تسجيل دخول

عام الاستعداد للخمسـين


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20 - 7 - 2020, 11:35 PM
مختفي مختفي غير متواجد حالياً
مراقب عام المنتدى
 
تاريخ التسجيل: 28 - 9 - 2008
الدولة: الإمارات-رأس الخيمة- الرمس
المشاركات: 12,431
معدل تقييم المستوى: 362
مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute مختفي has a reputation beyond repute
الهاتف الذي طلبته مغلق

.







الهاتف الذي طلبته مغلق




*جريدة الخليج



يوسف أبو لوز:


أسوأ ما في كتابة الوداعيات أن يتحوّل الإنسان إلى مرثية. إنسان مكتمل له حضور بشري وجسدي وصوتي وحركي يتحوّل في لحظة واحدة إلى رثاء أخير، وصورة أخيرة.


أسوأ ما في كتابة الوداعيات، أيضاً، أن يتحوّل الإنسان إلى لغة، وقد قرأت الكثير من المراثي، سواء في الشعر أو في النثر، وعجبت من البلاغة التي تحاول أن تكون أكبر من الإنسان الذي طواه الغياب، أي كاتب الوداعية يضع في حسبانه أولاً أن يكتب أدباً صافياً، لا أن يكتب دموعه بالتلقائية التي تجري فيها هذه الدموع بلا وزن، وبلا فصاحة.


إن زماننا هذا هو زمان المراثي، فالأشجار البشرية لا تتساقط أوراقها في الخريف فقط، بل في كل الفصول، وكل ورقة هي مرثية، كل ورقة هي إنسان كان البارحة، البارحة فقط، يضحك، ويصخب، ويندفع مع تيار حياته إلى أقصى أشواقه وأحلامه وفوضاه المجنونة.


ولكن، بعيداً عن بلاغة المرثية، ماذا يترك الراحلون من أشياء. نعم، تلك الأشياء الصغيرة التي كانت علامات الجسد البشري: نظارة مثلاً، معطف، حذاء، ربطة عنق، ساعة، قلم، خاتم، قميص، حزام، جوارب، قبّعة، سلسلة من الفضة، بنطلون جينز، زجاجة حبر، زجاجة عطر، ممحاة، دفتر هواتف، ودفتر الهواتف هذا له قصة أعود إليها بعد قليل، ولكن الآن، دعنا مع الأشياء التي كانت علامات الجسد البشري الغارق الآن في أدب المرثية.


لقد كان الإنسان يحمل كل هذه الأشياء ويسير بها أو أنها كانت تسير به. هي الأشياء الشخصية الصغيرة التي كانت تميّزه عن الشخص الآخر. أشياء تكشف عن ذوقه، وعن مزاجه، وكلما نظرنا إليها بعد الغياب، فهي أكثر ما تذكرنا بالإنسان الغائب. كأنها هي ذاتها قد تأنسنت وتحوّلت من أشياء إلى كائنات.


ولكن، ماذا بشأن الصور: صور بالأبيض والأسود، صور ملوّنة. صور جماعية، وأخرى فردية. صور مغمورة بالكامل في الضحك. صور مغمورة بالكامل في التأمل، والسرحان، والتوهان.


صور في إطارات خشبية. وصور في إطارات معدنية، نحاسية أو من التوتياء. صور صغيرة وأخرى كبيرة في إطارات مذّهبة. صور على الطاولة أو في الخزانة أو معلّقة على الجدار. صور عادية تماماً. أقل بكثير من بلاغة المرثية.


والآن، ماذا عن ذلك الدفتر الصغير الملآن بأرقام هواتف، وعناوين بريدية، وتواريخ أو ملاحظات أو هوامش لا لزوم لها، وبعد الغياب، صار لها كل اللزوم.


لن تتصل بأي رقم من هذه الأرقام خوفاً من أن تجتاح قلبك تلك العبارة المرعبة «الهاتف الذي طلبته الآن خارج الخدمة.. الرجاء الاتصال فيما بعد».


ومن باب الفضول تقوم بالاتصال فيما بعد. بعد أسبوع أو شهر أو عام. لعلّ خطأ ما وقع في المرثية، من رثيته ما زال على قيد الحياة، أو أنه ما زال يحمل علامات جسده: ساعة، خاتم، ربطة عنق.. وإلى آخره من علامات.







__________________
..

..



رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:51 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
المواضيع و المشاركات المطروحة بمجالس الرمس الحوارية لا تمثل رأي الموقع او ادارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها