناً النظر، والأشياء رمادية، قاسية، لا تلهمك إلا بأسلاف المتناسلين، غصباً، وأحفاد المتشردين.. ولجت النفق المرعب، سرت تتمشى، كالتائه وأنت بالفعل تضيع في الأماكن التي لم تطأها قدماك منذ زمن.. آه.. الزمن، كل شيء ثابت هنا إلا الزمن الذي طوى سجادته بخفة الطير عندما يطوي جناحيه على رمق.. صرت في جوف المعمعة، معتصباً بعروة الثقة من أنك ستغطي على وجوه، ربما تكون شبيهة بالوجوه الآدمية، لكنها ليست هي بالضبط.. بدأت تهش عنك الذباب.. وتحمي جسدك من قرص البعوض، وتسد أنفك من تغلغل الروائح النتنة، وتتحاشى الاقتراب من الحشود البشرية التي رافقتك كظلك، تعتقد أنك فاعل خير جاء لأجل إطعام الأفواه، الفاغرة، وملء البطون المقرقعة، والتي قد تكون أمضت أياماً ولم تذق طعم اللقمة الشهية، الكلاب هنا حاضرة أيضاً، والقطط كذلك تتبع الجياع، تموء تحت أقدامهم، التي كانت ترفس التراب، متراصة في فوضى عارمة، وقلوب متلهفة لإقتناص الهدية الأولى، لكنك جئت خاوي الوفاض، ليس بيديك، إلا العرق الذي ند بغزارة، وجيبك فارغ إلا من علبة السجائر، وهم لا يدخنون السجائر، هؤلاء يفقدون الأرجيلة، ولكنهم قد لا يكونون يجدون ما يورون به حطب النار.. وجوههم الساخنة أشبه بالفحم المبرد، يشوبه بعض الرماد الساخن، أجسادهم الناحفة الناشفة من سمنة الغذاء، عيونهم مغشية بسحابات بيضاء، محمرة تحت الجفنين..
أسود تنتفض نحوك، أسود جائعة، متهالكة، متحسرة، مبتسرة، مغتالة منذ زمن.. ملابس الصغار، أشبه برقع من القماش المهترئ، يرثي زمان الوصل، وينعى حال أناس باتوا أشبه بشتات بشر، يلهجون إلى النعيم المفقود، ويغطون تحت هذه المضارب، الكوخية من سعف وجذوع نخل، مدثر بطرابيل، تشققت أحشاؤها.. الرجال المكسورون، وما أشنع كسر الرجال، يتوكأون على عصي بؤسهم، ويروغون الصغار، لينأوا عنك بعيداً، يريدون أن يستفسروا عن سبب مجيئك، لكن صخب الملتفين حولك يحول دون إيصال أصواتهم لسماع صوتك، حشرجة في المكان، يندى لها الجبين، أنين أرواح داخلي مبطن بابتسامات متقاعسة، وثغور، تفرج عن أسنان أشبه بمسامير صدئة، أسنان رجال لم تفكر في المنتج الصناعي العجيب الذي يسمى معجوناً، وجوه أطفال في عمر الورود شاخت واتسخت بأحلام الليل المفزعة، أيديهم تعجرفت، مختلطة مع التراب، وبقايا طعام بات معها تحت الفراش الرث، وأحذية بلاستيكية مسحوقة بالحصاد والتراب، وتراكم التواريخ على نسيجها.. تحاول أن تلتقط أنفاسك، تجاهد، لكي تفرج لنفسك فسحة، تلتقط نفساً خارج الدائرة المغلقة التي أحكمت إغلاقها أجساد البشر، المتهافتين، المتراكمين حولك، ومعهم كلابهم، وقططهم، عدا الأغنام الشحيحة، التي ماءت عن قرب، مربوطة بحبال قدرها المحتوم، في انتظار حفنة من طعام قد تأتي أو لا تأتي. من خلال ثقب ضيق تطور إلى فسحة بفعل تحرك الأجساد، نظرت في المتناهي القريب، امرأة تقرفص حول قطعة قماش، ربما تحيك ثوباً أو ترقع سروالاً، ترفع بصرها ثم تخفضه، نظرت بإمعان، إلى المرأة، إلى عينيها اللامعتين، بحزن الأسلاف وانقباض الصدر، ربما تكون أجمل من نيران، ولكن ماذا يمكن أن يخلف كل هذا الانحسار الجبلي للنعمة، ماذا يمكن أن يفعل الفقر المدقع، والشظف المتسلق، كالأعشاب الشوكية المطوقة للمكان، كأنها مشدات حراسة.. تقول: انتابك شعور بالذعر وأنت محاط بهذه الهالة القاتمة من الأجساد المحنطة.. تقول: أجل هي أشبه بالجثث المحنطة، لأنها أجساد بلا أرواح ما يحركها ليس الأرواح، وإنما الجوع..
ما ينقصك أن كل شيء هنا مكسور أو منحنٍ.. الرجال، النساء، الأطفال، الأشجار البيوت الخرافية، أعمدة الكهرباء العارية من أي حياة، الكلاب، القطط، لا شيء ينبض.. لا شيء يبتسم ابتسامة طبيعية، كما هم البشر العاديون.. إذاً هؤلاء ليسوا بشراً كسائر الناس، هؤلاء ربما جاؤوا، من خارج التاريخ ومن وراء الجغرافيا.. الجغرافيا التي تلفظ البشر، فهي ليست موطنهم، والجغرافيا التي لا تحترم دموع الناس الذين يلوبون على تضاريسها، فهي ليست ملاذهم.. كيف جاء هؤلاء البشر إلى هنا؟ وكيف تناسلوا؟ تقول: المشكلة أنهم يتناسلون، وينجبون، ويتكاثرون، والأرض مازالت حامية تحت أقدامهم، تحرقهم بلظى الحرمان، وهم ينتصبون قامات في الليل، وينحتون أعجاز نخل في النهار.. بالقرب من هذه الأكواخ يقطن وادٍ، تنزلق منه أحجار وأشجار، وفي باطنه تنام الوحشة، وفي الشتاء عندما يمتلئ بطنه بغدير الماء، ربما يطفح، ربما يزأر، ويجرف أكتاف الرجال، ويبقر بطون النساء الحوامل، واللائي يصررن على مقارعة القوة بالقوة، لكنها قوة تنتهي إلى جحافل من الأفواه، التي لا تكاد تطفأ، مهما امتدت الأيدي، وتسابقت السيقان من أجل الالتفاف حول لقمة خاطفة جاءت من بعيد..
تقول: المرأة الجالسة، هناك تروغ الذباب من حولها، وتهش البعوض، ثم تستأنف غرس الإبرة في أحشاء قطعة القماش.. وتنظر.. تنظر إلى لا شيء بطبيعة الحال، لأن اللاشيء هو الموجود الخالد، الديمومي، والشيء هو العدم، اللانهائي..
تقول: ألم يبتكر أحد فكرة جهنمية تنقذ هذه الأجساد من الفقدان، هذا الفقدان، المتطور نسلاً من عقد الإقصاء، وإلغاء الحق، طالما ليس له مطالب.. ثم تستدرك: الفقدان، يعني، المرض، والجهل والفقر والنسيان في قعر المجهول الذي ليس له بداية ولا نهاية.. تحاول أن تحرك قدميك، فقد تنملتا من شدة الوقوف، تأملت ملياً، وقلبك المنبجس يتقطر، ولكن يبدو الحل هنا أصعب من العثور على أم الدويس.. لأن البئر عميقة، والدلو غير موجود..
تقول بحسرة: هذه قيامة البشر المسحوقين، هنا يحشرون، وهنا تسلط على رؤوسهم سياط ملائكة العذاب.. منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كنت أجيء مع والدتي لزيارة أقاربي، كانت هذه الأكواخ تنتصب بين التلال الصخرية، ولكن لم تكن نافرة إلى حد البؤس، كما هي الآن.. اليوم، تبدو الجدران المحيطة بالبيوت، تكتسي بالأسمنت وزخرفة ألوان الأصباغ الزاهية، والأشكال الهندسية الحديثة، تفكر في بيوت الطين التي استبدلت وتغيرت، وتوهجت نوافذها بأضواء النيون، وزحفت حولها أشجار الزينة، ورصفت السيارات الفارهة، بعيونها الضوئية المدهشة.. كانت أمك تقول لك: هؤلاء جاؤوا من أقاصي الأرض، واستوطنوا في أماكن متفرقة في الحديبة، والغب، وشمل، لكن بعضهم اندمج وذاب في النسيج، ولم يبن له أثر. أما البعض وهم الذين يتكدسون هنا، فلم يزل الوقت يؤجل منحهم الحظ.. تقول الحظ وأنت مقتنع بأن الحظ وحده السبيل لارتفاع هامة أو خفضها.. فلا أحد يعرف بالضبط عن فصيلة دمه، وليست الجينات البشرية كتب عليها أسماء من يحظون بالحظوة، ومن لا يحظون.. تقول: لا توجد علامات فارقة تبين، النوع، في هذا الجانب، كنت تأتي مع أمك. تمران حول هذه المضارب المأهولة بالسكان، وكان أصحاب المزارع يستعينون بالرجال، كمزارعين، يفلحون ويحرثون، ويرعون، ويأخذون أجورهم، من التمر والملابس المستعملة، وبعض المؤونة اليومية.. وكانوا يعيشون، في ثبات ونبات، ويدجنون الأولاد والبنات، تحت هذه الخيام الوادعة، وعيونهم معلقة في سقف السماء ينتظرون المدد، وربما يكون ذلك من أكثر من مئة عام، لكن الأعوام أكلت لحومهم، وشربت من دمائهم ولم ترتوِ، بل جاشت في كل عام، في إقصائهم بشكل أزيد، لأنهم باتوا جزءاً من هذا التشرد المريع، وقد ذكر لك أحد الأشخاص.. هكذا تقول، أنه شاهد أحد الصبية من أبناء هذه الأكواخ، يتجول بين طوابير السيارات، في أحد الشوارع المزدحمة، ويعرض جسده.. بعضهم ينظر إليه شذراً، وبعضهم يساومه، لا تدري على ماذا يساومه، فقد بدا وجه الصبي أشبه بورقة اللوز المتعجرفة.. ولكن ربما لاكتشاف المجهول..
وقد أفاد لك آخر أن صبياً، لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة، كان يشحذ الدراهم، ليشتري الحشيش.. تقول دهشاً.. جائع ويحشش، هذا من سخرية القدر، الإنسان عندما يفقد الأمل، لا يفكر في بطنه، بقدر ما يفكر في إعدام فكره الإحساس بالعدمية.. وأنت في المحيط المتزاحم، لا تجد مجالاً للتملص والتخلص من الاختناق، أحياناً تراودك فكرة شتم الحشود، ثم قذفهم بالحجارة، ثم الهروب بلا رجعة، لكن ضميرك يهزأ من هذه الفكرة، قلبك يحدثك عن مأساة قوم، وجريمة قتل جماعية، تمارس بصمت وتحت جنح العبث الجاثم على الصدور. تتوقف مستسلماً، ساهماً، جاهماً، لا تتعاطى بلغة معينة مع أحد، وتتصور أن جميعهم لا يريدون التحدث بقدر ما يريدون أن يعرفوا، كم تخبئ في جيبك، ليطمئنوا على قوت هذا اليوم، وجيبك لا يسفر عن مخزون سوى الحسرة البالغة، ولا تستطيع أن تفسر ما يجري.. تقول: ألا يعقل أن تكون أم الدويس تنبلج أسرارها من هذا المكان.. ترتعد فرائصك وأنت تلاحق نظرات تلك المرأة، الحائكة ثوب الحياة، المقرفصة عند وجدان تخضه الاحتمالات المبتورة، والنظرات المكسورة، والشفاه المشطورة، بجفاف ورعاف واستخفاف، مراحل ما بعد الفراغ، وتفاصيل أخرى، قد تبدو غامضة، ومدلهمة، وجاهمة.. تقول إنك تشعر الآن في قبضة المجهول، تحاول أن تستنفر قواك الذهنية بلا جدوى، لأن الفكرة المبهمة تهيمن على الرأس، وتسلبك القدرة على ترتيب مشاعرك.. تفكر أن تخرج بسرعة، وتغادر المكان، بلا خسائر على الرغم من إحساسك بالانقباض، وقد سورك المكان برائحة خانقة، ومشاهد مزرية، مشيت.. خطوات متباطئة بعد أن كلّ الجمع ولم يعثر على مراده.. تقول إنك أنت أيضاً شعرت بالغصة لأنك لم تمنح الأفواه ما يملأها، ولأنك فعلت كما يفعل الآخرون، تفرجت، وأغظت، وذهبت كما تفعل الرياح الخاطفة، هدأت الأصوات، واختفت الوجوه، تلاشت شيئاً فشيئاً، أحسست بشيء من راحة الضمير، لأنك لم تر الوجوه البائسة..
ملأت جعبتك بالحنين إلى زمن أجمل، وقد لا يكون جميلاً، لكنه بالمقارنة ربما يمنحك البريق الخافت.. تجد نفسك تحت الضوء، بين الضجيج، ثم تهدأ وكأنك خلعت ملابس مخشوشنة، وارتديت أخرى ناعمة.. مضيت بعيداً، وخلفك تسير الأصوات والنهيق، وقد تكون اللعنات.. ولم لا؟ رأيت في عيونهم عندما أقبلوا، شيئاً من التوحش، لمحت الحرقات تتجول في محاجرهم، ثم تشع شظايا ولظى، لا تستطيع أن تقول إنك لم تحترق.. بل إنك انكويت، تقول: ليس لتلك المرأة ذراع عملاقة.. ليس لها منخار ضخم.. هي أنثى كسائر الإناث.. كبقية الكائنات التي يحصدها الأسى، فترمق الآخرين بحنق.. تلعثمت.. وأنت تحاول أن تستعين بلغتك مودعاً.. لأن الأيادي التي امتدت نحوك، لتحلب ما في جيبك، ترهلت.. انخفضت، وبعضها دست في جيوب أصحابها الخاوية، دلالة على الاستسلام، والقنوط، واليأس.. أنت لم تكن فألاً حسناً.. أنت شغلت الوقت، وسرقت العيون من أن تنتبه، لزائرين آخرين، قد يكونون أسخى منك عطاء.. هذه الخيام، المنصوبة في عراء الزمن المتوحش، تقف هكذا، متسائلة دوماً عن الآن الجديد. العيون مبحلقة في الفراغ لعل وعسى يأتي النصيب.. هنا الصغار والكبار، الرجال والنساء، يحتفون بالنصيب ضيفاً مكرماً، معززاً، لأنه الغدر الغادر على فتح باب الرزق، ملء البطون، وطرد الجوع الضاري.. عند المنتصف، تحاول أن تصعد تلة خفيضة، هناك تلال كبيرة، وضاحية مزروعة بالنخيل، وفاكهة التين والليمون، إلى جانب السدر واللوز.. دخلت في العراء، ولجت المنخفض، والوادي الذي استقبلك كان يصفر بالوحشة، والحرارة، وتنام على ضفتيه أعشاب شوكية، تناهشت بعضها الحمير والجمال.. تهشمت وأنت تنظر إلى الوراء، وخلفك الأكواخ، تخيم على الرؤوس، ببلاهة، الأرزاق المؤجلة، أغمضت عينيك، وأنت تتعثر بصخرة، أدمت إبهام القدم اليسرى، حاولت أن تنشف الدم بردم الجرح بالتراب.. آلمك الجرح، وأزعجتك الحرقة.. لكنك لم تتوقف.. كنت تسير وكأنك مشدود إلى لقاء مهم وحاسم..
راوغتك الأرض الصخرية، بجدل صحراوي عقيم، هذا طائر الحمام البري، يغرد على غصن غافة شعثاء، تحاول أن ترى موطئ قدمه فلا تراه، فقد اختبأ بين الأوراق المتناثرة على الأغصان المتشابكة، في عناق فوضوي، والغراب الأسود يحوم حول رأسك، ناعقاً بصوت جهوري غاضب، والعصافير تزغرد مستبدة بشبابها اليافع، مفعمة بحيوية ونشاط، تدور بأجنحة أشف من ورق التوت، وتتنادى بترانيم رقيقة يهفو لها الفضاء، تحت اللظى المتفاقم تهيم أنت، تنظر إلى الحمار الشارد في البراري، إنه أسمن من ظهور قبيلة بأكملها من أبناء الجياع الذين مررت على أكواخهم الأشبه بهياكل العظام النخرة.. تلحن أنت كلمات قديمة بصوتك المشروخ، كطبلة عازف قديمة قدم الدهر.. يصدمك النهيق، وخطم الحمار المتدلي، كدلو مبلل بالماء، يركض الحمار، وخلفه تركض ذكريات البؤس، والاستغلال المريع، أصبح الآن متقاعداً، لا راعي له ولا حمال، والمرعى هذا الفراغ الوسيع، يفتح نافذة خضرته البديهية، أعشاب شوكية، وأوراق الخبيز اليابسة، وأعواد ذابلة من أغصان ألقاها الجفاف لتصبح شاهدة على زمن اليباب، والعسف الطبيعي الذي تزدريه، تحاول أن تروض مشاعرك، المفعمة بجور النهايات القصوى لأحياء بشرية، سحبتهم الطرق المتسخة بالأحلام الواهية، عند جرف وادٍ سحيق، تقف، تتفرس في الخلاء الرمادي، تنظر إلى ذاك الحمار الذي غيبته الحفر المتراكمة من أثر السخط.. يعود ثانية ناهقاً، شاهقاً، مرقعاً بالعرق، لكنه بطبيعة الحال حبور بهذا الانعتاق الاختياري، الحمار الذي كان يحمل مآسي البشر هنا، ويتوخى الصبر، من عظامه المثابرة صار الآن يلهو بالفراغ، ويعظم جسده بأعشاب الحرية المتنامية عند السفوح، وعند جروح الصخور.. المتآكلة جراء التعرية الزمنية.. يمر من حولك، عابثاً بذيله الطويل المنعم بالشعر الكثيف، مهفهفاً بأذنيه الضخمتين، كأنها المراوح الهوائية البدائية. عيناه الواسعتان السوداوان، تبحلقان بالطلوع الأزلي للشمس المراهقة المتدفقة، ولعاً في كي الأرض بمسامير أحشائها الحارقة..
تستمرئ الوقوف هنا، تغريك نظرات الحمار، تقول: تحررت الحمير ولم يتحرر البشر.. تبصق في التراب الصخري، تزلق بصقتك في سطح حجر صقيل، تلمع تحت أشعة الشمس، تتقزز من الاستغلال وانتهاك حرمة الضمير الإنساني، تحثو رملاً على بصقتك، تخفيها عن الوجود، تعود ثانية ترمق الحمار، المتمرد المتمرغ على التراب الطيني، مصدراً الغبار، متعفراً، مستعيناً بأذنيه الطويلتين، يروغ بهما البعوض الصحراوي.. ويلحس ساقه مترامية الأطراف، بلذة الكائنات المتعافية.. يتجلى لك شيئه العظيم، تبتسم، ثم تنظر إلى الأعلى، صدى صوت عصفور هائم، تلحن نشيده التاريخي الشجي، مطلقاً الجناحين في مهب الريح.. تقول: الطيور وحدها التي لم تلمسها يد البشر. الطيور تحلق بعيداً، وترشق الرذيلة بفضلاتها من علٍ، ثم تمضي، متملصة من عقاب الأشرار. الحمار ينهض، وينهق، يحوم حول نفسه، متشدقاً بذيله الطويل المعقوف بين ساقيه الخلفيتين، متلذذاً بنشوة الاحتكاك الحليم، تسمع صوتاً يأتيك من بعيد.. ينادي.. يا شيخ.. يا شيخ.. تقول: لقد صرت شيخاً جليلاً، في زمن الأجلاء فيه أقل من العدم.. يقترب منك صبي ربما لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر، يقترب، ملامح وجهه تبدو أنه كهل، التجاعيد كرست الأوساخ بين شروخها، البثور وحب الشباب المصدد بنى أبراجاً بمستوى النذالة التي شيدها الآخرون، يقف إلى جوارك، ذليلاً، مكسوراً، ذابل الجفنين، منهك الوجه، مسغب العينين.. يقول.. يا شيخ، أنا خائف.. والناس الذين رأيتهم خائفون، مرتعدون.. الأكواخ في الليل تصدر أصواتاً مزمجرة كالرعد، لكنه ليس رعداً، ليس صوتاً بشرياً.. إنه عصف كوني، يهتك السكون، ووضاعة المكان..
تبهت.. تتفرس في وجهه.. تقول: وما شأني أنا بهذا الخوف؟
يقول: أنت شيخ جليل، وفي إمكانك أن تهزمه..
أهزم ماذا؟
يقول: الخوف..
تفكر.. ربما يكون هازئاً.. أو محتالاً.. ثم تنظر إلى دمعة احتبست في محجريه.. تتفحص جسده الأقدم من منحدر الصحراء، تنظر إلى وجهه المغضن كجرف الوادي، تجلس على حافة جرفه.. ولماذا أنتم خائفون؟
يقول: من الخوف..
تنظر إليه بانزعاج.. كيف تخافون من الخوف..؟
يقول: لأننا لا نعرف كنه الأصوات التي تنزل ليلاً على خيامنا..
تقول له: استرح.. هنا بالقرب مني، هدئ من روعك، ولا تجزع، ثم تسأله.. كيف عرفت مكاني، فلم أرك بين الجموع الغفيرة، التي شاهدتها..
يقول متلعثماً: كنت أراك، أتابع خطواتك، انتظرت حتى تنأى بعيداً لأخبرك عن أحوال الناس في هذه المخيمات البائسة..
تقول: وماذا أستطيع أن أفعل إزاء هذا الخوف الوهمي، إنه ليس كائناً كي ألاحقه وأقتله، وتنتهي المشكلة..
يقول متمسكاً برأيه: أنت شيخ.. تستطيع أن تفعل أي شيء لتطرد الشياطين..
تبحلق في وجهه. تقول بلهجة متسائلة: وكيف عرفت أنها الشياطين..؟
يقول: بالطبع إنها الشياطين، لأنها لا ترى بالعين المجردة..
تقول: وهل هي أم الدويس؟
يقول: ربما هي..
تقول: أتعرفها..؟
يقول: سمعت عنها الكثير..
تقول: وماذا سمعت..؟
يرتبك.. يقول بلهجة ملهوجة: هي على هيئة امرأة، لها ذراعان عملاقتان، وعينان واسعتان حمراوان، ومنخار ضخم.. تحمل في إحدى ذراعيها فأساً كبيرة، تحطم بها أجساد البشر الذين تريد أن تفتك بهم..
تقول مندهشاً: وماذا بعد..؟
يقول: هذا كل ما أعرفه..
تصمت.. تأكل قلبك الحيرة، تتحرى وجه الصبي، المكفهر، تقرأ ملامحه البائسة، تشعل سيجارة وتدخن.. تقول بلهجة واثقة.. اذهب الآن وسوف أقوم بالواجب.. لا تجزع، اطمئن.. سوف أقضي على الشياطين..
ينهض الصبي، يغادرك، ونظراته لم تند عن رضا، لكنه ودعك بابتسامة متسائلة، فعندما جاءك كان يركض لاهثاً، وفي المغادرة عاد يمشي بخطوات متباطئة، هذا يعني أنه لم يزل يحتفظ بمشاعره القديمة، وأنه غير مقتنع بما وعدته به..
أطفأت السيجارة، غرزتها في التراب، لبثت هكذا مبحلقاً، ساهماً.. تقول: الحمار ليس خائفاً من شيء، العصافير كذلك، وأشجار الغاف.. تستطرد: الحمير أكثر أمناً من البشر، لا يهمها بوق الشياطين، لا يعرفون الخوف من مجهول، كل ما يتوجسون منه الأشياء المحسوسة، المجسدة.. كيف.. تقول، مذهولاً، بكلام الصبي، أينما أهيم وجهي، أجد أم الدويس، الكائن مهاب الجانب، ولا أحد يثبت رؤيتها، سوى ذلك الرجل، رجل المقبرة، وأظن أنه محتال.. وكذلك الشيخ ضاوي، أفرد التفاصيل مدعياً أنه شاهدها أكثر من مرة، لكنها لم تستطع الإضرار به.. إذا هي لم تلحق الضرر بالشيخ ضاوي، ولا برجل المقبرة، بينما تحوم حول خيام هؤلاء المعدومين، وتروعهم، بفأسها العملاقة.. هذا ماذا يعني؟
تفكر.. هم يقولون إنهم يخافون منها، على الرغم من أنهم لم يروها قط.. مهزلة أن يخاف الإنسان من شيء لم يره أبداً.. لمجرد أنه سمع عنه، لمجرد أنه روي له، أنه كذا وكذا، فيخاف.. تتذكر.. كنت في ليلة من الليالي تسير بجانب سدرة قرواش، السدرة المشهورة بموطن الجن، ومستقر أم الدويس، تعثرت بحجر، فقفزت زائغاً مرتعباً، صرخت، طلبت النجدة، من الفراغ الحالك، ركضت، حاولت أن تنتزع خوفك من صدرك، فأخبرت رجلاً طاعناً بالأمر، قال لك: لا تخف، مجرد وهم.. فزعت، وسخرت من كلامك، فأكد لك أنه يستطيع أن يصحبك إلى المكان نفسه، وسوف تجد أن خوفك لا مبرر له.. سرت معه، ودرت تحت الشجرة الموسومة بالخوف، ولم تجد شيئاً، قال لك لم يلقمك أي شيطان بحجر، بل أنت الذي تعثرت قدماك بحجر، وظننت أنه الشيطان الذي أراد أن يفزعك.. وعلى الرغم من صدقية كلامه، إلا أنك لم تقتنع، ولما ذهبت إلى البيت بقيت مستلباً من ذاتك، تحاول أن تستعيد قلبك المخفوق، فلا جدوى، ما اضطر أمك إلى أن تجلب إناءً في منتصفه ماء، وتغطس خاتمها في جوفه، وتقول لك اشرب.. شربت وبالفعل، رويداً رويداً، خفت الرعشة في جسدك، وعادت مياه السكينة إلى مجاريها في كيانك.. ما سر الذهب؟ ما علاقة الخاتم بطرد الخوف؟ فهل للذهب سحر السيطرة، والسطوة على الشياطين، بحيث يطوقها في حلقته الضيقة، ويخنقها حتى تتوب، وتعلق المطواة بشكل سري من دون أن تعلن ذلك جهاراً.. تقول أبديت استعداداً لطرد الشياطين من محيط المخيمات المتقارعة، ليلاً كأنها رؤوس بقايا جثث قديمة.. لكنك لا تستطيع أن تفي بالوعد، فالخوف الذي ألم برؤوس الناس هناك، يحتاج إلى مئات الخواتم الذهبية، ولربما توافرت بفعل الصدفة، فإنهم سوف يبيعونها، لشراء طعامهم، المفقود على مدار السنة.. تقول.. الذهب، ما هذا المعدن النفيس، المحدق بالكون، المؤلف من مكونات بديعة ومرهفة تشتاق إليه النساء، كما تهفو إليه قلوب الخائفين.. وتستطرد: ربما كانت أمي وسائر الأمهات يفعلن ذلك، لمجرد طرد الوهم، وهن يمارسن هذا الطقس ليس لخديعة، وإنما توارثنه عن الأسلاف من الجدات العجائز المفعمات بتراكم هائل من الأوهام، وما يتبعها من طقوس.. تخلع نعليك بعد أن تصببت قدماك بالعرق المختلط بالطين، تسترخي قليلاً.. تنظر إلى الضخامة العالية لتلك الخيام المتلاصقة، لا ترى التفاصيل، ولكنّ جبلاً رمادياً يبدو لك. أو تلة ترابية، تخطف وميضها أشعة الشمس، وتصير إلى النهائي.. تقول: هل الضعف يصنع الخوف، أم الخوف هو الذي يخلق الضعف؟ وهل الجهل يمارس وعيه الوهمي في كتابة روايات خرافية، تصبح مع الزمن واقعاً، لا فكاك من تأثيره في الناس؟
ثم تضيف: ما يذهلني هذا الترادف في الأقوال، من أن أم الدويس امرأة وليست رجلاً.. فكل الجمائل والوسائل، الباهرة من صنع الرجل، وما عدا ذلك من أشياء تهديدية في الكون فهي من صنع المرأة.. كيف؟
وعندما ينهض الحمار تقول: أنت الوحيد الذي تبدو خالياً من الخوف.. هل لأنك حمار أم لأن الآخرين أكثر منك حمرنة.. تضحك بسخرية، ثم تنظر إلى الخيام تقول: أكل هؤلاء حمير..؟ أمر لا يصدقه العقل، فلا بد في الأمر ما يثير القلق، لا بد أن أبحث جلياً علني أعثر على الحقيقة..
لو تحدثت مع امرأة، وبصراحة متناهية، عن سر النكتة الأزلية، ستسخر، وسوف تدافع عن قضيتها بضراوة الماجدات الفذات.. وسأكون أنا الطرف العدواني، الذي يسبغ السيئات بالنساء كوني رجلاً.. ستمور الأرض من تحت قدمي أي امرأة، عندما يلمس الحديث شغاف كيانها.. إذاً يا ترى من صنع الحكاية.. أرجل ناقم، أم امرأة مازوخية كارهة لذاتها..؟ أم أن كل ما يدور هو حقيقة لا بد من إثباتها بعقل محايد.. تنهض من مكانك، تحاول أن تغادر الظل، تشعر برغبة في الحركة، تريد أن تشرد الجمود، تريد أن تطرد الكسل، تريد أن تمحو صورة الأكواخ من ذهنك التي صارت أشبه بالصدأ العالق في معدن الرأس.. تذهب بعيداً، لم تقطع مسافة طويلة، لكنك تحس بأن الطريق الوعر، يمد لساناً من الصعوبة، ما يجعلك تبتئس من رحلة ليست مظفرة، بالحد المعقول، على الرغم من أنك لم تزر الأكواخ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأن الزيارة كانت زاخرة بالمشاعر والمشاهد المؤسفة، وقد أججت في روحك نيراناً وأحزاناً، وأشجاناً، وأفادك الصبي، بفكرة كنت تبحث عنها، وقال ما قال، من دون أن يدري، وربما أرسل إليك من السماء ليعينك بعض الشيء، على فك الشفرة المعقدة، لكنك مازلت تحوم في الحلقة المفرغة، ولم تصل إلى مربط الحمار الذي تسأل عن نشأته، وتكوينه، والألوان التي يتزخرف بها.. مازلت تفكر في هذا الكائن العظيم، شاغل الناس، عن أم الدويس، ولعلك تحصد ثمار النجاح..
الجبل يبدو قريباً، يطل عليك بهامة بارعة، كالحارس الذي لا ينام.. في هذا الجبل يسكن بشر، مازالوا يحتفلون بأعيادهم، ويقيمون أفراحهم، بالقندورة البيضاء، والمعصم الأحمر الملفوف حول الرأس، حماية له من سيوف الشمس الحادة، ووقاية له من رطوبة الليل المالحة.. وعندما تشهد قامة الجبل، تتجسد أمامك الهيبة، والعظمة، وأشياء أخرى مبهمة، تزلزل كيانك..
وأنت تلملم شال النهار، إذ ينتفض، تقول: هل يستفيق الجبل، بعد نوم أسطوري، وهل تنشأ من العدم أيقونة الحياة، منذ طفولتي، وأنا أحلم بأن أكون مختلفاً، وأن أصبح مثل هذا الجبل، شاهقاً، سامقاً.. ومنذ الطفولة، أعرف أن بين شقوق الجبال تستوطن القطط الجبلية، وكذلك الذئاب والثعالب والنسور.. ماذا تبقى من هذه الكائنات العريقة، عند السفح تبدو الصخور المتراكمة كجماجم فقراء أتعستهم العازة، وكذلك الأنفاق الدهرية، تنفتح كفوهات جهنم، وتبتلع سوارها في الأجواف الغائرة، أود لو أنني أتسلق السلالم الوعرة، وأصل إلى القمة، هناك يهفهف الهواء، وتتنسم الورود الصحراوية، ترسم لوحة زاهية الألوان.. في قديم الزمان، كانت النساء ينطلقن كالغزلان، عند المنعرجات والسكك الحادة، يصلن إلى الأعالي بحثاً عن العسل، وعن عشب الحياة، وعن ماعز تغيبت عن الحضور في حفل الأغنام العائدة، عند الغسق.. كنت ترى النساء بأثوابهن الفضفاضة الشفيفة، والسراويل الطويلة المضغوطة بأزرار معدنية، فوق الكعب بنصف سنتيمتر، يحلبن أثداء المكان، بسيقان مسحولة بالرياضة اليومية، وأرداف منحوتة، تحت الثوب الخفيف، تتدحرج ككرات الثلج المتفاني، وصدور أينعت، فانتصبت، ببراعة، كن ينطلقن من شعاب الوعورة، يذهبن عميقاً في الغضون الجبلية، ويخضن معارك المصير بين التجاعيد، الصلدة، وتبدو أصواتهن من بعيد أناشيد إلهية مفعمة بالرهافة.. ولما تهبط الواحدة منهن من علٍ، تتزحلق بخفة البدن، تنزلق بحمية حب الحياة، تشق الصعوبات بشهيق مغرٍ، ولافت، وعند حضيض الأرض تمضي الأناقة البدوية، محتشدة بالأمل، مملوءة بالفرح، حيث تجيء الحيوانات النبيلة، قافزة نحو صاحباتها، متسلقة عروق البهجة، بنقاء طوية، تقف الأنثى الفارعة مترعة بالابتسامة الأسطورية تمد يداً مناغية أغنامها، باللحن الشجي، وتتقاطر الغنمات، كأطفال فرحين بلعبة الحياة، ثم تمضي الأنثى البدوية، تتبعها كائناتها في خطوات أشبه بالنقش على الحجر، وطرقات أقرب إلى النقر على لوحة رخامية، وترى أخريات، حاطبات، هاويات في الفراغ الوسيع، منتميات إلى الشجر المودع بأعواده اليابسة، ترى الواحدة منهن وقد تعلقت بغصن، ممتشقة عنق الحليب، رافعة قامة بديهية، منسجمة مع زمن الابتهال، عند شجر بلا ورق.. تسمع الخشخشة، تسمع الأنفاس المترددة، كأنها النسيم المتسرب من بين وريقات حالمة بالوجود، والراية التاريخية تجاور الأنثى المتشكلة من قطع أعواد الحياة، لتحملها على ظهرها، عائدة إلى المأوى بزاد ومراد..
في الجانب الآخر، تلمح عيناك رجلاً بدوياً، يستحلب الأرض، ويهز جذع الفراغ، بحثاً عن قوت الأبناء الضالعين تحت السقف الطيني.. تراه راجلاً، أم ممتطياً ظهر بعيره، سابحاً في الملكوت الكوني، دائراً في الأفلاك البعيدة، طارحاً أسئلته الوجودية بإصرار وحسم.. الأرض الجبلية تزرع التين والرمان والليمون، وتزرع قمح الحياة، فلم تزل آثار «الوعوب» باقية ومتناثرة، في أماكن مختلفة، لم تزل القنوات تحفر حروفها في ذاكرة التراب الطيني، تغيرت أشياء وبقيت أشياء.. في بطون الجبل، تجد المنازل الطينية، ترصد الدورة الدموية للكون، وترقب عن كثب حركة القمر وهو يدور حول الأرض، حتى إن آثار أقدام لم تزل مغروسة في باطن الطين الصلد، والمسقوف بأعواد السعف، وأعمدة الجذوع، ربما تصبح الآن خاوية لأن موسم الهجرة التاريخي استبد وأباد، وأحكم قبضة حديدية على الإرادة التي ترهلت في فورة الانصياع الكلي، لتيار جديد، جرف الطين والعجين وصعد في اتجاه الهاوية.. يرصدك الفراغ، ويطارد خطواتك الدهشة، الاتساع المريع.. فعلاً.. تقول.. أشعر بالرهبة وأنا أقف عارياً من قوتي الذهنية، أشعر بأن العالم استدار مرات عدة، دورات حامية، حتى داخت الأرض، وأسقطت جل القوانين الطبيعية من سجلها، وذهب الإنسان، ذهب يبحث عن شيء ربما يكون وهمياً، ربما يكون سراباً، وقد يكون شيئاً لكنه أضخم من أن تمسكه يد الإنسان، وأعظم من تلمسه حواسه. فتسربت الأشياء خفية، اختفت وبقي الإنسان وحيداً، خاوياً، تزول من تحت قدميه الأعشاب وبعضها يجف ويقسو، ويصبح إبراً مسننة، تجرحه، فيصرخ، لكنه يصرخ في الفراغ، ينسج خيوط عشقه في السر. في الديجور الحالك. قد تقول إنها قوى شريرة، اختطفت العقل، فانهار الحلم، واستيقظ وهم جلي عملاق، أضفى جناحين ظليلين، ما أدى إلى عمى البصر والبصيرة.. تقف عند الحافة، تنظر إلى الأفق البعيد، تشهق، تقول كم من التضاريس انتحرت تحت قدمي، وأنا أفترس الحصى، كأنثى الليل البهيم.. كم من المسافة اختزلت، وكم من الأنفاس رددت، وكم من الأفكار دارت في هذا الرأس، وأنا أخب كجمل مطارد.. تشعر بالتعب، وتشعر بالدوار، تستريح على ظهر صخرة، تتملى التفاصيل المملة، تقول: الذكريات مريرة، عندما تقفز إلى الذهن، وتفتح صفحات مجها الوقت، وصارت جزءاً من التاريخ الذي لا يمكن أن يلتفت إليه التاريخ.. التاريخ وحده الذي يطوي صفحة ويفتح أخرى، بناء على أوامر عليا، ومراسيم بشرية، تجري بين ساعة وحين.. تقول: عروق الجبل كعروق الإنسان، عندما تجف من السائل السحري، يبدو الجبل مكفهراً، ذابلاً، متعجرفاً، تحاول أن تستنطق صخوره اللابثة كالجحيم النائم، ولا جدوى، فتخمد نيرانك، ولا تجد من المنطق أن تستجدي العدم، بل إن من العبث ألا تصمت حين تتجمد ألسنة الوجود.. تشعل السيجارة، تنفث الدخان، تأخذ أنفاساً عميقة، يختلط الدخان بنسيم الجبل، تشعر بنشوة الانتماء إلى الفطرة.. تحتمي بجزء محدد من صخرة عظيمة، تمنع عنك لسعات الشمس المتلاشية.. تحتمي بالنشيد الأزلي وأنت تدعك عينيك المغبشتين ببعض الغبار المتجمع قذى عن حافة الجفون..
سأعود لاحقاً، سأبحث عن السطوة الجهنمية، سأقوم بإجراء مقابلات مع شياطين الإنس.. هذا الجبل، يبدو أنه يتحرك، أو أن قوة ما رهيبة بدأت تأكل أطرافه وجوانبه، حتى صارت بعض جهاته حفراً عميقة، عندما تنظر إلى الحفرة الواحدة، تفكر أن زلزالاً رهيباً ضرب المنطقة، فاهتزت أرض الجبل، فانحفر هذا الجحيم.. لا أدري ماذا تبحث هذه القوى الشريرة في أعماق الصخور الصلدة، ربما تكون تبحث عن أسطورة أو أحفورة اختفت منذ زمن، تريد أن تعثر عليها.. أو ربما أن هناك سراً خفياً لا يعلمه إلا أصحاب القلوب الملتبسة.. تستأنف حديثك عن الأشرار الذين يلحقون بالجبل الضرر الشنيع، وتقول: هذا الجبل الذي ظل على مدى القرون مهيباً، أصبح الآن عرضة للنهش حتى صارت عظامه المنخورة بالآلات الحادة تنضح بالرميم، وتضج بالأنين، وعندما تفتح عينيك تنظر إلى الأعلى ترى دخاناً كثيفاً، وترى صخباً وزمجرة، وهديراً وزعيقاً، وأشخاصاً يتسلقون الفراغ، ويشكلون أوهامهم، لوحات زائفة وفاشلة..
تلتقي رجلاً، أشيب، كث اللحية، مفتول الشوارب، ينظر إليك بعينين متوجستين، كعادة البدو، لا يألفون الغريب، للوهلة الأولى، يقترب منك، ويده على الزناد، تختض أنت على الرغم من معرفتك أنهم لا يعتدون على المسالمين الآمنين، ولكن، ربما مشهد البندقية، هيأ في نفسك حالة وجدانية خاصة.. وقفت.. يقول لك بلهجة حادة، مبحوحة بصوت جهور.. من أنت؟
تقول: أنا عابر سبيل..
وماذا تفعل هنا في هذه الساعة المتأخرة من النهار..
تقول: جئت أسأل أهل الجبل عن أم الدويس..
يرد بلهجة جادة: أم الدويس؟
تقول: أجل..
يقول: وما شأنك أنت بها..
تقول: لمجرد المعرفة..
يرفع حاجبيه، يشيعك بنظرة جازمة.. لمجرد المعرفة، وتجازف بوقتك، وجهدك..
تقول: لقد شغلتني كثيراً، وأردت أن أعرف سر هذه المرأة..
يقول دهشاً: وكيف عرفت أنها امرأة..
تقول: كل الذين وصفوا هيئتها، يصرون على أنها امرأة وليست رجلاً..
يجنبك الخوف من البندقية، يركنها جانباً، ويجلس قبالتك.. يقول: الذين وصفوها ماذا قالوا عن شكلها؟
تقول: قالوا إنها امرأة عملاقة، لها ذراعان عظيمتان وعينان واسعتان حمراوان، وفي يدها تحمل فأساً كبيرة..
ويسألك: وماذا قالوا أيضاً..؟
تقول: قالوا إنها عدوانية، وتكره الرجال والنساء، وتقتل كل من تقابله..
يحدجك.. يفرك لحيته، يتفرس في وجهك.. يقول: إذاً أنت تعرف عنها كل شيء، فماذا تريد أكثر..؟
تقول: أريد أن أعرف كنهها.. أريد أن أتقصى حقيقتها..
يقول: ولو رأيتها هل تستطيع مجابهتها..؟
ترتعد.. تقول: لا أعتقد أنني رجل خارق، حتى أفعل ما عجز عن فعله كل الناس، على مدى تاريخ طويل..
يقول ضاحكاً: وكيف تبحث عن شيء أنت لا تستطيع مواجهته..؟ كيف ستتقصى إذاً حقيقتها وأنت ترتعب من رؤيتها..؟
تقول: أريد أن أدرس تاريخها ولا يهمني أن أرى جسدها..
ينهمك البدوي، في العبث بلحيته، وينظر إلى البعيد، ثم يلتفت ناحيتك: وماذا يهمك تاريخها حتى تبذل كل هذا الجهد..؟
تقول: أريد أن أعرف لماذا يخاف الناس منها.. ولماذا هي امرأة وليست رجلاً..؟
يقول: إن كانت امرأة أم رجل.. ما الفرق؟
تقول: لا.. بل الفرق شاسع..
كيف في حيرة.. كيف؟
تقول: كونها امرأة فلها دلالة مختلفة عن كونها رجلاً..
يتفرس البدوي في وجهك.. ينظر بإمعان.. يقول: نحن منذ أن نشأنا ونعرف أن أم الدويس امرأة، وأنها امرأة باطشة، كارهة للبشر..
تقول: هل رأيتها؟
يقفز.. أعوذ بالله.. لا لم أرها..
تقول: وهل تخاف منها..؟
يقول: ومن لا يخاف من شيطان أو شيطانة؟
تقول: وكيف عرفت أنها شيطانة؟
يقول: وماذا ستكون إذاً.. ناقة مثلاً..؟
تغرد عصافير السخط داخلك، وتقول: مادمت لم تراها، فكيف أيقنت أنها امرأة؟
يقول: قالوا لي كذلك، وهذا أمر لا يشغلني كثيراً..
تقول: لكنك تخاف منها..؟
يقول: بطبيعة الحال.. وهذا أمر لا يحتاج إلى جدال.
تقول: لماذا تخاف حتى من الأشياء التي لا تشغلنا؟
يقول: لأنها مخيفة..
تقول: أنت لم تستطع إقناعي..
يقول: ومن قال إنني جئت لإقناعك.. فهذا شأنك..؟
تقول: ألم تفكر في يوم، لماذا يخاف الناس من أم الدويس، على الرغم من أنهم لم يروها..؟
يقول: بل بعضهم قال إنه رآها..
تقول: وكيف يثبت لنا ذلك..؟
يقول: هل أنت تشكو من ألم ما؟
تقول: لماذا؟
يقول؟ هذه الأسئلة لا يطرحها إلا إنسان لديه مشكلة..
تقول: أجل.. لديّ مشكلة..
يقول: ما هي؟
تقول: الخوف من أم الدويس..
يقول: وأين المشكلة؟
تقول: الخوف..
يهز رأسه.. يقول: لقد حيرتني يا رجل.. أسألك، وتجيب بالسؤال نفسه..
تقول: لأنك لم تفهمني..
يقول: كيف؟
تقول: لأنك لا تريد أن تفهمني.. فعندما تقول إن الأمر لا يشغلك فهذا بدا لي أنك لست على استعداد أن تتعاطى معي في هذا الموضوع..
يقول، مرتبكاً: وأي موضوع؟
تقول: الخوف من أم الدويس..
يقول محتداً: قلت لك، لأنها مخيفة..
تقول: كيف تكون مخيفة وأنت لم ترها؟
يقول: الآخرون رأوها..
تقول: هذا لا يعني أن ما يرونه صحيح..
يصمت البدوي.. يتأفف.. يحاول أن ينهض.. تجذبه من يده، تقول: لم تجبني.. أريد مساعدتك..
يقول متذمراً: لا أستطيع مساعدتك في هذا الأمر..
تقول: كيف.. ألم تقل إنك تعرف أم الدويس..؟
يقول: كما يعرفه غيري، ولا أعرف أزيد من ذلك..
تقول: أريد مصارحتك..
يقول: مَن..؟
تقول: أكنت خائفاً مني في بداية الأمر..؟
يتلعثم.. يقول: ليس بالضبط كذلك، ولكن كنت حذراً..
تقول: ولماذا الحذر..؟
يقول: لأنك شخص مجهول بالنسبة إليّ..
تقول: إذاً أنت تخاف من المجهول..
يقول: بطبيعة الحال، فالذي لا يعرفك، لا يأتمنك..
تقول: إذاً أم الدويس، لأنها مجهولة الهوية، فهي مخيفة..
يهز رأسه.. يقول: قد تكون كذلك، لكنها تبقى أمراً مخيفاً..
تقول: المجهول، أليس من المعقول، أن يكون مجرد خرافة..؟
يقول: قد يكون كذلك..
تقول: الخرافة، قصة يصنعها الناس.. فلماذا يخافونها..؟
يقول: لغرض في نفوسهم..
تقول: قلت لغرض في أنفسهم.. أليس كذلك..؟
يقول: أجل قلت..
تقول: إذاً فقيل عن أم الدويس، إنها امرأة، لغاية في نفوسهم..
يقول: مستسلماً لحديثك.. ولم لا..؟
تقول: إذاً القصة قد لا تكون حقيقة..
يقول: وقد تكون..
تقول: إذاً أم الدويس تحمل احتمالين.. أن تكون حقيقة.. أو لا تكون..
يقول: وهو يزم شفتيه.. ولم لا..؟
تضع يدك على كتفه.. تقول: مادام في الأمر غموض، والتباس، إذاً يستحق البحث والتقصي عن الحقيقة..
ينهض البدوي هذه المرة، باتاً في أمره.. يقول بلهجة سائمة: ابحث أنت، فأنا لديّ أشياء أخرى، أريد أن أبحث عنها..
ترفع بصرك، في وجهه، تقول برماً: عماذا تبحث؟
يقول: عن قوت يومي.
تقول: ألا تخشى من مباغتة أم الدويس لك؟
يقول: إنها لا تخرج نهاراً..
تقول: وتخشاها ليلاً..؟
يقول: أجل.



تلاشى ضوء النهار الأخير، وعلى الجبل اكتست القمم باللون الداكن، واحتشدت الوحشة، متراكمة في المساحات الشاسعة، أنت وحدك وقد خلفك البدوي وراء ظهره، حين قال: لديّ ما أبحث عنه.. بينما أنت في هذا المكان، تلتقط خيوط الظلام، القادمة من الجهات الأربع، المتأنية في بسط نفوذ الحلكة، وكأنها تتربص بكائن ما، تريد أن تقتنصه.. البدو لا يجوبون الجبل في جنح الظلام، يعودون أدراجهم إلى ملاذاتهم، بعد قضاء يوم حاسم، في البحث عن أحلام الأجواف الغائرة.. أشعلت سيجارتك التي أضاءت وجهك الحاضر بالعتمة، واستنارت مساحة صغيرة من حولك، أحسست بالألفة والدخان يختلط في الظلام، ويضيع في مجهول الهوة الواسعة. تختلس الأصوات المتناغمة، المنبعثة فراغ الجبل، ومن وهاده وشعابه، ووعورته المحتدمة.. تشعر بشيء من التوجس، لكنك تستعين بالإرادة.. إرادتك التي بدأت تقوى كلما مضى العمر باتجاه النضج، متأكد من أن المكان لم يعد مهجوراً البتة هناك في القريب، تبدو أضواء النيون، تتلألأ فاضحة السواد وكذلك بعض الأصوات التي تتسلل عبر السديم، مختالة كأنها ترانيم ليلية، تتلوها الطبيعة لأجل مؤانسة القاطنين في المكان القديم.. تحترس جيداً من الدواب، فكلما عنّ على الليل أن يضيف إلى سواده، رطوبة المكان المختنق بالصخور، تتسرب الحشرات والكائنات العدوانية، كالأفاعي والعقارب، من بين الشقوق، تتلوى بخيلاء الإرادات الباطشة، ولكن عينيك تتدحرجان، ككرتين صغيرتين، في المحجرين تتربصان بأي عدو غاشم قد يلسعك أو يلدغك، أو يضربك الضربة القاصمة.. تقول: من يجاور الجبل يجب أن يصمد كصموده، وأن يتجلد بالصبر كصبره، وأن يتصلب كصلابة صخوره.. الجبل لا يخاف من غدر الزمن رغم الأحافير التي نهشت جسده، وكذلك أنا يجب أن أهزم هذا الخوف ويجب أن أدركه مهما بلغ من صعوبة الوصول إليه..
على الجانب الآخر انطلقت، أخذت طريقاً جانبياً، وعلى سماع صوت الطبول التي كانت تخترق الخلاء، وتصلك كأنها النداء الداخلي حين يجلجل مستفيقاً من سكون قديم.. تمشيت، تحملك الخطوات وكأنك تسير على جناحي عصفور.. طائر، يتمخض الرنين الدفاق، شيئاً فشيئاً عن نصوع وعي اللاشعور المختزن لذكريات وأحداث عاطفية.. تقول: إن لترنيمة الطبول موسيقى داخلية، استوطنت الوجدان، حتى بدت كمارد ينهض من سبات ينفض عن جسده غبار ما تراكم من أزمنة قديمة.. في باحة واسعة، على فراش رملي عار، توقفت هناك بعض البيوت، التي أنشئت حديثاً، مضاءة بالنيون، ومزخرفة بألوان زاهية لم تخرج عن مزاج البدوي المذهل، شباب من البدو أحفاد وآباء وأجداد وأسلاف وأقارب، يرقصون على صوت الطبول الشجية، وكانت رقصاتهم أشبه بمبارزة المقاتلين الأفذاذ وهم يتقابلون وجهاً لوجه، ويقذفون بالسيوف التي لمعت مع تلاحمها، بأضواء المصابيح اليافعة، الراقصون يدورون حول بعضهم، متحلقين في دائرة، قطرها لا يزيد على ثلاثة أمتار، في غزل إيقاعي مهيب، وشاب بدوي، يرفل بملابس الفرح، وينفح برائحة الطيب، عطر دهن العود والبخور الهندي ذات النكهة المجللة بتواريخ الإنسان البدوي الأصيل، الشاب العريس الذي ارتدى القندورة البيضاء والغترة والعقال ثم تلفح بالعباءة ذات اللون النحاسي، الهياب، مستمتعاً بمساء بهيج ومهيمناً على المكان برزانة الأفذاذ المتأهبين لخوض معركة الليالي، الساخنة.. وصوت الطبل يرن، بشقاوة الوجدان، الحالم، المكتسب جمالية الوجوه المشرقة بألوان الفرح.. والدائرة الشبابية، تلتحم شيئاً وتفك عقالها شيئاً، والرقص التلقائي يمتزج بخطوات حذرة وواعدة، كما أنه مشهد من مشاهد شجار المحبين، وبعد مضي فترة، صمت الطبل، وهمد الرقص وراح كل من الراقصين ينشف عرقه، ويشرب الشاي، ثم انثال الجميع في اتجاه العريس، مهنئين مباركين بأنفاس لاهثة، ووجوه متقدة، وعيون تلمع، بشعاع الفرح، والأصوات تتعالى بين المتجاذبين لأطرافها، والمتحاورين، والمتجادلين، ثم انصرف الجميع في اتجاه الأواني المعدنية، التي زخرفت وملئت أحشاؤها، بالأرز البسمتي، ولحم الضأن المحشو بالزبيب، والحمص، وحبات الهيل، والقرفة، ومع الدخان المتطاير من الطعام الشهي، فاحت الروائح الزكية، وانهمر الرجال متدفقين، في نهم، يقذفون اللقم، بحجم كف اليد الواحدة، ويرشقون العظام المسلوخة من لحمها وشحمها، منسجمين في التحام ممزوج بالحبور، ونيران الطبول لم تزل متوقدة، والحرارة تنفث من أجواف المواقد، وأنت تقول الحمد لله، أن الطقس قد بدأ ينحني للبرودة قليلاً، وإلا تكون أجساد الشباب المنهمكين في حركات عشوائية وفوضوية تعبر عن مساحة الفرح التي غطتها صورهم ستسبح في النيران. تقول إنك جئت متأخراً قليلاً، فالعادة أن الأفراح تبدأ منذ صلاة العصر لتنتهي قبل صلاة العشاء، بعدها يتم الاستعداد لزف العريس على عروسته، وذلك في الساعة الحادية عشرة تقريباً، ثم ينفض الجميع، ليبقى العريس في حضرة شريكة الحياة المستقبلية.. تقول، إنك بعد تفرق الجميع، شعرت بانقباض، داهمك شعور سوداوي لا تدري أين مصدره، لكنك وجدت نفسك هكذا، في قبضة مشاعر قابضة، بقيت كأنك البعيد المجروح، تتفرس في المكان، وتنظر إلى الطبول التي تركها أصحابها، إلى بعد حين، بعينين دامعتين، وقلب منقبض، ووجه جاهم.. كان عند ظل جدار انكفأ رجل كهل، لف رأسه بمعصم أحمر اللون، وتكور مقرفصاً ساقين أشبه بعودين يابسين، وبرزت عظام وجهه الشاحب، كان ينظر وكان يتأمل أو ربما يتذكر أياماً وأحداثاً، مرت ربما ولجت ذاكرته، تفاصيل دقيقة من أيام الصغر، وددت لو أنك تعرف ما يجول في رأسه، لكنك لم تكن بذاك الفضول الذي يقتحم على الآخرين وحدتهم واكتفيت بتأمل وجهه ونظراته عن بعد، وعينيك الدامعتين، لم تزل تهتف بحنين تاريخي، تقول إنك من أيام طفولتك كنت تهفو إلى سماع رنين الطبل، كنت تقطع المسافات الطويلة لأجل الوصول إلى مكان، تدق فيه الطارات والطبول، والدفوف. لكنك أيضاً كنت تصل إلى هذه الأمكنة، وقلبك يرف كجناح طائر مكلوم، تلبث هكذا ولا تفارق المكان حتى ينفض الجمع، ويغادر كل إلى مأواه، ثم تعود إلى منزلك، مأخوذاً بأحزان مضنية، مستلباً إلى درجة الفقدان المريع.. لم تكن تبحث عن سر هذا الحزن، لم تكن تبالي بسببه بقدر ما كنت تعيشه، وتعاصر محنة في صدرك المخدوش بأنياب حادة، تعود إلى بيتك، وتنعزل في مكان لا تصل إليك أعين الأهل، وتنكفئ منتحباً، ذارفاً الدموع بغزارة، ولا يخلو صدرك من أشعة إلا بعد مرور فترة زمنية كافية، تشعر بعدها بالحنين إلى زيارة أحد المقربين من أصدقائك، وكان الوحيد الذي ينفحك بمشاعره الدافئة.. أبو سيف.. تقول: عندما كنت وسط الصخب الهائل، تذكرت أبو سيف، وانثالت الأفكار كالقيح تنزف من رأسك، وأنت تتابع مشهد الشباب الراقصين، أيقنت أن الفرح رديف الحزن، كلاهما يأكل من شحم الآخر، ولا تنتصر بعد ذلك إلا الإرادة، هؤلاء البدو يقارعون الحزن بالأفراح المتتالية، وكم كان مشهد قارع الطبل، وهو ينكب بانفعال جم، ضارباً جلد الطبل بكل عنفوان، وحماس، نازاً من عرق الجسد ما يغسل الأدران الداخلية.. تقول إنك كنت على وشك الدخول في حلقة الرقص، كان دافعاً قوياً يشدك إلى اختزال الزمن، والولوج مع الآخرين، لتطرد شيطان الخجل، لكنك في اللحظة الأخيرة تهاونت ومنعك فضولك من التمادي، واكتفيت بالتفرج، منسحباً بلا خسائر..
هدأ المكان، وبدت الساحة، التي كانت محل صخب وهدير، كساحة القتال، التي انفض عنها الاشتباك، واستراحت الأرض، الخاوية من رفس الأقدام المتصارعة من أجل إشعال فتيل الفرح، وبقيت وحدك، والظلام يغسل رداء الكون، بمسحوقه الأسود الغامق، وصرت تنشف دموعك، بطرف المعصم، وتمسح قطرات العرق عن محياك الرطب.. تقول إنك أردت أن تعود أدراجك إلى المكان نفسه، إلى حيث تربض الأكواخ، وحيث يلهث الفقراء هناك، وهم يلونون «فقدانهم» بأضواء الفوانيس، بفتائلها المتراقصة، مع حبات الريح الضئيلة..
من هذا السواد الأعظم، يخرج الخوف المهيب، مهيمناً، مستوطناً أرض الحثالات، والعدمية الساحقة.. من هذا المكان، يتجلى المارد، حاصداً الأرواح، ماحقاً الأجساد قديماً في كسر النفوس، عن بكرة أبيها.. ولجت، خضت في الرذيلة المتفاقمة، صعدت تلال الهموم، والاحتقانات المتلاحمة، كالأجل المحتوم، وجدت نفسك تهيم بلا هوى، تضيع في الظلمات، والأشباح تسومك عذاباً وامتهاناً، وانتكاساً، تخسر وعيك وأنت تغيب في العتمة، وتتجسد كائناً هشاً، زائفاً من رعونة المكان، واضمحلال الشخوص المختبئة تحت السقوف المهترئة.. تبحث عن نفسك، تسأل عن أشياء الناس الذين لا شيء لهم، غير أمنياتهم المبتورة، ورؤوسهم المخفضة، في انتظار ولي من أولياء الله الصالحين يمد يده السخية، ليطعم الصغار الذين لا طعام لهم غير الشحذ من الفراغ، والشكوى للسراب.. غصت وحيداً مرتجفاً، راعفاً بالأنين الداخلي، تقتصر المسافة بخطوات متسارعة أحياناً خشية من العثرات، وتتباطأ في أحيان أخرى، لتتملى العيون المحملقة في شخصك الغريب، لكنك لا تنبس ببنت شفة، بل إن شفتيك الناشفتين، كمن يحتضر، تحرسان لسانك العالق في حلقك المر، بعض الأطفال يلهون بقطة نافقة، يسحبونها من ذيلها، ويرشقونها بالحصى، ويهيلون عليها التراب، عنف طفولي، مزرٍ وعدوانية مريرة، تشيخ لها الولدان، تسمع صراخ الصغار، تصم أذنيك وأنت المتأذي من هذا الموت المجاني. تفكر في الأيدي الصغيرة، وهي تتلقف الحصى، وترشقه على الجسد النافق، الهامد، وتسمع الضحكات.. لا خوف هنا من الموت وهذا ما يصعقك، الموت رديف العدم، الموت صنو الذين اختبأوا تحت سقوف الشقاء، وناموا على فراش النهايات القصوى، وبؤس الأحلام.. رجل يخرج من فوهة كوخ، ينادي صغيره فلا يسمع صدى لندائه، يخرج حانقاً، يتناول الصغير من ذراعه، يلكمه على وجهه، ينهال عليه ضرباً، صفعاً ولكماً، ورفساً، لمحت الدم ينزف من فم الصغير، متسخاً بالطين، الدم الرمادي، يسيل على وجه الصغير، مختلطاً بنحيبه، وعجزه.. ثم صمت رهيب.. تصل إلى منتصف المخيم، شجار عنيف تحت سقف من السقوف، امرأة تصرخ محتجة، ثم تصمت.. يسود سكون، يصرخ داخلك، قائلاً: هنا، تنصب مذبحة الأشقياء.. تقول: السواد حليف الخوف.. الخوف صانع الوهم، أم الدويس ليست صناعة حديثة العهد، بل هي منتج قديم قدم الدهر، أيضاً في تلك الأمكنة كانت خيام منصوبة على أعمدة، من جذوع النخل، وكان الظلام أيضاً، يباغت الأرواح، يقرعها بضجيج مرعب، يختزل الأعمار، وينتصر لخوفه المريع. نشأت أم الدويس على أثر السوداء، والقهر والظلم.. تفشي سرك لنفسك، تقول لماذا التعب، يكفي كل هذا السواد لتتجلى العملاقة الشهيرة من أكفان الأحياء المدثرين بخوفهم، وضعفهم، وموتهم السريري..
تصل الآن إلى نهاية المخيم في الطرف المقابل، طرق وعرة، تؤدي إلى الطريق العام.. النهاية القصوى للخوف، الذروة الأعلى للفقر المدقع.. تمد خطواتك مكتفياً بالحزن، متحاشياً المرور في الأدغال الموحشة، تقول، لا بد أن أفرد جناح الرحمة على هذا القلب، فقد زججته في الكون السفلي، في العالم الماورائي، حتى تفحمت شرايينه، تصل عند مساحة الضوء الخافت، تحت أعمدة النور المتلاحقة، مربوطة بأسلاك معدنية، هي مصدر التيار الكهربائي.. بعض الأسلاك تبدو كحبال قديمة، وبعضها انسلخ جلده كعظام كلب أجرب، وبعضها فعلاً تحلل من رباطه، متدلياً على الأرض، متربصاً بالحيوانات الضالة، والغافلين من البشر، أرواح زهقت بسبب هذا الفقر، وشح المعرفة بمصائر من يلحق بهم الأذى.. زحفت ماشياً بتؤدة رابط الجأش، متأبطاً أحلامك، متشرذماً بين شراك الإرادة المخذولة.. تبنيت الشارع العام جيداً، تمليت الأسفلت المرقع بالحفر، والشروخ والأخاديد والغضون، وما فعلته السنون العجاف، والرؤوس الحافية من الذمم.. تحريت طريقك باحتراس، ومشيت الهوينى، متوكئاً على رغبتك في الوصول سالماً، معافى من غي المسافات الوعرة، وسواد الأمكنة المقفرة.. قرعت طبول اللهفة، اشتقت لبيتك تباعدت خطواتك وأنت تجوس تحت جنح الظلال والأضواء الخافتة..



بعد انقضاء قرن من الزمن، وعزلة هذه القرية وقسوة الطبيعة من حولها، وشراسة البشر الذين تداولوا على سكنى هذا المنزل، الأسطوري الكبير، تصير جدرانه المتهالكة، والتي خلعت أصباغها البيضاء، تحت سطوة الشمس الحارقة، والإهمال البشري، وعتو الزمن، قبواً دافئاً للجرذان والفئران، والحشرات والدواب، وموطناً للظلام، وملاذاً للقصص والخرافات التي امتلأت صيتاً على مدار السنوات الماضية..
بيت السركال، هكذا وصل إلى مسمعك، منذ أن نشأت وفتحت عينيك على الحياة، لكنه في الحقيقة كان موطناً لأكثر من عائلة، ومسمى لأكثر من شخص، ثم آل أخيراً لملكية آل مالك.. الأسرة العريقة، وأعداد أفرادها الذين انبعثوا هنا وتناسلوا، ثم بعد التغيير الذي فاجأ القرية، العزلاء، ذهبت الرياح بآل مالك إلى منافٍ جديدة على جغرافية الأرض الواسعة.. بقي المنزل الأثري وحيداً في وجه العاصفة الزمنية، بقي تؤمه كائنات هلامية، عفوية وغريبة وعجيبة.. بشر توافدوا على سكنى هذا البيت، عاشوا فيه سنوات عمرهم، تضاجعوا وتناسلوا ثم اختفوا. بقيت الجدران صامدة، تمد لسانها في الرطوبة العاتية، وتتوسد الفراغ، متعرية من أي شكل من أشكال الحداثة التي هاجمت الأمكنة بلا هوادة.. يقال إن السركال كان رجلاً مشهوراً، وعلاقاته الاجتماعية والسياسية ملأت جدران الفضاء، ولما هاجر إلى دبي بقيت جدران البيت فارغة، حتى تداولت عليها الوحشة.. تقول إن أمك كانت تحكي لك قصة هذا البيت وعلاقته بالجن.. كانت تسرد القصص، وتتعوذ من الشيطان وتبسمل، محتشدة بزخم من المخاوف، وكنت تنام في حضنها مخضوضاً، مروعاً، وأحياناً تتشبث بثوبها خوفاً من أن يختطفك جني أهوج، ويأخذك عن حضن أمك، بينما أمك تأخذك بلهفة تهدهدك تربت على جسدك، وتطوق جسدك الصغير بذراعيها، حتى يسكن روعك، ثم تستأنف قصتها.. تقول إنها حكت لك عن جنية عجوز، كانت تخرج في المساء بعد مغيب الشمس، وتجلس في وسط الفناء الرملي الواسع، وتمشط شعرها الطويل الأسود الفاحم، بمشط ضخم، كي تتناول آخر خصلة من شعرها المتدلي تحت الردفين.. وتقول إن أمك ذكرت لك أن الجنية، على الرغم من شيخوختها إلا أنها كانت توصف بجمال فذ، ومحيا يشع ببياض ناصع حتى إن الناس الذين كانوا يتلصصون عليها من خلال ثقوب الجدران، كانوا يرون وجهها، المشع، من خلال الظلام الدامس، لكنها أيضاً كانت مسالمة، بل وكانت تبتسم ابتسامات شفافة للصغار، الذين كانوا يرقبون حركاتها، وهم منضوون تحت أجنحة ذويهم. وتقول إن أمك حكت لك أنها لم ترَ وجه هذه الجنية قط، لأنها لا تثق بالجن مهما بدوا مسالمين، ولا بكلام الناس عنها، بأنها امرأة وديعة، لكنها تسرد لك القصة حسب ما جاء على لسان من شاهدوها.. وتقول إن أمك كانت تصور لك الجنية، وكأنها رأتها، حيث كانت تتوغل في التفاصيل، وفي مرة ذكرت لك أن هذه الجنية عشقت رجلاً من القرية، واستهامت به، وتولعت حتى أنها لما يئست من الحظي به، توحشت، وصارت تلوب في أزقة القرية، وتجهش بالبكاء عند باب بيته، وقد يئس الرجل من إثنائها عن هذه الرغبة، فاضطر أن يلجأ إلى أحد المطاوعة، الذي نصحه بأن يقرأ القرآن، وأن يضع حرزاً في زنده تحميه من مغبة عدوان الجنية في ما لو يئست وفكرت في مهاجمته.. وبالفعل مارس الرجل جل الطقوس التي أمر بها المطوع، لكنها لم تشفع له، وفي يوم من الأيام، شوهد الرجل، يحلق في الفضاء، على ظهر كائن ضخم أسود سواد الليل، وبعد أن اختفى عن الأنظار، بحثت عنه أسرته، زوجته وأولاده، لكنهم لم يعثروا له على أثر، وذهبوا إلى المطوع نفسه، ليستفهموا منه عن سر اختفاء الرجل، فلم يعثر على وسيلة أو سبب غير أنه أرجع الأمر إلى الجنية، متهماً الرجل أنه لم يتبع التعليمات بحذافيرها، وقال لهم، إن هذا جزاء من يرفض تنفيذ ما آمره به.. احتار الأهل واحتار الناس جميعاً، وظل البحث جارياً عن الرجل، وفي يوم من الأيام، شوهد الرجل، يسير على الشاطئ، وقد ارتدى ملابس مرقعة، متسخة بالطين والغبار، ووجهه كث بلحية طويلة بيضاء، والتجاعيد ملأت سحنته الكالحة.. ولما رجعوا إلى المطوع، متسائلين عن أحوال الرجل التي تبدلت، قال هذا حال من يرفض اتباع التعليمات، ثم طلبوا منه أن يستعيد الرجل وأن يهون من أحواله، أن يردعه، عن أفعال الجنون، قال.. لا جدوى.. وقد حاولت الأسرة أن تفعل ما في وسعها، لكي تعيد الرجل إلى بيته، إلى سابق عهده، إلا أنه رفض وكان يهذي بكلمات غير مفهومة، ويبدي حركات عشوائية، غريبة، ما أشاع الخبر عن جنونه..
وتضيف.. أن أمك، قالت لك: إن الرجل الممسوس شوهد في مرة يجلس على الشاطئ وبيده سمكة، نافقة، كان يقطعها بأسنانه إرباً، ويمزق أحشاءها ويستخرج المصارين، يمضغها كما يمضغ اللبان، ويلعق الدم، ويضحك ضحكات هستيرية مريبة، ما أيأس ذويه من شفائه، فترك هكذا هائماً على وجهه، ضائعاً، تائهاً حتى قضى نحبه، حيث عثر عليه في يوم، وقد نام نومته الأخيرة، تحت جدار بيت السركال.. وعلى الرغم من حزن، أهله على فراقه، إلا أنهم استراحوا من لعنة الضمير وهم يرون الرجل، الرزين الشهم، يقع فريسة لعاشقة مهووسة، باختطاف أروع رجال القرية..
تقول.. إنك كنت تشعر بالبؤس، وأنت تصغي بإمعان إلى حديث أمك، التي كانت تلفظ الكلمات بانفعال بالغ، وتلعن الجن، وتقول إنها كانت تحذر الآخرين من الاقتراب من بيت الجنية، على الرغم من إطراء الآخرين ونعتها بالوداعة والسكينة..
تقول الآن، وأنت تقف مقابل هذا البيت، تستدعي الصورة، وتعيد شريط الذاكرة، من جديد، وبالفعل فإنك ترى الجنية كما وصفتها أمك، وترى الرجل المسلوب وقد وقعت الجنية في غرامه، وتراه وهو يتشرد على الشطآن، وبين الأزقة، ضائعاً، متهالكاً، متفانياً من أجل إرضاء الجنية.. تنظر إلى القبة العالية، بأعمدتها الطينية، والسقف المسقوف من سعف النخل وجذوع شجر الساج.. هذه القبة الهوائية العريقة كانت تستخدم كمكيف هوائي، في الصيف، أما في الشتاء، فيترك خاوياً، ليأوى سكان المنزل في الحجرات السفلية، الدافئة.. تقترب من الباب الخشبي المهشم، وقد تخلعت ضلوعه، وصارت أشلاء.. تنظر من خلال الشقوق والحفر في الباب إلى جوف المنزل، الفناء لم يزل كما هو فسيح، تتراكم فيه الرمال الصفراء، مختلطة بالفضلات وبقايا ما تلفظه البيوت المجاورة، وبعض مخلفات ألعاب أطفال، وإطارات سيارات تالفة.. تقول، في هذا الفناء، كان يسكن الخوف، ذهب الخائفون، لكن الخوف لم يفنَ، وقد يكون ذهب وراءهم، ملاحقاً أفئدتهم، وقد يكونون استبدلوه بخوف آخر، المهم في الأمر، أن يظلوا خائفين.. فكرت أن تدخل، حاولت أن تلج، أدخلت قدماً، ثم تقهقرت، تذكرت كلام أمك فنأيت بنفسك، تأففت من المداهم الغريب، الذي يهاجمك على حين غرة، يطاردك من حيث لا تدري، تقول، إنك لم ترَ الجنية، لم تعاصرها، لماذا تخاف من شيء لم تره.. تتأفف، ثم تضحك ساخراً، ثم تستدرك قائلاً: قد لا تكون هناك الآن جنية، أو أي أثر لها، لكن ماذا يمنع أن يختبئ لص، أو قاتل أو مغتصب. من يدري، فهذا البيت أصبح مشاعاً، ولا رقيب ولا حسيب، إذاً فالخطر موجود، ولذلك لا بد من الحذر، لا أعني الخوف، لكن الاحتراس من شيء مجهول ليس عيباً.. تتوارى قليلاً خلف الجدران، حيث شع نور مصباح سيارة قادم من جهة مقابلة، خشيت من المساءلة، فضول الناس قد يجعلهم يسألون: ماذا يفعل هذا الرجل هنا في هذه الساعة من الليل؟ وقد يتوقف صاحب السيارة ويترجل نحوي، ثم يصوب نحوي زخات من الأسئلة التي قد توحي بأنني على وشك ارتكاب جريمة وأنه ضبطني متلبساً.. من يدري قد يدعي ذلك لمجرد إظهار الفوز بغنيمة، الكثير من المظالم تحصل هكذا لمجرد الاشتباه، وحتى تثبت البراءة، تكون الفضيحة قد جلجلت وتوغلت، واشتعلت وصرت أنا الضحية التي لم تجد مشنقة الاتهامات الظالمة.. تختبئ، تمر السيارة، ويتلاشى ضوؤها، مطوياً بثوب المسافة التي قطعتها السيارة، تعود ثانية، تتلصص، تبحلق في المكان، وعيناك ترصدان الشارع جيداً، وقد يقول أحدهم، إنك جئت هنا لترتكب جريمة اغتصاب. وقد يصفدون يديك، ويلبثون يبحثون عن الضحية، وإن لم يجدوا شيئاً، ويطلقون سبيلك، سيشاع في الصباح الباكر، أنك شوهدت في مكان مشبوه، وسوف تحاك الحكايات، وتنسج النساء أثواباً من خيوط حكايتك، وسوف تصبح شخصاً شائهاً، ملوثاً..
تقول.. لماذا أفكر كل هذا التفكير، وأحيط نفسي بهالة سوداوية، مقيتة، وكأنني بالفعل ارتكبت جريمة أو أنني صاحب سوابق.. وتقول، إنني عندما أتعمق في مثل هذه الأوهام، أشعر بأنها حقيقة ويكاد الشك يقطن قلبي، وأظن بالفعل أنني مشوه.. الظن.. أمي كانت تبني قصتها على الظن، وسماع كلام الناس، أنا الآن أتهيب من ظنوني، وأظن أن بعض ظني يقين، وأن يقيني مستلهم من قصص سابقة.. تبتعد عن البيت العتيق قليلاً، تخطو خطوات، تقف عند الرصيف الأسمنتي، المسيج بحزام حديدي، تهالكت بعض أجزائه، كما تآكل الأسمنت المرصوف على جانب الشارع الأسفلتي.. ترفع جسدك قليلاً، وتتكئ على الحزام الحديدي، مسنداً ظهرك على الفراغ، تغرس النظر في البيت، تنظر إلى النوافذ الخشبية، المحروسة بقضبان حديدية، دقيقة ويبدو أنها نحلت بفعل الصدأ، بعض النوافذ خلعت إزارها الخشبية، وبعضها بقيت كما هي مغلقة، شاحبة، بلا لون.. وكذلك الزخرفة الطينية، في ظهور الجدران، فقد انمحت معالمها، ولم يبقَ لها غير آثار باهتة، تتذكر لقد حدث هنا حادث أليم لصديق عزيز، ذهب الشاب الوسيم ضحية اصطدام مروع، وقد دارت حول الحادث حكايات، ولا أحد يعرف كيف حصل ذلك الحادث، على الرغم من أن الصديق كان مثقفاً، واعياً، مسالماً، وديعاً وداعة الكائنات النبيلة.. ولكن في النهاية، ذهب، وبقيت صورته مختزنة في ذاكرة الزمن.. تلتفت جانباً.. تقول كان هناك في ذاك البيت المجاور دكان صغير، كان التلاميذ الصغار يشترون منه الحلوى واللبان والبسكويت عند عودتهم من المدرسة المشتركة التي كانت تضم البنين والبنات.. تقول بنصف ريال حيث العملة، كانت بالريال، والذي يساوي الدرهم، بهذا المبلغ كان الأطفال يشترون ما يزيد على حاجتهم.. تصمت.. تقول: اختلف الوضع كثيراً، وانقلبت الأحوال.. ولا جدوى من الحلم، فلن تعود المياه إلى مجاريها.. بل إن المجاري أصبحت ضحلة، ملأى بفيروسات فتاكة.. تتذكر المدرسة، تتذكر جدرانها الأسمنتية التي لم تدهن بزيت أو صبغ.. تتذكر الحر اللاهب، ورائحة الأنفاس الساخنة.
رميت بصرك بعيداً في المدى المختبئ تحت عباءة الظلمة، وهناك يطل القمر الخجول، متوارياً خلف سحابات بيضاء كنشارة الثلج.. تبينت السماء الزرقاء، والنجوم المترامية، راقصة، كحبات خرز، تحركها معاصم حسناوات، تدارين خلف السحب، يشرد ذهنك، تهيم في السماوات العلا، تنظر إلى الارتفاع المهيب، والسقف الذي يكاد يكون، كما لو أنه سقف غرفة عظيمة، منقوشة بالأبيض والأزرق والفضي، مدهونة بسواد يشف في أماكن ويغمق في أماكن أخرى.. الأصوات تغفو في حناجر أصحابها المنهمكين في ضياع الجدران المغلقة، ماعدا النباح الذي لا يكف عن الزمجرة، حيث الكلاب الضالة، والتي لم تصل إليها بعد بنادق المهرولين خلف آجالها المحتومة على أيديهم، كلاب تبحث عن فرائسها، وعن طرائد وقطط فارة من بأس الحيوانات الغاضبة، تبحث عن ملاجئ، تغيب في ظلمتها، إلى غد آخر، يأتي بلقمة بلا أذى.. رائحة البحر، تلفح أنفك رغم مساحة الرمل، والبيوت الأسمنتية المتعالية في الفراغ، إلا أنك تشم قشوراً سمكية، ومحارات فارغة، وعشباً بحرياً منقوعاً عند الساحل.. تقول: هنا على هذا الرمل، كان الماء يدغدغ أجساد المراكب الخشبية، المسجية على الشاطئ بعد عودة من سفر، كان الرجال الذين يرقدون على الأسطح الخشبية، مرادفين سيقانهم، ومخبئين وجوههم، بأذرعهم، ومطلقين العنان لأصواتهم تصدح بأناشيد ليلية، وأغاني الغربة، لأن معظمهم من اليمنيين الذين عبروا الخليج في انتظار مزاولة الرحلة، إلى بر المهرة والشحر، مأوى الأجداد والأسلاف، ولكن هذه المراكب المجهدة حتى تعبر المضيق إلى هناك، لا بد أن تستريح هنا بعد عناء وتعب.. لا بد لأصحابها أن ينهجوا قليلاً بين صدور النساء المتلهفات لأجساد بعولتهن، ويتلقين المصاغ وفاكهة الرحلة الطويلة.. رائحة زيت الحوت، كانت تغلق منافذ الرئات القاطنة، لكنها أيضاً تمنح المكان فحولة عارمة، الرجال المنشدون، يعمرون نيران الأراجيل، وينفثون الدخان، ويتضاحكون، ويتبادلون الأحاديث الودية، حتى ينقضي نصف الليل ثم ينامون حتى الصباح، ليبدأوا يوماً جديداً.. وبعضهم بحارة، كانوا يتداولون الحراسة الليلية، لحماية ممتلكات السفن من السرقة، ونهب اللصوص.. أيضاً كانوا يقولون إن المركب الخاوي من أرواح البشر تقطنه الأرواح الشريرة، وتجعله عرضة للشؤم، ويقصون حكايات غريبة وعجيبة عن سفن السفر التي غرقت في أعماق البحار، بسبب الجن الناقمين على البشر. لذلك، كانوا يملأون أكياساً بالملح، لأن الملح تهابه الشياطين، يضعون الأكياس في أماكن متفرقة من السفن، حتى يحولوا دون وصول الجن إلى هذه الممتلكات الثمينة.
تبتسم.. تقفز إلى رأسك صورة ذلك الرجل اليمني عازف العود، كان يترنم على أغاني محمد مرشد ناجي، وفيصل العلوي، ومحمد بازياد، وغيرهم، كان صوته شجياً، وملامح وجهه الحزينة تثري هيئته بالهيبة والرزانة، وفي الصباحات كان الصغار الذين يأوون إلى البحر للسباحة واللعب بقناديل البحر، ونجمة البحر، يلتفون حوله، يسمعونه ويصفقون ويرددون معه فرحين مشرقين، حتى صار محاطاً بشلل من الصبية، ما أشاع حوله تهمة استغلال الأولاد لأغراض غير أخلاقية، وفي مرة دار شجار بينه وبين ولي أمر أحد الأبناء، وكاد يتطور إلى صراع دموي لولا تدخل الأعيان، والعقلاء لفض الشجار.. لكن الرجل اليمني لم يمتنع عن الغناء، وكان يقول أغني لأطرد الوحشة، وأكسر مخالب الغربة الخانقة، وأذود عن نفسي من غشاوة الليل المخيف.. نعم كان يصرح عن خوفه من الظلام، كان يقول صوت العود الشجي يطرد الشياطين، ويمنعهم من الوصول إلى الأشخاص.. الأطفال كانوا يحبونه، فقد كان ودوداً، لكن أولياء الأمور كانت قلوبهم تأكلهم على مصير أبنائهم الذين تحلقوا حول الرجل حتى صار مرتعاً لهم، وبدلاً من اللهو في البحر والسباحة، كانوا يتوارون في السفينة الكبيرة، ولا تسمع إلا الأصوات الهادرة، وصدى العود الرهيب، كان الكبار يستغربون هيام الصغار بصوت العود ويستنكفون هذا العبث الذي قد يشوه أخلاقهم، وكان الرجل اليمني شرهاً في التدخين، نهماً في تناول الشاي الأحمر، ما زاد من قلق الرجال على أبنائهم، وخوفهم من أن يدمنوا هذه العادة السيئة.. فصار الصيف وكل صيف وبالاً على الكبار، وحفلاً بهيجاً بالنسبة إلى الصغار.. تقول.. كانت البراءة تسير على الشطآن، كأنها الفراشات الباحثة عن رائحة الورد، النابشة عن الرحيق.. تتخلى عن المكان، تنزل من مفرق القضبان.. تتمشى محركاً ساقيك المنحلتان.. في القرية التي تسكنها.. قرية المعيريض تبدو أمام عينيك أنها قرية أشباح، أو غابة عذراء، أشجارها الجرداء تحيلك إلى زمن الجدري الذي ألم بالناس وأطاح بأرواح البشر، ومات الكثيرون لمجرد الإصابة بالعدوى.. زمن الجدري تزامن مع بداية الحرب العالمية الأولى، حيث عاش الناس هنا حياة البؤس، لدرجة أنهم ألبسوا صغارهم من أكياس الأرز الفارغة، وأطعموهم من عسل التمر وبقاياه العالقة في أقفاص السعف، وشربوا من حثالة القرب، ومضغوا الديدان والطفيليات.. في ذلك الزمن، كان الطب متأخراً والمستشفيات معدومة، والعلاج من الجدري مستحيلاً والموت حتمياً لا محالة.. الذين يضربهم الجدري، كانوا ينفون في منطقة «الشريشة» المنطقة التي تبعد عن المعيريض، بعشرين كيلومتراً تقريباً، منطقة نائية، وشحيحة، ومقفرة إلا من أشجار النخل العاجزة عن الإثمار، والمنحاة على الأرض ساجدة.. راكعة، مُخفضَة أعضاؤها اليابسة، في استرخاء ديمومي.. كان المصابون يلقون هناك، ومعهم بعض الزاد، الفقير، ليلقوا حتفهم، ومن ينجو يعود على أطراف قديمة، محفوراً ببقايا الجدري، متهالكاً، عائداً إلى مأواه، كمن غط في مجهول وجاء بغتة ليسأل عن هويته.. تقول إن جدك كان أحد ضحايا هذا المرض الفتاك، دفن هناك في حفرة، ولم يبق أي أثر لقبره، لأنه ما كانت تترك أي شواهد لقبور صرعى الجدري.. حتى إن الناس الذين يرحلون إلى مناطق مثل الرمس أو شعم، كانوا يبدأون الرحلة صباحاً، حتى لا يخيم عليهم الظلام، وهم في منتصف الطريق أو بالقرب من منطقة «الشريشة»، لأنهم كانوا يخافون من الأشباح، وأرواح الموتى هناك التي سكنت مع الجن.. ومن يضيع عنه حماره أو ماشيته هناك فمن المستحيل البحث عنه في هذه المنطقة إلا نهاراً، ويذهب الأفراد جماعات درءاً لخطر الجن.. يخافون من الجن، ويقولون إن الشياطين التي تسكن تلك المنطقة شرسة وعدوانية، لأنها تعتبر تلك المناطق البعيدة ملاذها، ولا يحق للبشر الاقتراب منه، ومن يعثر على حماره الضائع، لا يعود به إلى البيت فوراً، بل يذهب به إلى مطوع القرية، يتفحصه، ويدرس ملامح عينيه، فإن شك في أمره، أو فهم أنه ملتبس، يطلب من صاحبه أن يعتقه، وإلا سيصاب بضرر شنيع، وقد يفقد حياته.



القمر المضيء يطل بشعاع أوضح، يتخلص من بعض الغيوم، ويتوسد أحلام الليل، يمنحك نشيده الأممي، وتقترب أنت من بيتك، تقف عند ناصية، وعمود كهربائي عملاق، يتطاول عنان السماء، بعض الحشرات الدقيقة تحوم حول المصباح الضخم، تحوم أنت حول نفسك، تستدير باحثاً عن حجر، تسند عليه مؤخرتك، تجلس، تطل على العالم، من خلال ضوئك الداخلي، يطل عليك العالم من نور الكاشفات العملاقة، لا أصوات تحرق سكون الليل، سوى زمجرة آلات الحديد وأبواقها المتسلقة صمتك.. بعض الرطوبة، تغسل محياك لكنك لا تشعر بالضجر، تنشف القطرات بطرف المعصم الأبيض، ثم تلتفت إلى الظلمة الشفافة عند منعطف الطرقات، كلب صغير يلاحق قطة، يدركها عند زاوية، تسمع صوت المواء المستغيث، يخشع قلبك للشراسة، تهرع للإغاثة، يهرب الكلب لكنه يظل عاقفاً رقبته في اتجاهك نابحاً كان يشتمك بالطبع، لأنك انحزت إلى جانب الضحية، وكان القط يهرول، باحثاً عن ملاذ، يلاحقه مواؤه، بدا الكلب بعيداً، وصار القط في منأى عن الخطر، عدت إلى مقعدك الحجري، والقط الغريب، يشبعك بنظرات زائغة، بالفعل كان خائفاً، وقد انتفش شعر جلده، ولمعت عيناه بوميض الخوف.. قلت مداعباً إياه: أخائف أنت؟ ثم تتلفت باحثاً عن الكلب.. تقول: ربما يعود مختبئاً بين الجدران، ربما يتخلى عن جبنه وينتهز الفرصة، لينقض على القط، ثم لمحت القط، يقفز قفزات مريبة، كان يموء، ويدس خطمه الصغير بين الأحجار، شاهدت صرصاراً، يطير ثم يهبط، والقط يلاحقه، منفراً مخالبه الصغيرة، وبالفعل بعد محاولات أدركه، وانكب ينهشه بتلذذ وينظر متربصاً فيما حوله.. تقول: قبل قليل كان خائفاً من الموت والآن، يحيق بكائن آخر، ويسحقه بين أنيابه، بضراوة.. الصرصار بات في عداد الشيء العدم.. ما بين الحياة والموت، مخلب وجسد، وما بينهما الخوف.. أحياناً يكون الخوف سلاحاً للنجاة، لولا خوف القط لما زعق مستغيثاً، ولما هرعت أنا لإنقاذه.. لولا فعلت ذلك لنجا الصرصار وأفني القط.. كان لا بد أن يفنى شيء ويشبع شيء.. حتى الخوف لا يستطيع أن يمنع الموت من تأكيد قانونه، بل إنه يكون سبباً للموت نفسه..
في الرقعة المتلاشية في الماء، عند منتهى الجغرافيا حيث الحلم الأسطوري تنبت أعشاب على خاصرة الرمل، هنا، عجينة الطين والزمن ينسجان خيوط الحرير على الساحل الرملي المجاور، والأشياء مخضبة بأنفاس الأسلاف، وخفقات البحارة، وصائدي الأشواق، والمسافرين الذين يتسلقون سلالم البحر البيضاء، بعفوية العشاق، ينحتون أسماءهم على صفحات الأزرق العظيم، تمطرهم السماء بزعانف القلق الفضي، والأشرعة أجنحة ترفرف على ظهور الموج، مطلقة أناشيد الحياة.. وكلما طافت غيمة، ارتفعت الحناجر مستعينة بالتراتيل، والمواويل، لعل وعسى، تحبل السماء، ويضاجع الليل المطر. هذه هي الكتلة الجبلية الرمادية، تسكن وحيدة منذ الدهر، والماء المشاغب يخرخر عند أسفلها، والسمكات بشفاه دقيقة تدغدغ الوعورة المحتشمة، منصرفة في المعمعة، حيث الزعانف وريقات شفيفة تلتحف بالهدوء، وتغادر في الأجواء المعتمة، متوسلة النعيم الحجري، الصامد..
تقف عند الساحل، والليل يمضي على أجنحة الطير الهائم، يمنحك الحفيف الخفيف الرهيف، وعلى رأسك تسقط حبات الندى، تقبل جبينك بوداعة، منضوٍ أنت في العزلة، والرغبات الكامنة المتدفقة، بشهوات عارمة، تنظر بعينين ساهمتين، إلى الفراغ المدلهم، تنظر والقلب المخضوض يطعمك من دفقات القلق، تشعر بشيء من الرعشة، لكنك تتسامى، لكنك تتباهى برجولة متوارثة، وتتبين حولك، بعض المراكب مسجية في أحشاء التراب، وبعضها يتهاوى، في أغوار الماء المهذب، تمر من أمام عينيك، هالات تختفي في العتمة، لا ترى منها غير أضواء، تتراقص مبتهجة في الحفل الليلي.. تغرس قدماك في الرمل البارد المبلل، لتثبت خطاك، وتتئد، تشخص البصر، في المكان المهيب، وتتوارى عن أنظار المتطفلين.. هناك مجموعة من الرجال، عادوا للتو من رحلة صيد، حملوا أقفاص السمك على رؤوسهم، واعتلوا تلة الرمل، متخلصين من البلل، متحررين شيئاً ما من التعب، منفكين من ربقة يوم تمادت مشقاته.. تسمع ضحكاتهم وشهيق صدورهم، وخبطات أقدامهم على الأديم، الرائحة الأزلية تتنسم في أنفك، رائحة السمك، والقشور المتناثرة من ظهور السماكين، مختلطة بعرقهم، تستأنف الإمعان في النظر، وتشم الطيب البحري، يستوطنك الحنين، وتستعمرك أشواق قديمة.. تقول، بلهفة المبتلي.. منذ كم من الزمن، وهذه السواعد السمر تحلب ضرع الماء، وتتبوأ سطوح المراكب؟ لم يجف الريق رغم السغب، ورغم التعب، ورائحة الخشب تمتزج بالعرق، ثم تسير في الأعماق الغائرة، طعماً لأرزاق الناس.. يتفشى في صدرك ولع الأيام السالفة، فتختزل الزمن في نظرة خاطفة، ترى ساعدك المترهل، وعضلات صدرك الواهنة، تقول إن هؤلاء يكدون، ويمضغون رضابهم، ويمتلئون فخامة وعظمة لأنهم تماهوا والبحر في الانسجام.. هؤلاء اللاهثون سوف يذهبون إلى بيوتهم، تتلقفهم عيون النساء، بجفون مسبلة، وابتسامات تهيئ لاستقبال ليلي بهيج مفعم بفضيلة الأجساد الساخنة، سخونة القلوب المحبة، والمحتفية لأبطال عادوا بالظفر.. وفي الصباح الباكر، سوف تغسل النساء أشواقهم براحتي الدماء التي تدفقت ثورة عارمة، تحت السقوف المهللة بنعيم الالتحام، الجدلي بين جسدين، متشهيين لبلوغ الذروة العاصفة.. الجبل العظيم يسكب حليب المفاهيم القديمة، ويتصعد ألقاً أزلياً، تقول: منذ فترة ليست بالطويلة وقف الناس هنا، مشدوهين، مذهولين، لسماعهم صوت هدير يرن من أجواف هذا الجبل، كبار السن أرجعوا الأرض إلى قوى خفية، منزعجة من أمر ما، فباتت تزأر مهددة، المغرضين في إشاعة الصخب من حولها، وتعاطى آخرون الفكرة بحيوية ونشاط، وتدفقت وسائل الإعلام، وحمل المصورون كاميراتهم، والتفت البحاثة ليحللوا الظاهرة الفريدة.. ولكن، بعض المراهقين تسللوا في الليل البهيم، وتسلقوا الرعونة، بهمة اليافعين، حتى قاربوا الوصول إلى القمة.. كانت في أيديهم المصابيح، والبنادق، والسكاكين احتراساً من حدوث المكروه.. بحثوا جميعاً عن مصدر الهدير، تربصوا، تلصصوا، تفحصوا الأجواف، والثغور والثقوب، والنتوءات، والحفر، لكن أحدهم لم يعثر على خيط إثبات ليظفر بالنظرية الحتمية.. ودارت الحكايات، واشتعلت فتائل الروايات واخضرت صدور العارفين بالأسرار، فراحوا يحيكون القصص، بذرابة المنجمين، والمدلسين، والمحتالين، والمتخصصين في صناعة الوهم، وبعد كل التأويلات والتفسيرات، بدا جلياً أمام الناس، المغبشين بغشاوة الطلاسم والحروز، أن هذا الجبل موطن قديم لجنية البحر، وأنها تنتحب هلعاً، لفقدانها أحد أبنائها، إذ انزلق سهواً من على قمة الجبل، وسقط في جوف الماء الغزير، فالتهمه سمك القرش.. وأضاف أحد الأعيان، أن حزن جنية البحر قد أجج غضبها على البشر، لأنهم لم يقوموا بإنقاذ فلذة كبدها، ما يفسر أن الجنية قد تنتقم من البحارة أو الصيادين، أو كل من يرتاد البحر، وأسدى بالنصيحة للأهالي بتحاشي الاقتراب من الشواطئ بعد الغروب، ومنع الأطفال من اللعب على الرمل، أو السباحة في البحر، في غياب أولياء أمورهم.. ما دعا الناس، المحيطين بالجبل، والقريبين من مقره، الملوث من ملاذاتهم بعد الغسق، وإطفاء الأنوار، وتحريض الأطفال على مزيد من الخوف.. مضت أيام، والقلعة الجبلية تهيمن في المكان، وتستولي على الأفئدة، ثائرة الخوف والفزع، وصار الصيادون ينزفون قهراً ومللاً، وتذمراً، من ذلك الفج اللعين الذي أثار نزعة أرعبت القلوب وأرعدت الصدور، وودعت النفوس، حتى إن أغلبية البشر هنا قرروا الامتناع عن أكل السمك، خشية أن يكون مسمماً، أو أن يكون من جنس الجن، لكنه تشكل على هيئة أسماك بحرية.. ما جعل الكثير من الصيادين يحتالون على ذلك الرجل، ويسيلون لعابه، بالإغراءات المادية، ليصدر فتوى جديدة تنفي فتواه القديمة، لتعود المياه إلى مجاريها.. وفي يوم اجتمع الصيادون، واتفقوا على أمر جلل، فإما أن يوافق المفتي بتغيير فتواه، أو أنهم يصدرون ضده حكماً بالإعدام، ويتخلصوا من شروره.. وبعد محاولات ومجادلات ومفاوضات، أذعن المفتي لنفوذ الصيادين، فسار على الشاطئ، وجمع الناس في القرية، وصاح، بصوت مجلجل، قائلاً: لقد ذهب الخطر، وعليكم بمزاولة حياتكم بشكل طبيعي، لأن الجنية الغاضبة، قد غادرت المكان، إلى مكان آخر، والدليل على ذلك أن الهدير الذي كان يزلزل أركان الجبل، قد هَمَدْ ولا أثر لأي زمجرة، الأمر الذي لا يستدعي أي خوف، أو فزع من شيء.. ولكن المفتي الذكي لم يبت في الأمر، ولم يقل إن الصوت المجلجل لا علاقة له بالجن، وأن ما كان يصدر من هدير، قد يكون لأسباب طبيعية جيولوجية، ما ترك في وعي الناس ركاماً من الريبة والشك في كلام المفتي، ومنهم من اتهمه بالكذب والاحتيال، ومنهم من وصمه بعار تقاضي الرشوة، ليغير أقواله، ويعرض حياة الناس للخطر.. لم تنجلِ الحقيقة، وليث الخوف متسيداً في المكان، رابضاً في القلوب، وبخاصة أن الصوت عاد مرة أخرى، فأرغم الناس على رمي المفتي بالحجارة، ومنعه من الخروج من بيته، إلى أن يقضي الله أمراً كان محتوماً.. تحاول أن تحرك قدميك، تسير الهوينى على الشاطئ، وقلبك يدق طبول القلق، تفكر في الجبل، وتتهيأ للهروب في ما لو هاجمتك جنية البحر، تسمع بعد فترة وجيزة صوت قارب بحري، وحناجر رجال، ترسل ضحكات عالية.. تهدأ قليلاً، ويسكن روعك، تتحرى القارب، من خلال العتمة، تتمشى في اتجاه انعطاف القارب، ومع خشخشة الماء تراوغ الموجات الصغيرة، عند الشاطئ، منكسرة عند الرمل، ثم تستعيد نشاطها، وأنت ترقب الموقف، وعيناك على النشيد الليلي مع اقتراب القارب.. ترتفع الأصوات، ويهدأ هدير الماكينة، وتسمع ارتطام المرساة في جوف الماء.. ثم صوت فوضى السيقان العارية، وهي تخوض في الجوف الضحل، واختلاط الأصوات بالشهيق والزفير..
تقول.. هل مات المفتي، أم ماتت فتواه، أم انتفض الصيادون للحقيقة؟ تهز رأسك، مشمراً عن ساعديك، باحثاً عن سر العرق، فوق الجلد، وأسباب الخوف الذي داهمك، تقول: كيف تسنى للعقل أن يستدعي كل هذه الشحنات دفعة واحدة، ثم يحشدها عند مرفق القلب، ثم تبدو وحشاً ضارياً، ينهش من الجسد بشراسة وعدوانية.. تخبط قدميك في التراب.. تقول: انظر يا فيروز كيف فعل الوهم بالناس، لقد جوعهم، وسجن ذرياتهم في البيوت، وحرم الصيادين من كسب العيش.. تبصق على الأرض وتدوس بصاقك بعنف، تهرسه مع بلل التراب، ثم تخرج سيجارة، تشعلها، تدخن، لينتشر الدخان مع رائحة البحر، مع عبق الطحالب، وعبير الأسماك النافقة.. تذرو الرياح كل شيء، تذروك أنت عندما تكون بخفة الفراشة، ونعومة زعنفة.. يصمت البحر، بمغادرة الصيادين، وتلاشي أصواتهم..
بدأت تسير ببطء، بخطوات ثقيلة كأنك مصفد بالأغلال، وجسدك واهن، والعرق يتصبب من بدنك، تشعر وكأن حلماً داهمك، فأفزعك، وانتزعك من نوم عميق.. صرت تهذي، ويخفق قلبك خفقات مزلزلة.. ومد الطريق أمامك لساناً من الوعورة، ومددت أنت لساناً لاهثاً، تلعق شفتين ذابلتين، بللهما العرق.. ما هذا الحلم المريع، ما هذه المشاهد المروعة؟ المشي على الأقدام هنا كالسير على الأشواك، الأحجار المسننة، والتعرجات والنتوءات الحجرية تخز قاع القدمين بإبر مسننة.. ما أعظم الناس هنا، منذ الدهر، وهم يمشون، ومنذ مجيء الأسلاف، والأرض العارية تسوطهم بالخزي، يحاولون أن يحفروا في الصخر لتنبت السماء بأوراق الحياة.. التحولات التي تفور بها الأراضي المجاورة تبدو غريبة ومجافية لواقع الحال.. تقول: عماذا ستكتب..؟ عن الوهم المجلجل أم عن الصعقة القاصمة، التي شقت بطون الأرض، وعصفت بسقف السماء؟ أعلم جيداً أن للنجوم المتحركة في الأفلاك البعيدة، أصواتاً مزلزلة، لكننا لا نسمعها، لأننا اعتدنا على الحركة، وعلى مدار الأزمنة، صار الصوت جزءاً من حياة الصمت المخيم على أفئدتنا.. كذلك الخوف، لأنه نبع من أتون الأرض لأنه جاء من أفق الكائنات العظيمة، فصار حليفاً لمشاعر الذين يخافون، ولا يعلمون مصدر الخوف.. لم يقل المفتي إن الهدير الذي كان يسمع من جوف الجبل، مصدره، منجل أم الدويس، لم يقل ذلك، لأنه يخاف من الانتقام.. خبأ خوفه في صدره، وصدر بعضاً منه للآخرين، ليثبت أنه المبجل المعصوم، من الزلة، المعفي من بواعث الخوف.. الساحر، والمشعوذ، اللذان يجلسان مقرفصين عند رأسك مريضان بالهستيريا، ينفخان في الفراغ ويرتلان الوهم، ثم يبحلقان في اللاشيء، وكأنهما يطاردان الماوراء، وعندما ينتفض المريض، يقولان إنه شفي، لأن الجني الذي ربض في جوفه، طار مذعوراً، من فأس التلاوات المحتشمة.. المفتي، رصد إخفاق الخائفين، وتجلى في صورة الواعظ المبجل، ولما استيقظت عيون الصيادين المحرومين، توارى خلف الكذب، وانبرى يؤجل إفتاءاته حتى تلاشت كالليل المنهزم، أمام ضوء القمر.. تقف عند منعطف، تعرج إلى حيث يصمت رصيف خاو، وتتلفت، تنظر من حولك، لعلك تعثر على حجر تلقمه فاه الخوف.. ثم تتورد وجنتاك لمجرد أنك تحظى بضوء خافت يأتيك من بعيد، ضوء سيارة تسير مسرعة، وسائقها يختفي خلف الزجاج الأسود.. أسود الليل، وأسود الزجاج، يخفيان أسراراً ويأتيان بأخبار، وأنت وحدك الذي تترصد الأشياء، وتعد التفاصيل، وتغوص في النفق، ولا يخطر على بالك أنك مازلت تمارس الاقتراب من الحقيقة كمن يحاول تفريغ الشهوة الجسدية بالعادة السرية.. آه.. تفكر.. لا تستطيع أن تحصي عدد المرات التي مارست فيها العادة، وكم مرة شهقت وأنت تملأ كفك بالسائل السمج.. كنت تشم الرائحة ثم تهرع للاغتسال، وتنظف مشاعرك من عقدة الذنب، لم تكن اللذة بمفردها التي تسوقك لارتكاب أهون الرذيلة، وإنما الخوف.. تفكر ثانية.. لماذا تخاف من فضيلة الجنس. تهز رأسك، ممتعضاً لأنك لا تستطيع أن تفسر ذلك، بأكثر من أنه رغبة فجة.. غليظة.. تفضي بك لأن تفجر جسدك بيدك، ثم تنتفض واقفاً، محتدماً، مرتعشاً، مختبئاً تحت جلدك، لكنك أيضاً لم تخلُ من الفرح، لأنك انتصرت لذاتك، المهزومة، ولأنك اعتليت جسد امرأة، من دون أن تبذل أي عناء، ومن دون أن تتهيب من منجل قد يشق رأسك نصفين، عند ذروة الانتهاء من الاحتقان.. تقول: لقد هزمك للحظة، صديقك أبو سيف، عندما لمس الجرح، وعندما أفصح عن نقمته تجاهك، قائلاً: إنك رجل معقد، لأنك تكره المرأة.. امتعضت حينها، وانبجس قلبك، وشعرت بأنه يكرهك، عندما يشيع عن عاطفة أنت لا تكنها لأي امرأة.. لكنك، الآن صرت تفكر.. لقد بلغت الأربعين سنة ونيفاً، ولم تتزوج.. لم تمارس الجنس مع امرأة.. وعندما تفتش في داخلك، ترى كثيراً من النساء مررن في تلك الشعاب، وفي الغابات الكثيفة، لكنهن لم يخطرن على بالك، كزوجات.. إذاً لماذا كنت تفكر فيهن.. آخر النساء، نيران، التي ولجت فؤادك، وهرعت أنت تسابق الفراغ، وتعود في اليوم الثاني لتبحث عنها، ولم تجد لها أثراً، وكأنك كنت تريد أن تقنع نفسك بأنك تبحث عنها، ولم تجدها وأنك تريدها لكنها هي التي اختارت الغياب، وفي يوم آخر، تجلت أمامك، فتواريت أنت في جلباب ماضيك العتيد، عندما ابتسمت ضاعت الابتسامة، في خبايا محياك الجاهم.. وبعد أن أفلت صرت تلهج باسم امرأة، بلغت بلوغ النجم الذي رقص رقصة الزيف ثم انطفأ..
لم يعد في وسعك أن تنتظر، ولكن بشيء من الورع، حاولت التملص والاعتذار لذاتك.. كيف يمكن لإنسان أن يعتذر لنفسه؟ كيف يستطيع أي شخص أن يحاكي شخصه، وشخصه هذا كامن في العتمة، العتمة المغلقة، التي لا يصل إليها أي ضوء، ولا صوت. ولكنك رجل محلل، وباحث في علم النفس، ينبغي لك أن تدرس الشعور واللاشعور، وأن تتقصى حقائق لا يمكن أن يستنبطها أي إنسان عادي لم يدرس علم النفس.. ما هذا الباطن الخفي الذي أحياناً يطفو إلى السطح ويزلزل الكيان، ويصنع منك إنساناً آخر أنت لا تعرفه، ولا تفهم ما يريد من هذه الدنيا.. تقول، إنك في طفولتك كنت مهتماً كثيراً بعضوك، كنت دائماً تتأمله، وعندما ينتصب كنت ترتجف، تحاول أن تخمده، لكنه عصي على الإذلال، يظل واقفاً إلى أن تستحيل ذاكرتك إلى أشياء أخرى، فتراه يتوارى، تحت سروالك، مختبئاً كأرنب مذعور.. تعرفت في صغرك إلى فتيات كثيرات، كن ورعات محتشمات، وكنت تحتجب عن الحديث معهن، كان رأسك دائماً مخفضاً وكأنك تبحث عن مشاعرك الضائعة في التراب، كان التراب غزيراً، إلى درجة أن أقدام الصغار كانت تغوص في رعونته، وتخرج متسخة بالغبار.. وفي السنوات الدراسية المشتركة، لفتت نظرك إحداهن، كانت فتاة، يافعة، بضة، عيناها كانتا تلمعان بوميض أنثوي، لافت.. وفي صدفة زمنية، وبينما كنت تستعير منها كتاباً، مددت يدك، ومدت يدها، تلامست اليدان، شعرت بقشعريرة، هزت بدنك، فكرت في الفتاة، تخيلتها، ومارست العادة السرية لأجلها، وفي اليوم التالي، قابلتها، شعرت بالخجل يأكل قلبك، كنت مذنباً لأنك حطمت القيود، كانت فارهة، ولم تكن مبتذلة، فهمت من نظراتك أنك، تود أن تفضي لها سراً، أو أنك صبي، محتبس بمشاعر شائهة.. ظلت الفتاة، تراودك، أو بالأحرى أنك كنت ترسم لها صورة عجائبية.. وانقضت سنوات الدراسة الابتدائية، ثم المتوسطة آنذاك، ثم الثانوية.. لم تجد لها أي أثر، لكنك بعد حين سمعت أن الفتاة تزوجت من قريب لها، لا تدري لماذا انتفض جسدك، لا تدري لماذا شعرت بأنها كانت ملكك، وأفلتت من يديك.. شعور غريب تملكك، وأنت تنصت إلى حديث الجالسين، الذين جمعتك وإياهم، صدفة زمنية، تخيلتها جيداً، وقرأت تفاصيلها، عدت إلى زمن الكراسة التي استعرتها، عدت إلى الصدف التي لا تتكرر لكنها باغتت الإنسان فيك، واحتلت مساحة واسعة من وجدانك.. قلت حينها، لماذا ارتكبت الجريمة الشنعاء وتزوجت.. نقمت عليها، كما حقدت على نيران عندما ولت مدبرة، مخلفة إياك في عرائك وعبث المشاعر المتصاعدة.. الآن عندما تمر عند سفح الذاكرة، تتزحلق الصور، وتتدحرج حتى تستقر عند الحضيض.. تبدو لك صوراً جلية، وتنصاع أنت لرخاء التهيئات الذهنية، تحاول أن تستعيد شيئاً منها، مستعيناً بقوة الإرادة، لكنك عندما تقف عند المنعطف الخطير، عند الصورة المثلى، تجمد، وتبهت، وتبدو أسئلتك المبهمة أشبه بالقضبان الحديدية التي تطوق عنقك، تشعر بالاختناق، تحاول أن تفك الرموز المتشابكة، وبلا جدوى.. بلا جدوى كل حياتك، أحياناً تتصور ذلك، وبلا جدوى كل هذه الرحلة الطويلة، التي كلفتك عمراً، وجهداً، وأنت لم تزل في عنق الزجاجة العتيقة تحاول أن تتنفس، تحاول أن تجهش بالبكاء، لتغسل صدرك، وتطهر المناطق الداكنة من الذات.. لا جدوى، تقول ذلك وأنت جاهم، مفعم بالأسئلة التي لم تزل تتضخم، وتتورم، كالفقاعات، ثم تنفجر في وجهك.. أحياناً تشعر بأنك تحلم، وأن كل الصور والمشاهد التي تمر على شريط الذهن، مجرد حكاية من حكايات الليل، عندما يمتطي خيل الفرسان الأوائل، ويلبث في جولات وصولات، وأنت لا تجني غير الخيبات.. فعلاً تشعر بالحاجة إلى البكاء.. البكاء الذي يذيب الصدأ، ويجلي الغبار، وينشر رداء الروح، في حضرة الشمس الساطعة..
تقف.. تسأل نفسك.. تقول: عندما ينشغل الإنسان بفكرة ما، يقطع المسافات من دون حساب عدد الخطوات، هاآنذا، أصل إلى مشارف «الغب»، هذه هي الأطلال القديمة، تخيل الناس الذين ذهبوا، لم يبقَ غير السيقان العجفاء، والحشائش المتوحشة، محاطة بأشجار القرط والغويف، تؤمها الأفاعي والثعالب، والروائح النتنة التي تتسلل العراء، لتلحف المكان بالوحشة.. تقول بلوعة: نخل محمد السامان العريقة، تتوسد العراء، وتحلب من التصحر الأجرد معاني التسمم البيئي، وزوال النعيم.. تحاول أن تقترب الاضحملال، مستعيناً بالذاكرة، تحاول أن تتجلد بشيء من الصبر، لترى ما يراه النائم، بعد نزوع مهيب من كابوس، مفزع..
تفكر.. كيف تخنع لقلبك، وتمتطي الأشواك، والخرائب، لتنظر إلى الأفق المبهم؟ كيف تصارع المجهول، لتطل إلى غابة من الفراغ المريع، لتلمس بيديك جذع نخلة أو شبه نخلة، ذوت وانعكفت كظهر شيخ طاعن.. لا شيء يدعو إلى الفرح هنا، لا شيء يطلع من بين الركام، ليخلي سبيل الحشرات العالقة بين الأشواك والحشائش اليابسة، والأسلاك التي كانت حزاماً لحماية الزرع والضرع.. تقف مبهوتاً، منهوباً مستلباً، تتذكر ذلك الرجل الضرير، الذي كان يعد العذوق، وسط دهشة الناس، الذين يقفون مشدودين للحالة الفريدة والنادرة.. تتذكره عندما كان يحصد أنواع النخل.. قائلاً: هذه نخلة خصاب وتلك أشهل، وثالثة خنيزي.. ثم يتوغل بين الأحراش والأعشاب، وأشواك السعف المتدلي كالعقود الذهبية، من دون أن يؤذي جسده، ويتوقف عند حوض الماء، مبتسماً، مشرقاً بوجه حليم، ثم ينتزع قميصه القطني، الأبيض، ليغطس في الماء، يغسل وجهه، ويدعك رأسه الأصلع بالماء البارد، ثم يغوص الغوصة الأخيرة، يخرج مظفراً بالبلل مجندلاً بالحبور.. وتحت شجرة اللوز يتوقف، يقطف ثمرة، ثم يقضمها بنخوة الرجال النبلاء، ويوزع حبات الفرح على الصغار، والمرتادين لبستانه الباذخ.. ثم يعود الرجل أدراجه، يسير بخيلاء الأفذاذ، مبتهلاً فخوراً، بإنجاز يديه، وتعبه الذي أثمر هذه المروج، والخميلة الوارفة..
تبتئس، وينبجس قلبك، لأنك تطورت نسلاً معرفياً، اقتادك إلى ضلالات الزمن الرديء.. تقهقرت، متوارياً خلف أحزانك المزرية، تداريت محتدماً، فارغاً، من الفرح، وأحلام اغتيلت فجراً، فأضحت ترفرف بسراويل الحزن الأسبق.. تماديت حزناً.. قلت: ما الذي يجعل الأشجار تموت هنا، مغللة بالسواد، موشحة بأحزان الفقدان؟ ما الذي يجعل الكائنات تئن تحت وطأة الخسارات الكبيرة، ثم تزحف كأنها الجرذان المجروحة؟ الأشياء تتحطم لمجرد أنها تود أن تقفز قفزة الحبال المهترئة.. الأشياء تدمر نفسها، كونها فكرت أن تحرق المراحل، في غيبة الأحلام الواقعية.. تنهض.. تغادر المكان، تبادر في التسلية في المشي، تريد بقدر الإمكان أن تنهك جسدك ليستريح عقلك من التفكير..
تقول، إنك مفتون بهذه النخيلات التي لم تزل ترفل بالحياة، وأنك على أقل تقدير تشعر بالسعادة عندما تفر من وحشة الانهيارات الذاتية، لائذاً إلى ذات نخلة ما تخلت عن أوراقها رغم تحريض الحقول المجاورة لها، بمواكبة زمن الحسرة.. أوشكت أن تصاب بالانهيار الحقيقي عندما دخلت أطلال نخل محمد السامان. لكن، عندما استنأنفت مسيرك، وجدت في المقابل بقايا نخل في زاوية قصية لم يزل يحتفظ بالرونق التاريخي، ويقف سامقاً لتحديات الغبار المزري، متواجهاً كالند في وجه الهروب إلى أسفل.. عالمك هذا الذي تحاول أن تخلع ثيابه عن جلدك، عالمك الذي تجتهد من أجل تحريرك منه.. شيء ما، تحس بأنه يسكنك، رغبة مبهمة، تتلبسك، وأنت تهيم في العراء، وتبحث عن نفسك، وتطرح السؤال الكبير.. من هي أم الدويس؟ كل الوجوه التي قابلتها في كل الأمكنة كانت تنوء من أحمال ثقيلة، وترزح تحت وطأة أحلامها المؤجلة، وأنت كذلك، تفسر الأحلام على أنها تأتي من خضم تراكمات ماضوية، جاءت من ذلك السحيق المعتم، المحتدم، بمعارك ضارية تدور رحاها بين الأنا والهو، الذي لم يزل عندك، أشبه بالأرض البكر، ولم تلمس خصوبتها يد كائن من كان.. تقول إن أبا سيف، وصمك بعار العقدة من المرأة، وأنت ترفض ذلك، بل وتتحاشى ولوج هذه المنطقة المحرمة.. عندما أشار إلى عشيقته عذاب، كنت مستريباً من الأمر، وكنت متوتراً، على الرغم من محاولتك المواءمة بين ما تضمره وتعيشه على الواقع، لكن قوة غاشمة هاجمتك فجأة، وجعلتك تنسحب، وتنكفئ، وتغوص عيناك في وهدة الوجل.. تدافعت مشاعرك وأنت تنظر إلى عذاب، أجلت كل المعتقدات والمبادئ والثوابت ونظرت إلى جسدها، ولربما لم تعثر على ما يغري مشاعرك ويغري روحك، انسحبت، وأعقاب تلك النظرات انبرى الصديق الحميم، محتقناً، واجماً، متحدياً قائلاً لك: أثبت لي إن كنت لا تعاني من مركبات النقص، فانتفضت محتجاً، مرتجاً، مزبداً، حاولت بأقصى جهدك أن تنفي هذه الصفة.. ولما لم تجد ما يشفع، اتهمته بالزندقة، قلت له: أنت دنجوان، نزق، ثم هربت، تطاردك إخفاقاتك، وخوفك.. تبينت داخلك، فحصت الأنا المجروح، كانت الصرخة من الداخل.. يا فيروز لا بد للمارد أن يستيقظ، وأن تنهض العزيمة وإلا.. تساءلت ماذا.. تكاسلت الإجابة، ولم يبقَ أمامك غير أنك.. انتحبت.. وبعد مضي برهة من الزمن، شعرت بأنك تخففت من وزر، وتأزرت أحلامك، قلت يجب أن أجد حلاً للغزها..



تقول إنك وصلت في وقت متأخر من الليل، والمكان الأليف هجع، واضطجعت القرية، متوسدة ضلالها التاريخي، الأزقة الضيقة تسهر على حراسة الجدران الهامدة، والأسفلت لا تمسح جبينه الأغبر غير أحذية الطالعين من الفندق، المجاور، مترنحين، مزبدين، كجمال سكرت من غدير، بعضهم يتخبط بلا هوادة، متأبطاً أنثاه، مرمماً جسدها المعرق، المنهك بهمسات أواخر الليل، لا تسمع غير فحيح، لا ينبهك من غفوة، ولا يجيبك لشك في شكل القرية الوادعة وهي تحتضن نوعاً من الفسق المتطور عن رعونة وفوضى أخلاقية باتت سمة زمن يتناسل في الليل، كما تتساقط شهوات الكلاب المسعورة، وتهبط على رأسك، أصوات الصخب المنبثق من مراقص الحلم الأخير، في النزع الأخير، في الرقصة البحرية، المتجاوزة هدوء منطق الأشياء، فكرت أن تلج الزقاق المؤدي إلى مدخل الفندق، تسربت ليلاً، فجاً غليظاً، مكتظاً بأسئلتك البائسة.. سيارات فارهة، تخرج وتدخل من فوهة النيران المشتعلة، أشخاص بياقات بيض، ومعاطف سوداء وبناطيل تخر على الأرداف، وفتيات في عمر الزهور تفوح من أفواههن رائحة السكر، ممزوجة بشقاوة الأجساد شبه العارية.. ولجت أكثر لكنك لم تتوغل.. تدفقت الأضواء، تلمع كالنجوم في ليلة صافية، الرخام يشع، عاكساً أنوار النيون، والجدران تتحلى بصبر، بالزخرفة وآخر ما أبدعته البراعة البشرية، اطلعت على ما يجري في الكواليس والصالات المغلقة، والدهاليز المحكمة، من خلال هذا التظاهر الكوني، الذي يلم شتات كل أصناف وألوان وأشكال الوجوه.. تقول إنك في لحظة تجوال قصيرة، شعرت بأنك جلت الكرة الأرضية بما رحبت.. وتعرفت على عوالم ما كان لك أن تعرفها لولا فظاعة هذا البحر الذي صار منتجعاً، وساحلاً، لسباحة ذوي العيون اللامعة بشهوات الحياة.. تقول إن ما بين الفندق ومنتجعاته، والبيوت المقابلة مسافة أمتار، لكنك عندما حططت قدميك بجواره، شعرت بأنك سافرت عبر قطار زمني من قارة متدنية تسكنها الأشباح، إلى قارة معشوشبة بأرواح نيعت بالفخامة، وفخر الحضارات المترفة.. استدرت قليلاً نظرت إلى الوراء، إلى الحلكة القابضة على حجر، التواريخ الغابرة، نظرت إلى الأفنية المحاصرة بجدران السلالات المتفانية من أجل الحضور، المغيب.. غبت زمناً، دهراً، تفرست في الفرص الضائعة في ضلوع امرأة برزت كأنها مسامير صدئة لقارب خشبي، تقاعس عن الإبحار.. امرأة هناك، في بيت مهجور تنام على حصير الأشواق المعتقة وترصد ساعات العمر المغدورة، تنام وتصحو على وتيرة انتظار ما لم يأتِ، وما لا يتم إنجازه حتى ولو غسلت الوجنتين، بشلال من الدموع.. يهفو قلبك عندما ينبح كلب، يطل بأذنيه المرتجفتين، متشجعاً، لاقتناص عظم حاف من مزبلة قريبة.. ثم يعتد النظر في اتجاه الفندق الأنيق، والأفخاذ المدهونة بزيت البذخ الإلهي، تغشيك الصور المتلاحقة والمتلاصقة، تبتعد، تتقهقر، تترهل ساقات، تعباً وكداً وحسرة.. تقول مستفهماً.. يا ترى، ألا يخاف هؤلاء الطالعون كنبتة برية في صحن هذا الفندق، ألا يشعرون بالرهبة من الفراغ، ويتذكرون أحلام تلك البيوت، المتناسخة كالوهم.. تشك في ذلك، لأنهم مولعون، في التقاط الصور، للأزقة والأفنية المتهدمة، ومنارات المساجد البازغة كالنشاز، يوزعون الابتسامات، وكأنهم يلوبون في غابة بدائية، لم يسنح لها أن ترى شروق الشمس.. يضحكون بسخرية، يمزجون الفرحة بالسخط، تتوخى الصبر، تحاول أن تغمض عينيك كي لا ترى، امرأة تهاجم شفتي رجل، تنقض عليه بشراسة أنثوية بالغة الصعوبة.. يقشعر بدنك، تتصهد، ثم تقول.. لا عجب. حضارة تقصي حضارة، وتاريخ يبتلع تاريخاً، وثقافة تلتهم ثقافة، وسلالة تنقرض، لتنمو على أعقابها سلالة. قانون نفى النفي ينجز مهمته، بسهولة ويسر، هنا تبلغ البشرية مبلغ السخرية من قدرات البشر على تشكيل اللوحة الطبيعية بشكل متأنٍّ، وفعل محسوب. تعود الهوينى، مخذولاً، مجندلاً بأغلالك الأبدية، تفتح باب المنزل، تدلف إلى مضجعك، مسكوناً بالوله، واللهفة.. تقول إنك حتى لو غبت ساعة عن مأواك، يلازمك الخوف من فقدانه، وعندما تأوي إليه تكون قد بلغت من الأشواق ما يجفل لها قلبك..



تستلقي جائعاً، لكنك لا تشعر برغبة في الطعام، فقط تفتح علبة الدخان، تشعل السيجارة، تأخذ نفساً عميقاً، وتنفث الدخان، تتطاير الحلقات الرمادية، والبيضاء، وخلفها يطير بصرك، وتحلق عبارتك مأخوذاً بذاكرة مستلبة.. تحسب أنك أخذت بزمام الأمور عندما طرت إلى ناحية الجبل، لكنك الآن أيقنت أنك صرفت من الجهد، وبذلت من العرق، دون جدوى.. الجبل الأصم لم ينطق ببنت شفة، بل جاوبتك الجهات الأربع، بالخذلان، يكفي أنك لم تزل في نفس الجملة الغامضة، نفس الجحيم الأزلي، والحجرة القابضة هي حقيقة الخرافة.. أم الخرافة الحقيقية.. تنهض، تطل من خلال النافذة، واربتها قليلاً لتطل من خلال شق تلصصت على الفراغ، أمعنت في تحليل كيف تتكون العتمة.. تقول إن الظلام يأتي بعد زوال الشمس، والنهار ينبلج بعد تلاشي الظلمة.. تتوالى الأشياء، ولكن الثابت أن لا شيئين متناقضين يكونان في نفس الزمن.. ولكن ربما، هنا في هذه القرية، لا تتناقض المكونات، لا تنفي بعضها، لا يقبض بعضها على جريمة بعض.. الأشياء هنا تتساوى وتتوازى، رغم اختلاف الألوان، وتنوع السلالة.. تغلق النافذة، فتزول الظلمة من أمام عينيك، يطل النور، نور النيون، المتزحلق على الجدران، كامرأة عارية، تتدحرج على جليد، تستلقي ثانية، تبحث عن الغفوة الخرافية، تستجدي إغماضة الجفن، تضع ذراعك على عينيك، تخفي وجهك، يختفي العالم من أمامك، لكنه يطل في الداخل في الباطن المتوهج، تستدرجه بقوة، أو هو الذي يستدعيك لتحضر، ولتحرس نظريتك التي شقيت من أجلها، تقول هل تبوء جل المساعي بالفشل، رغم أن عناصر النجاح، تحضر بقوة.. ثم ترخي ذراعك، وتنزعه عن وجهك، تفتح عينيك، تقول: ها هو الضوء كما هو لم يمسسه شيء بسوء، والظلام زال، لمجرد إزاحة ذراعي عن عيني.. إذاً لماذا لا ينزاح الخوف من الأشياء المفزعة، لمجرد نزع الفتيل المسبب.. ثم تصمت.. وبعد برهة، تطرق قائلاً: هل حاول أحد نزع هذا الفتيل.. هذا هو السؤال، الذي يحضرك الآن.. ثم تقوم لتطفئ الضوء وتهرع مسرعاً في اتجاه مضجعك.. تتدثر تحت الملاءة، ملتفاً كهر مذعور.. الظلام يخيفك.. أم الوحدة؟ أم الاثنان.. أيهما بدأ أولاً في تخويفك.. وهل صحيح أنك تخاف في الأصل؟
طيلة الليل، انهمر المطر غزيراً، لم تنم، لأنك كنت تستلقي مستمتعاً، على نظرات قطرات الغيث المنسكب على أسقف الجدران المجاورة، كنت في حفل بهيج وأنت ترقب الخيوط، الحريرية، المنسابة من جوف السماء، المتشاغبة على أضواء النيون، تذكر أنك نمت متأخراً جداً، وفي الصباح الباكر، كان الرذاذ ينهمر من عيون السماء، نثات، تغسل الأحلام، وتنظف وجوه الوريقات المتلألئة بشعاع فضي مهيب.. الحديقة الصغيرة، بجانب البيت، كانت متخففة من الغبار الصيفي، لامعة، العشب، مضيئة بخضرة يانعة.. شجرة اللوز اليافعة، وقفت منتصبة، تجود بخيلاء الكائنات المخلدة. محتفية بالعرس الأبدي، تميل أغصانها الغضة، راشفة من قطرات العذوبة ما ينعش جذورها، ويسكب حليبه على الوجوه بسخاء.. والنخلة الهيفاء، استمرأت النداوة، بعفوية سيقانها، ولدونة عناقيدها، التي قاربت الاستواء، رطباً جنياً.. بطبيعة الحال، ما كنت ترغب أن يلمس المطر عذوق النخل، في هذا الموسم المبكر لهطوله، خشية من عطب الثمار، لكنك لا تملك في هذه السنح إلا أن تقف مشدوداً تجاه التساقي اللذيذ.. شعرت بأنه في حاجة إلى الرشفة، لتبلل شفتين ذبلتا من أثر السجود لأعقاب السيجارة المتوالية، وإزاء رغبة غارقة في الثمالة، كنت تهفو إلى رؤية المطر وهو يقطر، حلقاته المستديرة، المتناهية في الصغر، على حبات التراب، يرويها من شظف.. كنت تشعر بأن التراب المستلقي بجوارك، وتحت قدميك، يفتح ثغوراً عاشقة للمطر، ويتنفس نسيماً شفيفاً، يغدق رئتيك بأنفاس أشف من وريقات العشب، المطوق بسيقان اللوز والتوت.. جلست بالجوار المزدهر، زخرفت روحك بالفرح، تقول: منذ متى لم أتنفس.. منذ متى وأنا أختنق بالسجائر، وأحقن الجسد بفساد الطبيعة؟ ها أنذا الآن، أجلس تحت الغيمة المتلبدة، الماشية على سجادة السماء، بكعوب الأحلام الأبدية.. ها أنذا، ألتقط نبقة من سدرة لم تزل بكرا، وأمضغ الثمرة، ثم أقذف بالنواة، عند حافة الفراغ.. الفراغ يطوقني، وتحتويني رائحة الورق، وعبق الثمار التي لم تزل أشبه بكريات الخرز اللامع بألوانه الزاهية.. تقطف ورقة لوز، تشم الرائحة. تغمض عينيك، تغيب في اللاشيء. ثم تضعها على فمك، تشاغبك اللذة، اللذة التي لا تشبه شيئاً آخر، إنما هي ترسل قشعريرتها في الجسد، وتحيك قصة خيالية، قديمة وعلاقة بينك وبين الشجرة، ما اندثرت رغم مرور سنوات، وولوجك قنوات مبهمة في هذا الكون، إلا أن الاستغاثة تأتي مع المطر.. المطر يوقظ الأشياء من سباتها. المطر الذي يغسل الأرواح، يمنح القلوب القدرة على الصفاء..
تقول إنك اليوم، كائن مختلف، بروح مختلفة، وقلب، ربما استبدل دماءه فجأة، وانتفض متسامياً مع المطر، متفاعلاً مع حفيف الورق، المبتهل.. بوسعك الآن أن تقلب صفحات التاريخ وتستعيد أشياء ربما خيل إليك أنها اندثرت، لكنها في الحقيقة كامنة، رابضة فقط، ولما سمعت نقرات المطر، استيقظت على الفور، ونهضت، وفركت جفونها، ودعكت عينيها، ومغطت مفاصلها، وطقطقت عضلاتها، لتستعيد قوة، ربما تصورت أنها ضمرت وانغمرت في وحل الذاكرة، لكنها، تنفي كل هذه التهيؤات، وتنتصب.. تبرز صوراً لأصدقاء، وكذلك فتيات صغيرات، وأماكن كثيرة جبتها وأنت صبي، كانت أحلامك كبيرة، ورؤاك واسعة، سعة الفضاء الرحب الذي كان.. تندثر الأزقة الواسعة، التي كانت تفصل البيوت، والساحات الفسيحة، كانت تستخدم ملاعب لكرة القدم، و«العظيم سراً» و«المقصى».. عندما تبحث عنها اليوم، لا تجد غير شبه أنفاق، ضيقة.. تلاشت تلك الأزقة، كما تلاشت أشياء جميلة أخرى.. تذهب بعيداً، وتقفز سدرة ضاحي المهيري، الشجرة العملاقة، الصاعدة إلى السماء.. هنا تحت هذه الأغصان المتدلية، الحبل، بعناقيد النبق، كنت مع الرفاق تلهو، وأحياناً تشاغب، فتنكسر بعض الأغصان، فيهرع ضاحي المهيري غاضباً، حاملاً عصاه، يطارد الصبية الهاربين ذعراً، لكنهم عند ناصية قريبة كانوا يقفون، يتضاحكون، مبتهجين، بنفات المطر، وثمار السدر التي ملأت أحضانهم.. بينما شتائم ضاحي المهيري تلاحق أسماعهم، بلا جدوى.. الصغار لا يعبأون بالسباب، طالما لم يصل غضب العصا، الحانقة إلى ظهورهم.. تذكر أنك كنت كريماً إلى درجة النقاش مع الفتيات الصغيرات ما كان يشعل الغيرة في نفوس أندادك. بل ويعيرونك بمحاباة الفتيات، لأغراض غير بريئة.. كنت تأنف هذا التنابز، وكنت تسخر من اللمز والغمز والهمز، كذلك كنت تتحاشى الاقتراب منهن أمام أعين أقرانك الغيورين.. أبو سيف وحده الذي كان يقف موقفاً بطولياً، مدافعاً عن نقاء طويتك، ويتهم المتنابزين بالسخف.. وكنت تشعر بالفخر تجاهه، ولا تخجل من إفضاء سرك أمامه، وكان ينصت بإمعان وتعاطف، وكان أيضاً يغدقك بالمدح، لشفافيتك وشاعريتك.. وربما كان الصديق، ينذر بسطوع نجم، شاب، مناهض للقيم البالية، متطلع إلى آفاق أبعد.. اليوم عندما تتأمل شخصية أبو سيف، تفهم السجية الحقيقية لهذا الصديق، وتفهم مواقفه البطولية تجاهك في صغره.. كان الصديق يمهد لحياة متحررة، تنازع الواقع برؤى مختلفة.. لكنك تقول: لا يضير إن كان في صغره، ناوأ المغرضين، وحرضك على الامتثال لمشاعرك، لكن اليوم يبدو الأمر نشازاً بالنسبة إلى رجل جاوز الأربعين عاماً.. لا يبدو أنه يسير في الطريق الصحيح..
يتوقف المطر، ويجف الرذاذ شيئاً فشيئاً، من فوق الأوراق، لكن الذاكرة المشتعلة تبدو متوقدة، تخشخش حجراتها، وهي تحرق بعض الأعشاب اليابسة، لكنها في طرف آخر تناوش عشب الذاكرة الأخضر.. تقول: كنت شقياً، ولكنك لم تكن مقداماً إلى درجة اقتحام الحواجز الخطيرة.. وكنت تخاف من العيون المتلصصة، والمنغرسة في أي نبرة صوت تصدر منك أو حركة لا إرادية قد تبديها، كنت تتحاشى الفضيحة وقد كانت العلاقة مع امرأة كانكسار للضوء، الأمر الذي كان يضطرك إلى اتباع تعاليم أمك، كانت تقول لك إياك وبنات الناس، لا تفكر في خدش حياء إحداهن، لأننا في قرية صغيرة، والهمسة تسمع كالضجيج، وكلمة خطأ واحدة يمكن أن تشعل حريقاً.. كنت تتلو على نفسك هذه النصائح، كنت تحفظها عن ظهر قلب، وكانت تتلبد في ذاكرتك كالغيمة السوداء التي لا تنثر مطراً، لكنها تحجب الشمس..
تقول.. إنك ما كنت تستطيع أن تخفي لوعتك تجاه إحداهن، بل كنت تنزوي بعيداً، وتختفي تحت جلدك، وتبكي.. لا تدري لماذا كنت تبكي بحرقة، عندما تستقبل عيناك إحداهن، ثم تمضي، في طريقك وكأنك لم ترَ شيئاً، لكن قلبك كان يدق نواقيس الخطر.. كان يخفق، بألم، وكنت تحاول أن تبدو طبيعياً، لكن عندما تخلو الطرقات من المارة، عندما يستقبلك الفراش تنهض الذاكرة متحدية تحفظك، مناهضة قدراتك الفائقة على إخفاء عواطفك.. فلا تملك غير البكاء، حتى تكاد تفقد صوتك.. بالفعل، كان صوتك يغيب. وأنفاسك تتقطع، ووجهك يشحب، لمجرد أنك تصادف تلك الفتاة الوردية.. كنت تسميها بينك وبين نفسك بالوردية، لأنها من دون الفتيات الأخريات، اللائي كن لا يختلفن عن سمات البيئة الخليجية، بياضهن يميل إلى السمرة، بينما تلك اليافعة البضة، كان بياضها يميل إلى الاحمرار المورد، والشعر الأسود المنسحب حتى الردفين، وعينان واسعتان، شهلاوان.. كنت تقول عنها إنها فريدة لا مثيل لها بين فتيات الحارة، الأمر الذي كان يحيرك حتى إنك كنت تقول: ربما لأنني أحبها، فأنظر إليها نظرة مختلفة.. أميزها عن الأخريات.. تقول.. كنت تحبها.. ثم تهز رأسك، لم يكن ذاك حباً، ولو كان كذلك، لبقيت إلى يومي هذا عالقة في الذهن، بل كان مجرد تعلق، كان حباً عفوياً طفولياً بالأنثى.. أي أنثى.. المهم، لا يجب أن أستغرق الآن في الحديث عن الحب، بل كل ما أريد أن أقوله، أنني كنت عندما ألتقيها في زقاق، أو أراها عند باب بيت من بيوت الجيران، أو أقابلها في عرس من الأعراس، كنت أنقلب رأساً على عقب، ترتجف أطرافي، وترتعد فرائصي، ويتلون وجهي، وينعقد لساني، وأتلاشى إلى لا شيء.. كنت أشعر أمامها باضمحلال، وكانت تتعمد التمختر أمامي، والسير بخطوات تغيبني عن الوجود.. ولا أشك أبداً أنها كانت تعلم بمشاعري، وتلمس ذلك، من تلعثم لساني، عندما تحدثني.. هي التي كانت تحدثني، وأنا أجيب بخنوع، وانكسار مريع.. عندما تغيب عن عيني كنت أحياناً ألعنها، وألعن سلالتها، على الرغم من تعلقي بها، كوني لا أستطيع أن أوقع بصري في وجهها لأتأمل محياها.. وعندما أخطف نظرات من عينيها أشعر بارتجافة كطفل صغير، يحاول أن يخفي سرقة عن عين صاحبها، ألوذ بالفرار، أذهب بعيداً وأظل أمضغ أحشائي، بالخزي وقسوة الإحساس، بالعجز أمام فتاة أريد أن أمتلك رضاها.. وتستطرد: في الحقيقة لم يكن ممكناً، بدافع رغبة جنسية، والدليل أنني لم أمارس العادة، متخيلاً صورتها، بل إن إحساسي بالضمور كان هو المسيطر، كانت تستولي على إرادتي، بحيث لم أستطع حتى إفشاء هذا السر أمام أقرب الأصدقاء.. أبو سيف، الذي كان كاتم الأسرار، لم يعلم بهذا السر الدفين حتى الآن، ولن يعلم به إلى أن يسلم الجسد أمانته.. لا أدري، كيف سكنت تلك الفتاة هذا الجسد، وكيف كانت أيضاً مخيفة. بالفعل كنت أشعر بالرعب والهزيمة أمامها، عندما أقابلها وجهاً لوجه.. لم تكن شرسة، ولم تكن جافة ولم يحصل قط أن عنفتني بكلمة نابية، بل كانت أحياناً تأسرني بكلمات، يكاد ينفطر لها قلبي، وأحس بأنها كانت تتعمد، مخاطبتي بهذه الرقة النادرة، التي لا تخاطب بها أحداً من أقراني، ولكن لا أدري لماذا.. بطبيعة الحال، كنت على يقين أنها لا تكن حباً لي، ولن تحبني، لأن شخصيتها ما كانت مهيأة، لبناء علاقة عاطفية تستمر إلى درجة الحب.. ولو فعلت هي ذلك، لكنت وكانت في مصير آخر..
تقول: ما الحب.. أليس كان ذلك حباً؟ وإذا لم يكن كذلك.. ماذا نسمي مثل هذه العاطفة؟ أهي عاطفة خوف؟ خوف مماذا.. لم أكن أخافها، بمعنى الخوف المتعارف عليه.. صحيح كنت أشعر بحالة مختلفة، ينتابني شعور غريب، فأرتجف ويتصبب العرق من جسدي، وأبدو شخصاً آخر، لكنها لم تكن مخيفة.. المهم في الأمر، أنها فتاة لطيفة، ولم تكن مخيفة..
تشعر بالرجفة.. وتذبل شفتاك، تدخن، تطارد الدخان، أم تحاول أن تطرد ارتجافتك.. تقول: كيف اقتحمتني هذه الرجفة فجأة.. أنا الآن لا أكن لتلك الفتاة أي عاطفة.. لا أكاد أذكر ملامح وجهها.. ما أذكره فقط اسمها.. تتذكر.. اسمها مريم.. مريم؟ أجل مريم.. تنهض قليلاً، تعتدل، تحاول أن تمشي بجوار الحديقة.. ترفع بصرك.. لقد سطعت الشمس، وتلاشت الغيوم إلا من سحابات متناثرة، لكن، السماء لم تعلن توقف البشر، السماوي عن الوصول إلى الأرض.
تحاول أن تتذكر مريم، شخصيتها، أسرتها، المكان الذي تقطن فيه.. مريم، الفتاة التي خضتك، تقول إنك لم تحبها قط، بل كنت تشعر بما ينتاب الطفل عندما يقابل وجهاً مهيباً، وغريباً.. هي التي كانت تقترب منك، تتفرس في وجهك الشاحب، وكنت تتحاشى النظر إلى وجهها، وعندما كنت تسوق نظرة خاطفة، كان قلبك يقفز مذعوراً وكأنه يريد أن يفر من قفصك الصدري، تستلب لمجرد رؤيتك لها، تتلاشى في زاوية قصية حين تفاجئك وجهاً لوجه، في زقاق من الأزقة، وعندما تبتعد مختفية في اللاشيء، تحاول أن تستعيد صورة وجهها، المزدهر بأحلام أبدية، ترفض أن تشارك رفاقك اللعب، تنحط في ركن منسحقاً بأشواق خفية مبهمة، قوة غامضة تهاجمك، تفنيك، فتغيب في ظلمات مشاعر شائهة الملامح.. مريم هذه، بنت الحاج ضاحي المهيري، هو نفسه صاحب السدرة العملاقة.. رجل جهم، مكفهر، حانق دوماً، لا يحب الصغار وهم يلعبون بجوار بيته، يقف دائماً أمام باب الفناء الواسع، مستفزاً، مستنفراً، متلصصاً، متفحصاً وجوه الصغار، عندما يمر صبي بجانب باب بيته المغلق دائماً، كان يستوقفه، يحقق معه، يهدده بألا يسرق النبق المتساقط على الأرض.. والعصا الطويلة تهتز ورعاً بين يديه.. الحاج ضاحي المهيري كان يهدر دائماً، زاجراً الصغار بألا يعبثوا بالتراب بجانب بيته.. ومريم ما كانت تطل بهيئتها البهية، في حضور أبيها، كانت تلوب من بعيد، من دون أن تشعره بأنها حاضرة، وكنت ترتعد لمجرد أنك تلمح عينيه الحمراوين، ووجهه المجدور.. لم يكن لمريم أشقاء ولا شقيقات، كانت الوحيدة وأمها النحيلة البائسة لا يسمع لها صوت، بل كانت امرأة تجزل كثيراً في الطاعة العمياء لزوجها الطاغية..
تقول إنك كنت تسميه الطاغية، لأنك تهابه، وتخشاه، كما تخشى النظر إلى ابنته.. وقد ذكرت لك أمك، عن حادثة مهمة، أن ضاحي المهيري تروى عنه القصص في شبابه، أنه تشاجر مع أحد الجيران، فضربه ضرباً مبرحاً، حتى أماته.. مات الرجل ولم يقتص من ضاحي المهيري، لأنه رجل نافذ، وصاحب جاه، ومكانة عالية، لدى الحاكم.. كان صوته الهادر يهز أركان القانون فيلجمه عن قول الحقيقة.. من ذلك الوقت وكنت تهاب هذا الرجل.. ولكن، ما يجعلك في حيرة من أمرك، لماذا كنت ترتعش وجلاً، من مريم.. لم تكن مريم بسحنة أبيها، الواجم، بل كانت سمحاء، هيفاء، ممتلئة بمشاعر جمة.. رغم أنها ما كانت تظهر ما تكنه، لكنك كنت تستشف ذلك، من خلال استثنائك في الحديث، دون سواك من أقرانك.. إذاً لِمَ كنت تخاف منها؟ تقول، وأنت تستدعي كل قدراتك، وطاقاتك في علم النفس، لكنك لا تجد العلة التي تجلي لك الحقيقة.. الحقيقة التي تبحث عنها هي خوف الآخرين من أم الدويس.. ما هذا الخوف الذي يبدو طلسماً.. تستدرج الذاكرة، تفتش في الباطن، تسأل نفسك.. ما كنه هذه العاطفة التي كنت تبطنها لمريم، فإذا لم تكن حباً.. فماذا هي؟ تهز رأسك، تدخن ثانية، تنفث الدخان بكثافة.. تتقطع أنفاسك، وكأنك قطعت مسافة شاسعة جرياً.. تقول.. بلا شك أنني جريت كثيراً، ما فعلت في الدقائق الفائتة كان جرياً خلف قصة غابرة، نبشت كثيراً، فتشت، ولم أعثر على ما يشبه الحقيقة.. بدأ ضوء النهار يعثر على خطواته الأولى، ومشت، الشمس في السماء متنقلة مسارها الطبيعي، ونمت على الأرض، بعض خصلات عشبية، خضراء متمايلة مع النسيم وتفتحت خياشيم زهرات اللوز تحف أنفك برائحة زكية.. بينما جدلت النخلة قمتها بعقوص السعف، المستحم تواً، بالرذاذ، تمايلت الأشجار، وأنت تميل إلى أن تقتنع أن المثول أمام الطبيعة أمر يشيع البهجة، ومهما اكتأبت الجهات بغبار الاحتمالات السيئة، إلا أن ما تفعله الطبيعة يخلي سبيلك بقدر ما، ويجعلك تتنفس الصعداء.. الطبيعة بكل مكوناتها لا تخيف حتى الأشياء على غير هيئتها الطبيعية، كما تصورت مريم.. تتعلق بها ولا تعترف بأنك تحبها.. تتحاشاها، ولا تقول إنك كنت تخافها.. إذاً ما هذا الإحساس الذي كان يستولي على روحك؟ ما هذه المشاعر التي لا تجد لها تفسيراً علمياً.. ألست أنت كائناً غريباً؟.. تقول: الأشياء المجردة لا تتجسد لمجرد أننا نحاول أن نصنع لها تمثالاً من طين.. أم الدويس شيء مجرد.. الآخرون يجسدونه، في هياكل شبه مستحيلة، لذلك لم أزل أبحث عن الحقيقة.. كذلك مشاعري تجاه مريم.. حاولت أن أجسدها، في هيئة ما.. وكلما حاولت شعرت بالاندحار، الأمر الذي يستدعي مني جهداً مضنياً، كي أقف على الحقيقة.. لا حقيقة دامغة مائة في المائة، لكنها قد تكون شبه حقيقة وهذا يكفي لأن أقتنع بأنني توصلت إلى النتيجة التي تحقق ذاتي.. ثم تقول: ما هي ذاتي؟ أليست هي جزءاً من هذا النسيج الكلي الذي نسميه اللاشعور الجمعي، وهذا الكائن الخفي لم يزل خفياً، غامضاً، غائراً في الأعماق..
لكنه مؤثر جداً.. قوي جداً، إلى درجة أنه يحيل شخصية عاقلة إلى مجنونة، إذا ما غضب هذا اللاشعور، أو تهور، أو شعر بأنه في حال الخطر..
تصمت قليلاً.. ثم تزعق.. قائلاً: الآن تذكرت.. نيران.. تشبه إلى حد كبير مريم.. للوهلة الأولى عندما شاهدتها أيقنت أنني أعرف هذه الفتاة، منذ زمن بعيد، وأنها ليست غريبة على عيني.. تصهدت.. ارتعبت، تلبستني حالة من الهوس، وتخيلت أن اقترابي منها أكثر يعرضني للخطر.. خطر ما لا أعرف مصدره، لكنه قد يكون رجلاً قوياً قد يداهمني وأنا متلبس في ارتكاب الجريمة، فيقصم ظهري.. خيال ما لاحقني، أشبه بخيال ضاحي المهيري، ولكن ما يدهشني، ما الذي جعلني أستدعي في نفس اللحظة صورة مريم، وأدمغها في صورة نيران، وأضع الاثنتين في قالب واحد، وأقول إن نيران هي مريم، على الرغم من أن ما يفرق بين الاثنتين، أكثر من أربعة عقود من الزمن.. أليست هي مقاربة مشينة؟ عندما وقفت نيران قبالتي تخيلت وجه مريم، قلت هذه هي، فجأة ترددت، تقهقرت، كدت أزعق بصوت مزمجر، وأفر هارباً كالمطارد، لكني خشيت من الفضيحة، رجل تجاوز الأربعين، وقارب الخمسين يصعقه وجه امرأة، جميلة، ويهرب وكأنه فوجئ برؤية وحش.. بالطبع سوف تهزأ مني نيران، بل وتفزع من رجل يتصرف بجنون المصابين بالهستيريا، وأيضاً سوف يسخط من سلوك الناس الذين يجوبون الصحراء، وقد يلاحقونني، وقد يصفدونني بالأغلال، ويقتادونني إلى مخافر الشرطة.. الفضوليون كثر، الفارغون يملأون الصحراء القاحلة، فماذا يمنعهم من أن يتعاملوا معي كلعبة يلهون بها، ساعات فراغهم الطويلة..
يعن عليك أنك، وقفت مبهوتاً، وارتبط لسانك عن الحديث.. حاولت أن تحرك شفتيك، فلم تفلح، فتنحيت جانباً، بينما كانت نيران، تعبث بخصلات شعرها، وتغنج بنظرات خفية، وكأنها البصيص القادم من الغيب.. تقول إنك حاولت أن تتوارى شيئاً، فكرت أن تلعن سلسبيل هذا الرابض داخلك المتربص بك، لكنك أفضيت إلى الصمت، وما كان بوسع نيران أن تفعل شيئاً غير أنها تناولت غصناً من شجرة الغاف. وراحت تلوح به في الفراغ، وكأنها تريد أن تقول لا جدوى من الصمت.. وكنت أنت تراوغ في مكانك، تلهج بلواعج، محتدمة، وتخفي في جوفك، نيران استعر وقيدها، تصورت نفسك أنك المحاصر بين فكي كائن مفترس.. وتقول.. حاولت أن تبتعد رويداً كي لا يغشيك الشعاع، أو هكذا تذرعت، كونك لم تجد الحيلة المناسبة، التي تنقذك من ورطة الموقف المريب..
استربت كثيراً، احترت، احترقت، توسلت إلى قلبك، أن يمهلك قليلاً فقد تعثر على الكلمة التي تفجر الأرض، لتنسل الينابيع العذبة من فجواتها.. لكن أيضاً دون جدوى.. ونيران تزهو بكبرياء أنثوي، مدمر، تهز تراتب الأرض، بهامة هيفاء.. تسجد لها، إخفاقاتك النازفة، عجزاً واضمحلالاً وضموراً.. شعرت بأنك ضمرت حيال نيران، كما كنت تنكمش في عيني مريم، وتفنيك نظراتها.. تهز رأسك، تريد أن تتخلص من هذا الوهم، تقول عنه وهم، لأنه لا سبيل للحقيقة أن تكون نيران هي مريم، فقد ذكرت سالفاً أن ما يفصل بينهما عقود من الزمن، والزمن لا يستولد أشياءه من رحم الفراغ.. مريم كانت صبية، قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ونيران، اليوم، ترفل بريعان شباب، وكواعب أتراب، ولا شيء يدنيها من تلك.. إذاً لماذا توحدت الصورة؟ ألمجرد خيال.. تقول إنك، لم تحب نيران، ولن تحبها، ولكن، هناك قدرة ما تدفعك إلى أن تعرف سر تماثلها أمامك.. كيف خطر لها أن تتخايل أمام رجل، على الأقرب في سن أبيها.. وما سر ملاحقتك لها.. ماذا تريد أنت من معرفة كنه مشاعرها.. وما ظنك بهذه المشاعر؟
تقول.. تعبت.. فعلاً تعبت.. أريد أن أستريح قليلاً..
عند منتصف النهار، تمدد الشجر الأخضر، الملتمع، برونق الانتعاش، بعد صباح متعاف بالمطر، والنسيم الأنيق، وقف رجل، شاحب شحوب الموت، متكئ على عصا احتمالات البقاء منتصباً، كان وجهه شبه جمجمة قديمة، بارزة العظام، المصبوبة، كقطعة خشبية عديمة الجدوى.. كان ساهماً، متفكراً، يحدق بعينين غائرتين، مغشيتين ببياض السنين العجاف.. نظرت إليه، وكان قلبك يهتف بحبور بما تمتعت به الطبيعة من زهو وفخار، باليوم، المستحم، بعزيمة السماء السخية.. تقول إنك شعرت برغبة جامحة، لتقصي جذور التاريخ وأنت تحثو السواد بدخان سيجارتك.. ورغم عتو السنوات على وجهه، لكنك عثرت على طفولة بهية ترقص على الملامح، السمحة.. سرت صوبه، اقتربت منه، ألقيت التحية، وجنحت صامتاً متأملاً، مستقرئاً عنوان الدلالات المتسلقة على جبال الحمم البشرية، المسلوبة سلباً كأنها اللقى والأحفورات.. تطلعت إلى الوجه، كان يردد تمتمات مبهمة لم تفهم سر خروجها من الشفتين الذابلتين، لم تفقه ماذا كان يقول، لكنك كنت على يقين أنه لم يكن في حالة نفسية متسامية، بالفرح.. الوجه المكتئب لا يفسر معنى للفرح، والصمت المطبق يعني أن انشغالات ذاتية تجري مياهها في شعاب الوادي المقفر.. توجست برهة، وكنت تساوم نفسك على البقاء، حتى وإن صار الصمت، كلاماً يكفي لأن يفصح عن كآبة مزرية.. تقول إنك، لا تدري ما الذي دفعك إلى أن تقتحم عالم إنسان اشتق من هذا الكون الوسيع جزيرة صغيرة، ووقف يحدق في اللاشيء.. بعد مضي فترة وجيزة.. التفت إليك، قال في لهجة مقتضبة: المطر في هذا الموسم، المبكر، لا يبشر بالخير.. يفتك بالنخل، ويخرب طلعها، ويطيح بنبق السدر قبل بلوغه.. ثم يتأفف.. ويلتفت جانباً.. تقول: لكننا بحاجة إليه، ليغسل الأرض من الغبار..
يهمهم في ضحكة ساخرة.. مبطنة.. يغسل ماذا.. ويطهر ماذا؟ الحياة كلها خربة..
تبهت.. تقول: الحياة رائعة يا شيخ..
يقول: بل مروعة..
تقول: لماذا تنظر إليها، بعين البؤس؟
يقول وهو يزم بوزه: لم نجد منها ما يفرح..
تقول: هل لديك ما يتعسك إلى هذا الحد؟
يقول: بل قل هل لديّ ما يغبطني؟
تفغر فاك.. تقول: ألهذا الحد أنت يائس..؟
يقول: لمجرد مطر ضئيل صار البيت كحوض سباحة..
فهمت ما يزعجه.. تقول.. ألم تستعن بالإسكان..
يشيح جانباً.. يتمتم.. الإسكان، مسكينة.. والناس أمثالي لا تعرف عنوانهم..
تقول: ألم يبنوا لك بيتاً؟
يقول.. مقطباً.. لا طبعاً..
تقول: لماذا؟
يقول: قلت لك، لم يستدلوا على عنواني ولا اسمي بعد..
تقول: لكنهم، أنشأوا الكثير من البيوت..
يلتفت ناحيتك.. لغير المحتاجين..
تقول: كيف؟
يقول: هم هكذا، يتناولون الأيدي الطويلة، أما أنا كما ترى ليس لي يد طويلة، إلا هذه العصا، التي لا تقتادني إلا إلى المسجد، ومن المسجد إلى البيت، وأحياناً أستعين بها لأقضي ما أنتفع به من السوق..
تقول: ألم يساعدك أحد..؟
يتنهد تنهيدة، شقت صدره، ثم يطرق في أسف قائلاً: كان زمان الذي تجد فيه المعين من الأهل والأقارب، والجيران. أما اليوم، فلو شق صوتك عنان السماء، وصرخت حتى يبح صوتك فلن يلتفت إليك أحد.. ثم يستطرد.. ما يخيفني أنني أخشى أن أموت، وأفطس في بيتي ولا يعلم بي أحد.. وهذا ما سيحصل بالتأكيد..
تقول: وأبناؤك.. أليس لك أبناء..؟
يقول متحسراً: جميعهم ذهبوا بعيداً. كلّ انشغل بحياته، ونسوا الأب، الذي شقي وتعب وربى، وعانى في تربيتهم..
تنظر إليه.. تتفرس في وجهه، تغرق في المحيط الهادر، ومشاعر جمة تقتحم ذاكرتك، يسود الصمت، لكنك تغوص في جحيم الخوف.. تقول في نفسك.. الذي له أبناء يصفق اليدين بحسرة الفقدان، فكيف سيكون حال الذي لم يتزوج.. ولن يكون له أبناء؟! يقشعر بدنك، يتلبسك ذعر، وأنت تتصور هذا الرجل الواقف أمامك، وقد سلم الأمانة، ونام، في السكينة الأبدية، ولم يجد من يغسل بدنه ويكفنه ويحمل نفسه إلى النهايات القصوى.. تقول: سأكون مثل هذا الفطيس الذي نفق في غيبة الناس والأهل، وعاثت الديدان في جسده، وفاحت رائحته النتنة، ولم ينتبه إليه أحد، ولن تأتي الإسكان، لتبني بيتاً، لمواطن احتالت عليه الأزمنة فحولته إلى رفات ضائعة في حشد من الحشرات والدواب آكلة لحوم البشر.. بل سوف يقتحم رجال الإسعاف والإنقاذ، لينتشلوا الجثة الهامدة، من بين أنياب الدواب، ثم تلف في قماشة بيضاء، كما تلف الأشياء التالفة، ويقذف في حفرة ضيقة، تغيب به إلى الأبد، ولن يسمع به أحد، وإن سمعوا سيقولون: كان يسكن هنا وحيداً.. انبجس قلبك وأنت تجسد الصورة المأساوية، وشجنت روحك وأنت تعكس وجه الرجل الواقف أمامك، وكأنه مات فعلاً.. وكأنك تلبست الدور، وانحشرت على سريرك، مسجى بلا حراك إلى أن تلقى مصير الرجل المتسمم بخيالات سوداوية.. تنسحب رويداً رويداً، دون أن تنبس بكلمة، تتلاشى من أمامه، كالضائع في أتون الأرض المتآكلة بالإخفاقات والويلات، وهزائم الناس، الذين ليس لهم ولد، ولا سند غير الكمد، وحزم الفقدان، المتلاحقة إلى أبد الآبدين.. داهمك الخوف، وربما لأنه القدر الذي ساقه في طريقك لكي يخطف فرحتك بالمطر.. تقول: كم كنت سعيداً بالنث الندي، كم كنت ثرياً بالفرح الهاطل من السماء فجأة.. وأنت تغيب، ولا ترى غير شبحه، تقول: ما الذي جعلني أتطفل على الرجل، لأنبش أغواره المفعمة بالحزن اللئيم..؟ لم يكن حزيناً فحسب، بل كان خائفاً، وعلى الرغم من أن كل كبار السن يداهمهم الخوف من الموت، إلا أن خوف الرجل كان أكثر شراسة من خوف الطاعنين في السن، كان هو أيضاً شرساً، في تجسيده للمأساة، كان محطماً، كأنه الزجاج القديم المهشم على قارعة الطريق..
تقول في أسف: لم يكن نهاراً طيباً، لم يكن لقاءً حليماً، وكنت متيقناً للوهلة الأولى أنه كائن بشري، جاء من غابة مقفرة، وكنت أشعر بأنه لم يختر هذا المكان الزاوية القريبة من الحصى المتناثر على التراب، لأجل التأمل في قرص الشمس المستدير، اللامع، كعقد ذهبي، رصع على نحر يافع.. كان ينتهي إلى ضياعه، مسترسلاً في رصد اليباب المهيمن.. لكنني اقتربت منه، بسملت وقلت لأقتحم عزلته.. كانت عزلة أشبه بالموقد، المتصهد بخشب النيران، كانت نيراناً بألسنة جحيمية عاتية..
تقول: الوحدة تشكل الحياة بألوان قاتمة، تذبل عندها أوراق العمر، ويخذل الروح، العصيان، المتهور وتدهور العزيمة.. لم يكن الرجل يتحلى بأقل القليل من البهجة، كان يفكر في المغيب الذي يتمناه أن يأتي، ليهجع إلى مضجعه وينام، فقد تكون النومة الأخيرة، كان يحزم حقائب السفر إلى المجهول، بعد أن نهرته الجهات، وتأسفت الحياة عن مده بحبل النجاة.. عدت إلى مخدعك، مرتعشاً، راجفاً، واجفاً قلبك، داهمك خوف مريع، استوطنك غصباً، تحاول أن تطرده، تحاول أن تستعيد لحظة من لحظات النهار التي مرت بمطرها السخي، لكن دون جدوى، طوقك إحساس رهيب وغريب.. الوحدة، وتبكي، ثم تأخذ سيجارة، وتدخن، تضع يدك على صدرك، وتقول: أخشى أن تكون هذه السيجارة الأخيرة، الدخان الكثيف يخنقك، يأسر حنجرتك، وتستريب من المبالغة في التدقيق.. تقرأ التحذير على طرف علبة السجائر، «التدخين سبب رئيسي في أمراض الرئة، والسرطان».. تطفئ السيجارة، في المنفضة، تطحن العقب بين أصبعيك، ثم تطرق يدك متخلصاً من الرماد.. يحتويك الخوف من العزلة، من السيجارة، من لا شيء، لكنه خوف عملاق وضخم، يتأهب لينشب أظفاره في عنقك وتتهيأ أنت للهروب، تنهرس تحت الملاءة القطنية، تغطي وجهك، أنفاسك المتقطعة تصدر خريراً مخيفاً، تخاف أكثر، تريد أن تهرب، وأن تفر من خوفك، تتجمد تحت اللحاف، تهمد ويبرد جسدك.. تشعر بالجوع، لكنك تفقد الشهية لتناول أقل القليل من رغيف الخبز، وشرائح الجبن المعتادة..
تقول، منذ متى ولم أذق طعم الأرز..؟ الأيام تمر وتخذلني بمشاهدها المخزية.. آخر مشهد هو هذا الرجل المستلب، كان يجلب الفراغ، ويرضع من ثدي الفقدان، ريقه الناشف يدل على أنه لم يذق طعم الأكل.. عظامه النافرة تند عن فقدان شهية.. نظراته الصفراء، ووجهه القاني، حكاية أسطورية مفزعة.. تحاول أن تزعق لتطرد الخوف، تحاول أن ترفس الملاءة، لتكشف عن جسدك، لتتأكد إن كان موجوداً أم انكمش إلى غير رجعة.. ترى الأشياء تضمحل، وأنت تذبل، وخوفك يكشر عن أنياب حادة.. تقول: هذا لم يكن قط خوفاً وهمياً، كما رأى أبو سيف، هذا خوف حقيقي رابض في أحشاء الكون، كله.. الذين يخافون محقون في مشاعرهم، لأن الهزيمة هي الحقيقة الدامغة.. تصمت قليلاً، تسمع صوت مواء، من خلف النافذة، تتيقن أنها قطة، تجوس بحثاً عن طعام.. أو ذكر.. ربما أنها تهفو للمضاجعة.. ولكن، عادة القطط أنها لا تبحث عن ذكورها إلا في أنصاف الليالي.. والوقت لم يزل في ريعان شبابه.. تحاول أن تتجاهل المواء، تحاول أن تمكث على السرير، كي لا يتلقفك الخوف، آتياً من الفراغ..
تقول.. لقد صار الخوف، كائناً حياً، له أنياب، ومخالب، وعينان حمراوان، ووجه محتقن بالعدوانية.. أصبحت على يقين من أنه يستطيع أن يستولي على أي إنسان يريده. كما تفعل أم الدويس.. تردد.. أم الدويس.. أم الدويس.. هي الخوف بذاته، بشحمه ودمه ولحمه.. أم الدويس التي أبحث عنها في كل مكان، تسكن في كل مكان.. ربما تكون القطة الحائمة حول النافذة، هي نفسها أم الدويس.. تتوجس.. تقول: لقد اتهمني أبو سيف بالمعقد، قال إنني إنسان مصاب بمركب نقص.. كوني أرفض الاقتراب من أي امرأة.. تستدرك قائلاً: الصديق النزق يريدني أن أكون دونجواناً، وإلا سيصمني بعار العقدة النفسية.. من المخزي، أن يتبرأ منك أقرب الناس إلى قلبك، وينبري، كالقاضي الجهم، يحكم بالإعدام، من دون أن ينظر في تفاصيل القضية الأساسية.. أنا أحبه، وهو يخذلني بعباراته النابية.. يهدأ روعك قليلاً، تشعر بأنك تخلصت من ربقة الخوف، أو أنك تحاول أن تتحرر من مخالبه المسننة.. تنهض من الفراش، تغادر السرير، وتفتح النافذة.. تنظر إلى المدى البعيد.. مازال الرجل الكهل يربض في مكانه، وربما يريد أن يشهر موته ولا يود أن يغطس في مأواه المنزلي.. بعد أقل من ساعة، سوف تحط الشمس في مكان آخر، وتترك لنا الظلام، تنغرس في المساء الرمادي، وقد غطت الظلال مساحة واسعة من الكون، حتى بدا وجه الرجل البعيد أشبه بسحابة صغيرة قاتمة..
أغلقت النافذة، عدت إلى مأواك، اضطجعت ودفنت رأسك في الوسادة، تقول: كل هذا التلوث الذي يطوق الأرض وما عليها لم يقتل الناس إلا السيجارة.. هذا وهم طبي جديد.. وقد تكون حرباً ضد صناعة السيجارة.. تدخن، تنفث الدخان بشهية منفتحة على الحياة.. تستمر في نفث الدخان، ويستمر الدخان يحوم حول رأسك، فالهواء المحتبس في الغرفة لا يحرك ساكناً.. ترفل قليلاً بنشوة الحياة، تبتعد رويداً عن المنطقة السوداء، وتحتل جانباً من التفاؤل.. تقول: لقد اشتقت إليك.. يجب أن أزورك غداً، رغم نذالتك أحياناً.. تقفز مريم، فجأة، تحت الضوء الخافت، تتسلل تحت الملاءة، تداهمك، بلمسة حانية، تفر أنت، وتشهق شهقة، تشق عنها صدرك، الواهن.. تريد أن تشرب ماء، تريد أن تبل شفتيك بالماء لا الرضاب.. تزيح الملاءة وتنزع غطاء القنينة الصغيرة، تدلقها في جوفك، دفعة واحدة.. ثم تعود متسللاً إلى الفراش، بهدوء تقول: كيف اجتاحتني فجأة، من دون سابق إنذار.. ربما لأنني تذكرت أبا سيف..
تقول الأفكار كخرز المسبحة، تتتابع، وتتلاحق بين أصابع الذاكرة، وكلما انتهيت من فكرة غزتك أخرى، وبنفس الوميض.. أبو سيف الوحيد الذي يملأ مخيلته بصورة مريم.. تتصفح دفتراً قديماً، تخرخش الصفحات بين أصابعك، كالأفكار التي تعبث بذهنك، بعض عبارات سجلتها، في هذا الدفتر، مليئة بالخربشة، والكلمات المبهمة.. تقول: هذا الدفتر أهداني إياه أبو سيف، قال لي خذه هدية، وسجل ملاحظاتك اليومية، تفيدك في بحثك، لكنني لم أسجل فيه ما يفيد.. مجرد جمل متنافرة، لأفكار مبعثرة.. طويت الدفتر، ركنته جانباً.. داهمك التعب، فاستلقيت ساهماً، مبحلقاً في سقف الغرفة.. وبعض شظايا الخوف، تلسعك كالإبر المسننة.. مازلت خائفاً..
تقول: أحلم غالباً بأن تعود بي الأيام، لأعيش في بيت الطفولة، المنزل القديم، المحفوف بأشجار اللوز والسدر والنخل، وشجرة التين العملاقة التي كانت تتدلى أغصانها، ثمار التين اليانعة والتي كانت محط أنظار أطفال الجيران.. أحلم، والأحلام حق مشروع لأي إنسان، ولا يستطيع أن ينازعك عليه أي كائن كان.. البيت القديم، الذي نشأ من الطابوق والأسمنت، وغرفه المسقوفة بالألواح الخشبية، المعمدة بجذوع الشجر.. شجر الصنوبر.. وحيث الفناء الواسع، المفتوح على السماء والنجوم، والقمر والشمس، ثم البيوت المتجاورة، متلاصقة الجدران، والأشجان، وقد تفصل بعضها أزقة ضيقة حالمة برائحة التراب، وصراخ الصغار، العابثين في الرمل، في احتفال وجودي مثير.. أحلم، غالباً بأنني أنام على السرير الخشبي، الممهد بحبال مشدودة، ومجلودة، ومعقوصة أطرافها، عند العوارض الخشبية، وعليها يطرح مهد الهدوء، والسكينة، وأحلام الطفولة، وابتسامات ما قبل النوم، وشخير السبات العميق، الذي لا تنغصه كوابيس، ولا تنكده عوارض ليلية مقلقة.. وأنا هنا على هذا المخدع، المصنوع من نشارة الخشب، الصاخب بصريره، وتوجسه من أي وعكة صحية تلازمه إثر انفكاك مسامير الغش التجاري، أتقلب، وأحبس أنفاسي، وأنظر إلى السقف المسلح بالحديد والقوالب الأسمنتية الصلبة، وأنطرح على الفراش، كمن ينتظر لحظة النطق بحكم الإعدام.. لا أدري لماذا دائماً تلاحقني هذه الرجفة، لا أدري لماذا أفكر بسوداوية مقيتة، وأتجرع الخوف من أن يداهمني خطر من أي جهة ما.. لم أرتكب أي جريمة، لم أخطئ خطأ يستحق هذا الذعر، ولكن إحساسي يقول إنني سأواجه أياماً عصيبة، ما يجعلني أتوجس دائماً.. ذاك الرجل الأشيب، قصم ظهري عندما أبدى تشاؤمه من حياته السالفة، والمقبلة، شعرت بأنني في حديث شخص ربما يشبهني، وعندما حاولت تهدئته، وكأنني أريد أن أهدئ نفسي..
أحياناً تقودك الصدف إلى مواقف، ومشاهد، تبدو كأنها حتمية.. أشخاص، يقابلونك لا تعرفهم، ولا علاقة لك بهم، لكنهم ينطقون بلسان حالك.. لم أصب بالدهشة عندما تمتم متذمراً من حاله، لأنني ربما كنت أحمل نفس الهواجس، وعندما فضفض عن باطنه شعرت بأنه يعبر عني لا عنه فحسب.. شيء من السعادة انتابني، لمجرد شعوري بأن شخصاً ما يعاني، على الرغم من إحساسي بالغبن، عندما يشاطرك الناس همومك، تهون عليك، تخفف عنك، فلا يغبن الإنسان إلا إحساسه، بالتفرد بالمصيبة.. لذلك فدائماً ما أحلم بالمنزل ذاته، لأنني عندما أتخيل النساء اللائي يزرن أمي ويجلسن في فناء المنزل، في أوقات المساء، بعد أن تحط الشمس رحالها، ويغط الطقس، في خميلة الجو البارد شيئاً ما، وتدار الأحاديث الوردية، على رشفات القهوة المحمصة، والشاي أبو وزة، تصير السماء زرقاء، والأرض مورقة بنعيم الأصوات الهامسة، النساء لا يتحدثن إلا عن أزواجهن، ومغامراتهن الليلية، يغمزن ويلمزن وتطير الألسنة من الأفواه المفتوحة، مبللة بالريق، المعشق بلون الشاي والقهوة.. والصغار يسترقون السمع، ينصتون بإمعان، يستلذون بالعذوبة، وتستهويهم المحطات الدافئة في محيط النساء..
جداول من الكلام تسيل وهن يقشرن حبات عباد الشمس، أو البيذام، أو الجوز، أو الميز، ويقذفن بالقشور، عند منتصف السيقان المفرودة فرداً كأنها أعواد منسقة بألوان قوس قزح، بالسراويل الشفافة، الفضفاضة، ما يمتع أجسادهن بحرية الحركة، والانعتاق، من أطواق السراويل اللاصقة.. وعند الدكك المقابلة عند أبواب البيوت، يتسمر الرجال يتسامرون، ويستعيدون في لغة الكلام حديث الذكريات.. وكما أتذكر الآن وقتاً مضى، كانوا هم يتذكرون أوقاتهم المنصرمة، وينصرفون في سجال حميم، ينبت أعشاباً خضراء، عند الشفاه المنمنمة.. عندما أحاول أن أعود من مسافات بعيدة في الذاكرة، أشعر بصعوبة التقهقر، وكأنني أنوي أن أعبر وادياً سحيقاً أو جدولاً عميقاً، أنظر إلى نفسي، أنظر من حولي، أفكر ملياً، ثم أعبر لكنني أعبر على مضض، لأن العبور إلى ضفة مجهولة يجعل من المجازفة شيئاً عصيباً، لكنني لا أستطيع أن أمكث في المكان نفسه، عند نقطة الصفر، فلا بد لي أن أعبر وأن أجتاز المسافة الواسعة، لأكتشف أنني بعد حين وطأت مكاناً جديداً، لكنه غريب، مشحون بكل ما يثير الريبة، في النفس.. رحلت إلى أماكن متعددة، خضت في شعاب ووديان وقفار، وكانت قوة خفية تدفعني إلى أن أغامر، وأمارس هواية البحث عن المجهول، أقول مجهولاً وربما يكون كذلك، لكنه بالنسبة إليّ أصبح ملحاً، وضرورياً، كوني أريد أن أمسك بزمام قضية أضحت ذات أهمية قصوى.. لقد هزأ بي صديقي أبو سيف، وضحك ضحكات مجلجلة، كوني قلت إنني أريد أن أعرف عن جذور أم الدويس، واعتبر ذلك شيئاً من الجنون، في أن ينبري شخص في هذا القرن الواحد والعشرين، ليبحث عن خرافة.. قد تكون خرافة، ولكن أريد أن أسأل عن حقيقة الخرافة، وكيف اتحد العالم أجمع على الإيمان بها.. لكنه لامني كثيراً، وعندما اصطحبني إلى الشيخ ضاوي، إنما رافقني مجاملة، وكان ينظر إلى الشيخ بنظرات لا مبالية، وكلما غاص الرجل في التفاصيل، وبحلق عينيه، لكزني بكوعه، حتى خشيت أن ينتبه الشيخ، وتكون بالنسبة إليّ فضيحة، فأنا الذي جئت أسأله، فمن الواجب أن أنصت وأحترم تعاطيه مع القضية بكل جدية، وحماسة، وإخلاص. لم يكن صديقي مقتنعاً، كما أنه لم يقتنع بأي شيء، هو في شخصه متذمر، ناقم، هازئ، مستخف بكل شيء، لكنه لا يقدم بديلاً، الشيء الوحيد الذي أنتجه عقله الجبار هو العزلة، وامتهان النساء، كأوعية يقذف في أجوافهن حثالته، ثم يلعق رضابه ممتلئاً بالفخر والاعتزاز بما أنجزه من مشاريع خيالية لا تخطر إلا بباله هو..
تطل من النافذة، تقول: الوقت يمضي، كما أنه يستعجل، مجيء نهاية البشر.. لون رمادي، يكسو المحيط المجاور، وبعض الظلال، الخفية، وأضواء نيون، بدأت تشع بأنوارها على رؤوس الأعمدة الحديدية، وكذلك بعض البيوت، التي أضاءت أفنيتها بالمصابيح الصغيرة.. اختفى الرجل، كما اختفت المنازل المقابلة، للقرية القديمة.. بيوت المعيريض الأزلية، لا تبدي وجوداً بعد مغيب الشمس، تطمس رؤوسها في الرمل، لتصحو في النهار الثاني، وهكذا، الناس الذين في الأزقة أشبه بالأشباح، وأغلبيتهم من الغرباء، الذين هطلوا مع هطول النفط، في أماكن متفرقة من البلاد عدا هذه البقعة الشاحبة.. تستغرق وقتاً طويلاً، وأن تغرس ناظريك في العتمة لتحدد ملامح البيوت، وتتوخى صبراً في تحري الرؤية الجيدة، للأزقة السوداء التي بدت كخنادق مهجورة.. لكنك لا تستطيع التخفف من وزر هذه المشاعر الدفينة، المتدافعة كالشلال، عندما تطل على الأطلال، ترى أمام عينيك مشاهد، وشواهد، تاريخاً، تجلى بعضه، وانجلى بعضه، مطموساً في ثنايا هواجس ما.. تفتح علبة السجائر، تدخن، ثم تعود إلى النافذة، تقول: النافذة، الصديق الوحيد الذي لا يكذب، ولا يخون.. تريك الواقع كما هو، لا تصفق ولا تلفق، فأنت تحدق في المكان تراه كما هو، وعندما تقفل الضلفتين، وتطرح جسدك المتعب على الفراش، فإنها تظل تحرس المكان لتعود أنت ثانية، وتجده كما هو إن لم تغير فيه يد الإنسان.. تقول: صرت أحب النافذة، وأشفق على صمودها الأبدي، وهي تقف مصداً صلداً في مواجهة الأمطار والرياح، وعيون المتلصصين، ومخالب الكائنات الفضولية، فالنافذة ليست أفواهاً مفتوحة، بل هي أيضاً صناديق أسرار وحافظات لنوايا وقيم.. يعتم الوقت، تودع مفتوحة، وتعود إلى سريرك، تستلقي بعد أن أطفأت السيجارة المشتعلة، وأطفأت أيضاً بعض حنايا الصدر المشتعل، بالكون.. تقول: أريد أن أجوب ثانية في الصحراء.. وأزور صديقي أبا سيف..



منذ أربعين عاماً تقريباً جاء إلى هنا رجل إنجليزي كان يدعى مايكل، وبعد فترة من الزمن غير اسمه الإنجليزي، وأطلق على نفسه اسم سالم، كان رجلاً نحيفاً، طويل القامة، أشقر الشعر، وسيماً، وهو في سن الثلاثين.. كان دمثاً خلوقاً، لطيفاً مرحاً بشوشاً، الابتسامة الرقيقة لا تفارق محياه الصبيح.. يشارك الناس في أفراحهم، وفي أتراحهم، في الأعراس تجده حاضراً، ينشط بحيوية وكأنه من أقارب أحد العروسين، وفي الولائم يأكل بيده، ويقطع اللحم المقدد بأسنانه، ويرقص، ويردد الأغاني الشعبية، بطلاقة بعد أن أجاد لهجة البلد.. وكان الصبية والشباب، يلهجون باسمه، ويبحثون عنه ويسألون عندما يغيب.. أحبوه كثيراً، تحمى الطبول، ويرتفع التصفيق، يدخل سالم في حلقة الرقص، ويرقص ويهز كتفيه، وردفيه بجدارة الأشخاص المتمرسين، ويرتدي سالم القندورة العربية، ويعتصم بالغترة، ومن لا يعرفه لا يصدق أنه رجل أجنبي.. كان سخياً جداً، حيث كان يهب في عطائه للأولاد الصغار، الذين تتهلل وجوههم بالفرح، عندما يقبل نحوهم بإشراقته الفضية، الناعمة، وفي المناسبات الرسمية، يكون سالم بين الحشود، يجلس في الأرجوحة الدائرية، مصفقاً مزغرداً، مجلجلاً بصوت رخيم، وعلى نغمات الأرجوحة الزاعقة، في صفير مهيب كان يقلب رأسه منسجماً، متناغماً من الأصوات المجلجلة.. في المجالس، كان سالم يحضر وبيديه مدونة صغيرة، يسجل فيها ملاحظاته باللغة الإنجليزية، وبعد أن ينتهي من التدوين يحفظها في جيب قندورته السفلي، ويقتعد مسنداً، متكئاً، باسترخاء، مستمعاً، ناصتاً، مبتسماً، ملاطفاً الجميع بلهجة حانية دفاقة بمشاعر رقيقة.. كان سالم يعشق تسلق الجبال، والسير في الشعاب، والوديان، والولوج في المزارع، والسؤال عن الأشياء الغامضة، كان لحوحاً إلى درجة الخوض في التفاصيل.. وكان يمتهن كل المهن، فهو طبيب، ومهندس، وأخصائي اجتماعي، وراوي حكايات، وكان يبدو من أقاصيصه أنه رجل دار العالم، وعرف الكثير من تقاليد الشعوب، وبخاصة الخرافات والأساطير.. زار الصين، والهند وشرق آسيا، ويقول إنه يحب هذه الشعوب، لأنها شعوب وجدانية وعاطفية إلى درجة التفاني.. وكان يتحدث كثيراً عن تعاليم بوذا التي يعشقها، وكونفوشيوس العظيم.. فيلسوف الصين، المصلح الاجتماعي الأسطورة، كان الشباب يتحلقون حوله، مبهوتين بلغته السردية، البليغة والطليقة، وقدرته الفائقة على اجتذاب الانتباه، والغوص في مجاهيل الفلسفات القديمة.. كان يتحدث عن السحر في تلك البلاد التي زارها كثيراً، ويعتبر هذا الصنف من الشعوذة جزءاً من حياة الناس، البسطاء، كان يقول: السحر قوة باطنية رهيبة، والساحر إنسان استبطن خوافي الأمور، ما لا يستطيع أي شخص عادي أن يصل إليها، وكان يقول: الناس لجأوا إلى السحر بعجزهم عن تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية الكبرى كالكوارث، الزلازل، والبراكين، والفيضانات، وكذلك قضية الموت.. يقول عن الموت إنه القوة الرهيبة التي كانت ترعب الإنسان على مدى القرون، لذلك كان السحرة، يلجأون إلى هذه الحيل، باعتمادهم قوة إقناعية تجبر الناس على الانصياع لهم، وتنفيذ أوامرهم، واللوذ إليهم في حال إصابتهم بمكروه.. سالم كان يبهر جلاسه، بأحاديثه المدهشة، وكانت كلماته تلقى استحساناً جماً لدى الصغار والكبار.. حتى إن أحد الكبار كان يقول عنه.. إنه لو كان يصلي لقلنا إنه نبي، لسماحته وصفاء روحه، وعبقريته الفذة في معرفة ما يحيط بالإنسان من قضايا مبهمة.. ويقال إنه فسر قصة أم الدويس على أنها حكاية عالمية، وأنها موجودة في تراث شعوب كثيرة، وبأسماء مختلفة.. في بعض الأحيان، كان سالم يختفي ويغيب أياماً عدة، وأحياناً أسبوعاً، ثم يهل على الناس مشرقاً، متهللاً، وعندما يسألونه عن سبب غيابه كان يرد بإبهام، قائلاً: سافرت بلدي، أو أنه يقول ذهبت في عمل خاص.. ولم يكن الأمر مستغرباً لدى الناس، بل إن إجاباته الغامضة كانت تمر مرور الكرام، ولا يتم التلجلج في شأنها، وببساطة كانوا يقبلونه على علاته، رجلاً مسالماً، متفانياً في تقديم المساعدة للآخرين..
أمضى سالم سنوات عدة في البلد، ولم يكن يتأفف من حرارة صيف أو رطوبة قيظ، أو شظف حياة، أو عوز في حاجة من حاجات الناس.. بل كان معيناً مغيثاً، وكان كل فترة غياب، يجلب معه الهدايا للصغار، من لعب وحلوى، وكانوا يتناهشونها في عجل ووجل، وأحياناً يتشاجرون، إذا ما سبق أحدهم في قطف القسم الأكبر من الهدايا.. كان يضحك، وينتابه شعور بالفخر وهو يتوسط محيطاً من البشر، يسعدونه في التفافهم حوله، في ضراعة، ووداعة، وكان دائماً يقول أنتم شعب مسالم ومحب.. أحبكم كثيراً لأنكم طيبون.. كانوا يمشتقون الابتسامات العريضة، معجبين بإطرائه، وثنائه عليهم، بالتصفيق والتهليل..
ثم فجأة، يغيب الرجل، ويظل الناس يبحثون عنه ويسألون في لوعة المشتاق، كانوا يهتفون باسمه، ويأتون بسيرته بالحسنى، ويتحسرون على غيابه.. وبخاصة الصغار الذين اعتادوا على مزاحه الخفيف، وهداياه الثمينة، ومعاشرته الطيبة. حتى إن كبار السن نسجوا حوله القصص والروايات التي كاد يصدقها الكثيرون، وبخاصة صغار السن المندهشون بشخصيته، الذين لم يستطيعوا نسيان هالته، المسيطرة على وجدانهم.. يقول بعض كبار السن: قد يكون سالم من كائنات العالم الآخر.. لكنه تلبس بهيئة بشر. وبعضهم قال إنه ساحر، لكنه من السحرة الطيبين الذين لا يسيؤون إلى البشر.. وعلى الرغم من غموض شخصيته، والريبة من غياباته المتكررة، إلا أن البعض لم يستطع أن يصدق أنه كائن عادي، الأمر الذي جعلهم يتمنون عودته، ليتعرفوا عليه جيداً، لكن سالم لم يعد، ولم يبقَ له أثر، اختفى فجأة، لمجرد أنه أعلن أنه سيختفي لمدة أيام ثم يعود، لأمر خاص، لكن الأيام مرت والقلق تزايدت وتيرته في قلوب محبيه، وأصبح الناس في مرية من أمره، كالأسرار الغامضة، يشيع الشك، ويثير غباراً من الأفكار، سيئة أم حسنة، لكن بعد فترة من الزمن تأكد الجميع أن سالم، إما أن يكون قد مات، أو أنه التحق بعمل معين، ولم يستطع العودة، أو أنه كما قال أحد كبار السن، إنه كائن غريب ليس من جنس البشر..
رجل عجوز جاء في يوم، وقد مضت فترة طويلة على غياب سالم، وانقطعت به وعنه الأخبار، حتى تقاعس الكثيرون عن السؤال حول غيابه بعد سأم، وفقدان أمل. قال العجوز: تسألون عن سالم، الذي تحبونه.. إنه موجود فوق قمة ذاك الجبل، منقطعاً عن الناس، ساهماً لا يريد أن يحدث أحداً، ولا يصغي إلى أحد. وعندما سألوه: كيف استطعت أن تصل إلى قمة الجبل، وأنت لا تقطع مسافة مترين إلا متكئاً على عكاز.. قال: لقد حلمت به.. رأيته في المنام، كان جالساً في جوف جحر عميق، مظلم، لا ماء فيه ولا طعام، وكان عاري الجسد، وجهه مكفهر، وعيناه جاحظتان وفمه يسيل منه الزبد..
قالوا: ألم يقل لك شيئاً.. ألم ينطق بكلمة تند عن سبب لاعتزاله الجماعة.
قال.. لم يقل شيئاً، لم يفه بكلمة، كان مبحلقاً، شارداً، والدموع تذرف من عينيه، وقد نمت له لحية طويلة وكثة..
بهت الكبار والصغار، تحولوا حول بعضهم بنظرات دهشة، والصغار ارتعشت أطرافهم، مبتئسين مما يحصل في قريتهم.. فانتصب أحد الشبان، في حماسة منقطعة النظير قائلاً: أريد أن أراه، أنا سأذهب لألاقيه.. ويلتفت إلى الرجل العجوز.. دلني على مكانه.. أشر فقط إلى موقعه بالضبط، وسأذهب بمفردي، قال آخر، وأنا سأرافقك، يجب أن نحظى بسالم، بأي وسيلة.. لا يجب أن نذعن للحيرة، ونحن نعلم مكان وجوده..
قال العجوز: يا بني، لكني أخاف عليكما من الضرر، وربما لا يكون سالم إنساناً عادياً، قد يكون جنياً..
يستخف الشاب بكلامه.. قائلاً: سأكون جباناً لو استمعت إلى نصائحك..
يقول رجل آخر: لا يا بني.. لا يجب أن تتهور، ودع الرجل وشأنه، إن كان جنياً أو إنسياً، فإذا أراد أن يعود، فلن يمنعه أحد.. دعوه وشأنه..
يقف الشابان، والحيرة تأكل قلبيهما.. ينظران إلى بعضهما.. ثم يتفقان همساً على الذهاب إلى الرجل، من دون علم أي من الحاضرين..
قال الشاب الأول: سأتبع نصيحتك يا شيخ، بشرط أن تصف لي المكان بعينه..
قال العجوز: إذا كنت لا تنوي الذهاب إليه.. فلماذا تسأل عن مكانه..
يقول الشاب: إنني أحبه كثيراً، وأريد تخيله، وتجسيد شخصيته في ذاكرتي، حتى أقنع نفسي بأنه حي، لم يمت..
اعتدل العجوز.. قال في لهجة مرتبكة: سالم يقطن الآن في الناحية الشمالية من مكان وجودنا، عند قمة الجبل تلك، كما تراها بأم عينيك، وتحت قمة الجبل بأقل من ثلاثة أمتار، جحر عميق، تراه الآن، ينكفئ ويردد ترنيمات، غامضة لن يفهمها أحد من الجالسين، إنها تراتيل السحرة..
يقول الشاب الآخر: إذاً هو ساحر؟
يرد العجوز بلهوجة.. لا أدري.. ولكن يبدو لي ذلك..
ينظر الشابان إلى بعضهما.. يهمسان.. غداً، عند الفجر.. يتفقان..
يسترد العجوز أنفاسه قائلاً: أرجو ألا تجازفا، فالأمر خطير جداً.. ولا يعلم أحد ماذا سيحدث لأي شخص يقترب من تلك القمة الجبلية..
يمتعض الشابان.. ينظران إلى العجوز بشذر، ثم يبحلقان في القمة الجبلية..
ينهض رجل من بين الجالسين.. ألا يحتاج الرجل إلى طعام أو شراب.. فربما أجبر على الذهاب إلى هناك وتعذر عليه جلب ما يغذي جسده.. لماذا لا نهم بمساعدته..
يزعق العجوز، مرتجفاً.. قلت لكم إن الأمر خطير، ومن يجازف بمصيره سيتحمل مسؤولية هذه المغامرة، غير المحسوبة.. ثم يتوكأ العجوز على عصاه، شاهقاً، مصدراً سعالاً هادراً، ويغادر المكان، بجفول، تاركاً الآخرين يعجون في غموض الأسئلة المتناسلة من رؤوسهم، كأشواك صحراوية وخازة.. ينفض الجميع، ويذهب كل إلى سبيله، تاركاً أسئلته تعشعش في رأسه، خائباً، متفانياً من أجل الوصول إلى مراده من دون أن يصاب بمكروه.. الشابان المتحمسان لبثا في مكانهما، متجمدين، وعلى الرغم من الرغبة الجامحة في تحقيق الأمل المنشود ومقابلة سالم، إلا أن الخوف لم يكبحه جماح، وظل كل واحد منهما يولول في داخله، منشغلاً بالهواجس، والمصير المجهول الذي سيلاقيانه في ما لو نفذا المهمة، وهما قد قطعا عهداً على نفسيهما بأن يتجاوزا نصائح الرجل العجوز ليصلا إلى سالم..
في اليوم التالي مساءً، جاء رجل يخب على ظهر حمار، مضطرباً، متدهوراً، مزمجراً بصوت هادر، قائلاً بصوت مشروخ: رأيت رجلين في ريعان الشباب، وقد لقيا حتفهما عند حضيض الجبل في مقابل تلك القمة العالية، كانا مهشمين، والدماء تطفر من مخيهما، وأنفيهما، وكل عضو من أعضائهما قد تكسر.. حاولت أن أفعل ما ينقذهما، لكنني وجدتهما قد فارقا الحياة.. ويشير إلى حماره، حماري هذا دلني على مكانهما، هو الذي نهق، ولوح بذيله، مرفرفاً بأذنيه، مستفزاً، شاخصاً..
بهت الجالسون، ونظر كل إلى الآخر، وحامت الشكوك حول الشابين اللذين أبديا استعدادهما للذهاب إلى سالم، رغم تراجعهما بالتالي، بعد إصرار العجوز على رفض رغبتهما لخطورة الموقف.. لبث الجميع ساهمين مرتجفين متشككين من أمر سالم.. قال أحدهم، متيقناً: إذاً كلام الشيخ كان صحيحاً، وكان على صواب، عندما حذر من عدم الاقتراب من مكان سالم..
وقال آخر: يجب أن نتأكد من الأمر..
قال العجوز: كيف؟
قال الرجل: نذهب إلى مكانهما..
قال العجوز: أتريد أن تلقى نفس حتفهما.. اذهب إن شئت..
توجس الجميع.. وساد المكان سحابة حزن على الشابين، وامتزج الحزن بالخوف كون سالم الرجل، المسالم اللطيف، ينبري عن كائن شرير..
قاطعه شاب صغير: أكان سالم جنياً؟
العجوز: وماذا سيكون إن لم يكن جنياً.. نبياً؟
يتمتم الجميع في كلمات غامضة، وقد احتبست أنفاسهم.. ولبثوا في حيرة من أمرهم، وإحساس بالذنب أن يدعوا الشابين يفطسان في المكان النائي، من دون أن يبادروا في عمل الواجب تجاه الميتين..
لكن العجوز بصرامة قال: لا يجب أن يخاطر أحدكم بنفسه، أما الشابان فقد أنذرتهما، ولم يستجيبا، ولا نريد مزيداً من الضحايا..
لم تكن مشاعر الرجال، مستقرة على أمر.. انبرى أحدهم قائلاً: وكيف لم يصب هذا الرجل بأذى عندما اقترب منهما..
قال العجوز في يقين: ليحمل إليكم الرسالة..
بصوت واحد قالوا: رسالة؟
العجوز: أجل رسالة، تخبركم أن الشابين استخفا بأمر الجن، فما كان من مصيرهما إلا أن يؤول إلى هذه النهاية المأساوية..
اقشعرت الأبدان، ودارت الرؤوس، وحلقت في عراء الخوف الرهيب.. وكل منهم بدأ تخيل كيف كان يجلس مع سالم، ويمازحه، ويأكل معه الأرز باللحم، ويرتع معه من دون أن يعلم أنه كائن رهيب..
بعد مضي زمن على قصة سالم، أحيت إحدى الأسر عرساً لأحد أبنائها، فالتم الناس يرقصون ويهتفون، وتجمعت النسوة، يساعدن في ترتيب ما يحتاج إليه المحتفلون، لاستكمال عدة الفرح، وفي معمعة الابتهاج وتداخل الصغار والكبار، في حلقات الرقص، فوجئ الجميع بالرجل يداهمهم، بطلعته البهية، وابتسامته العريضة، المشرقة، بهتوا.. وقفزت قلوبهم مذعورة للمشهد الدرامي الفظيع، فالصغار تشردوا وانتشروا كالجراد المطارد، والكبار تجمدوا في مكانهم، وأطبق الصمت المهيب، مخالبه على الأفواه، والوجوه..
دهش سالم، بدأ يتلفت لإحساسه بالغربة بين الجميع الذين نفروا واستنفروا طاقاتهم النفسية، لتحاشي الخطر المباغت.. صرخ بصوت وئيد.. لماذا توقفتم عن الغناء.. غنوا وارقصوا، فقد اشتقت إلى جمعكم الطيب، أريد أن أرقص.. دخل في الحلقة المستديرة، رقص في صمت الطبول، صفق وغرد وجذب أحد الشبان، قائلاً أريدك أن ترقص معي. أريد أن أعوض أيام غيابي، في ليلة حافلة بالبهجة، وإشراقة الوجوه السمحة.. استغرب الجميع مرتابين من تصرف سالم، وساورتهم ظنون وشكوك، وهواجس، لم يصدقوا أنه سالم الذي عرفوه، لم يعترفوا به أنه الرجل الذي استأنسوا بوجوده لمدة من الزمن. الذي يقف بينهم الآن، هو الجني، الذي قضى على شابين في ريعان شبابهما، يريدون أن ينتقموا منه ويثأروا لفقيديهما، لكنهم بالتأكيد لن يستطيعون.. كل ما يمكنهم فعله هو أن يقاطعوا نظراته الباسمة، وألا يجاملونه في حركاته البهلوانية، التي بدت لهم أنها مجرد مناورات يهدف من خلالها استدراجهم إلى مواقع الخطر..
لبث سالم يرقص، ويهز كتفيه، حتى تقطعت أنفاسه.. ثم وقع على الأرض، هامداً متلهوجاً، يردد كلمات متوترة، وبعد أن هدأ جسده، ونشف العرق، من جبينه، التفت إلى الجميع قائلاً بلهجة وديعة: ما بالكم تشخصون الأبصار فـيّ وكأني شيطان حط من علٍ فأرعبكم.. ثم يضع سبابته في صدره قائلاً: أنا سالم، مايكل سابقاً، ألا تعرفونني؟ أمضيت سنوات بينكم فلم أسئ إلى أحد ولم ألقَ الإساءة منكم أبداً.. ثم يصرخ، متشنجاً، مضطرباً.. لماذا تستنكرون وجودي الآن، أشيء غريب أن يغيب الإنسان عن أحبائه ثم يعود بعد سفر.. ألا يجدر بكم أن تستقبلونني بحفاوة العرب المعهودة.. أم ماذا حصل؟
يتقدم الرجل العجوز متهالكاً، متمالكاً نفسه، متكئاً على عصاه، قائلاً بلهجة مضطربة: أأنت سالم الذي عرفناك بدماثتك ولطف خلقك..
يهز رأسه: أجل هو أنا.. ولم يتغير شيء..
قال العجوز: أتصارحني، ولا تنزعج..
قال: أبداً.. قل ما بدا لك..
العجوز: أين ذهبت كل هذه الفترة لغيابك؟
سالم: ذهبت إلى بلدي.. كنت في مهمة أسرية، عاجلة وعدت على أمل أن ألقاكم جميعاً بخير.. ثم يتفحص الوجوه.. لكنني أعتذر إن كنت أخطأت التقدير.
يبهت الجميع.. صار الرجال، يتفحصون الرجل الذي يجلس بينهم، يتأملونه، كمن يتحرى الدقة في رؤية مخلوق عجيب..
انتفض سالم.. قال: ما بالكم، تغرسون أنظاركم فيّ وكأني ارتكبت جريمة..
يخفض الجميع رؤوسهم، يشكون في الأمر، يستريبون من حلم الرجل العجوز، يشعرون بأنه ورطهم في عقيدتهم تجاه سالم، لكنهم لا يستطيعون أن يفصحوا عن ظنهم ولا أن يصفحوا عنه..
تحول الحفل البهيج إلى مأتم، دارت حول رؤوس الرجال، أناشيد جنائزية، واستداروا حول بعضهم مؤنبين أنفسهم تارة، خائبين، ضائعين في متن الاحتمالات المبتورة، ومستبدين بالرجل العجوز الذي أفضى بهم إلى شكوك وانفعالات وأخاييل جهنمية.. تلبدت الألسن، وجحظت العيون، ودارت المقل في المحاجر كأنها الكرات الصغيرة، الحائرة.. ولبث سالم متجمداً في مكانه، تفنيه النظرات الحائرة، ويسلبه الصمت، ويقصيه في متاهات الأسئلة، الشائكة.. ثم بعد فترة وجيزة ينتفض سالم قائلاً: يبدو أن في الأمر شيئاً مريباً، أرجو أن أفهم، وإلا سأغادر حفلكم هذا، ولكن لن أكون الرابح بطبيعة الحال، سأخسر، وأفقد أعز من عرفت..
تطلع الجميع إلى سالم، تفحصوا وجهه ملياً.. كل هذه الملامح، لا يمكن أن تسفر عن شخص غير سالم الذي استوطن وجدانهم.. تملكتهم الحيرة، وكان لسان حالهم يقول للرجل العجوز: لقد ارتكبت خطأً فادحاً، وتوهمت ما لا يتوهمه المجانين.. سالم ليس إلا رجل محترم.. اعترت العجوز مشاعر فجائية، لم يستطع كبتها.. اعتدل واقترب من سالم، ثم أردف قائلاً: ألست أنت الذي رأيتك في المنام، تجلس في مجرى بالقرب من قمة الجبل؟ ثم أليس أنت الذي فتكت بروحي الشابين اللذين أرادا أن يقابلاك في عزلتك عند قمة الجبل؟
يفتح سالم عينيه، دهشاً.. ثم يضحك ضحكة هستيرية، والدموع تطفو من عينيه. يقول: الآن فهمت.. أأنت الذي حلمت هذا الحلم المريع..؟
يقول العجوز: أجل أنا..
سالم: ألا تعلم أن الأحلام ليست إلا أضغاث ولا علاقة لها بالواقع.. ثم يربت على كتف العجوز قائلاً: لقد ظلمتني، ودفعت بشابين إلى المخاطرة في وهاد الجبال.. ثم وهو يلهج بلغة مرتبكة.. قائلاً: اذهبوا وأبحثوا عن موتاكم، أما أنا فلكم الخيار أن تصدقوني أو تكذبوني.. لكني في قرارة نفسي مقتنع بأن ما رواه شيخكم ما هو إلا أضغاث أحلام.. والأحلام لا تصدق، حتى وإن صادف ولامست شيئاً من الحقيقة..



تقول إن سالم ذهب في اليوم التالي عند الصباح الباكر إلى قمة الجبل، وعلى الرغم من قناعته من سذاجة تلك الخرافة التي أطلقها الرجل العجوز.. وروج لها، وروع قلوب أصحابه واستعداهم ضده، إلا أن الفضول يدفعه دائماً إلى اكتشاف القصص الخرافية، للوقوف على كنهها.. صعد درجات الوعورة، كانت القمة شاهقة إذ ترتفع بمقدار تسعمائة متر تقريباً، لكنه استعان بالإرادة، وقوة العزيمة، والرغبة الملحة في معرفة أسباب ما أشاعه الرجل العجوز، وبخاصة أنه كان يشك في مشاعر هذا الرجل تجاهه. فربما أراد من وراء هذه القصة المرعبة أن ينفر الناس منه، بعد أن وجد الجميع يلتفون حوله، بل ويتعاملون معه كأحد أفراد القرية.. انتصف الطريق وقد نسي سالم أن يجلب معه ماء الشرب يبل به ريقه، والجهد الذي يبذل في تسلق الجبل يحتاج إلى كميات من الماء تعوض ما ينزفه الجسد من العرق، لكنه لم يأسف كثيراً، بل تشدق بالأمل، لتحقيق مأربه.. استراح قليلاً وأسند ظهره على سطح حجر، وبعد فترة وجيزة، تابع طريقه، منحنياً على الصخور، التي منحته أسنانها الحادة، وأكلت من جلد رقبته وركبتيه، إلا أنه لم يتوانَ عن تحقيق هدفه المنشود.. اعتلى القمة، ثم ولج الجحر الذي ذكره الرجل العجوز، غاص في الظلمة، ومعه قلبه المرتجف قليلاً جراء الوحشة والرائحة النتنة التي تفوح من جوف الجحر، وصل إلى أعقاب الجحر، تلمس الأحجار، تفحصها، ثم استراح قليلاً في العتمة، متمسكاً بالإرادة، ثم أقفل عائداً، ولما وصل، إلى الفتحة العظيمة، المشرفة على الفضاء الوسيع، تنفس الصعداء، أخذ شهيقاً عميقاً، واستأنف النزول رويداً رويداً، وكانت قدماه تنزلقان من فوق رؤوس الصخور المتعجرفة وكأنه يتزحلق على ظهر جبل جليدي صلب، وكانت الشمس تلفح وجهه، على الرغم من تغير الطقس، وانطفاء الحرارة شيئاً ما، إلا أن الوقوف مباشرة في وجه الشمس، يدفع باللسعات الشمسية، تضرب بشرة الوجه كالإبر، ومع الإحساس بالظفر، كانت الوخزات تحقن المنشطات التي تمنح للأجسام المتهالكة.. وصل الحضيض، نظر إلى الجوانب المحيطة به، لم يجد الشابين، قال.. أليست هذه نكتة..؟ أين ذهبا؟ فالجميع ذكروا أنهما وجدا ميتين في الحضيض.. هذا هو الحضيض، لا أثر لجثة أي منهما.. أين ذهبا؟ هل اختطفت جثتيهما النسور..؟ لا أعتقد أن يحصل ذلك بهذه السرعة.. هرول سالم، متجهاً إلى القرية، يريد أن يقابل الناس هناك، ليؤكد لهم أن ما ذكره الرجل العجوز، خرافة وأنه في إمكانه اصطحاب من يريد أن يدحض هذه الكذبة، ليرى بأم عينيه تلك القمة، وذلك الجحر، الخالي من أي حياة.. ثم يخبرهم، عن تلاشي جثتي الشابين، أو أنهما لا وجود لهما في المكان الذي ذكر..
وصل سالم، كان لاهثاً، منهكاً، وكانت القرية لم تزل تلفظ أنفاس الخوف والقلق، وعلى الرغم من تيقن الأغلبية العظمى من الناس، أن ما ذكره الرجل العجوز لا أساس له من الصحة، إلا أن شوائب القلق لم تزل رابضة في نفوسهم، وبخاصة أن مقتل الشابين لم تبن حقيقته.. في حلقة من حلقات السمر المسائية، اقتحم سالم المكان، واقتعد مسنداً يتوسط الجميع، قال بلهجة متقطعة، ولم تخل من نبرات الحبور، لقد ذهبت بنفسي إلى قمة الجبل، ودخلت الجحر، وعدت كما ترون سالماً معافى ولم يصبني أي مكروه، وهذا يفسر كل كلمة قالها لكم الرجل العجوز، وأنا على يقين من أن أحلامه قد تقود القرية إلى مهالك ومهاوٍ، وأستطيع الآن أن أثبت لكم ذلك إن أردتم التأكد من صحة كلامي.. أستطيع أن أصطحب من تريدون منه الشهادة، ليقفوا على القضية، ويروا بأعينهم أن ما سرده مجرد خيالات وأوهام، لا يرويها إلا رجل مخرف..
كان الرجل العجوز يفغر فاه ويشخص بصره في وجه سالم، الذي بدا مضطرباً، تخرج الكلمات من فيه، متدافعة، متدفقة، وليست كعادته كما عرفه الناس من قبل، في هدوئه ورصانته، ورزانة عبارته.. أما الرجل العجوز، فشعر بالخطر يقترب من أصابعه، بدأ يتزحزح ويتنحنح، ويكح أحياناً طارداً إحساسه بالإحراج، ثم يقفز فجأة قائلاً: هذا الرجل الأجنبي، محتال، ويريد أن يوقع بين أبناء الدم الواحد..
يضحك سالم، يهمهم. صرت الآن أجنبياً، وغريباً.. أليست كذلك.. لا ضير في ذلك، لكن كل ما أريده قبل أن أرحل من هنا، أن أضع الناس على حقيقة الأمر، وآن لهم أن يعرفوا الحقيقة..
يقول العجوز كيف؟
سالم: أن يذهبوا، وأنت بصحبتهم إلى قمة الجبل ويدخل الجميع الجحر، لتروا جميعاً الواقع كما هو.. أليس هذا حلاً محايداً.. ينصفني.. كما أنه ينصفك..
يطقطق العجوز.. يفتل شاربيه.. ثم يطرق متوتراً.. أنا لا أستطيع، سني وحالتي الصحية لا تسمحان لي بذلك..
سالم: سنأخذك على ظهر حمار، وإن أردت فعلى ظهورنا..
يهز العجوز رأسه.. قائلاً: هذا حل غير مجدٍ..
سالم: وما المجدي إذاً؟ أتريد أن تبقى الأمور مبهمة وكما أردتها، لأصبح أنا المتهم وأنت البريء..
العجوز.. متفاقماً، محتقناً: ستظل أنت المتهم حتى وإن حاولت إيهام الآخرين ببراءتك.. فمن يستطيع أن يثبت لي عن أصلك وهويتك، ومن أين جئت، وكيف جئت.. كل هذه أسئلة لن تستطيع أنت أن تجيب عنها، ولا غيرك أيضاً.
يبهت سالم، يشعر بأن العجوز مصرٌّ على إلصاق التهمة، في شخصه، وأنه يحاول التملص من أي حل، لأجل إثبات الجريمة. أما سالم.. فيطرق قائلاً: وأنا لن أتخلى عن حقي، فالتهمة التي وصمتني بها جريمة شنعاء، لا تغتفر ومن حقي أن أدافع عن نفسي، وأن أرفع التهمة الباطلة عن نفسي، ثم ينظر إلى الآخرين، قائلاً: أليس هذا من حقي؟
يرد الجميع.. بصوت واحد: بل من حقك، ومن واجبه أن ينصاع للحل الذي طرحته..
ينظر العجوز إلى الجميع بشذر، ولمعت عيناه بشرارة الغضب، ويردد قائلاً: جميعكم انسقتم وراء هذا الغريب، كالحملان الوديعة..
يبتئس الرجال، ومعهم سالم، ترتجف شفتاه حنقاً، الذي أطرق بدوره: ما أريد أن أستوضحه الآن من شيخنا الجليل عن الشابين، فلم أر لهما أي أثر هناك..
العجوز، يأخذ نفساً عميقاً ثم يردف.. وهذه كذبة أخرى..
سالم: لا أكذب، ولست مضطراً للكذب، ومن يريد أن يتأكد من صدق ما أقوله فليصحبني إلى هناك، وإن أردتم جميعاً أن تذهبوا معي، فلا مانع..
العجوز: لا تتعب نفسك كثيراً، فقد بذلت جهداً مضنياً.. الضباع، والنسور، والثعالب، تملأ الجبال، وهذه الكائنات الضارية كفيلة بأن تفترس جسدي شابين، خلال يومين.. وليس أكثر..
يمتعض الجميع من تبريرات العجوز، ويشعرون بأنه يغير حقيقة ما، لا يعرفونها، يزداد حقدهم عليه، وترتفع وتيرة الغضب في نفوسهم ويستشيط أحد الشبان متضامناً مع سالم قائلاً: يا جماعة، هذا الرجل بدأ يخرف، وأعتقد أن هناك جريمة وقعت في حقنا كما وقعت في حق مصير الشابين، فيجب أن نبحث عن الحقيقة..
يقول أحدهم: وكيف نبحث عن الحقيقة..؟
الشاب المتحمس: إنها في وجه هذا الرجل.. مشيراً إلى العجوز. يجب أن يعترف، بجلاء، عن سر الحكاية من أولها إلى آخرها، وأن يأتي بالدليل القاطع عن مصير الشابين اللذين ذهبا ضحية عدوانية مريرة..
يصرخ العجوز منتفضاً، وقد ارتعشت أطرافه، وتقافزت عظام صدره، وتورمت عروق رقبته، قائلاً: اصمت يا نذل وإلا أخرستك غصباً..
الشاب لم يبد تشنجاً.. التزم الصمت، واكتفى بالتحديق في وجه الجالسين..
ساد صمت.. ثم انتفض سالم.. قائلاً: أنا أؤيد رأي هذا الشاب.. إنه كشف عن الرأي الصواب، يجب ألا نصمت إزاء هذه الجريمة النكراء، ويجب أن يخبرنا هذا الرجل عن الطلاسم، التي شابت القضية.. ما الذي دعاه أن يؤلف هذه القصة، وما جدوى تحريض شابين للذهاب إلى مكان خطير بوعورة مسالكه وجهلهم بصعود الجبال..
ينط العجوز كالأسد المجروح.. أتريدون الحقيقة.. إنني كنت أكره هذا الرجل، ويقصد سالم، والآن صرت أتمنى لو أضع سكيناً في عنقه، وأدعه ينزف بدمه حتى الموت..
يصعق الجميع.. يحدقون في وجهه الذي اكفهر فجأة، وقفزت عيناه، كجمرتين.. ساد صمت رهيب.. شعر الرجل صاحب الحمار، بعقدة الذنب، حاول أن يقمع إحساسه المتدفق، كشظايا جمر، حاول أن يلجم رغبته في الاعتراف، إلا أن جفول الجميع، وإبداءهم مشاعر التعاطف مع سالم، وامتعاضهم من الرجل العجوز الذي بدا لهم أنه كائن يكره حتى نفسه.. أصدر تمتمة.. قال: اسمحوا لي أن أقول الحقيقة.. كل ما رواه هذا الرجل ويقصد العجوز، ليس إلا خرافة، ومؤامرة، أراد من ورائها الإساءة إلى هذا الرجل الطيب..
ثم يسأل الجميع بصوت واحد: والشابان.. من قتلهما؟
يقول، وقد ارتعشت أطرافه، متخلصاً من عقدة الذنب، قائلاً بجرأة: أنا.
الجميع بصوت واحد.. أنت؟
نعم أنا.. لقد حرضني على قتلهما، مقابل تزويجي ابنته التي أحبها..
يسقط الصمت الرهيب، على رؤوس الجميع، ويتجمد الرجل العجوز، مشيعاً رفيقه بنظرات التوبيخ، والعتب، والإحساس بنهاية مأساوية..
ينهض أحد الشبان وفي لهجة حاسمة.. يجب أن نثأر لشابينا، وألا ندع دمهما يذهب. هذا ما فعله هذا الحثالة، يستحق عليه القتل، وكذلك صاحبه النذل..
صاح الجميع.. قتلهما حلال، ويجب أن يكون جهاراً نهاراً، وأمام أعين الناس جميعاً، عقاباً لهما على قتل الشابين، ثم ظلم هذا الرجل النجيب، ثم نشر الخرافة التي أدت إلى إرعاب الناس، وإشاعة الأفكار الزائفة..
تقول إن سالم شعر بالارتياح، وقد أفسد عدوانية رجل واستطاع أن يحتل مكانة عالية في نفوس مجايليه، وأن يتربع على عرش قلوبهم، التي أحبته أكثر، وصار الرجل بالنسبة إلى جميع الناس في القرية، كمنقذ وداحض للخرافة، ومدافع عن حقوق الناس، في العيش بأمن وسلام وطمأنينة.. وتمضي أيام، بعدها، يغيب سالم، ويختفي عن الوجود، وتظل العيون تتربص، والقلوب تتوجس، والأخبار تتداول بين الناس، ولم يتبين أحد، إن كان سالم سافر إلى بلاده أم مات، أم قتل، فكل التكهنات، والتأويلات بنت أعشاشاً في أذهان الناس، وعلى الرغم من التخلص من الرجل العجوز وصاحبه، إلا أن الخوف من وقوع خطر ما لم يزل موجوداً، كون اختفاء سالم أسس في نفوسهم جمهورية نافذة وواسعة الانتشار في وجدانهم، حتى إن بعضهم، ورغم اعتراف صاحب الحمار بقتله الشابين، إلا أن القصة في حد ذاتها ظلت مبهمة.. فلماذا كان العجوز يكره سالم، ولماذا حدت به هذه الكراهية إلى إفناء شابين، لا ذنب لهما بهذه المشاعر، المبطنة التي يكنها العجوز لسالم.. بقي سالم حكيماً، وبقي الجحر في قمة الجبل قصة غامضة، مشوبة بأسئلة كثيرة، لم يستطع أحد أن يعثر لها على إجابة..



تقول أصبحت الآن في حاجة إلى صديق حميم يداويك من هواجسك.. ويعينك على حل لغز الكوابيس الليلية التي صارت تؤرقك أكثر من أي وقت مضى. الآن في حاجة إلى صديق يبوح لك بالأسرار ويفتح لك قلبه من دون سخرية من معتقداتك أو الاستدلال على أشيائك الداخلية بشيء من الابتذال..
لا بد أن تطير بجسدك الناحل إلى أبي سيف لتحكي له هذه القصة التي نشأت في ذاكرتك فجأة، بعدما قفزت شخصية سالم الإنجليزي إلى رأسك، كأنه الفزاعة، تخرج من البيت صباحاً، مستطيراً، مهيباً، مفزوعاً، وكأنك تخبئ سراً، خطيراً تريد أن تفشيه لأعز صديق، لعله يتعاطف معك في محنتك الأبدية، ولعله يتخلص قليلاً من مشاعر العبث التي يعيشها.. تصل إلى المزرعة، والصديق أبو سيف يجلس منعزلاً في غرفته، منكباً على قراءة كتاب.. تفرح، ويملأك الحبور، عندما يستقبلك بابتسامة مشرقة، والهاً لرؤيتك بعد غيبة طويلة..
تقول له: هل تتذكر قصة سالم الإنجليزي.. مايكل.. ترفع حاجبيك قائلاً: هل تتذكره.. يرد أبو سيف في برود.. أجل أذكره، هذا الرجل حامت حوله شبهات كثيرة، وقيل إنه كان يرتدي ملابس النساء، ويرقص في الأعراس، مع الفرق الشعبية، التي كانت تحيي الأعراس.. ولكن للأمانة مازلت أذكر حكايته مع الرجل العجوز، عندما أحبط مؤامرته الدنيئة، واستطاع أن يكشف سر جريمته النكراء.. لكن ما يدهشني أنه اختفى بعد هذه الحادثة ولم يعثر له على أثر.. ثم يهز أبو سيف رأسه، في حيرة.. حقيقة هذا الرجل قصته أغرب من قصة أم الدويس، قام بأدوار غرائبية وعجيبة، ولا أحد يعرف سبب مجيئه إلى البلد، وتلبس هذه الأدوار المدهشة، ثم يختفي فجأة، كأنه الشيطان.. والغريب في الأمر، الكراهية التي كان يكنها له الرجل العجوز وكيف استطاع، أن يختلق القصص الخرافية، لأجل الإطاحة بسالم..
تقول: كان لأبي سيف البوح ولك الإصغاء، على الرغم من أنك جئته لكي تستعيد القصة وتسردها لصديقك لكنه بادر على الفور إلى سرد الحكاية والإضافة إليها، وكأنه كان أيضاً مشغولاً بها مثلك..
بعد أن ينهي أبو سيف حديثه.. يقول: ما الذي جعلك تنبش في قبر هذه القصة التي ماتت من زمن بعيد..
تقول: ألم تقل إنها شبيهة بقصة أم الدويس..
يقول: القصص الخرافية كثيرة، فلا تشغل بالك، بهذه الحكايات الماورائية..
تقول: لكن قصة سالم واقعية، وكلنا عشناها..
يقول: سالم كشخص عشنا قصته، ولكن ما دار حوله من روايات أشبه بحكايات الجن.. قصة غيابه.. ثم حضوره، ثم اختفاؤه إلى الأبد.. وكذلك قصة الجبل. الجحر الذي ركبه الرجل العجوز، وكذلك مقتل الشابين اللذين لم يفهم أي من الناس كيف تمت، ولماذا..
تقول: صاحب الحمار اعترف بقتلهما..
يقول: صحيح هو اعترف، ولكن لماذا أذعن لرغبة العجوز، هذا إذا كانت القصة صحيحة، وأنا لا أثق كثيراً بالرواية ذاتها..
تقول: كيف؟
يقول: لأن صاحب الحمار، كان شخصاً ضعيفاً، ومسناً، والشابان يتمتعان بصحة وشباب يافع، كان في إمكانهما القضاء عليه..
يزوغ بصرك.. تقول: وكيف فاتت هذه الفكرة عن المحكمين في ذلك الوقت..
يقول: الناس أحياناً تأخذهم العاطفة وينساقون خلف أفكار لا تعدم لهم النتائج الحقيقية لأي قضية، الأمر الذي يجعلهم يطلقون أحكامهم جزافاً، ويغيبون عن الأسباب الحقيقية وراء أي قصة..
تتوجس أنت، تشعر بأن هذه الأنا الكريهة، تدفعك لاستقصاء أوهام تظن أنها الحقيقة.. تتردد في مناقشة الصديق.. الذي غاب برهة، ثم يعود، ليقدم لك كأس الشاي.. يقول: اشرب من خمر المسلمين، وارتشف من الأحمر الشفاف لعلك تنجو من غيبوبة السؤال عن قصص لا جدوى من الفوز بها..
تقرب الكأس إلى فمك، تنفخ قليلاً لتبعد الأوراق الطافية على سطح المشروب اللذيذ، ثم ترشف لذتك، وتنعم بالسخونة، الطاغية.. وتراه، ينشغل في لعق الأوراق الطافية عند شفة الكأس، ويأخذ نفسه..
تقول: تحت شمس الخريف، ازدهرت بعض الأشجار، وأرخت ذيولها الخضراء، عند نافذة الغرفة، كانت تطل بشفافية ووداعة، روح الطبيعة عندما تنتشي بمداعبة النسيم.. انتابتك شبه غفوة، وأنت ترقب الهفهفة اليافعة، وهي تمسح بأصابعها الشفيفة، زجاج النافذة، مصدره خشخشة ناعمة، مغرية.
تقول: إن الصديق اكتفى، من كأسه، ووضعه جانباً. وأردف قائلاً: لكثرة غيابك أحياناً أتوجس، وأقلق وأتمنى رؤيتك في أقرب وقت، ولا أدري، أين تمضي وقتك في هذه الفترة الطويلة، التي يغيب فيها نجمك عن عيني..
تقول: أضيع في الأمكنة وأحياناً تلتهمني، فلا أجد لنفسي أي أثر، ولا أعرف أين أنا أكون..
يضحك الصديق قائلاً: علم النفس ضيعك، ولو استغرقت في قراءته أكثر فسوف تذوب ولن أعثر لك على مكان..
تحك صدغك في حيرة.. تزم شفتيك وأنت تتلمظ حبات السكر العالقة في لسانك ثم تطرق: أفكر في الذهاب بعيداً..
يقول: إلى أين؟
تقول: إلى أي جزيرة نائية، تعزلني عن هذا العالم..
يقول: أكرهت الناس جميعاً..
تقول: لم أكره أحداً، لكني اقتنعت بأنه لا جدوى في المكوث، وسط محيط يرفضك، ولا يصغي إلى ما تقول..
يقول: أنت يائس..
تأخذ نفساً عميقاً.. تقول: بل أنا في أتم تفاؤلي..
يشيعك بنظرة حائرة، ثم يطرق: تتحدث عن عدم الجدوى، وتقول إنك متفائل.. كيف؟ حيرتني يا فيروز..
نطق اسمك.. وتكاد تكون نسيت هذا الاسم، كما نسيت أشياء كثيرة، وتذكرت أشياء.. تقول: أريد أن أختزل حياتي، أريد أن أطارد الحقيقة لأتخلص من الوهم..
يقول: تعترف بأنك كنت تعيش في وهم..
تقول: لا أريد مجادلتك.. جئتك، لكي تبوح لي عن سرك..
يقول دهشاً: سر؟ ما السر الذي تريدني أن أفصح عنه؟
تقول: أريد أن تفسر لي سبب مجيئك إلى هنا..
يفتل شاربيه.. يحدق فيك ملياً، ثم يردف: أتريد نصيحتي..؟
تقول: قل..
يقول: تخلص من قصة البحث عن أم الدويس، فلا شأن لك بها، وعش حياتك بواقعية كما أفعل.. هذا كل ما أستطيع البوح به لك..
تفكر.. تحدجه بعينين غارقتين في محيط هائج.. تقول: أهذه واقعية؟
يقول: أجل..
تقول: لكنك، أبحرت كثيراً في واقعيتك إلى درجة العبث..
يقول وهو يضغط على مخارج ألفاظه: صدقني لن تندم لو فعلت ما سرت إليه..
تقول: أتعتقد أنني سأستريح لمجرد السير على الطريق الذي تخوض فيه؟
يقول بثقة: وسوف تشكرني على نصيحتي..
تضحك.. تقول: ومن أين سآتي بالجرأة التي تجعلني في كل ليلة أنام في أحضان امرأة، وفي الصباح أذهب لأبحث عن أخرى..
يقول: أنا لا أبحث عن النساء.. بل هن اللائي يأتين لي..
تقول: هذه خدعة بصرية، يا صديقي.. فلولا تسكعك في الدهاليز المظلمة والنبش في المواخير العفنة، لما عثرت على خنفساء الروث..
يجلجل ضاحكاً.. يقول: أنت تصر على جبنك، وتدافع عن خذلانك بالإساءة إلى من يريد أن يتحلى بأشهى لذة صنعتها الطبيعة..
تستخف بكلامه.. لذة سخيفة، تعبر عن دونجوانية مقيتة..
يقول، في رعونة: جسد المرأة هو الكون الفسيح الذي لا يقطب، ولا يغضب ولا يعتب، ولا يعذب، بل يمنحك اكتشاف ذاتك ساعة الذروة القصوى، عندما تشهق الأنثى قائلة: أحبك، توغل فيني، وافني جسدي في ريعان غضبك المزلزل..
تقول: وبعد انطفاء الرغبة..
يقول: تلحس عرقها، وتشم جسدها الهامد تحتك، وتقبل الجنة على شفتيها، وتعتلي شموخك الأبدي، وأنت في أتم العافية النفسية..
تقول: وبعد ذلك..
يقول: تتفتح أزهار الروح، وتعطر الكون بعبق امرأة كانت قبل قليل ترتعش، مبتهلة تحت جسدك، وتشع النجوم أمام عينيك ببريق الحياة، وتنسى عتمة العالم من حولك، وتشعر بأنك بدأت للتو في تأسيس جمهورية الفرح..
تتخيل أنت كل ما قاله الصديق، وتتجسد أمامك امرأة رعناء، تفض شعر صدرك، وتغوص في الخضم المتوتر، تعصرك إلى حد الاختناق، تتشبث في جلدك المتصهد وأنت تحاول الفرار، تحاول أن تنتشل دماءك الغائرة في لسانها المحتدم، تنهض.. تقول: على أي حال، لم أعد أستطيع أن ألعب دور البطل الخرافي، فدعني أتخلص من خيالك الجامح، إنه الطوفان الذي يغرقني بالوحل.. تنهض.. بينما يتشبث أبو سيف بطرف قندورتك، قائلاً: هل ضايقتك؟
تقول: بل خنقتني.. دعني أرحل..
تغادر مكانه، وهو يتبعك بنظرات الدهشة، هازاً رأسه، في قنوط.. قائلاً: أيسعدك أن تترك صديقك وحيداً..
تقول: تركتك لزمن وحيداً، وظننت أنك تغيرت.. ولكن للأسف.. تخرج ذاهباً إلى الحلم البعيد، مستديراً نحو نفسك في الأتون المجهولة..
تقف عند ناصية، السؤال المرير.. يا فيروز.. تقول منادياً الأنا المهشمة، هل ستسقط وحيداً، كما تاه صديقك في عزلته؟
وتمضي متسائلاً عن سر هذه العملاقة، التي أجهضت أحلامك، وأودعتك في ظلمات السؤال، المحير.. تقول: جدير بي أن أذهب إلى الأبعد طالما بقيت الحارات متعفنة بأصوات النشاز..
تحت السقف المزخرف بأحلامك البعيدة، بين الجدران المسترخية على أنفاسك المتكاسلة، تقول.. صحيح أنا أبحث عن سعادتي.. عن الحقيقة الضائعة، في شخص آخر، تنتابني هذه، تشجيني، وتنتزعني مني، لأصير أنا أحياناً.. شخصاً آخر أحياناً أخرى.. حاولت مراراً أن أكون أنا، وجادلت أبا سيف كوني الأنا المضاد لأناه. لكنني عندما أعجز عن مداواة ذاتي بالصمود، وأنتكس، أستعيد شخصية أبي سيف، أحاول أن أكون هو لأهرب من ذاك الكامن في داخلي، لأنتصر على قديمي المهزوم.. لا أدري، عندما غادرته كنت غاضباً منه وربما لم أكن كذلك، ربما كنت غاضباً من نفسي لأنني لم أستطع أن أتقمص شخصيته بالقدر الكافي، فانكفأت على نفسي، أنبتها ووبختها، بصقت لكن بصقتي ذهبت رذاذاً طائشاً، بعضه ارتد على وجهي، أيقنت أنني كنت أتعمد فعل ذلك، لأهزأ من نفسي، المتلاشية في غضون سنوات من ازدواجية الشخصية.. عندما قال لي أنت معقد، غضبت، رفضت هذا التصنيف الذي لم يبدعه هو، بل اخترعه فرويد، وفرويد هذا كان بارعاً في نقض جذور النفس البشرية، ونبوغه في اكتشاف اللاشعور، جعله علامة بارزة في مجال علم النفس التحليلي.. الآن شيئاً فشيئاً، أحاول أن أقبض على الذات الهاربة مني، المختبئة في أحشاء اللاشعور العقيم.. إذاً لا بد أن أغتسل جيداً من هراءاتي البائسة، ويجب أن أتطهر جيداً لأستعيد أناي، وأصرخ في وجهي، بصوت وئيد، قائلاً: يا فيروز، هذا ليس أنت، وأنت الحقيقي، هو الشخص الخائف المرتجف، اللاهث خلف مشاهد وهمية، تصنعتها لتهرب من عذاباتك، إلا أنك لم تستطع، فلم تزل تغطس في أتون المجهول اللعين، تتحرك كأنك حشرة ضائعة في متاهات غيبية، تتلاشى فيها تصبح لا شيء.. أنا بالفعل لا شيء. عندما أتفحص ذاتي ولا أجدها أشعر بأنني شخص آخر، شخص يغيب عن الوعي، ويتحدث لغة غير مفهومة، يحلم أحلاماً مزعجة، تصدر من نفس مضطربة. عندما أذهب إلى أبي سيف، فإنني أبحث عن أناي المضطربة، وعندما أصطدم بصرامته المعهودة، أشعر وكأنه يغدرني، أو أن أناي الأخرى تخونني لكني واجهت الأنا الحقيقية.. عندما أحاول أن أتفحص شخصية أبي سيف، أتعذب، أنصهر في أحشاء فرن حامي الوطيس، أنتبه فجأة، فأهرب، وهكذا فعلت، فعندما لمس صديقي الجرح الغائر، قفزت مذعوراً، هربت، وفرت روحي إلى العراء الوسيع.. لم أكن أنا الذي يغادر منزل أبي سيف، بل كانت أناي الرافضة عن الإفصاح، أناي التي كانت تعاني وتخشى الإفصاح عن هويتها.. في البدء وأنا كنت في قعدة الصديق، استدعيت كل قواي، جيشت أحاسيسي، روعني، إلا أن أناي الطاغية توحشت فجأة، وامتشقت غضباً هائلاً، نازعتني وطردتني من حضوري أمام الصديق، احمرت عيناي ونشفت شفتاي، وارتعدت، سرت أتخبط الخلاء، تائهاً، ضائعاً، مأخوذاً، لا ألوي على شيء، فلم أفتح عيني إلا وأنا على هذا السرير الوغد.. هذا المهد، الممهد بأحلام بائسة، وأمنيات يائسة، وخضت معارك ضارية مع نفسي، حاولت أن أهدئ من روعي، استعنت بخيالات جمة، مغرمة، لكنها أجهضت أمام جحافل الأنا المتوترة، فعدت كما أنا.. أنا فيروز المضطرب، الناكص إلى عدمية بغيضة، تحاصرني بمخالب وأنياب، تعصرني بين ذراعي امرأة عملاقة شرسة، فأرتعش، كالسمكة المخطوفة بصنارة صياد، متمرس.. تتجسد أمام عيني صورة امرأة ضخمة، أظافرها مخالب حادة، تنهش جسدي المتهالك تحت ضخامتها، ألهث، أبحث عن أنفاسي الضائعة فلا أجدها، أبحث عن أناي، لا أجدني سوى أرنب مذعور، يحفر قلبه الصغير خوف مريع، يتطور نسلي المخضوض، أتهور، فأنهض لاهثاً، متقطع الأنفاس، أصرخ كطفل مفزوع إثر حلم مروع، أتناول كأساً، وأشرب الماء المتغطرس، أبل ريقي وألعق شفتي، أتلمظ كوحش مكسور، ثم أشعل سيجارة، وعلى وميض العقب المشتعل، تغيب المرأة العملاقة، أسند ظهري على المخدة، وأحملق، في السقف.. بدا لي أنه شبه عارٍ من الألوان والجدران تتلاشى في الظلام، ولم يبدُ أمامي سوى بقعة نارية، هي بصمة السيجارة، على الصبغ المصقول.. هذه الملاءة الملونة بالفرح الكاذب، لم تعد تخفيني من مشهد الخوف، بل إن الظل يتشكل كأنه وجوه لشياطين، تحاول أن تهاجم أناي المضعضع.. يتوغل الظلام داخلي، يلجني كأنه السهام الفانية في جسد ميت.. أقفز ثانية، وأقول لنفسي.. كنت في جولاتي أتوخى الحذر، لأجل التخلص من الخوف، لكنه للأسف، يتفاقم فيّ يوماً بعد يوم، ويقيد أناي كأنها الخشب المنتحل أثر رمة بغيضة.. كان بودي أن شخصاً دلني على حقيقة أم الدويس، لأنني لو توصلت إلى هذه العفريتة الشرسة، لاصطنعت لنفسي، نصباً وصرت أدنو من قدميه، أقبلهما بشراهة، بل وألعق العرق على جلدهما كأنني الكلب الظامئ.. لكن كل ما عرفته وسمعته من حكايات كانت مجرد شذرات ومقتطفات من أوهام أناس لم يروا أم الدويس، بل هم أيضاً سمعوا عنها.. الذي لا شيء يستطيع أن يتوصل إلى حقيقته، وهكذا أفعل أنا.. لم أزل بعيداً عن أناي، لم ألمسها، بالقدر الذي يحررني من الخوف منها.. كلانا، أنا وأناي، غريبان عن بعضنا، لذلك فأنا أخاف منها، وهي غاضبة مني، فكيف إذاً أستطيع أن أهزم خوفي..



تقول.. في تلك الليلة أصررت على أن تدخل تجربة جديدة، تجربة تجرد نفسك من التردد، ويجب أن تتقمص شخصية أبي سيف حتى تستطيع أن تكافح هذه الجرثومة التي استوطنت داخلك.. فكرت بجدية أن تغامر وأن تسهر على تنفيذ الخطة الجهنمية كي تخرج من هذا الظلام الدامس.. فكرت أن تكون أنت هو أبو سيف، وتحارب هذا التردد بضراوة، وتستبسل بكل شجاعة، لم يعد أمامك من سبيل غير أنك تكون هو، لأن أناك التي هي أنت لم تعد قادرة على تحمل أعبائك الباهظة، والعمر يمضي وأنت في هذا الضياع، تغيب نفسك عن الحقيقة أو أن الحقيقة قفلت من بين يديك.. فلا بد أن تمسك بنفسك لتصل إلى آخر قمة في الجبل الشاهق داخلك..
شيئاً فشيئاً بدأت أحس بأن كائناً ما بدأ يستعمرني، ويحتل مساحة واسعة من جغرافية روحي، بدأت أشعر بأنني لست أنا، بل أنا أخرى صارت تستوطن أناي، وتطرد الأنا التي كانت مبهمة، وغامضة.. كائن ما أقرب بالنسبة إلى أبي سيف، لكنه بالتأكيد ليس هو، لكنني صرت كائناً آخر، عندما توحشت هذه المرأة، الفارعة، وصارت تغوص بأنفها الصغير في شعيرات صدري وتكاد تلتهم حلمتي صدري، وأنا أذوب، وتفنى روحي في جسدها المتهور، أشبه باحتفال صاخب، ترن فيه طبول القلب، وتدوي روحها عند جهة الشمال من صدري، تقول لي بصوت هادر، وكأنه زئير قادم من جبال مقفرة، لج جسدي، ثم تلقمني حلمتيها، فألعق العرق المتصبب بشهية، غارقاً في العطر الجسدي بنهم الشهوات الأبدية، أهيم وجداً في الغابة الاستوائية وسنابل السفانا تتدلى على وجهي، فلا أرى نفسي إلا في بئر ليست معطلة، تتوهج بالجحيم الأزلي، وتحصد عمري في غضون الأسلاف والسلالات البشرية، النابتة كالشرور، تحك جسدي الصدئ بسكاكين الشهوة العارمة.. هذه هي لعبة التحول السلالي، تعيد أناي، إلى بدايات طفولية غابرة، أتشبث بها، بعنفوان عفوي وأطوقها بذراعين مرتعشتين، غائبتين في السكرة النبيلة.. تقول: توغل أيها الإنسان البدائي، وخصب هذه التربة اليافعة، بمنجل الحياة، توغل أيها الهمجي، واعصرني واثني جسدي، وأعيدني إلى الجبلة الأولى، وأنا لا أفوه ببنت شفة، ساهماً، مساهماً، في مزيد من الارتعاش، متفاقماً كأنني في حومة عبثية، أفتش عن نطفة الخلق، بين الضفتين المحتقنتين، وعند لب المعضلة، أضع لساني، وأضمه في الجوف المتصهد كأنها في الموقد المشتعل، أسأل عن رغيف الحياة.. عن استتباب الروح، ومعالجة الأنا الضائعة.. لا أنتهي من القبض على الحشرجة الكونية الهائلة والمنتعشة في فجور وأسدد رغبتي بكل ما أوتيت من شراسة، وعندما تصرخ مدوية ويزبد فمها وتشيعني بنظرات الحرقة، أربض فوقها مستريحاً على حرير التضاريس المدهشة.. وفي سري، أقول يا فيروز، في هذه السنحة الوجيزة اقطف ثمرات اللوز واقضم من الزيتون ما توافر، وهي تحتي تفور، ويغلي صدرها، كأنه النيران الوارية في هشيم الأبد.. خلال زمني هذا، مع هذه الفتاة، القادمة من جاهلية الأسلاف الغابرين، لم أتذكر فيروز، لم يخطر على بالي ذاك الشخص الذي كان يحاصرني بالخوف.. وبعد مضي زمن، بعد أن انطفأت النيران، وشدا العصفور في رأسي، عدت متضوراً، عدت خابياً، كسولاً، وتتضافر الأسئلة في مخيلتي.. من كان مع تلك الفتاة، من أفضى إليها بأسرار الكائنات القديمة، وتجلى كالنسر يضع مخالبه في الخارطة المعشوشبة.. بعد ذلك انحنيت فوق الموجتين وقبلت وحشين ضاريين، ضارعاً من خشية النبوغ الكوني، رضعت قليلاً ثم استلقيت متراخياً، وتجشأ كوني، متباهياً بالفحولة، وعبقرية النخوة الجامحة.. شعرت حينها بأنني لست أنا.. بالفعل لم أكن أنا.. وكذلك، لم يكن أبو سيف، لكن ربما شخص آخر يشبه الصديق، ولكن ما شغل ذهني، هو هذا التقمص المفاجئ، هذه الرحلة التي غامرت بها من أجل أن أكون ليس أنا.. غادرتني الفتاة، متعضة من تجربة فريدة، مبتسمة بعد إشباع، شيعتني بنظرة وكأنها تريد أن تهزأ بالتاريخ، وتشمت باللاشعور المهيض.. بقيت بمفردي تحت هذا السقف في الفندق الذي اخترته ليكون، أول ساحة سجال، تدور بيني وبين أول أنثى.. تدور عيناي في السقف، المزخرف بالأضواء، وأنظر إلى الجدران التي كانت ترصد قبل قليل حركة الجسدين، وتسجل تاريخاً جديداً لكائن تقمص أنا غير أناه.. قلت في نفسي ما الذي كان يرغمني على الهرب من السعادة، لأغوص في أتون المجاهيل المعتمة، لماذا لم تضطهدني هذه المرأة، كما كنت أشعر من قبل.. لماذا لم تستل منجل أم الدويس، وتجز عنقي؟ لماذا لم تطوقني بذراعين عملاقتين، وتنتزع روحي.. يا ترى هل كان أبو سيف على حق عندما كان يصمني بالمعقد..؟
تقول بتهكم.. لقد انقضضت وأدميت وصرخت ولم تشمر عن ذراع الغضب، غبت بين العالمين العملاقين ولم أغرق، بل احتوتني بضراعة، وناولتني اليقظة الكونية بكل سماحة، وحنان..
تبقى هكذا على السرير، ممدداً مستريحاً، محدقاً، وتتساءل عن السعادة، التي تجتاحك، كأنها العطر المرشوش في جوانب الكون، لا تريد أن تفارق المكان، بل داهمك خوف من المغادرة، لعل وعسى، أن يقبض على اللحظة الباقية من العمر، تشعر بأنك لو أفلت من اللحظة تفلتت منك أناك الجديدة.. تقول: هل أنا شخص آخر، بأنا أخرى الآن، ولربما عدت إلى سابق الزمن، هل سأظل أبحث عن أم الدويس.. ترتعش، ويجيش خاطرك بشخوص ووجوه، تتكالب عليك كأنها الوحوش الضارية.. تقفز من مكانك، تنهض، ثم تشعل السيجارة، بيد مرتعشة تتحرى المكان من جديد.. تقول: هل أنا الآن في فندق؟ أي هل أنا على سرير هو غير سريري الذي أرقد على فراشه كل ليلة؟.. هل صحيح أنني افترست كائناً آخر، دون وجل؟ أين ذهبت المرأة الآن.. لقد قلت لها أريدك لساعات، لكنها لم تمض أكثر من ساعة، واختفت.. هل عذاب.. أم ماسة.. أم نيران.. بطبيعة الحال، فهي لا تشبه أحداً منهن.. هذه المرأة، انتزعتها من دهاليز هذا الفندق، والذي يعج بالنساء، المتباهيات بالأنوثة، المتفجرات برغبات لا حدود لها.. كما أن سمرة محياها لا تدل على أنها من شرق آسيا، بل هي من تضاريس هذا المكان، وكلمة فديتك سمعتها أكثر من مرة، وهي تطوقني بذراعيها، وتلتهمني، متفجرة من مكبوتات ضالعة في القدم.. إذاً كيف جاءت إلى هنا؟ وكيف تخطت اعترافات الذات؟ وكيف استفزتني بكل هذه الأنشطة الجسدية التي لم أشهد لها مثيلاً؟ لم أخبئ شيئاً، لم أتردد، ولم أغضن جبيني وأنا أقترب من القارة الخصبة، ولم أتوجس من مغامرة، ولم ينبجس قلبي لمجرد أنها تشهق، وكأنها تريد أن تنتزع النجوم من أعماق عروقي.. تضحك.. تجلجل، وتصخب وكأنك تحيي احتفالات بميلاد أنا جديدة في داخلك.. تطفئ السيجارة، وتخفي دموعك تحت أصابعك التي مررتها بسلاسة تحت الجفنين.. نهضت، غادرت غرفة الفندق، منتشياً شيئاً ما، لكنك لم تستطع إخفاء غليل بدأ يساورك.. تحاشيت الخنوع، وتلاشيت طلوع الأنا المحتومة مرة أخرى.. وفي البيت، تحت سقف غرفتك، تفانيت من أجل الاحتفاظ بصورة المرأة الرائعة، نصعت مرة أخرى أمام عينيك، بشعاع عينين شرقيتين نادرتين، أشعلت سيجارة أخرى.. تقول إنك كلما تستعر تشعر بحاجة إلى السيجارة، وتلهمك الدوائر الرمادية، الذاهبة إلى الفناء، بتاريخ يتلاشى أمامك، تفرح لذلك كثيراً، ويسعدك أن تتقمص أنا شخص آخر، وقد لا يكون آخر، وربما تكون أنت الآخر، ولم لا؟ فالإنسان قد يكون مزدوج الشخصية، نتيجة لتاريخ عتيد يمر به، يجعله يعيش حالات مختلفة، فقد تسيطر شخصية على أخرى، وقد تطفو مشاعر وتخبو أخرى.. تبتسم وأنت تغيب العقب في جوف المطفأة.. تقول: هذه المطفأة، كالنفس البشرية، فيها الرماد، وفيها الأعقاب، وفيها الجمرات الملتهبة.. تبتسم تقول: أنا كالمطفأة، أنا أحوي كل هذه المكونات.. تشعر بالجوع.. تقول.. لأول مرة في حياتي أشعر بالجوع، والحاجة إلى الطعام بشهية.. لم أكن في حياتي أن تناولت الطعام عن رغبة، غير رغبة حشو الأحشاء، حتى لا أموت جوعاً.. تنهض، تأخذ أصلاب خبز الصمون، وشرائح جبن الكرافت، تلف الرغيف تلو الآخر، تأكل بنهم، أكلت في هذا المساء أكثر من أربع صمونات، وهذه خطوة نادرة، كنت لا تكمل الرغيف الواحد، وتشعر بانسداد الشهية.. أعددت الشاي، وأخذت كأساً ضخماً، مع دخان السيجارة، كانت اللذة متناهية.. تبادر إلى ذهنك أنك بحاجة إلى الاسترخاء، فلم يزل الليل في أوله، ولا حاجة لك للنوم، لكنك لم تعتد على الخروج من البيت لأجل التجوال.. لبثت هكذا، منشرح الصدر، تتجول في التضاريس الجسدية التي ألهمتك القوة، وأعطتك الموعظة الحسنة، في إخلاء سبيل الأنا.. تقول: في الصباح الباكر يجب أن أزور صديقي، يجب أن أخبره، عن هذا السحر الذي مارسته السيدة الفاتنة.. بالطبع سوف يصعق لكن لا بد أنه سيسر للأمر..
تقول، إنك بدأت تشعر بشيء أشبه باختلال التوازن.. فما الذي جرى، في ليلة البارحة.. هل صحيح أنك ضاجعت الشقراء التي التقيتها فجأة أم أنه مجرد حلم..؟ في واقع الأمر لا يوجد أي مسوغ موضوعي يؤكد أنك فعلاً مارست الجنس مع تلك الفتاة، إذاً يبقى الأمر مجرد حلم.. ولكن، لماذا تحلم بكل هذه التفاصيل، والجزئيات، في شكل الممارسات.. فأنت مازلت في حال الحرب مع المرأة.. أو الأحرى أنك لم تزل تعيش في جلباب أم الدويس، التي تبحث عنها، وتهابها في الوقت نفسه.. أنت وعلى ما يبدو متلبس بازدواجية الشخصية، والأعراض التي تبين عليك تؤكد ذلك.. يقشعر بدنك، ترتعد، تريد أن تفر إلى مكان ما، إلى أي مكان، يجنبك الوقوع في شرك مثل هذه الأعراض الخطيرة، والتي قرأت عنها الكثير في كتب علم النفس، والتي تؤكد أن الشخص المصاب بمثل هذه الأعراض هو شخص على شفا حفرة من الوقوع في جحيم أعتى الأمراض النفسية، ألا وهو مرض الفصام.. تريد أن تهرب، فهذا المأوى الذي تقطنه أصبح موبوءاً، وغير قابل للتآلف، وما عدت أنت مهيأ لقبول واقع يجيش ضدك الأحلام المفزعة..
تبهت وتقول: مفزعة.. كيف يمكنني أن أقبل مثل هذا الاستفزاز الشيطاني المريع، حاولت مراراً في كل جولاتي عبر تضاريس البلد، أن أصطاد فكرة مقنعة عن أم الدويس، ولم أعثر إلا على الفراغ، والفراغ نفسه لقمني أسقاماً، حتى صرت أحس وكأنني لص مطارد، ولا أدري أين تكمن هذه القوة، الغاشمة التي تطاردني..
تهز رأسك، وتبصق على التراب.. تقول بلهجة ملهوجة.. فعلاً أنا لم أضاجع أي امرأة، وما حصل مجرد حلم.. تنهض، تفر هارباً، يطلمك الفراغ، وتقول لنفسك ما الذي جعلني أحلم.. المرأة التي ضاجعتها، شقراء، هيفاء، واسعة العينين، تتحدث بلغة عربية مكسرة، لكنني كنت أعتمد الإشارة، أكثر من الكلام، حيث لساني كان منهمكاً في صناعة الفرح على وجه المرأة..
تقول: هل صحيح، أن الرجل عندما يملأ جوف المرأة، بالنشوة، تبدو كالشجرة الوارفة.. ما لمحته في عيني تلك المرأة كان أشبه بالشرارة، الساقطة على هشيم القلب.. قلبي أنا.. ولمحت في شفتيها ارتعاشة أشبه برجفة جناح عصفور مذعور.. كنت أقبض على كتل الفراغ، وأنضوي نحوها، زاحفاً، مندفعاً بجحافل السلالات القديمة، وما ورثته من الأسلاف، من نزق واحتراقات..
تهز رأسك.. مجرد حلم.. الأحلام لا تصدق.. ثم تقول.. لكن الأحلام ليست مجرد هراء أو هزاء بلا معنى، الأحلام لها معنى، الأحلام تعبر عن اختلاجات، وإلا ما معنى شغفي في البحث عن أم الدويس.. أليست هذه امرأة؟ أجل هي امرأة، وما فعلته كل هذا التاريخ هو البحث عن امرأة.. امرأة، قوية.. مخيفة، عملاقة.. الشقراء لم تكن مخيفة، لكنها كانت قوية.. شعرت بذلك عندما غرست أظافرها في جسدي وهي تصرخ قائلة.. زدني من فضلك.. ارحمني، ولقمني شفتيك.. كانت ترتعش، تطوقني بذراعين، قويتين، حتى التصق جسدانا، ولم أعد أميز بين بطني وبطنها.. كانت تلعق عرقتها، الذي هو عرقي، ولا تبدي أي تعب.. حتى انطفأت فجأة، وأغمضت عينيها، وأرخت ذراعيها، كالميتة، ولم تكن ميتة بل كانت منتشية.. بعد فينة فتحت العينين، قالت لي أنت شرس.. ولذيذ..
يا إلهي.. مازلت لم أعد أميز إن كان ذاك حلماً، أم واقعاً.. وفعلاً أنا في حالة الانشطار النفسي، وعليّ أن أنتشل نفسي من هذه الورطة.. تصرخ.. أنا في ورطة.. ولم يعد أمامي غير مغادرة هذا المكان.. ولا بد لي من ملاذ آخر، أجد فيه نفسي..
تقول إنك تريد أن تستعين بالوحي الداخلي، لتستعيد قوتك من جديد وترفض هذا الواقع وتؤكد أنه حلم.. أنت الآن تبحث عن رمل الفقراء، وتريد أن تضع أول خطوة على أول حلقة من حلقات الانتشاء الذاتي بفوزك على أم الدويس، تريد أن تثبت لنفسك كما للآخرين، أنك اصطدت أم الدويس ووضعتها في قفص الوعي، والآن أن تباشر التحقيق معها، لتصل إلى كمية الجرائم التي ارتكبتها هذه الساحرة الفظيعة، وتريد أن تتقاضى منها وإن لم تعدمها، فإنك تريد أن تأخذ منها إقراراً مكتوباً بألا تعود هذه الساحرة، بإرهاب الناس، وقتل الأبرياء، لا مستعينة بحجة غير قوتها..
تقول إنك، فعلاً خرجت من كومة القش التي كنت تدفن رأسك فيها، والآن أنت تسبح في ساحة الوعي، مودعاً لاوعيك، في مزبلة التاريخ.. التاريخ.. التاريخ يا فيروز، له حركة وأحياناً حركته تتحول إلى طوفان يطوي القلب ويحثو رمل الغضب في عين من يقف ضد حركته، ولكن لا ضرر، هكذا تقول، ثم تصر على أنك الآن لم تعد كالأمس، وإذا كان ما لمسته مجرد حلم، أو أنه واقع، فهذا لا يغير من الواقع شيئاً، فكون الحلم استطاع أن يجلب امرأة من أقاصي الدنيا كما كان يفعل أبو سيف، ويضاجعها، وينخر جسدها بفحيحه، ثم يمضها ويمجها، ويستدعي قوته من جديد، ليكتب على جسدها، آخر ما توصلت إليه اللذة الكونية، ثم في الذروة، وبعدها يسكن، لزوجته الساخنة في الكون الملتهب، ثم ينهض لاعقاً رضابه بتلذذ وانتشاء، قائلاً لها بلهجة حانية.. الآن في إمكانك الانصراف، وترك هذا الجسد، يستعيد صورة الفوز بجسد امرأة، من دون معاناة، طبعاً مستعيناً بالذاكرة..
تقول إنك لن تدع أبا سيف يسخر منك، ولن تفسح له مجال التسفيه بقدراتك الجسدية..
تقول بلهجة حشيمة، ماذا بوسعك أن تفعل من الآن فصاعداً..؟ تفكر ملياً، تنظر إلى عرائك الداخلي، تتلمس بأصابع صحوتك بعض النتوءات، البارزة في الداخل، والأعشاب الشوكية هي بقايا ما تبقى من الماضي، ثم تنفر، حلفت هذه المرة، لا تحاول أن تفر، بل إنك تغرس أصابعك أكثر تغوص في العمق، تجتث بعضها، وتفرك بعضها، حتى ينحني ويذبل، لينظف داخلك، ويتطهر من عواهن الدهر، ولا يستولي عليك الخوف بعد اليوم.. ولكن لا بد أن تختار بقعة غير هذه البقعة الموبوءة، كونها أساس البلاء الذي أصابك، وهي التربة العظيمة التي ألبستك شياطينها، وطوقت عنقك بالهواجس، إذاً تقول، إنك سوف تغادر المكان إلى مكان ما في هذا العالم، إلى جزيرة ثانية، لا يسكنها إنس ولا جن، وبطبيعة الحال لو غاب الإنس، يغيب الجن، إذاً ففي البدء ألا يكون إنس في تلك البقعة من العالم، حتى تستطيع أن تكتشف نفسك، وتجرب قوتك إن كنت حقاً تغيرت، أم مجرد وهم.. تفكر.. تفكر يا فيروز، وتحشد جل قواك العقلية، وتجلب كل ما درسته في فصول علم النفس، وبالطبع سيكون فرويد حاضراً، لأنه أول من زرع بذرة التفكير في اللذة، وأول من استقصى تلك البقعة المظلمة من عالمك، الذي أطلق عليه اللاشعور.. إلى أين؟ تقول، بلاد الله واسعة، ولن تضيق الأرض بنفس إنسان واحد، وهي التي اتسعت للمليارات من البشر. المهم، أن أختار البقعة الملائمة وأن أسعى بجد، لكي لا يخبو الجمر الذي صار أشبه بالمصابيح الملونة بالأحمر.. صار داخلي أحمر، والجن يخشون اللون الأحمر، إذاً أم الدويس سوف تغادر كلياً من داخلي ولم تعد تلك العملاقة المرعبة..
تقول ما الحل إذاً.. إذا لم يكن بوسعك أن تحيد عن قناعاتك، وليس في إمكان الآخرين أن يتغيروا.. أليست هذه معضلة أن تواجه المستبد من حياتك، وتكبر المعاناة إلى أن تفجر فقاعة الغبن في صدرك، ويوافيك اليقين دون أن تبلغ مبتغاك..
تفكر ملياً، تقول: الآخرون لن يغادروا المكان، كما أنهم لن يتخلوا عن الفكرة ذاتها، لأنهم اقتنعوا بعد ما توارثوا الفكرة، وضرب الخيال أطنابه في وجدانهم.. فأنت مقتنع بأن ليست كل امرأة أم الدويس، وكذلك ليست كل أم الدويس امرأة، إذاً لا بد من الانعتاق، ولا بد من الانفصال عن واقع يخلق أوهامه، بنفسه، ويزرعها حقائق لا فكاك منها.. تفكر ملياً، تنفجر الفكرة في خيالك، تتطور تكبر، تصير بحجم الجزيرة النائية التي تود أن تلوذ بها، وتختبئ هناك، بعيداً عن وشوشة الموجات التي خلفها الآخرون في الذاكرة، وبعيداً عن تشويش الأصوات التي انغرست في الذاكرة منذ نعومة الأظافر، حتى صارت ضجيجاً، عارماً، يشوه الصور أمام عينيك.. تقول إن صوتاً داخلياً يهدر، يزلزل المياه الآسنة في أعماقك، يدوي بعنف الانفجارات الأرضية، النابتة من براكين الآلهة، يقول لك اخرج من هنا يا فيروز، ولا تهدر سنوات العمر، في الالتقاء مع آخر، استمد معرفته من الصور الخيالية واستشاط حمقاً وعصبية.. فتستجيب بضراعة الطيعين، تغادر، تلملم أشياءك الصغيرة، وتتأبط حقيبة أحلامك، باحثاً عن نفسك، وعن ضياعك، وعن جزيرتك الوادعة، عند مخيلة الحقيقة..
تقول هل للحقيقة خيال؟ أجل بل إن الحقيقة في الأصل، نبتت من بذرة خيال جامح، إذاً لا بد أن تتفجر أنت، لا بد أن تحمي ضلوعك من غثيان، المراحل المفرغة من المعنى..
وفي الجزيرة النائية، ترى الصورة واضحة، ترى الحلم المؤزر بالنصوع، الجزيرة التي يتساوى فيها الليل والنهار، ويمتزج الصيف بالشتاء، والحرارة بالبرودة، والرطوبة باليبوسة، بمعنى أنك وصلت إلى الأشياء المتوحدة، المختلطة في كل واحد، لا يشق له غبار..
في الجزيرة النائية، تتنفس الصعداء، وترى صورتك الحقيقية، تنشأ في النصوع، في العالم الماورائي، تقتنع بأنك وصلت إلى حافة الحقيقة، في الجزيرة النائية، قد تمشي والرمل وحيداً، بلا جلجلة أقدام، واستراح الماء، يغطس في أحلامه، ويتهجى حروف عوالمه البعيدة، بلسان عربي فصيح.. تنام، تغطيك السماء، بلحاف أزرق، صافٍ، يتلألأ بمصابيح الطبيعة، الراقصة على عزف أزلي لم يكف عن ترميم أحشاء التراب، جراء ما لحقه من بلاء التعرية.. وفي صباحك تنهض، تفرك جفنيك، وتفتح عينيك على صورة كائن، اختبأ خلف ورعه، وصيامه الأبدي.. للوهلة الأولى تفزع، لكنك لا تفكر أن تقاوم، أو تساوم، بل لبثت شاخص البصر، كما هو الماء عندما تداهمه موجة صارخة، تحاول أن تلملم بقاياك، تحاول أن تجمع شتاتك، تقول بصوت مشروخ من أنت..
في البدء لم تسمع صوتاً، وما طرق أذنيك، مجرد فحيح، شنف الأذنين، اعترتك القشعريرة، فاختض جناح فؤادك، حاولت أن تقضي على خوفك، وأن تجتاز اللحظة الراهنة، بالصمت.. لبثت ساهماً، شارداً تفكر في المخلوق الذي يقف أمامك، تفكر في نفسك كيف طارت بك قدماك إلى المكان الموحش. فلا كائن يتنفس هنا غير هذا الجذع البشري.. تفحصت الوجه، قرأت الملامح، سقطت عيناك على ابتسامة، وديعة، بديعة، استقرت في سويداء قلبك.. قرأت آية الكرسي، قلت إن كان جنياً فسوف يفر، لكن المخلوق ظل محاذياً خوفك، والشعاع الرهيب، يتسرب من عينيه إلى نياط قلبك، قلت لن أتوجس، لن أدع الخرافة تطاردني بعدما فررت من موطنها.. أنا هنا في عالمي الخاص، ويتبقى أن أضع مخيلتي كما أريد، لا كما عرفت.. عدت مرة أخرى، قلت بصوت جامد.. من أنت؟
قال في صوت رخيم، وكأنه يخرج من فم نجمة، تهاوت على سفوح جبل.. أنا صديقك الذي جئت تبحث عنه..
دهشت.. قلت في نفسك.. صديقي.. ليس لي أي صديق، فقد هجرت الأصدقاء جلهم، وآخرهم أبو سيف..
يهز رأسه، الذي بدا أمامك، كأنه كرة تتزحلق على عشب قشيب.. أجل أنا صديقك..
تقول: أتعرفني؟
يقول: أجل أعرفك..
تقول: من أنا..؟
يقول بلهجة عذبة: ألست أنت فيروز..؟
ترتج الأرض من تحت قدميك، وتسقط الشمس التي تردت كالجحيم، ثم ترفع رأسك، تمد يدك، تحاول أن تتعرف على الملامح..
ويداهمك.. قائلاً: ألست أنت الذي تبحث عن الحقيقة؟
تقول: بلى..
يقول أنا الحقيقة.. وشيئاً فشيئاً، تغمض عينيك، وتفرك جفنيك، ثم تفتح العينين، وترى أمامك ما يشبه الحلم.. امرأة..
في هذه الجزيرة، تذوب الأشياء بين يديك، كما تذوب قطعة السكر بين أنامل امرأة، حالمة، تحصد وعيك، سنابل أمل تهيم في الورطة اللذيذة، تتوغل.. لا يوجد هنا بشر، ولا شجر، ولا حجر، وكأنك اقتطفت نجمة من السماء، وأقعدتها تحت قدميك، الضوء الذي يأتيك يتسلل من داخلك، العذوبة تتسرب من أصابع روحك، فتنتشي، تشعر وكأنك تطير في عوالم لم ترها من قبل.. أجل أنت في هذه الجزيرة، التي انطلقت نحوها أو أنها هي التي سبحت على رمل القلب، واغتسلت من دمائك حتى ارتوت. وتلونت بلون وجهك، وجهك الذي لم تكتشف ملامحه، إلا بعد أن أطللت على انعكاسه في رمل صفائك..
تقول بجرأة لم تعهدها من قبل.. أنا لست خائفاً، أشعر بأن هذه الجزيرة تطوقني بذراعين دافئتين، وتلقمني لساناً أعذب من رعشة امرأة متأججة، لذا أصبح المكان بدفئه يحرضني على البقاء.. البقاء هنا يشعل الفكرة، يقلبها، يمنحها بريقاً، أنيقاً، أتلقى أنا.. وكأنني أولد من جديد، كأنني كنت عدماً، فأصبحت وجوداً، بكل خواصه، ومقدماته، ودهشته.. تقول إنك سوف تصعد إلى السماء، وسوف تعد النجوم، وتقبل القمر، وتمسح بيديك وجه الشمس، لتأخذ من خصلاتها المتدلية خصلة، لكي تنير وجه الجزيرة، وتضيء داخلك، تقول إنك بحاجة إلى ضوء شمس، وإنك بحاجة إلى وهج يطارد العتمة المتوارثة، فكل ما تخشاه أم الدويس، هو الضوء، كما أن الأشياء السيئة، تتوارى بمجرد رؤيتها اللألأة..
تقول إنك الآن تتلألأ، وهذا ما يدحض افتراءات صاحبك، أبي سيف، الصديق الذي أنكر انطفاءك، لمجرد أنك لمحت وجه امرأة، تلاصقه، ولما شممت الرائحة شعرت بالزكام، عطست وكأنك تريد أن تطرد شيئاً خبيثاً، كأنك تريد أن تسحق أي أنثى تصادفك، فقط لأنها تنتمي إلى جنس أم الدويس..
الآن تعترف بأنك لم تكن محقاً، وكذلك صديقك.. شيء ما كان يحجب عنك الرؤية، وعن صديقك، ربما يكون التاريخ، ولكن التاريخ تحرك في أماكن كثيرة، وتلون ولون، إذاً ما هذا التنين الخطير الذي أطعمك البؤس، وجعلك تبحث عن شيء تخافه..؟ فهل كنت تخدع نفسك عندما كنت تلاحق شبح أم الدويس في عيون الآخرين، وتسأل عن أخبارها على ألسنتهم؟
تقول وأنت تشعر بالحيرة، أي قوة رهيبة هذه، جعلتك تندفع بقوة، كما تحجم بقوة، عن شيء واحد بعينه.. تتذكر الآن، لقد نصحك الصديق، أبو سيف، بأن تمتطي إحداهن، وتمسح عرقك بمنشفة صدرها، ثم تنهض، معلقاً سروالك المبتل، على مشبك كتفها المرتعشة.. لكنك، لم تذعن لفكرته، واعتبرتها أفكاراً جهنمية تقود إلى دمارك، فانتفضت زاعقاً في وجهه، متذمراً، ثم هارباً إلى فراغك، التقمتك السفوح، تعثرت بالأحجار الصلدة، حتى أدمت قدميك، لعنت الصديق، شتمته، عدت أدراجك إلى غرفتك، صرت تبحث عن طمأنينتك في العتمة وتنشف عرقك، بفوطة السكون، هدأت قليلاً، لكنك انتبابتك القشعريرة لمجرد سماعك صوت نباح كلب، قلت حينها الكلاب لا تنبح من عدم، لا بد أن هناك خطراً، أو على الأقل أنها تنادي أنثى.. أي أنثى تريد فقط أن تتخلص من سموم ظهورها، لكي تهدأ.. كذلك كان يفعل أبو سيف، وقد قال في مرة، إنه عندما يشعر بحاجة إلى امرأة، فإنه مستعد أن يتأبط أي أنثى، ويمنحها مشاعره، بكثافة في تلك الدقائق، وما إن ينطفئ، يبدو شخصاً آخر، يتورع فجأة، ويلوذ عنها بعيداً، لتذهب هي مع الريح، تجر أذيال انكسارها وغربتها..
تقول إنك تريد أن تهرب عميقاً، تريد أن تقتفي أثر الحمى التي كانت تنتابك كلما اقتربت منك أنثى، تتظاهر بالعافية، رغم إحساسك بتكسر الزجاج الداخلي وتهشمه إلى نثار رقيق وحاد.. من سوف تستفتي؟.. قلبك، فهذا لم يكن يوماً طوع إرادتك.. عقلك؟.. كذلك هذا لم يكن إلا مجرد كرة زجاجية تتدحرج داخل جمجمتك.. إذاً ما تستطيع أن تفعل غير أنك تختزل التاريخ، وتعيد قراءة أحلامك، كما فعل فرويد، ثم تبدأ في التفسير لعلك تنجز بعضاً مما أنجزه هذا العظيم..
تقول إن الأحلام لا تفسر المستقبل، ولا تعبر عنه، إنما هي تعيد قراءة التاريخ الشخصي، ثم تبدأ الأدوات العقلية في الإخراج، والإزاحة، والتبديل، والتعديل، والطمس أحياناً، والإبراز في أحيان أخرى.. إذاً لا بد من حنكة لا بد من محاولة جادة، وأنت تقع على الأرض، البكر، لتبدأ حياة جديدة، لتتحرر من حياة قديمة.. تضحك.. ساخراً من التاريخ، تقول صحيح إنه مزبلة، التاريخ مزبلة، كل القمامة البشرية تتراكم في جوفه، ولا يتعب من الحفظ والتخزين.. التاريخ كالعاهرة، التي تفتح ساقيها لأشخاص عدة، ولا تتعب، كي تتقاضى ما يملأ معدتها.. معدة التاريخ واسعة، كما أن جوفه أوسع من أجواف عاهرات العالم..
تقول، وكأنك تريد أن تصل إلى نتيجة من أن كل تاريخك الطويل لم يكن إلا مهزلة، كما أنها تواريخ الذين يعيشون الأوهام، ويعتقدون أنهم أمسكوا بزمام الحقيقة.. تصرخ ملء فيك.. يا فيروز، أنت الآن بعيد عن التاريخ، وأنت الآن فوق الجغرافيا، فلماذا لا تكون القصة التي تريد أن ترويها أخصب من خيال التاريخ، وأرحب من تضاريس الجغرافيا.. ثم تصرخ.. يا فيروز، يجب أن تولد الآن..
في الجزيرة البعيدة، تقول إنك التقيت صياداً، اسمه نبهان.. في المرة الأولى لما نظرت إلى وجه الرجل، تخيلت أنك تواجه اليقين.. أي أنك على وشك أن تلقى نهايتك على يد كائن، تبدى لك على هيئة بشر لكنه ليس ببشر.. توجست، وتأهبت للفرار على الرغم من أنه لا مفر من قدر ألم بك، ولا محالة من النهاية المؤسفة.. حدقت في وجهه، كان نبهان أشبه بكائن بحري لكنه ليس بسمكة، قلت في نفسك بالطبع لن يكون هذا الهيكل العظمي، ذو الرائحة السمكية بإنسان حقيقي، لكنه له يدان ورجلان، وأنف حاد كحد السيف، وعينان جاحظتان، وسحنة سمراء، مملحة بماء البحر.. تسمرت في مكانك، أمعنت النظر بهذا المخلوق، الذي يقف أمامك، يشيعك بابتسامة غامضة، أشبه بموجة تخب من مجاهيل البحر، اقترب ناحيتك وأنت تتجمد في ذهول، وكان قاربه الصغير يتهاوى على ظهر موجات ضئيلة، هامسة بصوت خفي، قال لك بصوت هادئ، متهدج، من أنت؟
لم تكن تعرف ماذا تجيب؟ أتفصح عن اسمك، أم تدعه وتمضي بعيداً.. في الحقيقة لم يكن في وسعك أن تجفل وتتركه يسقط تحت وابل أسئلته، فكان لا بد أن تجيب، وألا تنصرف خائفاً.. قلت بصوت مشروخ: أنا فيروز.. وما اسمك..؟
قال بهدوء: نبهان.. وينادونني بالصياد، طبعاً باستخفاف، كونهم يعرفون أنني في كل مساء، أدخل البحر بهذا القارب الصغير، وأعود في الليل متأخراً خالي الوفاض، فلا شيء بحوزتي غير الحسرة..
تشجعت.. قلت: ما الذي يمنعك من الصيد.. فالبحر كريم، والخير وفير..
يهز رأسه، في قنوط.. قائلاً: لأنني لا أدخل البحر من أجل الصيد..
قلت دهشاً: ولماذا تدخل البحر إذاً؟
يرد بلهجة غامضة: لأنني أحب البحر، لأنه أكثر صفاءً..
تقول: ممن؟
يقول: من الناس..
تختنق.. تغص الكلمات في حلقك، تحاول أن تتحرر من دهشتك، وربما شعرت بأنك تعاطفت مع الرجل فجأة، من دون سابق إنذار.. تنفجر أنت وتقول: ألهذا الحد تكره الآخرين؟
يغمض عينيه، ويضغط على مخارج ألفاظه.. قائلاً: لا تفهمني خطأ.. أنا لا أكره أحداً، لكنني أبحث عن الحقيقة، ويجب أن تفهم أن الضجيج يمنع دخول الفكرة بسلاسة إلى الرأس..
تقول إنك شعرت بدوار، وأن الأرض التي تقف على أديمها بدأت تتحرك من تحت قدميك، حاولت أن تتجلد، وتصمد.. قلت.. وبماذا تفكر؟
قال: قلت لك أبحث عن الحقيقة..
قلت: وما هي الحقيقة؟
قال: لقد انتشرت شائعة منذ زمن، أن بالقرب من هذه الجزيرة، تعيش سمكة كبيرة، تهاجم الصيادين، بعد أن تقلب قواربهم، فتلتهم أجسادهم الغارقة في البحر.. لهذا السبب، فأنا أمخر جوف البحر، وأجدف في هذا القارب لعلي أعثر على السمكة الكبيرة..
قلت: ألا تخشى من أن تهاجمك، وتقضي عليك كما تفعل مع الآخرين؟
قال: ما الضرر في أن أموت.. فالموت خير لي من أن أعيش الخوف من الموت..
ترتعد فرائصك، ليس فزعاً، وإنما من هول الصدمة.. ربما أحسست بأنك اقتربت من اليقين، وربما لأنك شعرت بالتجانس مع هذا الصياد الغرير.. وربما لأنك لا تصدق ما تسمعه وتشاهده.. قلت في لهوجة.. وعندما تعثر على السمكة الكبيرة، فهل ستصطادها؟
يضحك.. قائلاً: بالطبع لن أفعل ذلك، ولو حاولت فلن أستطيع..
قلت: ماذا ستفعل إذاً؟
قال: سأصطاد الفكرة..
قلت: أي فكرة؟
قال: فكرة الكذب..
قلت: وهل أنت مقتنع بكذب ما يدعون؟
قال: أجل.. أجل..
قلت: فلماذا إذاً تبحث عن الكذب؟
قال: لأعرف الحقيقة.. ثم يستطرد: الحقائق لا تكشف شفاهة وإنما هي تبدو في ثنايا البحث عنها.. ثم يضيف.. المهم ألا تصدق كل ما يقال..
استسلمت لفكرته، لما وجدتها تترادف مع ما تسكعت من أجله.. قلت في حبور: إذاً نحن متفقان..
رفع حاجبيه دهشاً.. قال: على ماذا نتفق؟
قلت: لأنني جئت إلى هنا أبحث عن الحقيقة.. ولكني لم آتِ لأبحث عن سمكة كبيرة، وإنما عن أم الدويس..
يضحك بجلجلة.. أم الدويس؟ ما هذه أم الدويس؟
قلت: ألا تعرفها.. ألم تسمع عن امرأة عملاقة، تتقصى أثر الرجال، والأطفال، فتغرس مخالبها الضخمة في أجسادهم، ثم تمتص دماءهم حتى الموت..
يضحك.. ثم تجحظ عيناه، مزمجراً بصوت كهدير الموج.. غبي.. أنت غبي..
تنتفض غاضباً، تفكر في القضاء عليه، لكنك لم تجرؤ على فعل أي شيء.. ابتلعت أنفاسك، غصت في قفصك الصدري، صمت..
اقترب منك أكثر، ربت على كتفك، ملاطفاً، قائلاً: هل أغضبك كلامي؟
قلت كاظماً غيظك: لا بل ما قلته هو الحقيقة..
تفرس في وجهك، قال بلهجة ودودة، أم الدويس خرافة.. وكل ما يدعونه أقرب إلى الحمل الكاذب.. تهيؤات بشر لا أكثر..
قلت بلهجة جادة: ولكن تصرفات هذه المخلوقة بائنة للعيان، وبين فترة وأخرى يفقد الناس عزيزاً لهم، ولا يعود.. يا ترى أين يذهب المفقودون..؟
قال بحدة: وكذلك حال الصيادين، بين فترة وأخرى، تفقد البلد صياداً، أو أكثر، ولا يعودون..
قلت في حيرة: ما السر إذاً..؟
قال: السر يكمن في جهل الناس..
قلت: ما العمل؟
قال: أن يتخلص الناس من الجهل..
قلت: كيف؟
قال: إذا أنت.. وأنا لم نسايرهم، في ما يعتقدون، ينتهي الجهل إلى زوال..
قلت: هل تستطيع أنت أن تفعل ذلك، وتخرج عن معتقد العامة؟
قال: وأنا الآن أفعل ذلك، عندما أخلف ورائي كل ما يدعونه، وآتي إلى هنا، مجازفاً، باحثاً عن الحقيقة.. ثم يردف قائلاً: هل تستطيع أنت؟
قلت: أجل أستطيع، وهذا ما جئت من أجله..
يضع يده على كتفك، قائلاً: إذاً اتفقنا..
قلت: اتفقنا.. ثم تضيف متسائلاً: ولكن كيف سنكشف الحقيقة؟
قال: نزيف حقيقة.. ونضع حقيقة أخرى..
قلت: كيف؟
قال: أليس ما يدعون أنها حقيقة..
قلت: أجل..
قال: سوف نخترع حقيقة أخرى، أنا وأنت متفقان بها، نجهض بها الحقيقة التي يدعونها..
قلت: وهل الحقائق تصنع..؟
قال: كل ما يدعيه الإنسان، حقيقة من صنع الخيال، ومع التسليم بالخيال يصبح حقيقة تتوارثها الأجيال..
تبهت.. تشعر بأنك أمام خيال جامح، وكائن عبقري لا يجارى.. تتذكر أبا سيف.. كان مقتنعاً بما يقول، ويتصرف ويتهمك بالجهل أحياناً، وبالجنون أحياناً، كان يمارس رغباته بإحكام، وبتقنيات فنية عالية، كان يقول إن مضاجعة النساء فضيلة، لأنه يمنحهن اللذة، ويثري جيوبهن بالدراهم.. أما أنت، فتظل هائماً في عرائك، بلا معنى، ولا تقدم للبشرية ما يعينها على التخلص من الكبوات والاحتقان.. تتذكر هذا الصديق، وتتفرس في ملامح الصياد نبهان، فتقرأ العبقرية الفذة، التي أخرجتك من فراغك..
تستعيد خوفك من أم الدويس، ومن الأنثى التي أنجبتك يوماً.. تفكر.. تقول: كيف يمكن أن تكون الأنثى بهذه الشراسة.. الأنثى التي منحت اللذة، واعتصرت وجداً ليخرج الجنين، ويصبح رجلاً يمنح أخرى ما تستحقه من عصارة الجسد..
وتستطرد: هذه الأرض، أنثى تحمل البحر على كتفها، وتتأبط الجبال، وتحمي الأشجار من الضياع، وتسير الأنهار لترتوي الكائنات بالماء.. لم ترتعش الأرض يوماً إلا لأن الصخور في باطنها تتشاغب، وتلتهب، وعندما تيأس الأرض من ترويضها، تلفظها متبرئة من حثالاتها، ونزالاتها.. ولكن انظر إلى هذا البحر، الذكر المتوحش، إنه يعطي ويسلب، يمنح وينهب، ويسلب الأرواح إذا ما غضب.. الذكر وحده، الذي يصطنع الأفكار ويجيرها، ويجعلها حقائق، ليظل باسطاً نفوذه، وكل ما يختلقه من خرافة لأجل إضاعة الأنثى في متاهة الإجابات الغامضة..
تلتفت ناحية الصياد، تفكر في تقبيل رأسه، تقترب منه، تطوق ذراعيك حول جسده الناحل، ثم تضع وجهك مقابل وجهه قائلاً: شكراً لهديتك.. شكراً لعبقريتك، فلنفكر معاً لأجل الحقيقة..
يبتسم الصياد.. قائلاً: وهل تستطيع معي، صبراً..
تقول: أجل، سأكون رهن إشارتك..
تمضيان على رمل الجزيرة، تحدق أنت في العتمة، بينما يدب الصياد بأناه وتؤدة ويتلفت وكأنه يبحث عن وسيلة، كأنه يريد أن يخترع الحيلة، كأنه ينسل في الظلام خيطاً رفيعاً، تتبعه أنت، باستسلام.. ويتبعك توجسك شيئاً ما..
تقول إن نبهان، اصطحبك بالقارب، الخشبي، صرت أنت والرجل في جوف الزرقة، وعلى أسنان الموج الأبيض، تهاوى القارب، شعرت بدوار، شعرت باحتدام معدتك، حدقت في وجهه، قلت محتداً، توقف يا رجل، أشعر بالغثيان..
نظر الصياد إليك، باستخفاف، قال هازئاً، ألم أقل لك لن تستطيع معي صبراً.. إذاً يجب أن تعود إلى حيث المكان الذي انطلقنا منه..
مددت يدك إليه راجياً.. قلت: لا.. لا أريد أن أعود، أريد الحقيقة التي اتفقنا على اكتشافها..
قال في وجوم: لكنك لن تستطيع أن ترى الحقيقة، وأنت تشكو من دوار وغثيان..
قلت بإصرار: بل سأواجه الغثيان بالتصميم..
واصل القارب هديره، تحت جنح السكون، ووحشة الماء المهتدج، واصلت أنت الضغط على الأدراج، متحملاً، متجملاً، متجلداً، قابعاً تحت جلدك، كأنك الكائن، المتوجس، من هجمة ضارية.. والقارب يخب في الرمال السائلة، يغوص في أحشاء الموج، ويطفو في تحدٍّ لا نظير له، وعلى جانبي القارب تمر سفن الصيد، ومراكب التجارة، وأصوات تتهاوى من حناجر متعبة، تبدو كالرعد القادم، من تحت جلد سحابات داكنة، تشعر بالطمأنينة أحياناً، ولكن لما يتنحنح القارب إثر سعال يداهمه، بفعل انهمار الماء تحت هيئته المتآكلة، ينتابك الفزع، ويرتفع سعار الدوار، تفكر في الاستجداء لكن الصياد الغامض، يغمض عينيه، ويشيح في وجوم، وكأنه يتحداك، أو كأنه يتوخى منك مزيداً من المقاومة، أو الاستسلام، ثم يتلوه احتجاجه ونقمته التي تعرف جيداً حين قالها.. لكنك تصبر لتكبر في عينيه، تتضخم، لأجل أن تصبح فيلسوفاً بحق، يبحث عن الحقيقة الضائعة في أحشاء الغموض.. القارب، يرخي خطماً في جوف الماء، كأنه بعير ظامئ، ثم يرفع بوزه بأنفة المناضلين الصامدين، في مواجهة العدو اللدود.. غرق المكان في ظلام دامس، وغرقت أنت في أوهامك، فالامتداد الواسع، يشعرك وكأنك ذاهب إلى المجهول، بالفعل شعرت بأنك تهوي إلى سحيق غامض، لا فرار فيه، ازداد توعكك، وازددت اضطراباً بعد ما شحنت معدتك بمسامير الألم، انكببت على ركبتيك، وانخفض رأسك، تقيأت، أفرغت كل ما في أحشائك، وشهقت، يا الله، ولكن جعبة الصياد لم تبدِ تعباً، والقارب يثب كالقط فوق جبال الموج، يتوحش أكثر، يقاوم أكثر، والبحر يزبد ويرعد أكثر، والزرقة تزداد عمقاً، ولا ضوء يبين في غضون الليل البهيم، بينما الصياد، يدندن، منتشياً، وأكسجين الرئتين يتنفس بين الضلوع البارزة كأنها أعواد الخيزران المنضودة، تنهار أنت، تستلقي على جانبك بلا هوادة، يلتفت إليك منزعجاً، غاضباً، قائلاً بصوت جهور: ألم أقل لك لن تستطيع معي صبراً..
فتقول، بصوت مخنوق: لا بلى، أنا لها، دعك مني، واستمر في اختراق مجهولك.. يبتسم ساخراً، ثم يشيح واجماً، ويدندن.. على مسافة ليست بقريبة، باحت بعض الأضواء الخافتة عن مضمونها، أسفرت بعض الشيء، فانتعشت أنت رغم تهالكك، تفانيت بجسارة، فأطرقت.. أتريد أن تذهب إلى هناك..
لم يجب، واستمر في الدندنة.. شعر بالضجر كونك أصبحت صاحباً لا يطاق، أو هكذا أسفرت نظرات الصياد إليك..
التزمت الصمت، حاولت أن تلجم مشاعرك، وأن تحتوي انزعاجك، بصلب دخان، عله يروض معدتك وتكتفي بما أفرغته من حثالة طعام عفن.. دخنت نفثت ثاني أكسيد الكربون، ومعه آهة وحسرة، لأنك لم تزل تغوص في المبهم، ولم يزل الصياد يمنحك وجهاً غامضاً، ومشاعر مختلطة بين الحب والكراهية.. ورغم كل ذلك، فإنك لم تشعر بالقلق من غدر ما أو خيانة.. وقلت في نفسك، وما جدوى الخيانة بحق شخص تشبع من الخيانات حتى بات عملة فقدت الصلاحية.. والقارب يستمر في القفز على جبال الموج، يعلو وينخفض، يضرب ضرباته القاسية، صفحات الماء، ثم ينط فاراً إلى الأعلى، ثم متهاوياً إلى الأسفل، وأنت وحدك تفكر في الموئل الذي ستؤول إليه هذه الرحلة، المشؤومة.. وحدك تساورك المخيلة الغضة، تأكل قلبك، وتنهش من روحك، ولكن لا فرار الآن، ولا حيلة ولا تراجع، فالبحر قارة محاصرة، بالأبعاد الشاسعة، والفراغ الذي لا ينتهي إلا بلا نهايات قصوى.. أحياناً تشعر بأن كل ما فعلته ابتذال للفكرة، واستخفاف لا يستحق إلا هذه الرفقة اللعينة.. تشعر بأنها ورطة، لكنها قد تكون جميلة، قد تكون نهاية لمأساة، وذروة لسوداوية لازمتك منذ نعومة أظفارك.. تحاول أن تلملم شتاتك وتتجرع صبرك، على مضض لعلك تنهي السفر الطويل، والشاق، بمحطة تستريح من خلالها بعد تعب.. ويقينك يقول إنه لن يخيب الظن، بل إنه وجد ضالته فيك، ليريك ما لم تره، ليؤكد أنه السند الذي جاء من أجلك، ليتشابك معك في رخصة كونية، تفرج عن عقدة تكونت بفعل ضمير مستتر تقديره هم..
تقول إنك ذهلت عندما وصل القارب إلى البقعة المدهشة، ذهلت حاولت أن تتجلد صبراً، حاولت أن تغمض عينيك كي تخفف من وطء الصدمة، بينما نبهان وقف على مقربة من المكان، هذا المكان الذي أراد من خلاله كشف الحقيقة، هي الحقيقة ذاتها التي كنت تغوص في أحشائها المدلهمة، تحوم من حولها، تفكر فيها، تقلق من أجلها، تخاف، ترتعد فرائصك، تفقد النوم على أثرها..
قال في تهكم.. انظر.. انظر إلى هذا القبر.. نظرت، تفحصت الطين المتراكم، ثم قلت في دهشة: وما هذا؟
قال متذمراً: كما ترى.. طعام، وذهب وملابس، وكل ما ملكت أيدي الناس، تلقى هنا، بنفوس راضية، ثم تترك في الخلاء، الطعام تتناهشه الضواري، والأشياء الثمينة، تسطو عليها أيدي اللصوص.. والقليل منها، ما يبقى هنا شاهداً على المأساة..
ترفع حاجبيك دهشاً.. تقول: مأساة..
يهز رأسه، قائلاً: أجل مأساة، الحقيقة عندما تطمس تحت الرمل، وتدوسها الأقدام، ويبقى الإنسان هو الحشرة التائهة في جوف قنينة جهله وغلوائه..
اقتربت من نبهان، توسلت له بضراعة، قلت: ألا تريد أن تريح قلبي، لأفهم ما يجيش في خاطرك؟
قال: قلت لك، إنك لن تستطيع معي صبراً، قلت: إنك لا تريد أن تقطع الشك باليقين، بل كل ما تريده أن تبقى هائماً، ساهماً، مفعماً بالأسئلة البائسة، ولا إجابة غير العراء القاحل..
قلت: لماذا يتركون متاعهم بجانب القبر؟
قال: إنه ليس متاعهم، بل متاعه..
تقطب حاجبيك: متاعه هو، هذا الميت الراقد تحت التراب..
قال: أجل.. إنه متاعه..
قلت: وما الحكمة من كل ذلك؟
قال: لا حكمة.. إنها الفجيعة البشرية.. ألم تبحث أنت عن أم الدويس.. وتخشاها كذلك؟
قلت: أجل..
قال: هم كذلك، يخشونها، فيهربون إلى الفراغ، يهربون إلى القوة، يبحثون عن القوة، ويقتنعون بأنها هنا..
قلت: ومن هو الذي دفن هنا..
قال: لا أحد يعلم من هو، ولكنه قد يكون شخصاً ما، توخوا فيه القوة الخارقة التي تحميهم من خوفهم، والآن يطلقون عليه الولي.. ويسمون المكان.. القبر.. قبر الولي..
قلت: إنه ميت، وقد يكون ذاب تحت التراب، وتحللت عظامه، لتصبح طعاماً للديدان والحشرات والزواحف..
قال: لا ضير.. ما المشكلة أن يلوذ الناس إلى ميت.. فقد لاذوا من قبل بالحجر، والحيوان والكواكب..
قلت: وهل يعبدونه..؟
قال: لا.. بل يخشونه.. إنهم يقدمون له هذه القرابين طلباً للشفاعة، والنجاة من نار الخوف..
قلت: وممن يخافون؟
قال: يخافون من خوفهم.. ثم يستطرد قائلاً: شيء ما يطارد الناس.. اسمه الخوف، لا يعرفون كنهه، لكنه يساورهم، يسكنهم، يستولي عليهم، يكبلهم، لا يتحررون إلا عندما يتيقنون أنهم قدموا له ما يرضيه، ليرفع عنهم ضرر الخوف..
قلت: هل تعرف الزمن الذي دفن فيه الشخص الذي ينام تحت التراب..
قال: لا أدري.. ربما يكون من مائة أو ألف سنة أو أكثر، ثم يطرق قائلاً: الخوف البشري ليس له عمر زمني معين، لأنه وجد مع الإنسان، تطور مع نسله، والإنسان لا يمكن أن يحدد له عمراً بالضبط..
قلت: لماذا لا تحفر القبر..
قال: هل تستطيع أن تفعل ذلك؟
قلت: ولماذا لا..؟
قال: أنا أسأل.. وإن كنت تستطيع فافعل..
قلت: وأنت..
قال: أنا لا يهمني الحفر.. إنه مجرد حفرة لا غير.. ما يشغلني فكرة القبر.. فمن صور للناس، للذين تواروا خلف خوفهم، أن الولي المزعوم جدير بأن يطرد شيطان الخوف..
تزعق.. قلت شيطان..؟
قال: أجل.. الخوف شيطان..
قلت: ماذا تعني لك كلمة شيطان؟
قال: كل شيء غير مرئي مخيف، وكل شيء مخيف هو شيطان، ثم يضيف، ألم تقل إن أم الدويس شيطانة..
قلت: أجل..
إذاً المخيف شيطان.. وما بين شيطانتك ووليهم، قاسم مشترك واحد، هو الاستلاب..
قلت: ماذا تقصد؟
قال: كل شيء يسلبك إرادتك، هو شيطان، وأم الدويس والولي، يسطوان على الإرادة، بإرادة..
قلت: كيف؟
قال: يسرقان إرادة الناس، بقناعة ذاتية من الناس..
بهت.. فكرت.. قلت في نفسك: كيف توصل هذا المشرد إلى هذه الأفكار الجهنمية، كيف استطاع أن يخلص إلى هذه النتيجة، ثم أردفت من أرسل هذا الكائن الفظيع لي، من حمله هذه الرسالة الملغمة بالأسئلة الفجة..
قلت: وهل معنى هذا أن أم الدويس مجرد صناعة بشرية؟ ولماذا يصنعون خوفهم بأيديهم؟
نظرت إلى نبهان.. قلت: ألم يلفت نظرك إلصاق الشر بأم الدويس، أعني بامرأة وليست رجلاً..
ضحك نبهان.. قهقهه فاغراً فاه، حتى ارتعشت أطرافه.. قال: أتريد أن تعرف السر..
قلت: إن كنت تريد أن تنقذ حياتي..
قال في لهجة دهشة: أنقذك.. مماذا أنقذك؟
قلت: من أم الدويس..
قال: أأنت خائف؟
قلت: لست خائفاً فحسب.. بل أنا خائف، وناقم، وباحث عن الحقيقة..
قال: حقيقة ماذا؟
قلت: حقيقة هذا المارد المبهم الذي يسكنني..
قال: أأنت متزوج..؟
قلت: لا..
قال: لماذا؟
قلت: هذا هو السؤال الذي يطاردني..
قال: وما علاقة أم الدويس.. بالزواج؟
قلت: ألم نتفق أنها امرأة..
قال: إذاً أنت مقتنع بأن الشر امرأة.. وأن الخوف امرأة..
كدت تجهش بالبكاء، انكببت عند قدميه، مرتعشاً، مضعضعاً، متفانياً من أجل الحقيقة..
وضع يده على كتفك، ربت، هدهدك كطفل فزع من حلم مخيف، كانت عيناك جاحظتين، ويداك مرتعشتين، قال في لهجة هادرة.. انهض يا رجل.. انهض يا فيروز، كان في وسعك أن تجتاز هذه المحنة لو أنك اختزلت أزمنة الخرافة، واصطنعت لنفسك زمناً غير الزمن.. فالذي يعيش أزمنة الناس، ويدخل في تجويف الخرافة، يعيش بلا زمن، يعيش بلا قدرة، فينسحق في حفرة الخوف..
نهضت.. قلت راجياً: ما الحل يا سيدي، أريد أن أعرف السر..
نظر إليك، تفرس في وجهك، قال: المرأة التي تخاف منها، تسكنك تستولي عليك، تسلبك كما يفعل هذا القبر الصامت.. الجلجلة التي تحاول أن تهرب منها، هي أنت.. أنت الذي صنعت المرأة المخيفة كما فعل سواك بالقبر، وادعيت أن أم الدويس هي المرأة التي تطاردك.. ثم يضييف.. قائلاً: ألم تضاجع امرأة في حياتك..؟
قلت: لا.. حاولت أن أفعل، وحاول صديق لي أن يستدرجني إلى حضن امرأة، فأبيت، بعد أن حاصرتني ارتعاشة هزت كياني.. ذبت في اللمعان المخيف، رأيت مخالب عملاقة وهامة عظيمة زلزلت نفسي، فهربت، لائذاً إلى الفراغ، تنفست الصعداء، بعد أن اطمأننت أنني في منأى عن ذراعي أي امرأة..
ضحك الصياد بجلجلة، شيعك بابتسامة ماكرة، ربت على كتفك، حاول أن يهدئ من روعك، وأنت المطحون والمهشم..
وأنت تتفحص وجه نبهان، تتصيد نظراته الغامضة، تلاحقها، تغوص في عينيه، صرخت بلا مبالاة، قلت: أنا المهشم، أنا المحطم، أنا فيروز داهمته الحثالة، حتى أحكمت قبضتها على روحه.. روحي، الهائمة بعيداً، الذاهبة عميقاً، لم تزل تبحث عن امرأة مخيفة..
ضحك نبهان، قال ساخراً: هل نظرت إلى عيني امرأة يوماً..
قلت: أجل..
قال: كيف وجدتها؟
قلت: كانت أشبه بالبئر العميقة، تخرج منها ذراع طويلة، تمتد نحوي، فأرتعد، أذوب، أصير لا شيء.. أصير حثالة..
قال: يا حثالة، هل أمعنت النظر في شفتيها؟
قلت: أجل..
قال: كيف وجدتها؟
قلت: كانتا أشبه بحدى المقص العملاق، صقيلان، لامعان، ينفتحان كفك مفترس، فأتلاشى، بعد أن أتضاءل شيئاً فشيئاً..
قال: يا متلاشي.. هل نظرت إلى صدرها؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدته؟
قلت: كأنه أشبه بجبلين، صارمين، منتصبين على أرض خلاء، فأختفي عند الصلابة، أنفني عند الرعونة الجاهمة..
قال: يا عدم.. هل نظرت إلى ردفيها؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدتهما؟
قلت: كانا كموجتين، غاضبتين، فأنسحق تحت طياتهما، أذهب إلى المجهول..
قال: يا منسحق، هل نظرت إلى ساقيها..؟
قلت.. بلى..
قال: كيف وجدتهما؟
قلت: كانتا كحارسين يذودان عن منجم، متسلحين بشهوة القبض، على سحر التصوير والتدوير، والتسوير، وحرير المنطقة الجهنمية، فأغمض عيني، فلا أرى غير حرقتي..
قال: يا أعمى.. هل نظرت إلى أصابع يديها؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدتهما؟
قلت: كانا أشبه بأعواد ثقاب مشتعلة، فاحترقت..
قال: يا محترق، هل نظرت إلى شعرها..؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدته؟
قلت: كان ليلاً حالكاً، ينسحب على كيانها، فيطمسني، فأبحث عني فلا أجدني، لا أجد قلبي الذي حملته كي أحفظ صورتها في مخبئه..
قال: يا مطموس، هل نظرت إليها كلها..؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدتها؟
قلت: كانت عملاقة.. مهيبة، مفزعة، عندما تتحرك تسقط نجوم السماء على رأسي، جمرات، وعندما تضحك يزلزل رعدها كياني، عندما تتفرس في وجهي يغشى عليّ، فلا أراها..
قال: وهل رأيت نفسك بعدها..؟
قلت: بلى..
قال: كيف؟
قلت: وجدتني، شيئاً ضئيلاً، شائهاً بلا ملامح..
قال هازئاً: يا شائه، هذا هو أنت، لأنك شائه فترى الأشياء كما أنت لا كما هي..
قلت دهشاً: كيف؟
قال: لو غرست عصا مستقيمة في الماء ستجدها منحنية.. أليست كذلك؟
قلت: بلى.. ولكن، لماذا؟
قال: لأن الماء كائن منحنٍ، متعرج، وغامض، فعندما تتصل استقامة العصا بانحناءات الماء، تبدو لك العصا منحنية، لأنك كائن منحنٍ، منثنٍ، متخثر، متقد، مضعضع، تغيب في الوهم، ولا تعرف الحقيقة.. فلو احتفظت بصورة العصا المستقيمة فلن تقتنع بانحناءتها في الماء، وسوف تكذب الماء، وتصدق العصا..
بهت أنت، تجمدت، رحت تبحث عن المرأة التي رأيتها، تفتش عن عينيها، عن شفتيها، عن صدرها، عن ردفيها، عن ساقيها، عن أصابعها، عن شعرها.. لكن الصورة لم تزل كما هي.. إذاً ماذا تصدق الآن.. الصورة في ذهنك، أم الحقيقة على الواقع.. وأنت لا تعرف الحقيقة.. لم تلمس جسد امرأة، لم تضاجعها كما يجب أن تفعل، وكما يفعل الرجال.. وهل كانت المرأة التي رأيتها هي كما اختزنتها أنت في الذاكرة، أم هي المرأة الواقع؟
دار رأسك، كما يستدير القارب في الماء، ساعة هيجان الموج، موجة عارمة، تخذلك، تطيح بك، تتلاشى أمام الرجل الواقف أمامك، تبحث عنك فلا تجدك، تجد هلامية تطفو في فضاء وعر، تجد قشة تطير على الأرض، بساقين متهالكتين، تجد كائناً يتشبه بكائنات أخرى، بنفايات أخرى.. تتصهد، تتهجد، عند قدميه، تحاول أن تحفر قبرك، أمام عينيه، تحاول أن تتلاشى في الغيبوبة، تحاول أن تتعافى من وعكك المشوش، تتذكر أبا سيف، تقول، إنه كان مضاجعاً جيداً، كما أنه نذلاً رائعاً.. كان مسرفاً في النذالة، كما كان قديساً ورعاً، لا يخشى الخرافة..
تقول في سرك: الغارقون في المجون منصرفون دوماً، في صناعة الوضوح، والوضوح هو الشمس التي تسطع على وجه الحقيقة، فترى ناصعة جلية، إلى حد البساطة بلا تعقيد..
تقول لصاحبك، وصوت ما يهدر داخلك، ناب شرس، ينهش صدرك، وثانية تعود لتسأل نبهان.. لكنك لم تجده، تتلفت، تبحث عن القارب، عن الموجة التي حملت جثة الكائن الخشبي، لا شيء يبدو أمامك، يعثر في الغيبوبة، تغيب، ثم تفتح عينيك، تضرب قدميك على التراب اللدن، تقول: هذه جزيرتي، رائحتها، لون ترابها، وخشخشة الماء عند الساحل، طيور الكروان الصغيرة، تدب بالرشاقة نفسها.. أين نبهان إذاً..؟ أين القارب..؟
تقول: نبهان.. ويصعد صوت داخلي، قائلاً: أنا نبهان.. نبهان.. أين أنت..؟
نبهان.. أنا هنا.. ضع يدك على صدرك، ناحية القلب، اغرس إصبعك، هنا مكمن الروح، ستجدني..
تقول: يا إلهي.. أنا نبهان، أم فيروز.. تهز رأسك، تقول نبهان وفيروز وامرأة، فارعة هيفاء، لدنة، يهرس عظامها أبو سيف، فتلقمه شفتيها ثم تموء تحت جسده، متفانية في النضال من أجل انتزاع اللذة العارمة، أو الورطة اللذيذة، وامرأة أخرى، بكل هذه النذالة، تغزو كياني، وتتهيأ، لاختزالي ثم لإفنائي..
يتطور نسلك، تبحث عن لغتك المتلاشية فيك، تبحث عن نبهان، وعن فيروز، وعن امرأتين.. تقول هل أبحث قبراً واسعاً، وعميقاً لنبهان أم لفيروز.. أيهما الأنبل.. أيهما يستحق الفناء؟
تسير على الرمل، تغرس أصابعك في المرونة، تنغرس روحك، وتجتث أعشاباً شوكية وخازة، تدميك، تتألم، تجهش في البكاء، تعصر جوفك وكأنك تريد أن تنتزع شيئاً ما، كأنك تريد أن تخلق جنيناً، بوجه أجمل من وجهك، تشكله من جديد، تلونه بألوان اقتطفت أوراقها من صلب نبهان.. نبهان، ينتصب، ويتلاشى فيروز، تدخل في الإغماءة، تدخل في وطيس الحرب الدامية، تسمع فرقعة وجلجلة، تصم أذنيك، تغمض عينيك، وتزم شفتيك، تنكب على الأرض، تضرب رأسك في التراب، تحاول أن تنهض، تحاول أن تستلقي، تشعر بلمسة حانية، تخربش على جسدك، تقشعر، تنتشي لذة ما، تجتاحك، تصل إلى الذروة، ثم تنطفئ هامداً، كجذع لوز لدن، يتصبب العرق من جسدك، تستحم بالملح الساخن، تتحسس أطرافك البارزة، للمرة الأولى، تشعر بأن لك لساناً، يتخبط ما بين الفرعين، وبشهامة النجباء، يرفع اللسان رأساً، مستوراً بقبعة حمراء قانية، للمرة الأولى، تحس بأن فيروز كان كذبة، راوغتك، وساورتك، واستلبتك إلى حد التلاشي..
للوهلة الأولى، تقتنع بأن نبهان جذرك القاصي، وتنهض، تنظر إلى العراء، تفتح ذراعيك محتوياً الجزيرة بتضاريسها، ضاحكاً، ساخراً، قائلاً بجرأة.. مات فيروز.. احترق جسده، وذر رماده.. في العراء الموحش، لكي لا يبنى له قبر.. كي لا يكون مزاراً للخرافة ولكي لا يثري اللصوص، من سخف وخفة الأغبياء..
تقول إنك الآن عند جبل الظن، فأنت فيروز أم نبهان، أنت في المنطقة الضبابية، أنت في الزاوية الحادة، ضلع ينفرج على هاوية وآخر ينحدر إلى السفح الرهيب، تقول إنك على الرمل، المتحرك تحت قدميك، تحرقك الأسنان الشرسة، تهشمك، وامرأة ما تتحايل على روحك، امرأة شبه عارية من ثياب أزمنتها، تختال ضاحكة، تفرج عن مساحة باهتة من الجسد، تلقمك شهوتها، ثم تمضي في ثنايا الروح، تشعر بأنك تولد مرة، وتموت مرة، وما بين البين أنت، في الغيبوبة القصوى..
تصرخ بصوت مدوٍّ، نبهان، يا نبهان، يخرج من فيك، من الجوف الغائر، فحيح كائن لا يرى بالعين المجردة، تحاول أن تقبض الريح، أن تسابق خطواتك، أن تلحق بشيء ما، لا تدري ما هو، لكنه شيء، يبدو لك أنه اللحظة الحاسمة، تقول بصراحة، يجب أن أنهي مجزرة الذات، فالمرأة التي تتحرى، تكونك لم تزل شبه هيئة أنثوية، لكنك تتشهاها برغبة الظامئ، بشهوة المحاصر، بين فخذي مدارين، مسارين، حوارين، كائنين، رغبتين، قوتين، تقدم أم تحجم، تلجم أم تفصح، وتتحدى كل الأزمنة تقاوم كل الأحزمة الرصاصية التي طوقتك إلى حد الاختناق..
مرة أخرى، تصرخ، يا نبهان، ثم تطرق باب العتمة متوهجاً، يا نبهان، وتكاد تقبض على المرأة، تكاد تستدرج جسد امرأة، لكنك في اللحظة النائية في جوفك، تتشنج، وتتصلب يداك، ويخرج من فيك زبد الارتعاشة، الجارفة، تجرفك سحابة غامضة، تخذلك القوة الوثابة..
تقول إنك الآن، ما بين السماء والأرض، أنت ما بين خطوط الطول والعرض كلها، أنت تتوسد التضاريس، وتفترش جملة من التراكم المريع.. بصوت وئيد، ترتعد له أرداف الأرض، وتتهشم له زجاجة السماء الزرقاء، ويهبط القمر حافياً، يحذو حذو العراة الحفاة، والذين تسوروا باللهفة والشظف.. تفكر ملياً، في وجه نبهان الشاحب، ونظراته المقتضبة، وصوته الأشبه بالزئير، كأنه الصرخة المدوية الخارجة من جوف بعير يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم تضحك ساخراً، هازئاً، قائلاً: نبهان، الذي حاول أن يحملني على جناحي طائر سحري، انتبه إلى خذلاني، فانزوى ثم اختفى، وها أنذا أقتفي أثر الآفلين، كما اقتفيت ما تبقى من أثر لامرأة غارقة في الحكمة، وفي الحشمة، ظننت أنها الخيبة التي أطاحت بالرؤوس، والفؤوس، والنفوس، ظننت كما ظن الآخرون، أنها أم الدويس، البغيضة..
وبعد زوال العاصفة، تقف شاهداً على تاريخ مؤرخاً لشواهد منظراً لوقائع مسجلاً لمشاهد، ثم بعد ذلك، تخفف الوطء وتلعن سلسبيل الورطة، وتغتسل متحاشياً رمل الفجيعة.. قائلاً بصوت أصفى من عين امرأة، صحراوية، تباهت بصلابة الجسد، وشغف الشفتين، إلى ذكورة يافعة.. وبعد أن طهرتك الريح، واحتواك المجون اللذيذ تشعر بأنك في معمعة الرغبة الملحة، لعودة حميدة، إلى التربة الخصيبة..
ولكن قبل أن تعود، تود أن تناشد نبهان، بأن يفسخ العقد الباطل، ما بينه وبين فيروز، تريد طلاقاً بيناً، تريد انفصالاً بلا رجعة.. ناديت بالصوت المتهدج.. يا نبهان.. أتستطيع معي صبراً؟
تسمع همساً، يدغدغ مسمعيك، قائلاً: عليك أن تساعدني، عليك أن تساند مقاومتي من أجل الخلاص، النهائي..
تصمت.. تتوغل داخلك، تغوص في الغابة الموحشة، حافياً، تحث الخطى، وتتلفت فزعاً، خشية مداهمة ظالمة، تغرقك بالضجيج، وتطوقك بالزلزلة..
ومرة أخرى، تحاول أن تستعين بنبهان، تقول له، باستغاثة الغارق في العتمة، انتشلني، خذني إليك، تعال لنمضي معاً، باتجاه الرقعة الفسيحة، ها أنذا، أنسلخ الآن، أتحرر من فيروز، فيروز مات..
يقهقه نبهان، يزمجر، يهتف قائلاً: عليك أن تصعد الجبل أولاً، وتجتاز الوعورة.. وتحطم الصخور، بأسنانك، وتهزم الضواري، بالعزيمة.. تبحث أنت عن أسنانك، تسأل عن العزيمة، تمتد بك الأرض، ويصعد البحر على كتفك، تحاول أن تطفو، تحاول أن تنتزع جسدك منك، تفكر ما تفعله الأفعى، عندما تتجرد، ساحتة الجلد لينبت آخر أكثر ملاءمة لصروف الطبيعة.. تريد أن تكون أي شيء، إلا فيروز.. تفكر أن تزيله، أن تسحقه، أن تميت الأسماء التي تنتمي إلى هذا الفيروز، الأجناس التي تشبهه، الألوان التي تقترب منه..
تقول، إنك بعد تصعد، وتصهد، وجهد جهيد، رأيت جبل الظن تتضاءل، وتتعرى متحورة، من سحابات وحجب، رأيت جبل الظن ينزل عن كبريائه المقيت، ويختزل أشياءه، شيئاً فشيئاً، ينزلق نحوك، يتزحلق، بتزلف، ورأيت نبهان، يكبر، يتعملق، يمد ذراعاً عظيمة نحوك، تتمدد أنت على التراب، تغوص في الرائحة العطرة، لأول مرة تشم رائحة امرأة، تتفتح لها مسام جسدك، وتغري رغبتك في المثول أمامها، بلا وجل، وعلى عجل، تخطيت أعشابك الشوكية، تماديت في حث الخطى بلا استرابة، لأول مرة في حياتك، تجد نفسك أمام امرأة، تنحني لكبريائك، وأنت تشهق شامخاً، سامقاً، تتفرع كالجذور الأصيلة، وتبيد الأفتان، تلقمها شفتيك، تعصرها، فتحتويك، تكسر كبريائها، فتقول لبيك.. وهناك، في بقعة مجاورة، تلمح قبراً، تقترب من القبر، تقترب أكثر، تشم رائحة جسد.. تقول بتفاؤل، هذه رائحة جسد فيروز، أجل إنها رائحته، إنها عفونته، تنأى، قليلاً.. تنأى، تنتشر من حولك، رائحة العطر الزكي، تضمخ أنفك، تتنفس أنت في الرائحة، كما الهواء الظامئ، لعطر يشكل ذراته المترامية.. تقول سأنام، فقد أرتاح غداً، لكنك لا تنام، نبهان المتجذر فيك، النابت تواً في عروقك، ينتزعك، فرعاً، يافعاً، يانعاً، مترعرعاً، محتفياً بطلوع النهار، وتواري العتمة المزمتة..
تقول إنك تعتريك سحابة ممطرة، تتحسس جسدك، وتنفش الذرات الصغيرة عند المكان الخصيب، تقول إنك تفترسك رغبة، طاغية، تدفعك دفعاً لأن تباغت امرأة، أي امرأة، ولا تفكر إلا في صياغة المجد الجديد..
وبعد رحلة امتدت من الوريد حتى الوريد، غاصت في العتمة، ومن العتمة، تجلت السطوة الباهرة، ونفذ الهائل والمذهل، من ثقب المستحيل، وبعد اقتتال مريع، يخرج المارد، مستميتاً من أجل النخوة، وشهامة النجباء، فيعترف فيروز بالهزيمة، ويموت منتحراً، إذ فاحشه رؤيته، عورات أزمنته، فصار يهيل على جسده البائس تراباً خراباً ويباباً وعذاباً..
فتفتح أنت عينيك، تقول إنك لأول مرة تشعر بأنك تفتح عينيك وترى قرص الشمس، الشمس التي تستدير حول رأسك، وتدور أنت من حولها، كأحد الكواكب.. تدور، وتثور وتفور الأرض تحت قدميك، تحرق أشياء بدت لك أنها تالفة، وتتلف أنت كل الأطواق، والأشواق القديمة، وتصعد جبل الظن، بنجابة، تصعد، ترى فيروز، الذي مات، محتضناً امرأة شائهة، مدماة، وسيفها العملاق مجرد سعفة، تتوقف حول جسدها الهامد.. فتضحك أنت بجلجلة، تضحك، ومعك يضحك نبهان، مطارداً الفلول المتقهقرة..
بعد فترة من زمن تقول إنك صحوت من حلم غبي، ومن شك اعشوشب في صدرك، نما كأنه السحر المعتق.. تحاول أن تختزل أزمنة وتستعيد أخرى، مستعيناً بقدرات ذهنية، احتشدت، في لحظات الإصرار.. المرأة التي لقمتك الشفتين بضراوة، وشهقت في وجهك محتدمة، متداعية، كأنها النخلة المتهاوية بعد عصف، تجلجل في أعماقها.. المرأة، التي حاصرتك بالجسد، والشهقات المزلزلة، تشقك إلى نصفين.. فأنت فيروز المقبور، وأنت نبهان الطالع، كسنبلة متمردة، تعانق جوف السماء.. تقول بإصرار: لا.. أنا نبهان، وجزء يسير من أبي سيف، الآن تبدو اللحظة المتوهجة، تخطف منك كل الحثالات والنذالات القديمة، تصقل على كف العصيان، فتلمع في عينيك، حلمت بامرأة، يافعة، متطورة من نسل، النطف الحارقة، تغوص في الزاوية الحادة، تتمضمض بالماء السحري، وتنتشي بحموضة الحياة، تغرق متفشياً كأنك الوابل المنهمر من علٍ، منتمياً إلى ذاتك المتدحرجة من صخور الصلابة، المسفرة من وعي التربة الخصيبة، وتقول لقد تعافيت من معمعة، خضت ورجت، وهزت وزلزلت، وعفرت التراب حتى صار الغبار غيمة داكنة، تحررت من صناعة مزيفة، واعتليت جبل الظن، صار تحت قدميّ، أدوس على صخوره بجرأة البواسل، وأصب جام غضبي على رعونته المتلاشية، وتصرخ محتفياً، بالقوة العارمة التي سكنتك، رافلاً بسندس الحياة.. تصحو.. فعلاً أنت الآن في اليقظة القصوى، في الانتباهة، التي تحصد التفاصيل، وتحصي الجزئيات بكل لباقة ولياقة، وتتفوق على جبل الظن، بامتياز شخص انبرى كأنه المارد.. تأتيك.. هذه المرأة المخيفة، تأتيك ضارعة متوسلة، تريد الغفران، وصكوك الاعتراف بأنها الأنثى، العاشقة.. تعشق فيها هذا الاندفاع اللذيذ، تتلذذ، بدوران الشهوة في عينيها، تلملم شتاتها بين ذراعيك، تطوقها بنخوة الرجال النبلاء، تعصرها، لا تطلب التوبة، بقدر ما تنشد استعادة دوران الساعة، وحركة الكواكب، لتستمر الحياة، بلا خوف، لا تبرره إلى إخفاق الذين استمرأوا الغوص، في المياه الضحلة لاصطياد أسماك، التفوق على الآخرين..
ها أنت الآن، تخرج، وعلى جناح الفرح، تقصي جل ملابسك القديمة، ودماءك وأفكارك ومشاعرك، وجلدك، تخرج مستفيقاً، تبحث عن ملاذ يؤوي أناك اليافعة، تضم نبهان، المشذب، المهذب، لتستدير من جديد حولك، حولك أنت، وتحصد كفاح زمن.. ثانية تعود إلى الأرض البكر، تعود متأزراً نبهان، يحميك، ويخفيك، ويعافيك من كل ضرر.. تقف منتشياً، في هذا البيت نشأت الأفكار المفزعة، وخلف جدران، تجلت العواهن والعوارض، القاتلة، تضحك وتقول: أنا نبهان.. وشتان ما بين الأمس، واليوم.. وتعيد الكرة قائلاً: أنا نبهان، وجزء يسير من أبي سيف وليس كله.. تدخل الفناء الصغير، ثم منه إلى الغرفة، لم يزل مفتاح الدخول يحتفظ بمكانه في جيب قندورتك، بعد فقدانه البريق، كونك لم تدخله ولم تخرجه من وإلى مكمنه الأمين.. بعض الرائحة، تسد أنفك كونك تدخل غرفة، تنفست جدرانها الغبار، واستلقى السرير على فراغه الموحش.. لكنك لا تتردد، تستلقي مستريحاً، ألفة الفراش تحتويك بعتاب، وصمت الجدران يتهمك على أنك غادرت من غير موعد أو استئذان، إذاً لا بد وأن يكون العتاب لذيذاً، وأن يكون الاستقبال ساخناً محملاً بجمرات الدموع الحبيسة.. لكنك تقول، منذ الساعة لن يكون الحبس اضطرارياً، لن أكون الفريسة التي تنهشها أنياب الظن.. ها هو جبل الظن، يذوب كالجليد، يتهاوى، يفترش خذلانه ويزول شيئاً فشيئاً.. وأشياء أخرى تزول معه، كوني أنا نبهان.. نبهان الذي فتك بفيروز، وانتصر، نبهان الذي لطم البحر، فانشق ماؤه إلى ماءين، وما بينهما الدرب الذي طرقته، ثم طفقت، ألهج بعافية.. تشعل صلباً، وتدخن بشراهة، تقول إنك اكتفيت بالصمود منذ زمن، ولم تدخن، الآن آن لك أن تمص هذا العقب، أن تدع شفتيك تلعقانه حتى الذوبان، فيذوب، وتذوب أنت، تغيب في الدخان، تتلاشى شيئاً آخر، ثم تمسك بشغاف فرحك، وبالفرح ذاته تقدم على الحياة، وتبحث عن أنثاك، عن المرأة التي تختبئ في معطف القلب، تخرج ثانية وثالثة، وتعتليها بشهامة الفرسان، فتخب هي، وتهش أنت، واللجام معصم يطوق الشهيق، والسنابك أربعة من فروع الشجرة، تتداخل، تطلع وتتلاشى، حتى تنفجر الكرات الإلهية في مخمل الجسد، فتسيح وتسيح في الهيولي الفظيع، وتخرق أذنيك آهة، تأتي من سحيق اللغة المتفجرة من أتون الأزمنة الغابرة، من سجادة ملساء، حصدت كل ما في جوفك، واستراحت مستلقية، مؤمنة بانتصارها، كما أنك على يقين من أنك غفوت غفوة باركتك فيها الآلهة، وسجدت لك الملائكة، وصدقتك الرسل، لأنك عرشت، وأشعلت نيرانك في المضارب المتوهجة.. ثم ترفع رأسك مبتهلاً، متهللاً، مجللاً، بالفرح، وتقول.. في المساء خرجت، تتأبط، نشاط الدورة الدموية، وتتأزر التفاؤل بكل فداحة وفصاحة، وحصافة، تقول إن الشارع الضيق، الذي يتصلل عن الجيران يمضي متخايلاً باتجاه الفندق القريب، عند الصهوة العريقة، وصحوة الفرسان الأماجد، وماجدات العصر الحديث، تقترب، برأس تطال عنان السماء، وأفق يتشمم رائحة الأجساد اللدنة، تتحسس لون العرق، ولزوجته، الرائقة.. تقف في البهوة ثم تعرج باتجاه الملهى، هناك تصهل الخيول، وتترجرج الأرداف تحت أغشية الملابس الرهيفة، يخال إليك أنك ترى كل شيء، أنك ترتقي كل الأشياء التي تصادفك، وتفرز عصارة فؤادك، المحتدم، بلا هوادة، تطارد الفرائس بنعومة النظرات، تلاحق البياض الناصع، وكأنك تستطلع نجوم الغيب، تحملق بفجاجة، وأنت تقتعد كرسياً، عند منضدة رائعة، صفت على ظهرها، أواني الأكل والشرب..
ترتاح، تشعر بأنك ترتاح، وأنت تغزل خيوط الحرير حول الخصور المعصورة، بأربطة الجأش، تشعر بأنك تمارس هواية جديدة، وتدخل في جولة جديدة، وترسم لوحة جديدة، على صفحتها صورة امرأة، تنام على صدر العشب المنتعش بالحرية.. تأتيك إحداهن، تغنج، وتلهج بلغة، تفقد الجدران، والسماء والأرض، والنجوم والكواكب، صوابها، تنبهك إلى أن الجسد المرخي على نظراتك الشاخصة، مقبل لا مدبر، فانتبه، فلا تدع الفراشات تفر من أحراشك.. ترفع بصرك، تتهجى حروف العينين، والنهدين، الطالعين، كجبلين ينتصبان على تربة خصيبة، في البداية تجتهد أنت، ثم تعتدل في جلستك، وينخفض اللقاء عن اقتباس أنفاس، ثم انطلاق الوحش من وكره، مستديراً حول الجهات الأربع، يبحث عن فم يلقمه، لغة التلاقي والتساقي والتسامي، وبعد فينة لم تستغرق جهداً، شيعتك بابتسامة رضا، وبادلتها أنت بإشراقة فرح.. فرحت حين استفاق الملهى عن نهاية قصوى لانفضاض الجمع.. عدت متأبطاً صيدك، عدت بأشواق الرجال الأوفياء، والرمية الأولى، اجتاحت كتل الظلام البائد، فاستضاءت وتوضأت، بملمس اليدين.. وفي الغرفة الصامتة، خلف الجدران الوردية، ودعت جل ما ترتديه، كما فعلت أنثاك ما فعلته..
في الملاذ المتوهج، تساقطت النجوم نجمة نجمة، وتساوى الحلم باليقظة، وتوازى النعيم بالجحيم، واختلط الزبد بالرعد والزلزلة بالسكون، قالت بفجاجة لذيذة، هات ما عندك، ولج الغامض، رجه يا سيدي، وزع أذاك اللذيذ يختمر في الجوف، دعه يستقر حتى يحمر قرص الشمس، ويلتهب السديم، دعك هكذا، معتلياً الربوة السحرية، واقبض على هامتها بكل ما أوتيت من فحولة، وتقول أنت، انخفضي قليلاً، وهزي جذع النخلة رويداً، العنب، رخو، شهي، ندي، عفي من رعونة الزمن، وتقول ارتفعي قليلاً لأضع العصا فوق شفة النهر، هذا زمن الحصاد.. تكبر دوائر الأحجار في باطن الأرض، فتحدث الزلزلة، تحدث العاصفة وأنت مازلت تلقمها، حبلك السري، بانتفاضة عارمة، ورعشة صارمة، فتسبحان في الماء، تغرقان في العويل الداخلي، تتدحرجان ككرتين، من فوق سطح الجحيم، تستديران، تتكوران، تنكمشان، تتلاشيان، بتلاشي الزمن والمكان، تطلب منها أن تناديك بقوة يا نبهان، اسحقني.. تنادي، وأنت تسحق، تشعر بأنك تبيد مع جسدها الممحون، فيروز الذي كان يشعر بأنك تدوس على الحثالة..
نفضت غبار السماء، ورتبت ثياب الأرض، اعتنيت كثيراً، بلملمة الملاءة، الهاربة من جلجلة الرعد، استعنت بنظرات المرأة، كي تنظف الجدران، حمحمة الفراغ، سويت عراءك، لحفت عرقك بمسحة من يد مسترخية أسورة المرأة، المتناهية في الغفوة، تأملت الوجه اللامع جيداً، تأملت لجلجة الصدر الناهض، ملأت عينيك بالابتسامة، وبالبريق المتسلق من جبال شاهقة، لمع وجهك بالحلم النبيل، لمعت أنت، أشرقت، تألقت تأنقت، وبرشاقة الخيط الحريري، طوقت عنقها بنظرة غاصت تتقصى جذور العروق الخضراء، والشفاهية، الجامحة، ساورك ظن، لكن الظن النجيب، ساورك الظن بأن تعيش مائة عام، أو ألف عام، أو أكثر، لأن العمر أصبح مطواعاً في معصم يدك، أصبحت الحياة خاتم سليمان، الذي يحمل على جناحيه فخامة بلقيس، وأبهة الصولجان المدهش، والسندس الفريد، تقول إنها جلست إلى جوارك. تفرست فيك ملياً، قرأت ملامح وجهك، ناولتك فرحتها، فانتزعت أنت الفخر والاعتزال.. ارتفعت كتفك إلى عنان السماء، متجاوزة النجوم والكواكب، متجاوزة العظمة بكل ما تعنيه المعاني الفريدة.. أجل جلست إلى جوارك متكالبة، متهافتة، متعاقبة أجيالاً من النساء الضارعات، اليافعات، الملهمات، متداعية بوعي أنثوي، سابحة في عينيك، تقنص أشواقها في بحيرة التواريخ المذهلة..
تقول، ما تعنى الحياة عندما لا تكون المرأة شجرة، وأشواقها ثمرة التفاح التي لا تسقط جزافاً، ما تعني الحياة عندما لا تكون الأشواق سفينة تحمل عشاقها، إلى مراسي اللهفة، ومحطات الرغبات النبيلة.. تنظر إليها، وتبصق في الفراغ قائلاً: تباً لك يا فيروز، تباً للحثالة، والنجاسة، ونفايات التاريخ والبقع السوداء في سفح الجغرافيا.. تباً لفكرة تراهن على الخرافة كحبل معرفة.. وقبل أن تغادر، قبل أن تفرغ المكان من الرائحة، قبل أن تترك الهالة وحيدة تملأ وعاء الذاكرة، مدت يدها، مددت يدك، تشابكت الأيدي، وعلى حرير الجلد، نما برعم اسمه الحب.. تقول إنك أسرفت كثيراً في النظر إلى محياها، تبحث عن صورتك، وتشم رائحتك، ثم انصرفت، تبصق في الفراغ، باتجاه القبر الذي ودعته باللعنات، ولما غيب الباب العطر، ذهبت أنت تقرأ مضاريف الكتاب المقدس، وترتل أناشيدك، طرباً وفرحاً، وابتهاجاً، واحتفالاً بميلاد نبهان، العارم، الصارم، ثم نشدت الصمت، مؤمناً بأن التاريخ لن يكرر نفسه، طالما أيقظ نبهان، روحك، بأجراس الوعي..
وفي ذروة الظفر قلت.. طبت يا نبهان، مساءً وصباحاً، ونعمت بأنبل الأيام الواعية..
الآن أستطيع وببراعة أن أصف حالتي قبل وبعد، مستفيداً من نعمة فرويد العظيمة، مستعيناً بقدراتي الكامنة.. نعم كنت كمدينة سرية تقطن تحت الأرض، تزلزلت في باطنها الصخور إثر غضب طبيعي، فصحت على شروخ في الجدران، وتهشم في الزجاج، وترهل في الأبواب، وصدمة عارمة ضربت سكانها.
تقول بصراحة هكذا أنا.. انتكست، فتعمقت وأزحت وبدلت، وغيرت، صرت أشخاصاً عدة، صرت أبا سيف الماجن، صرت فيروز المقصر، صرت نبهان المتحرر، وصرت أشياء أخرى، مختلطة من شخصيات مرت في حياتي، صرت أمي المسحوقة، صرت أبي المتجهم، صرت بعض أصدقائي اللامبالين، صرت بعضهم المنزوين، العابسين، وصرت وصرت..
ثم تضيف بجلاء.. في الحقيقة أنا هؤلاء كلهم، ولكن ما يستولي عليّ الآن وبعد أن قبرت فيروز اللعين، هو هذا المارد نبهان، الذي انتفض في داخلي، زلزلني، هزني من العمق، وراح يحك الصدأ من فوق جلدي، يدعكني، يفركني، يعصر روحي بقوة الكائنات الشرسة، ليطيح بالخرافة التي استوطنت هذه الروح، ولا شك في أنه كان مزيجاً من أم الدويس، بذراعيها العملاقتين، وضميري المستتر الحالم بالحقيقة.. الآن لا بد أن أتصور أن الحثالة دائماً ما تستقر في قاع الفنجان، ولكن هزها بعنف يحرك جزئياتها، فتختلط بالصفاء، بعضها يطفو إلى سطح الفنجان فيسهل القبض عليه.. هكذا فعل نبهان، عندما حرك ذراعيه كشراعين، تنتشران في مساحة الريح، فتم القبض على فيروز، ومن ثم دحره، إلى أن وصلت به الحال في قعر الحفرة المظلمة.. الآن وقد أخذ نبهان ناصية انتباهته، وتربع عند الربوة العالية، ويرمي ببصره نحو المشاهد، أجد نفسي، في الزمن المناسب، حيث لم أكن من قبل كذلك، كان الزمن يسبقني، لأن وزن الحثالة التي تراكمت على وجهي، أثقل مما أحتمل إزاحته، الآن أنا نبهان، أنا الإنسان، الذي تخرج في كتيبة الفرسان الذين يقبضون على الحلم، قبل أن يتحول إلى وهم، ثم ظن، ثم خرافة عملاقة تطارد المخيلة حتى تدركها، وتطيح بمكوناتها العقلية، وتجعلها مطية للخوف الأبدي..
بصوت وئيد تصرخ.. متى تخلع الجدران جلابيبها، وتعرى كامرأة متشظية، وحتى يتمايل السقف كأنه خصلات امرأة، تحللت من مقبض الحياء، وحتى تميد الأرض، كجسد أنثى، لانت بعد تصعب، ثم انهمرت متعافية بالشهوة النبيلة.. وصرخة أخرى، تعتريك، وهي تتزحلق من حنجرتك، تنتزع معها أحبالك الصوتية، ومعها أحشاءك المتهاوية.. تجلس على السرير نفسه، تحملق في المكان، الغرفة البائسة أصبحت فسحة معشوشبة، برائحة امرأة، غافية إلى جوارك، تنتظر إشارة، النظرة الأولى، الكلمة الأولى، الابتسامة الأولى، وأنت تحشد مزاياك الأخلاقية، وتتجمع في وعاء إنسان، لم يزل يتخلق بأخلاق النجباء، لم يزل يتكون في رحم هذا الكون، ولم يزل يربط حبله السري بمشيمة امرأة، لا تبدو ملامحها غريبة، لا تبدو أنفاسها غريبة، هي الآن قريبة منك إلى حد التداخل، تتوغل فيك، كما تلجها أنت تبحر في جسدها متعافياً، بالرغبة المستبسلة، تقطع التضاريس بأناة وتؤدة، مستخدماً لسانك، وهو الحاسة الأولى في الجبلة الأولى في اكتشاف المجهول.. تعرف من لسانك أن للجبلين الناهضين عند السفح المهادن ثورة الأيديولوجيا الحمراء، تعرف أنهما الرغبة الأولى في الحنين، إلى عاطفة الأنثى الورعة، تعرف أنها الحفنة الأولى التي ترطب شفتي كائن شظف.. فتلقمتها باحتراف، وقبضت على صهيلها بإتقان، وكان أنفك يغوص في الطين اللدن، تشم الرائحة، وتسكر، فتنغرس أكثر، تشم الرائحة، فتشد البحار عزمها، والأنهار تفيض، فينتفخ جذع الشجرة، ينشر أوراقه على التضاريس، وما بين النهرين العظيمين، وكلما انتصبت أنت، وارتعشت الأرض من تحتك، وزاغت عيون السهول المنبسطة، انتكس فيروز المقبور، وخارت قواه، واحتفيت أنت باليقين..
صرخة ثالثة تهدر مخلخلة أطراف التضاريس، مجلجلة في الأتون، والمتون، تزعق الأنثى غارقة في الصهيل، جامحة باتجاهك، مطوقة، تفرعك، متشبثة في العنق، بشوق الكاسيات، المدنفات، المتسربات في الشريان والوريد.. وأنت المعني بحليب المراحل الغابرة، تبحث عن نقطة، تسأل عن نطفة تشد الأزر، وتمنحك النظرة الأليفة.. لا تنطفئ، لا تختبئ، كل الخلايا، يقظة، كل النوايا مستنفرة، كل الأحلام تصحو متأهبة، محتفلة بالنشيد الأممي وعزف الجسد..
وبعد.. وبعد أن نفضت الغبار، وقذفت بالصدأ، لم تجد في أم الدويس سوى فكرة متخاذلة، صنعها فيروز، لغاية في نفسه، صرت أنت وعاءها، وحاملها، كما يحمل المريض فيروس العدوى.. تنظر إلى المرأة التي تنام في وداعة بجوارك، تقبل جبينها، وتمسد شعرها، المحاذي لجبينك، ويدك الأخرى تلامس النجمتين، وتفتدي من أجلها العمر كله.. وتشيعك هي بنظرة معاتبة، كيف أنك خذلتها، وطعنتها في السنين الماضيات، كيف أنك طاوعت فيروزك، ولعنت أنوثتها حين تصورت أن للمرأة مخالب، وساورك الظن أن بعض الظن ليس إثماً.. تشيعك وتفديك بروحها، وتقول نظراتها، العاشقة، عندما تهلك في الخرافة يضيع اليقين، ويبدو الكون هالة من كائنات مرعبة..
تشيعها أنت في أسف، تريد أن تقول: سأكفر عن خطيئتي، فاغفري إن شئت، وإن لم تشائي، فسأقول أيضاً.. الماضي لن يعود، وفيروز الذي كان انتهى إلى زوال، ولن يملأ وعاء القلب سوى نبهان.

تمت.. تمت
18-10-2010
رد مع اقتباس
اعلانات
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:32 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
المواضيع و المشاركات المطروحة بمجالس الرمس الحوارية لا تمثل رأي الموقع او ادارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها