رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تجلس على سطح صخرة، تتأمل البيوت الحجرية والطينية، المستندة على أضلاعها المتهالكة، والأزقة الصخرية تبدو لك كأفواه خنادق من زمن جلفار القديمة..
تقول: في هذا المكان قال أحد كبار السن إنه شاهد أم الدويس، تحمل فأساً عملاقة، وتسحق بها الجدران، التي تمر من حولها، تصدر صوتاً مرعباً، مدوياً، كانت تحاول أن تتكالب في الأماكن المهجورة، تلبد خلف الحفر الصخرية، ولما تلمح كائناً بشرياً، ذكراً أم أنثى، فإنها تزأر كالوحش، وأحياناً تتحرك بسرعة، لم يقل الرجل إنها فتكت بأحد، لكنه وصف هيئتها بأنها رهيبة، ومن يراها من الناس، كان يصاب بالشلل، كمن يعذب بصعقة كهربائية.. ويضيف الرجل العجوز أنه لما رأى أم الدويس، احتشد خنجره الذي كان يخبئه في حزام بطنه، واستعد لأي طارئ، لكنها لما سمعت بهدير صوته المجلجل، انسحبت نحو اتجاه آخر، واختفت. لا أدري إن كان صحيحاً ما كان يقوله، أم أنه من نسج خياله، فكبار السن كالأطفال، تتراءى لهم الخيالات كالواقع، ويصرون على أنها وقائع ولا بد من تصديقهم.. أنا الآن، في منتصف النهار، وهي لا تظهر في النهار، ولا أعلم إن كانت أم الدويس امرأة عملاقة وداهية بحق، فلماذا تختفي بالنهار، وتتمثل بالليل، أليس هذا جزءاً من أوهام الذين يرونها. سمعت صهيل الفتيات، التفت، مررن من حولك، كن قادمات من فوق، من جانب السفح الجبلي، من أبهة الفندق، هابطات كالنجوم السماوية، باتجاه المنحدر..
قلت: لسن من هنا.. بادرت بالنظر، تمعنت، أيقنت أن العيون الخضراء ليست منتجاً محلياً.. لا ضير العباءة، لباس شمولي، بل خيمة عالمية، تخبئ أجساداً، وتخفي أحلاماً.. استمرأت النظر إلى العابرات، الممطرة، ونثر قلبك بقطرات من نزف داخلي مكتوم، معصوم، من الانجراف، باتجاه غايات لا تستطيع ذكرها الآن..
نهضت صعدت ظهر صخرة، ثم نزلت ملأت قلبك بالشهيق، وعيناك ترصدان العراء البعيد، مجموعة من الحافلات تتجه نحو الفندق، رجالاً ونساءً، بحقائب صغيرة، تقع على الأكتاف. يهبطون بسلام من أدراج المركبات الفخمة، ويلجون باب الفندق الزجاجي، ثم يختفون في الردهات العميقة..
تستدعي أنت وعيك أو أنك تستدعي شيئاً من المخبوء، تتذكر هذا المكان، الذي لم يكن يسرد غير حكاية الضفدع الذي عض إصبع الطفل المشاغب، أو العقرب التي لدغت ساق امرأة، لاهية في قطع الأعشاب من أجل حيوان أليف ينتظرها في الحظيرة. أو قصة الرجل، الذي انقطع به حبل تسلق الجذع، فوقع صريعاً من قمة نخلة شاهقة..
اليوم، تخلع الصحراء نعليها، وتلبس حذاءً صقيلاً، بكعب ارتفاعه أكثر من عشرة سنتيمترات، وقمصان نسائية، مربوطة عند الصرة، لافتة النظرة إلى تضاريس بدت سهلة الاكتشاف من دون عناء، أو بناطيل محززة عند الردفين، لاصقة بالسيقان، إلى حد الاختناق..
تضحك.. تقول يبدو أنني أهذي.. ما هذه الهلوسات، المعربدة في رأسي، حتى بت أشعر بفوضى عارمة، تعشش في داخلي..
قلت يجب أن أعود، يجب أن أغادر المكان إن كنت سأظل أمارس الاستدعاء الهمجي لتفاصيل يجب أن تندثر..
عدت وجلست على الصخرة إياها، تأملت نزول وصعود الرجال والنساء، والحركة الدؤوبة، والجلبة التي أحدثت تواً، فجلجلت في عراء الجبل حتى بدا لك الأمر، أنها قيامة، عين خت.. أدركت الآن أنك محاط بعالم من الموتى، وآخر يتناسل وعياً مختفياً.. تمثلت لك المساحة الشاسعة، الممتدة، من الكثبان الرملية الذهبية حتى عيون الماء هذه، المحفورة في الزمن كنقش أسطوري، لا يختف باختفاء المريدين، بل إنه يزدان بعزلته بخزف، الصمت وخلود الأشياء الصامدة..
تشعر بآلام في قاع القدمين، إثر تشققات النعال الذي ترتديه، بهت لونه بعد أن لفته سحابة من الغبار المتلاطم على نسيجه البلاستيكي، تشعر بالتعب والإرهاق، كنت تود أن تزور صاحبك في المساء، لكنك عدلت عن رأيك، فكرت أن تؤجل الزيارة ليوم آخر، ولا تدري لماذا أوغرت العيون صدرك بالبؤس، لا تدري لماذا أنت مترع بأحزان تجاذبت فجأة، في صدرك..
قلت يجب أن أقطع المسافة نفسها مشياً على الأقدام، لا وجود لأي مركبة هنا تقلني إلى البيت، المكان يبدو كأنه محاط بأسلاك شائكة فلا تطؤه الحافلات غير الباصات التي تقل ضيوف الفندق.. تقذفك بعض سيارات النقل الكبيرة، بهديرها، وغبار عجلاتها، لكنها لا تفيدك في شيء، هذه المدرعات كتل حديدية، لا تجد فيها غير السائقين المنكوين بحرارة الحديد، المتقلب على نيران اللهب، سرت بخطوات متباطئة، قطعت مسافة، عند رأس الشارع توقفت، مرت حافلة الفندق، بيد أن سائقها ضغط على دواسة السرعة، وكأنه يريد أن يغيظك.. غضنت جبينك، ورمقته بنظرة ساخرة، قلت: لن أستجديك، قدماي أولى بحملي إلى حيث أريد.. مشيت، مفرطاً في التأوه، مشيت، وقاع قدميك، يفشي تململه، لقلبك، وقلبك ينز بالخفقات، وأنت تتجلد..
…
كان قرص الشمس يوشك على طمس أسراره، وينضوي في المجهول، وكنت أنت قد تلقفك السرير، واحتوتك الملاءة، وشهقات تعبك، تشق سكون الجدران، الوادعة.. حاولت أن تأخذ قسطاً من الراحة، ثم تستأنف نشاطك الليلي، المعتاد.. قراءة كتبك المتراكمة بجانب السرير..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
يكتظ صدرك بحشرجة مخاطية، تسعل، تضع يدك على صدرك وتضغط بقوة وتصدر سعالاً مدوياً، تشعر بالضيق، تقفز، من فوق السرير، تتجه إلى النافذة، تفتح ضلفتيها بقوة، فتصدمان بلحاء الجدار، يهدر صوت قوي، تطل من النافذة، وسط النور الخافت لا ترى شيئاً غير الفراغ، وسط ستار العتمة الحالكة لا ترى إلا ما هو تحت النافذة مباشرة، ترفع رأسك، فترى ظلاً عملاقاً ينتصب أمامك، تطلق صرخة مدوية موشكاً أن تقع على الأرض، يتحرك الظل العظيم، حركة هائلة، يخيل إليك أنها أم الدويس، يتحرك الظل، يطل ويختفي، يتأرجح، يتمايل لكن لا صوت، لا هدير، سوى صفير الريح التي تهب من الجهة المعاكسة، فتصدم بالجدران، مجلجلة في الفضاء، ترفع رأسك، ترى نجوماً، تبصبص من تحت عباءة سحابة شفيفة، تحاول أن تستطلع سر هذا الظل وقلبك يهتف هلعاً، تتخيل أن أم الدويس تناوشك في هذه الساعة المتأخرة من الليل، تريد أن تهاجم وحدتك، وقد تختطفك تتبين الفندق جيداً، تتفرس، ممسكاً بطرف النافذة المفتوح، متأهباً للاختباء في ما لو جد طارئ، أو حدثت كارثة، أنت والليل لا تلتئمان، ومنذ طفولتك وأنت تخشى الوحدة، لكن، هذه العزلة يبدو أنها فرضت عليك فرضاً..
كنت تقول إن الليل مثار جدل بين الإنسان والشياطين الذين يعتبرونه، معاشهم، وموطئ حركتهم الدائبة. أما الإنسان، فحقه تحت ضوء الشمس.. كانت أمك، تحذرك، باحتراس المشي ليلاً، أنت الآن لا تسير في غابة ولا في صحراء، بل أنت في ملاذك الآمن، لكن الخطر يداهمك، ويباغتك، في عقر دارك.. تنظر إلى الظل المتحرك، بتوجس ثم ترفع رأسك، تلمح طرف ذيل لشيء عملاق، يتخايل بتؤدة تمعن النظر، تطرف عيناك الزائغتان، يخفق قلبك، فتهتف فجأة قائلاً: سامحك الله، أهو أنت.. كان طرف شراع قديم، تركته منذ فترة على السقف ليحمي برميل الماء من الحرارة ومن الحشرات بعد أن تهرأ غطاؤه، الصدئ.. تتنفس الصعداء.. تقول: يا له من خيال فج وقميء.. كيف شكل الخوف في صدري الشراع المرقع على أنه كائن مخيف.. تضحك بسخرية.. تهزأ من مخيلتك التي أصبحت عجينة رثة، صارت مستعمرة للتشوهات.. تعود إلى سريرك، تدخن بشراهة، تمج الدخان، وتأخذ شهيقاً، تتحسس صدرك المضطرب، تدعك جفنيك، ثم تأخذ رشفة من شايك الساخن..
تقول: أبو سيف يتحين وصولي أو اتصالي، بلهفة.. لم أتصل.. ربما نسيت..
تقول: لا أتخيل أن صاحبي، سيكف عن همجيته السابقة، ربما هي فترة وجيزة، ويستعيد قواه من جديد ويجدد العهد باللقاءات المخملية مع نسائه الفارعات.. فكم كانت ماسة رائعة، وكم كان مغرماً بجسدها، الثري، المتأنق ببياض أشبه بقطن طويل التيلة.. كانت طويلة، هيفاء، تزم شفتيها، على ألق أنثوي رهيب.. تصمت.. تتخيل ملهمتك، تتخيل الصحراء التي غيبتها، وتحتسي رضابك، بشغف البالغين في قضم المهارات الجسدية، الناقصة.. قلت: ما الذي يجعلني أفكر في الأنثى، وأنا أتحاشاها؟ ما الذي يجبرني على تصور أجساد النساء الجميلات وأنا أبغض الانتماء إلى ذوي الآهات الجنسية، أمثال أبي سيف؟.. لكن شيئاً ما يهاجمني، قوة ما تتجسد أمامي، تدفعني لأن أمارس خيال المراهقين الذين يندسون تحت اللحاف، ويداعبون أعضاءهم التناسلية، حتى ينتشوا وينتشوا ويرتعشوا، ويقذفوا سموم الجسد، بين أفخاذهم، ثم يشهقون، مشبعين بارتخاء الجسد. تضع يدك على صدرك، تتحسس شعر الذئب المقشعر، تمسد لحمك بأناة وتؤدة، تختصر المسافة إلى عضوك، فتخبئه عن يدك المشاغبة، تنهض، تطل من خلال النافذة بثقة، تتلفت يمنة ويسرة، لا أحد يمر من هنا في الساعات المتأخرة من الليل، الظلام يجثم على البلدة الوادعة، تسلمه جل أنفاس النائمين، ويقبض الظلام السكينة..
تقول: هذه الأنا المحبوسة في قفص الهو، تحاول أن تتحرك، تحاول أن تتحرر من وهدة السطوة المفجعة، أنت أحياناً تكون ليست أنت، أنت أحياناً تخرج من شرنقة معتمة، تحاول أن تتنفس الهواء الطلق، ورغبات الناس العاديين، تمارس ما يمارسونه، وتفكر فيما يفكرون فيه، ثم تنتكس، وتتقمص شخصية كائن آخر يخرج من جوفك متوحشاً، متورماً بحثالات ونخالة ما قبل الأنسنة.. تشعر بأنك تريد أن تغتصب أي أنثى تقابلك، كما أنك تندم على أنك لم تستأذن صديقك، لتضاجع تلك الأنثى التي احتقرتك كثيراً عندما لمح أبو سيف أنك رجل لا تفكر في ممارسة الحب.. ثم تدلف من نافذة داخلية تدخل في العتمة مرة أخرى، تجد نفسك متبرماً، متأففاً، متقززاً من أشياء الناس العاديين، تقول عنهم إنهم جهلة، وسذج، لا يساوون فلساً، كونهم يلهثون وراء الجنس الرخيص أو أنهم يؤمنون بخرافات مفضحة، ولا يرون في الحياة أبعد من أخمص القدمين..
تمكث على السرير، تطالع السقف الجامد، وتفكر في نظرات صديقك الأخيرة، عندما زرته مؤخراً، كان يغالب قلقه، ويصارع أسفه، ويحاول أن يستشف منك المغفرة، كونك الناصح له منذ زمن، والمحذر له من ويلات عبثيته المزرية..
تقول: ربما يشفى من علته، ربما يبرأ من أدواء الزمن، لكنه لن يستطيع أن يكون أنا.. أنا كائن ربما لا شبيه لي، لأنني علقت في شرك التحدي الداخلي، ولأنني آمنت بأن الفلسفة هي العصا التي تنشق عنها أحلام يقظة، وأفكار تتجاوز حدود ما يفكر فيه العامة.. تقول العامة، وتغضن حاجبيك، وتزفر مستفيقاً على نقطة ضوء، ترسم دوائر صغيرة، عند حافة العقل..
تقول: أريد أن أزور صديقي صباحاً، من دون أن أهاتفه، أريد أن أكتشف قوته الإرادية، إن كان صادقاً أم أنه كان يراود نفسه عن شيء، لا يستطيع مقاومته.. تتحرك عقارب الساعة، والليل يفقد قواه السوداء، ويرحل شيئاً فشيئاً، لكنك لم تنم بعد، صرت تتناجى مع العتمة وتسهر كثيراً، والعمر يمضي ولم تنجز شيئاً مما نذرت نفسك لأجله.. تريد أن تكون شيئاً آخر غير الآخرين، وكذلك غير نفسك.. تريد أن تحاصر أناك المهترئة بحزمة مبادئ، لتتخلص من خوفك..
استيقظت من نومك على وقع حلم مباغت، قمت كطفل مفزوع يبحث عن صدر أمه، حلمت حلماً قديماً، مشوهاً، لم تصل إلى تفاصيله الواضحة.. حلمت بأنك كنت في قارب صغير وحيداً، في عرض زرقة بحر عميق، فجأة تهب عاصفة، فينقلب القارب، وتقذفك الأمواج العاتية، بعيداً تصرخ، تحاول أن تستغيث، فلا أحد يسكن بجوارك حتى يمد لك يد العون، تظل هكذا تغطس وتطفو، ويداك مرفوعتان إلى الأعلى، بعد فترة وجيزة، ولم يكتمل الحلم، أو ربما هو هكذا الرسالة التي أراد الهو أن يوصلها إليك.. قفزت مفزوعاً متلعثماً، وريقك ناشف، وشفتاك ذابلتان، وعيناك زائغتان.. تتلفت، تنظر من حولك، ولا يقطن بجوارك غير المنفضة التي خلفت في جوفها كومة من أعقاب السجائر، وعلبة الدخان، تفتح فاهها، وفي جوفها بضعة أعواد من السجائر..
تقول: ماذا يعني القارب، وما رمز الغرق؟ في التحليل النفسي، تناولت كتاباً من علم النفس، لسيجموند فرويد، أخذت تقلب الصفحات، بيدين مرتجفتين، وجسد هامد، متصبب بالعرق، ما الكارثة التي ستداهمك فجأة، وهل أنا أسير في الطريق الخاطئ..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول، مذعوراً.. يا إلهي.. هذا العقل الصندوق المقفل، ينفتح عن أسرار وأخبار هذه النفس، تبدو كمزرعة للكائنات المخيفة، تدعك جفنيك، تحاول أن تستجدي النوم، فلا نعاس يملأ عينيك، لا شيء أمامك غير التدخين، تشعل سيجارة، وتذهب ناحية النافذة، فلول الظلام بدأت تهرب من عرمرم نهار يتمشى الخيلاء، تحت ضوء باهت يتشكل رويداً رويداً.. تسترد أنفاسك الضائعة في صدرك المكظوظ بالقلق، تسترجع تفاصيل الحلم.. هل سأغرق فعلاً أم أنه الخوف؟ أنا لاأزال خائفاً، متوتراً، من ماذا.. لا أدري.. لكن شيئاً ما يتضرر داخلي.. هي الأنا المحاصرة بأنياب الهو المعتم أو المعترك بأشلاء خبايا قديمة قدم الدهر..
قلت سأجرب النوم ثانية، لم يزل متسع من الوقت حتى أذهب إلى أبي سيف.. استلقيت على الفراش، دفنت وجهك في الوسادة، ويبدو أن المخدع مطارد من خفقات قلبك، حاولت أن تتعاطف مع نفسك، وأن تتضامن مع المخدع، وترخي جسدك بهدوء.. أصررت على النوم، وطردت الهواجس، لكنك نسيت أن تقفل النافذة التي تركت إحدى ضلفتيها مفتوحة، نهضت ثانية متململاً، دفعت الضلفة بعنف، وعدت إلى فراشك، عدت محتبس الأنفاس، وكأنك على يقين أن النوم الذي هرب مذعوراً لن يعود ثانية.. النوم طائر جبان، يفر لمجرد برهة خفيفة، تطرق أصابعه، بل هو أنت الذي لا يتحمل حتى صوت الحفيف، متوجس، برم، مضطرب، يهفو قلبك لمجرد حلم خاطف.. تبحلق في السقف.. تقول: الآن أحتاج إلى كوب شاي ساخن، وشريحة جبن، مع نصف رغيف. تعد طعامك، تشغل نفسك منهمكاً في تقطيع الجبن، ومسحة على صفحة الرغيف، ثم تطوي الخبز، وتلف لفيفك وتجلس بجانب النافذة، على سطح الكوميدينو ترشف شايك، وتقضم رغيفك، ورأسك تدور رحاها بحكايات، وروايات عن أحلام النوم، تقول: لولا فرويد العظيم، من يا ترى كان سيحل معضلة الأحلام الكابوسية الفظيعة؟! لولاه لكان معظم الناس يعتقدون بنبوءة الحلم.. ولم لا؟.. فلايزال الكثيرون تسيطر عليهم خرافة أن ما يحلم به الإنسان يتحقق في مستقبله الراهن، أو البعيد..
تقول مؤنباً نفسك.. مادمت كذلك، فلماذا فزعت إذن.. إذا كان الحلم لا يفسر الكوارث المستقبلية، أو الآمال المبهجة، لماذا، فررت من الفراش، كفأر مطارد، تصمت.. ثم تستطرد.. الهو اللعين، استولى على أناي، صفدها بأغلال محكمة، وجعلني أسير قواه الغيبية العتيدة.. ثم تفكر.. إذا كانت الأحلام هكذا لماذا لا يقتنع الناس، أن أم الدويس جزء من معطيات العقل الباطن، هذا الكائن العملاق، الذي يتحكم في أعناق القوة والضعف في الإنسان، منذ متى سكنت أم الدويس في اللاشعور؟ هذا ما يجب البحث فيه بتقصٍ واحتراز..
…
تقول إنك تخاف منها، وتقول إنك تشك في ولائها لك، على الرغم من نظراتها التي تتبين منها أنها امرأة عاشقة، متلهفة.. وتدرك أنك كل ما تفعله من أجلها لن يجدي نفعاً، لأنك أنت الذي سوف تهرب في نهاية الأمر، ولا تدري لماذا يراودك مثل هذا الإحساس، علماً بأنك لا تكرهها، ولا تكن لها غير مودة رجل يريد أن يرتوي، رجل عرته الصحراء كثيراً، سار في دروبها، حافياً إلا من أشواق قديمة، لكن عندما اقتربت منك، ولفحتك أنفاسها الحارة، شعرت بالتوجس، ترددت، تقهقرت، تواريت خلف قلقك، صرت بعيداً عنها شيئاً ما، بينما كانت هي تتبعك بخطوات متباطئة، لكنها تتجه إليك، قالت لك، في لهجة متسائلة وبدهاء الأنثى: ما الذي يجعلك ترتاد الصحراء، وحيداً، وتمضي أوقاتاً طويلة وأنت تتأمل، العراء، ثم تعود بخفيك، دون هدى، وكأنك ضيعت شيئاً ما؟
تقول إنك تلعثمت، حاولت أن تلتقط أنفاسك، حاولت أن تطوق الكلمات بين شفتيك الناشفتين، لتلفظ عبارة مفيدة، لم تستطع، اخترت الصمت، لكن داخلك يحترق، وحطب جهنم يتساقط على رأسك، والعرق يسح من جسدك.. لا تعرف لماذا راودتك رغبة في أن تفر وتختفي من أمام عينيها، تختفي من الوجود، لكن تشبثك بجذع الشجرة المجاورة هدأ من روعك، جعلك تسكن قليلاً من التوتر الذي تلبسك.. الفتاة، تقترب منك رويداً رويداً، تختزل تاريخاً مديداً من عمرك، وتستعيد تاريخاً مثخناً بآلام ونكسات وعقبات وكبوات، وتقول إنك لا تفكر في نبش قبوره، لكنه يحشرك عند نقطة ما، ما بين حاجبي الفتاة، فتجد نفسك وكأنك تمر عبر قتاة فضية، باتجاه عينين لامعتين بحشرجات قلب متصهد.. تلبث قليلاً هادئاً، ثم، يختفي قلبك عندما تشم عطراً نفاذاً، يفوح من عباءتها الشفافة، وهي تهفهف على الكائنين المنتصبين، عند محراب الصدر.. تفكر.. تقول: فعلاً إن عطرها يتغلغل في مسام جسدك كأنه الرقية المقدسة لدى الأجيال السابقة. تقول: أتمنى لو أن لسانها ينطلق، وتتحدث ببلاغة النساء المجتهدات جداً في صناعة العلاقات العاطفية. تقول: أتمنى لو أنها تسرج جياد الكلمة، وتستعين بالقلب، لتفض بكارة الصمت، وتعينك على سماع ما قد يستفزك، ويدفعك للخروج من وهدة الصمت المطبق.. لكنها مثلك تحاورك بعينين دامعتين، ربما لأن الهواء قذف عينيها بحبات تراب، أو أن الفتاة من صنف الإناث اللائي عندما يحترقن تدمع قلوبهن، أي كأنهن جذوع شجر القرط.. أخذت قسطاً من الراحة، استرحت عند جفنيها المسبلين، اتعبتك أوهامك السابقة، لكنك عدت مرة أخرى، محاصراً بإرهاصات قديمة، ضالعة في البؤس، استدرت نحوها، ضغطت على مخارج ألفاظك، استدرجت مشاعرك المكبوتة.. قلت: لقد اختفيت فترة طويلة..
تمتمت.. ظروف.. ازدردت ريقك.. قلت لنفسك: وماذا عن السؤال الثاني. عن ماذا أسأل، لكي يستمر الحديث بلا ارتباك. لم تجد الكلمات، لم تجد نفسك إلا في تيه الصحراء الشاسعة.. ولكن الفتاة، المشنشلة بالجواهر، ترمقك بنظرات من سلالة أسلاف عبقوا التاريخ، بأحلام الرمل، وطموحات الشجر عندما ينمو على تلة، ويستأذن السماء كي تمطر قطراتها من أثداء النجوم المتلألئة..
تحاول أن تستفزها، أن تستعديها ضدك، وأن تستحضر لعناتها لتطردها، من حياتك إلى الأبد، لكن لا جدوى، فهناك في داخلك كائن خفي يهفو لأن يستدرجها نحوك، وآخر أكثر توحشاً وضراوة يدفعك إلى أن تلفظها كنواة تمر، لتبقى وحدك، تستمني في العراء، وبلا حاجة لأنثى تستحلب الجسد.. تغمض عينيك، تزم شفتيك، والفتاة مستمرة في مراودتك، وكأنها تقول لك هيت لك، وأنت تعتصم، وتلجم الرغبة بكل صرامة وحزم، فكرة ما تهاجمك، تقول لك إن هذه المرأة عاهرة رسمية لا محالة، لكنك لست مقتنعاً، ولا مستعداً لأن تصدق مجرد هراء، وكيف مجرد فكرة تلوث طهراً ربانياً، لا تنتجه غير الصحراء، كيف تسول لك نفسك أن يلتاث فكرك بمثل هذه الخرافات القديمة، ولا تقتنع بأن ليس كل النساء ملوثات.. لم تنفك وأنت تتجرع مرارة الموقف، وقد تمنيت في لحظة لو أنها تغادر المكان بسلام.. وتنقذك من عذاب الإحجام والأقدام، تمنيت أن تفعلها هذه الفتاة، لكن، يبدو أن في النساء خصلة سيئة، حيث إنهن يحاولن حتى آخر رمق ولا ييأسن وإذا ما سنحت الحيلة، واحتقن، وصرن كتلاً جهنمية، لا تقارع..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
قلت.. إذا كنت أنا كذلك، فعن ماذا جئت أبحث.. عن أم الدويس.. تهمهم بسخرية.. عن امرأة ما.. عن وهم ما.. عن ماذا.. يا رب ارفع عني ضيم اختلاجاتي، ودع عني أذى نفسي..
عندما هممت بالمغادرة، عطفت رأسها بحنان أنثى وادعة، ورمقتك بنظرات عتاب. عرفت المغزى، قلت.. بالفعل، أنا إنسان غريب، أنا إنسان لا أستحق أن أجاري عيني امرأة حسناء مثل نيران.. ولم يضمك غير الفراغ صحت.. نيران.. تعالي أريدك.. رفست التراب، محتدماً..
قلت: كيف تغادرني من دون أن تقول لي وداعاً.. ثم تطرق: ولماذا تودعني، حتى الآن تشاغبني في الداخل، هي تعلم أنني صرت سجينها.. اعتراك الخوف، وانفتح فرغ وسيع، التهمك، اختفيت، تلاشيت، لا شيء غير العتمة، والوحشة المزرية.. صرت تريد أن تغادر الفراغ، تود أن تتشبث بشيء واقعي، تلمسه بيديك ولا شيء.. الفتاة التي كانت أمامك كانت مجرد وهم، ثم تصرخ بصوت وئيد بل هي حقيقة.. تبعتها، صعدت على تلة عالية، نظرت إلى المخيمات المنتشرة، في مساحة واسعة من الصحراء، نظرت إلى الحركة الدائبة، والأصوات التي تأتيك من بعيد كأنها موسيقى جنائزية حزينة، ليس لأنها كذلك، بل لأنك وقفت في هذا المكان، تحمل نعش إرادتك المكسورة، وتقف مستأنفاً حديثك مع نفسك، بيد أنك لم تنطق بما يفيد، أثناء ما كانت الفتاة تناوشك بوداعة.. قلت.. لقد غابت، الآن تندثر في الظلمة، بين جدران الجريد، لن تفكر إلا في ملامح رجل، غابت قدرته على الكلام لمجرد أنه يقف أمام امرأة.. تقول: لو علم أبو سيف بأمري، سوف تصطك أسنانه ضحكاً، سوف ينكل بي، ويهزأ ويسخر، ويكيل النعوت المخزية، ويجزل في أوصافي المخزية.. وبطبيعة الحال سوف يستعرض بطولاته، ويطيل في الشرح، ويفصل في سرد النصائح.. سيقول إن الخيل تريد خيالاً، والمرأة تريد ريالاً، وسوف أقف أمامه كتلميذ فاشل متقاعس. تارة أخرى، تستعيد صوتك، وتصرخ بصوت مرتفع.. نيران يا نيران.. أنا فيروز.. وتضحك بهستيريا، تحثو التراب في الفراغ. تفكر.. يا ترى، لماذا تقاعست عن ملاطفتها.. لماذا لم أستعن ببطولة التاريخيين العظام، وأذهب معها بعيداً وآخذها على صهوة حصان، وانطلق بها، وهي تلتصق بي، تملأني غبطة بحرارة جسدها، وتمتلئ هي برائحة جسدي، المعرق، جراء اكتظاظ المشاعر..
رفعت رأسك، السماء الصيفية ترسل لعناتها، وتصب جام غضبها، وهي تحيطك بفضاء يبدو ليس فضاءك. تقول: لم أجئ إلى هنا من أجل النساء، ثم تزم شفتيك، إذاً لماذا أهفو إليهن، ويدق قلبي ناقوس الخطر وكأني على وشك الوقوع في كارثة.. لماذا أخشى النساء، أتحاشاهن، عندما يقتربن مني، ما الفرق بين المرأة والرجل حتى أصير لا أخشى الرجال، ولكني أكون شخصاً آخر عندما تصادفني امرأة..
وأنت تعود أدراجك، وتطوي المرتفعات، والمنخفضات، بقدمين مترهلتين واهيتين، قلت: لا أتخيل أنني أعرف امرأة اسمها نيران.. تصمت.. تبهت ثم تطرق: ومن هذه المرأة التي كانت قبالتي قبل فترة وجيزة.. تسأل نفسك وتجيب.. وهم.. تهز رأسك، ثم تردف: وهم.. كيف تكون كذلك وقد شممت رائحة عطرها، ولمست في عينيها دمعة تتجول في محجريها، كأنها كرة صغيرة من فيروز البحر، وأنت في الطريق، حيث الشمس سلمت أمرها، وانتهت إلى زوال، وصارت الوجهة إلى المنزل، مكسوة بلون رمادي، يدكن شيئاً فشيئاً.. وأنت تسير وكأنك عائد من حرب ضارية خسرت فيها المال والعتاد، ولم يبقَ لك غير قلب مجروح، ونفس مكسورة، وجسد متهالك، بعد قطع مسافة واسعة، مشياً.. في الشارع العام، تقف ولا تحبذ أن تستقل مركبة، ولولا أنك تشعر بالتعب لفضلت السير على القدمين وعدم الاحتكاك بأي كائن بشري، في هذا الوقت تشعر بأنك لست في حاجة إلى أي إنسان يطرح عليك أسئلة تبدو أنها ساذجة ومقززة، ومؤذية للمشاعر، لكنك، رفعت يدك أشرت إلى سيارة أجرة، واندفعت بصمت في المقعد الخلفي، وتجمدت كالتمثال العاجي، سرت في اتجاه البيت، لا تريد أن تذهب إلى أي مكان آخر، لا تريد أن تفكر في أي شيء.. كل ما تريده فقط أن تتوحد بنفسك..
تقول إنك كرهت هذا النعال، تريد أن تتخلص من عشرته التي دامت سنتين. فقد التصق بقدميك هذه المدة الطويلة، حتى ارتسم لون جلده الأسود في قاع قدميك، وعلامات ضغط أحزمته تشكلت على ظاهر قدميك، تريد أن تستبدله بنعال جديد، يلمع عندما تضربه أشعة الشمس، وينفث رائحة جلده في أنفك فتشعر بالانتعاش.. الجديد لافت، ويشيع شيئاً من السعادة، على الرغم من أن كل جديد يصبح بعد حين قديماً، والأشياء القديمة عزيزة على النفس، لأنها ترتبط بذاكرة وبأحداث ومواقف هذا النعال القديم، اشتريته منذ سنتين، بعدما تهرأ النعال القديم، وأحلته إلى التقاعد في مكب الأشياء فاقدة الصلاحية، لم يهن على قلبك أن تقذفه في براميل القمامة، ليلتقطه أحد الشحاذين، النابشين في فضلات الآخرين، بل وجدت من الصعب التخلي عن صديق حملك لسنوات، وأثقلته بمشيك وقطعك المسافات الشاسعة، وكذلك هذا النعال، ولن تلفظه لن تتخلص منه إلى الأبد، لن تدعه في قدم شخص آخر، لا بد أن يبقى أمام عينيك، يذكرك بأحداث، ويحكي لك قصصاً أنت نسجت خيوطها وقد تحاول أن تتناساها، أو تدعها في مستودع اللاشعور، وعندما تلف نظرة إلى نعالك القديم، تذكر أشياء تلاشت، وتراكم عليها الغبار، كما تلبد الغبار على نعالك..
…
في هذا الصباح، تبدو مشرقاً شيئاً ما، ولعلك عندما تفكر في شراء شيء جديد تتسرب إلى نفسك نسمات الغبطة، لفترة وجيزة، ولم لا؟ لعلك تهرب قليلاً من جفولك، تريد أن تغير من سحنة هذا الوجه، وتذهب لشراء نعال جديد رخيص إلى حد ما، فلا تحبذ شراء المستلزمات باهظة الثمن، وتعتبر الإسراف في شراء حذاء أو عقال، أو قندورة، شيئاً من البذخ الذي لا لزوم له.. وتستطيع أن تستخدم هذا النعال لمدة سنة مقبلة، لكنك تفكر في التجديد.. تفكر في الهروب بشيء ما، للانشغال بشيء آخر، حتى الأشياء التافهة تكون أحياناً بديلاً رائعاً لزحزحة المشاعر، وتحريك المياه الآسنة والعفنة.. فما جاش في صدرك في الأمس، كان أمراً عظيماً، شعرت بأنك مازلت تتقمص دور المراهق، الذي لا يستطيع أن يخرج من جلباب زمنه الطفولي، أحسست بأنك تحب ولا تحب، تكره ولا تكره، شعرت بأنك تخطو خطوة باتجاه أمر ما، ثم تتراجع خطوات، تتقهقهر، وعندما تنكص إلى الوراء تتلبسك حالة من الامتعاض ولا تدري ممن أنت ممتعض.. ترتدي ملابسك، وتنفح جسدك بالعطر. فالزجاجة، التي وضعتها على جانب من سريرك فوق الكوميدينو، لم تزل تحتفظ بنصف طاقتها الإنتاجية، لم تزل ترشح برائحة نفاذة، وفي هذا الصباح وجدت من الضروري أن تملأ أنفك بحفنة من رائحة طيبة، على الرغم من أنك تحبذ دهن العود على العطر البخاخ، لكن زجاجة دهن العود باتت فارغة، ولا تستطيع أن تمنحك ذاك السائل اللزج الأصفر المائل إلى السواد، وعبقه الأخاذ، لذا ركنتها جانباً، لكنك لم تلقها في سطل الزبالة، بل لا تزال تتدحرج، مخشخشة بصوت يذكرك بأنك كنت في يوم ما تملك زجاجة صغيرة، بحجم إصبع اليد، تمتلئ باللزوجة الطيبة.. عند باب المنزل، وقفت وكأنك تستطلع الطيب، وكعادتك لا تندلق من باب المنزل باتجاه الشارع، في لهوجة، بل تقف متأنياً، متأملاً المكان، والبيوت المتراصة، والأزقة التي تدلف من فتحاتها السيارات والناس الراجلين، كل يذهب في مسعاه.. ثم تتمشى، وتحب أن تسير على قدميك حتى تشرف على الشارع العام، في منطقة الخور القديمة. هذا الشارع المرصوف بالقار الآن، كان لساناً بحرياً، صغيراً، يخترقه المد البحري، حتى يصبح، شريطاً مائياً، يلهو به الأطفال، يسبحون، ويلعبون بالمراكب الورقية والمعدنية، ويتراشقون بقطرات الماء المالح، مبتهجين.. أما عندما يبدأ القمر في الأفول، وينحسر ماء البحر، جزراً، وتأتي أمطار الشتاء الغزيرة، فإن هذا اللسان يتحول إلى نهر صغير، تغوص في أحشائه أقدام الصغار العابثين، اللاهين، المبتهجين بالهطول.. وفي المواسم القاحلة، حيث لا بحر ولا مطر، فإن الأرض الطينية اليابسة، تصبح ملاذاً للعب الصغار، الذين يلعبون «التيلة» و«المحطة»، وكذلك كرة القدم البلاستيكية.. الآن صار الشارع المزدحم، لا مكان فيه، للسائرين على أقدامهم، بل إن الشاحنات والمركبات الصغيرة، تخب خبيبها في شارع، أشبه بشريان ضيق، محاط بأبنية تجارية، ومحلات بيع المواد الاستهلاكية، ترى البائعين الهنود بالسحنة السمراء الهادئة، والعيون الشاخصة في الفراغ، الوسيع، وترى ألواناً أخرى من البشر، تدأب في حركة نشطة.. وخلف هذه الدكاكين، تنام البيوت القديمة، تميل بأكتافها المتهالكة على بعضها، وتخبئ أسراراً وأخباراً، تتذكر الأشخاص الذين ناموا تحت أسقفها، الآن أصبحوا عظاماً رميمة، ولم تبقَ غير أسمائهم، تظل في الذاكرة، باهتة لا معنى لها.. هذه البلدة التي كتب عنها ابن ظاهر في شعره، وقال إنها كانت تعج بالبشر، ولما جاء الطوفان في القرن الثامن عشر، أكل الشجر والبشر، وصار البحر في مستوى قمم النخل.. هذه البلدة التي أصبحت لا تساوي شيئاً غير مأوى.. للعمال الهنود، والشحاذين، وبعض المكسورين والأرامل.
استقللت سيارة الأجرة، طافت بك المركبة الصغيرة، يقودها سائق باكستاني، ينشف عرقه من حرارة الشمس، وانصهار حديد مركبته القديمة.. عبرت بك الطريق، بعد تجاوز عدة إشارات صعد على الجسر، الفاصل بين ضفتي البحر، الجسر المنحني كظهر امرأة عجوز، يرتفع عن سطح البحر بعشرات الأمتار، ويبدو أنه الحارس الوحيد لأقدار الذين يمرون على ظهره، مشدودين للوصول إلى أماكن شغلهم أو محطات جلب حاجاتهم، الجسر الحديدي، يبدو من بعيد، كقامة متهاوية، تهبط من علو لتبطئ سير المركبات الذائبات في أتون الفراغ الموحش، تقول إنك عندما ترى ظهر هذا الجسر تشعر وكأنك تستقل طائرة ورقية تخشى أن تقع في أي لحظة، وتقضي على الذين فوق ظهرها، والذين يسيرون تحت جثمانها المرعب. تتطلع إلى السائق المكفهر، الجامد المتشبث بمقود المركبة وكأنه يقود مركبة فضائية لا يعلم أين تحط به.. لا تحاول أن تستنطقه بكلمة كونه أطبق الشفتين وكأنه حلف ألا يكلم أحداً في الصباح.. لا يبدو أنه أخرس، فقد التفت قبل برهة، متذمراً، وشتم أحد السائقين بعد أن التصق بسيارته وكاد يحرفه عن طريقه، ثم انكتم صوته..
قبل أن تذهب إلى محل بيع الأحذية، راودتك رغبة قديمة، وجامحة، فانعطفت باتجاه مقهى قديم، مقهى السيد كندر، لم يزل كما هو يحتفظ بسماته، وسلالة الأقدمين، الذين أشعلوا نيران الأرجيلة تحت السقف الخشبي، دلفت مدفوعاً برائحة التبغ المعتق، وأخذت ركناً معتماً، واستقللت طاولة صغيرة.. طاولة خشبية، صف على سطحها النادلون أكواب الماء، والقناني الزجاجية المملوءة بالماء البارد، أشرت بيدك للنادل، الواقف عن قرب، متربصاً، يتفحص الوجوه القادمة، الجديدة والقديمة، ولا أحد سواك، الذي بدوت شخصاً غريباً، فجميع الذين يجلسون على الطاولات، يعرفون النادل، وينادونه باسمه، ويتمازحون معه، ويلقون عليه النكات، معظمهم من شيوخ القبائل وفضائل الزمن الجميل.. طلبت شاياً أحمر، وقصعة فول مطبوخ.. تفرست في الوجوه، أغرتك الرائحة، المتفاقمة المتصاعدة، من رؤوس الأراجيل، المتصهدة، طلبت النادل. قلت: أحضر لي أرجيلة، قلت لأطلب أرجيلة بدلاً من السيجارة التي مجتها نفسي.. الرجال الذين يحيطون بالطاولات جلهم تعرفهم، لكنهم بطبيعة الحال لا يعرفونك، وأغلبهم من الذين كانوا شباناً في زمن صباك المبكر، تغيرت أنت، وشاب شعر لحيتك، وذبلت أجفانك، وغزت التجاعيد وجهك، لكنهم هم الذين ابيضت عيونهم بغشاوة الزمن، وانحنت ظهورهم، وشاخت ذاكراتهم، لن يذكروك.. لبثت في مكانك، في صمتك، منصتاً بإرهاف إلى ضحكاتهم العالية..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
رشفت شايك، وأخذت نفساً عميقاً من دخان الأرجيلة، سعلت، علت كحتك وانتشر صداها، مزمجراً، قال جارك القريب في الطاولة المحاذية. سلمت.. ثم أردف.. يبدو أنك جديد على الأرجيلة، خفف من سحب الدخان، لا تأخذ نفساً عميقاً، رويداً رويداً على صدرك، حتى تألف الدخان رئتك. اتبعت النصيحة بعد أن شيعته بابتسامة خفيفة، وصرت تكتم سعالك، خشية الإحراج.. تذكرت محمد بن سباع، كان عباراً ماهراً، كان شاباً يافعاً، تمتلئ زنداه بالعضلات، كان يدفع قارب العبور بين الضفتين، بصدره عندما يلتحم بالشاطئ الرملي.. كان رجلاً، مبتسماً دائماً، لكنه لا يناور على حقه في كسب العيش، ولا يساوم، تذكرته عندما تشاجر مع أحد العبارين، الذي حاول أن يسرق منه الدور، صفعه على وجهه، فأرداه على الأرض، ولم يلق بالاً لما حصل، بل باشر في استقبال الركاب، وهو يرمق منافسه بنظرات الشذر والتهديد الصامت.. تنظر إليه الآن تتفحص وجهه الذي بات أشبه بورقة اللوز الصفراء، وأسنانه، أو بالأحرى ما تبقى له من أسنان صفراء، برزت كالمسامير الصدئة، تفضحها ضحكاته المتعالية، لم يتغير المقهى، عدا صاحبه الذي ودع دنيانا، ليمسك بزمام الأمور الهندي الذي استأجره قديماً، وصار يتحدث العربية بلباقة، ويتطبع بطباع الكهلة الذين لازموا المقهى طوال هذا الزمن. الرجال القريبون من طاولتك لا يتحدثون إلا عن الجنس والزوجات الهنديات، تسمع أحدهم يقول ضاحكاً، محدثاً صاحبه، لقد هربت منك، يبدو أن سلاحك فتاك، ولم تحتمل طلقاته المدوية، بينما يقول آخر: لا.. لا تصدق هذا، لقد هربت لأنه كان يستعمل إصبعه، فملت منه، ولاذت بالفرار، يلكزه الرجل الأشيب، قائلاً: تريد أن تجرب أن كنت استخدم إصبعي أم لا؟.. يتعالى الضحك.. وفي حوار آخر على طاولة أخرى، يتحدث الكهول عن الأمراض. يقول أحدهم بسخرية: لقد يئست، لم أدع مصحة ولا مستشفى إلا وطرقت أبوابه، فلا جدوى، السكر لا علاج له، ويئن آخر، والضغط كذلك.. هذان مرضان لا يستطيع الطب أن يجد لهما علاجاً..
وينبري رجل، وهو يلفظ دخانه من صدره، المكتظ بالسعال.. وهل لدينا مستشفيات؟ فدواء الضغط والسكري أشتريه بنفسي من الصيدليات، الأطباء، يضعون السماعة على الصدر، وحزام الضغط على الزند، ويعطيك ورقة صغيرة، ويقول لك اذهب إلى الصيدلية الفلانية، فالدواء ليس متوافراً لدينا.. ويصدح آخر متذمراً الأطباء هم الذين يحددون الصيدليات المعينة.. صوت آخر: الأمر واضح.. عصابات تدعم بعضها بعضاً، ونحن ندفع الفواتير. يسود صمت، ويعلو الدخان، وتنشف أنت كأسك، وتجفف عرقك، وتعطي النادل أجرته وتنهض. تغادر المقهى، وتتبعك ذاكرة قوية، تتشبث في ثيابك، تلوم نفسك لماذا لم تعرف نفسك على الذين عرفتهم؟ لماذا فضلت أن تكون غريباً؟ فهؤلاء الأفذاذ قطعوا مسافات بعيدة، وجاؤوا من التلال العالية، في الظيت الشمالي والجنوبي، ليستعيدوا أيامهم، وجاؤوا من هناك مستمرئين إعادة صياغة الأحلام، وتجديد الأيام، جلهم تقاعدوا عن كل شيء، لكنهم لم يتقاعسوا عن تلوين اللوحة القديمة، وإعادة ترميمها، بحكايات مسلية، وسرد الروايات التي تنفحهم برائحة الزمن الذي تولى.. مازالوا يذكرون، ويتذكرون كل شيء، أجسادهم المطحونة تحت الشيب، لم تتخلّ عن مواقد الذاكرة المشتعلة بجحيم الأحلام..
تقول إنك وقفت أمام محل بيع الأحذية، الذي رصفت في أعلى بوابته يافطة عريضة، محل بيع الأحذية الرجالية.. تدلف المكان هو المكان الذي اشتريت منه نعالك المتوفى قبل سنتين، والرجل ذو السحنة الرمادية هو نفسه كذلك، ما تغير فقط ملامح وجهه المكفهرة، القانطة، سحبت إحدى العلب الكرتونية ونزعت الورق الشفاف الحافظ، وأدخلت قدمك في فردة النعال، رفعت بصرك في وجه الرجل الواقف أمامك. قلت.. كم سعره.. قال، في لهجة جامدة وحادة شيئاً ما.. بأربعمائة درهم..
بهت رافعاً حاجبيك.. أربعمائة.. لماذا؟
قال: هذا سعر السوق..
قلت: نفس هذا النعال.. بشحمه ودمه، اشتريته من هذا المحل، ومنك بالذات قبل سنتين، بمائتين وخمسين.. ماذا تغير؟
قال مبتسماً ابتسامة باهتة: كل شيء تغير.. لو ذهبت إلى سوق السمك، وسألت عن مشك سمك الشعري، سيقول لك بعشرين درهماً، بينما كان قبل سنتين بعشرة دراهم، والأمر كذلك لو دخلت سوق الخضار، البطيخة ذات الأربعة كيلوغرامات صارت من عشرة دراهم إلى عشرين.. ثم يردف متأففاً.. كل شيء يا أخي بهظ ثمنه، إيجار المحل، هذا الذي كان بعشرين ألفاً أصبح يؤجر بضعف الرقم هذا إن وجد..تحول نظرك إلى ماركة أخرى..
يقول لك: هذا سعره أرخص.. بثلاثمائة درهم..
تسأل.. لماذا؟
يقول: الماركة مختلفة.. ذاك إيطالي.. وهذا تايلاندي..
تشبك يديك خلف ظهرك، تتفرس في الأرفف، وتنظر إلى الرجل المتجهم باستقطاب، وكأنك تريد أن تستدر مشاعره، لكنه كان يتحول جانباً في عجالة من أمره، يريدك أن تغادر، ظافراً أم خاسراً، فلا وقت لديه للمساومات.. فهمت المغزى، ولم تجد ما توفره من كلمات..
قلت في يأس: أعطني ذاك..
قال.. الإيطالي..
قلت برماً: ولم الإيطالي.. أريد التايلاندي.. قدماي لا تستحقان أكثر من هذا..
قال.. مبتسماً: بل تستحق أكثر من ذلك..
أخذت العلبة، وأعطيته ثمن النعال، منصرفاً بتذمر، لاعناً الوجوه التي تغيرت ألوانها، وشحبت بشرتها، وصارت عدوانية إلى درجة النكد.. في عودتك فكرت أن تزور سوق السمك، فكرت أن تستعيد شيئاً من الذاكرة المنطوية، تجاوزت محال تجارية، لم تزل تحتفظ بقاماتها، ومكانتها، ورائحة الخردوات والبهارات، وعطر الزنجبيل المزنجل برائحة الحرقة.. قلت: كان هنا دكان المصلي، وفي مقابله دكان أسد لبيع الأقمشة النسائية والرجالية، وفي الطرف الآخر عند الزاوية دكان حسن الشامسي، وآخرون، بعضهم قضوا وآخرون أحياء، والشارع لم يزل يكتظ بسيارات البدو، محملين بزاد الشهر، بعد أن باعوا العسل، والسمن البقري، والأشياء هنا لا تهشم سلالة السلام، حتى وأن دارت الدوائر على كثير من الظواهر الاجتماعية القديمة، وبزغت شمس ظواهر أخرى.. في السوق الكبير، المشرف على اللسان البحري، من خلال الميناء، هنا كون مختلف، وقوارب الفيبرجلاس، ترسو متراقصة، وعلى ظهرها رواد البحر الأعزاء، هنا تسترخي بعض السفن الخشبية، متثائبة، مغتسلة بالملح، وعرق الذين ناموا على سطوحها المدهونة بعبق التاريخ. دخلت، تجولت، تفرست، أمعنت النظر في حديقة الأسماك الزاهية، شممت الرائحة كما تطايرت على قندورتك قشور السمك، المقذوفة من أسنان السكاكين الحادة، لكنك لم تقرف، بل شعرت باشتياقات قديمة تهاجمك بعنف، تهشمت حنيناً، صرت الآن عند البوابة الخلفية للسوق، الذي صارت جدرانه العالية، المتعلقة بالفضاء، كلوحة جبلية تتسابق في صناعة المستقبل، توقفت، تأملت البحر ملياً، بعض السفن تعود متأخرة، لكنها زاخرة بالرزق الوفير، وفي انتظارها سماسرة، قابضون على اللهفة، متمسكون بتقاليد المقايضات في عز ظهيرة اليوم الصيفي، يقفون كمدافع وحرس ثوري، لا يتيحون الفرص، لأي مشترٍ أن يهبط صدر السفن الرابضة عند حافة المرسى الأسمنتي، ينتقلون بأقدام حافية، وصدور عارية، وقلوب محترقة، وينتعلون الإصرار، قافزين قفزات الطيور الجارحة، منقضين بشراسة على سلال السمك. وبعض المشترين ينسحبون خلفهم بخطوات متباطئة، متواطئة مع الكسل.. تقول: ربما يكون هؤلاء متفرجين، كحالتي.. قلبك المغمور بالسعادة، والحزن معاً، صدرك العامر بمشاعر متلاطمة، لكنك الذي صرت تتمتم بلغة مبهمة، وتحشد الذاكرة، بزخم من معطيات الزمن القديم، وما تبدى في زمنك الجديد من بؤر خطر ونفور، تطفر منها فيروسات قاتلة.. قلت: سوق السمك، لم يتغير منذ زمن، ومنذ أن انتقلوا من مقره القديم، عند الطرف الآخر من المرسى، والقريب من البنك البريطاني، لكن أشياء أخرى تغيرت.. البائعون.. وجوه لم تزل، غريبة، لكنها امتزجت في النسيج الاجتماعي حتى النخاع، هؤلاء الرجال الأفذاذ بسحناتهم الفضية، اللامعة بالعرق، احتلوا مكاناً واسعاً، واستولوا على حظوظ أبناء البلاد الذين تواروا بعيداً، سواء بالموت، ولم يحل مكانهم جيل جديد، أو الذين اختفوا طائعين، قانعين بمساعدات الشؤون الاجتماعية.. تشعر بالألم، يخالجك شك في أن هذه البلاد سوف تلقى مصير الحضارات التي اندثرت، والأمم التي غيبتها صروف التاريخ، بعد أن تخلت عن التزاماتها الأخلاقية.. الرجال الذين يقفون اليوم على مصاطب بيع السمك، يبدون كالمماليك، وربما يكونون في المستقبل أشد بطشاً.. تتردد في الحلم، تقول: لماذا كل هذه القسوة؟ لماذا أضعهم جميعاً في خانة الاستعمار الاستيطاني؟ آثرت الخروج من زحمة الأجساد، وزمجرة الأصوات العالية..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
تقول: هذه التظاهرة العشوائية، تملأ السوق يومياً، منذ الصباح الباكر، وحتى ساعة الظهر، ثم يهدأ المكان ليأتي دور القطط، التي تلوب في الممرات، وحول الدكك، وعند صناديق الذخيرة.. تبحث عن طعامها، تتشمم الرائحة، وتدعك أجسادها، في الضحالة اللزجة، وتأخذ مؤنتها ثم تغيب، وبعض صراع مرير يحدث هنا بين هذه الحيوانات التي ألفت المكان، واحتلته، كما فعل الرجال السمر.. ينتابك فضول في أن تعرج نحو سوق الخضار المجاور، تتفحص المكان.. تقول: كانت سيدات المجتمع العامل يحملن السلال وحزم الرويد، والقلمان.. والبصل الأخضر، والجزر الأحمر.. والنبق، وكذلك اللبن البقري، ومستحضراته من الجبنة، واليقط، وغيرهما. كن يأتين فجراً، قادمات من أحشاء الجبل، ويتساقطن زهرات، عند المرفأ القديم، تستقبلهن العبارات، لتنقلهن إلى الضفة الأخرى من البحر، هناك في السوق القديم، كن يبسطن البضاعة، ويجلسن مفترشات الأرض، يضحكن مع هذا ويشاغبن ذاك، ويتداولن على سعر مع ثالث، ويغبطن رابعاً، برأس جزر. ثم تضيف قائلاً: كل الحمولة، التي كن يتأبطنها أو يحملنها على رؤوسهن، ما كان يزيد ثمنها على مئة درهم، لذا فإن المشتري ما كان يصرف أكثر من عشرة دراهم إن أسرف في الشراء. أما اليوم، فالعشرة دراهم، لا تعود إليك إلا برأسين أو ثلاثة رؤوس بصل.. تمضي في الردهات، تجوب أرجاء السوق، تتحول نظراتك في الرفوف المزخرفة، بألوان وأصناف الفاكهة، والخضراوات. قلت: تعجبني الفراولة، أشعر بأن طعمها يتسرب في حلقك، كما هو طعم الحياة في الروح.. لا أدري لماذا أحب هذا الصنف من الفاكهة، وكذلك الرطب. الرطب الذي تنعشني رائحته، فيه عطر الانتماء، وطعم الولوج في الأشياء العميقة.. تغادر السوق، تمضي في خطوات بلا هدى، شاعراً بنشوة.. تقول: على الرغم من إحباطي مما شاهدته إلا أن قلبي استرد شيئاً من نزيفه السابق، أشعر بأنني أستجيب لنداء الوجود، أستعيد كياني.. وتسير، وتقول الأشياء القديمة عندما تندثر، يندثر على أثرها تاريخ وعمر، بمعنى أن الأشياء التي من حولنا هي جزء من حياتنا، فعندما تذهب بعيداً في المجهول، فإنها لا تذهب وحيدة، بل تأخذ معها عمر الإنسان، ووجدانه، المسكون بها..
تقول: أشعر بأنني في حاجة إلى البكاء، أشعر بأنني أتهشم وأتناثر كزجاج، مصعوق بعاصفة ثلجية.. البكاء أحياناً استعادة لتوازن الذات.. ولو أنني بكيت عندما حلمت ذاك الحلم البائس، ولما شعرت بالانقباض وأنا أصحو مفزوعاً، جراء شعوري بغرق قاربي في عرض بحر عميق.. البكاء، النعيم الذي يزخر به البكاؤون، ولكن ليس كل إنسان في إمكانه أن يبكي، مشكلتي أنني لا أبكي.. لا أدمع كثيراً، لكنني أنزف.. وهذه معضلتي..
رميت مشاعرك في أحضان فراغ ملتهب، وسعيت إلى أن تتخلص من ضعفك، ولا تريد أن تستمر في ضياع زمنك.. قلت وأنت تنظر إلى الساحل الرملي وهو ما تبقى من الشاطئ، بعد أن عج بالحيطان الأسمنتية، والصخور ومخلفات المراكب، وسفن الصيد، ماذا سيؤول إليه حال الناس، بعد عقد من الزمن. كيف سيصير مصيرهم وهم يقضمون جزءاً يسيراً من الرغيف، والجزء الأعظم يذهب في أفواه الذين اغتصبوا الفرصة، وتسنى لهم أن يقتنصوا الظرف الراهن، فلا يكتفون بالمناصفة، ولا بالثلاثة أرباع، الأمر الذي يجعلهم هم الذين يتسيدون زمام المراحل، ويمضون بالمصير في اتجاه المجهول.. تغضن حاجبيك، تقول: لا بأس هذا شأن الناس، هذا خيارهم، ولا علاقة بالذين ينتهزون أنصاف الفرص، لينالوا ما نالوا.. عند المرسى، تتوقف، تنتظر سيارة أجرة.. تسمع صوت بوق، تلتفت.. صوت يناديك تاكسي.. تهرع، مسرعاً.. وأنت في المركبة، تفتح علبة الكرتون، تتفحص النعال الأسود، وتنظر إلى نعالك القديم، تقول: الجديد كيده حديد.. ثم تتلمظ قائلاً: شكله أنيق..
…
تقول إنك متوجس، وقلبك منبجس، وبدوت وكأنك تدخل في نفق مظلم، موحش، لا حركة فيه، لا نفس.. وتسأل.. أين أنا الآن، عندما انتعلت الفراغ وسرت بنعالك الجديد، شعرت وكأنك تستقل مركبة حديثة العهد، لذا فسررت في السير بلا هدى، ولم تكن تعرف إلى أين أنت ذاهب.. في هذا الخلاء، المفروش بالحصى، والأرض العجفاء، تتمدد على صخور قديمة قدم الأسلاف الذين كانوا هنا، ولا أحد الآن.. تتلفت يمنة ويسرة، كالفار من العدالة، يبحث عن ملاذ آمن، ولا أنيس لك سوى أنفاسك المكررة، من جراء السعي على قدمين أتعبهما المشي ووعورة الطريق.. ليل بهيمي، يتشبث بالعتمة، كما تقبض هذه الأرض على أحجارها العريقة.. وجدت نفسك تحت جنح الليل، بين جدارين طينيين، متهالكين، كانا في الأصل حزاماً لمزرعة نخيل، الآن لا أثر للنخل، لا أثر للناس الذين كانوا هنا، لا رائحة للمواشي التي ترعى الحشائش في مساءات الصيف.. من بقي من الأرواح ذهبوا بعيداً، أو تناسلوا عن أجيال، ترمق سكنى هذا المكان، هذه البقعة الطينية الأليفة على مسافة نصف كيلومتر تقريباً، ترى أضواء النيون اللامعة على صفحات جدران مبنى شيد لعلاج المرضى.. تقابله مقبرة، لأناس ماتوا منذ زمن، ولم يبقَ أثر لهؤلاء غير رائحة الكافور المنبعث من أحشاء القبور المتلاشية.. انتابتك قشعريرة وأنت تقترب من معشر الأموات، تصورت أن أحداً من هؤلاء سوف يبعثر التراب من على جسده، ويستقيم واقفاً، ثم يمد ذراعاً عظيمة، ويجذبك إلى الحفرة العميقة، لتغيب عن الوجود.. تحاشيت المرور بجانب المقبرة، وانعطفت نحو جانب آخر، لكنه يحاذي سور الفناء للمقبرة.. بعض السيارات تمر من حولك، ومزامير وأبواق تنفتح بين الفينة والأخرى تبدد وحشتك، وتشيع جواً من الألفة على المكان.. الموت.. قلت والقشعريرة تمد لساناً رهيباً تحت جلدك، تخفض رأسك، تحاول أن تنأى عن النظر إلى السور الطيني، تتوقف برهة، لعلك تلتقط أنفاسك المتقطعة، تتلفت.. تتذكر نخل كنان، الرجل القصير الأسمر بسحنته الصباحية المشرقة عندما كان يشاغب الماء المتدفق من شريان الماكينة الهادرة، ويتسلق نخل القيظ بخفة الطائر اللبق، ويلتقط حبات الرطب حبة حبة، ويداور ويناور، ويحاور العصافير التي كانت تزقزق صباحاً، فرحة، بعطر الأجنة المتدلية من رحم ذات الأساور الصفراء، والحمراء، تتذكر هذا الرجل، المتعاظم شبقاً كونياً، عندما يجلس عند حافة القنوات المائية، ويغني أغاني القيظ، وينشد باسم الحياة الحبلى بمجيء المصيفين، والمعرشين عند المروج الخضراء، المرتحلين من إمارات وبلدات بعيدة، طلباً لاستنشاق عطر الصيف، في بلاد الخضرة اليافعة.. وكذلك تتذكر بو زيد، الرجل الشهم، الورع، المشنشل بإزاره الأبيض المخطط بألوان الزهر، وقميصه القطني الأبيض الناصع، تتدلى منه رائحة صابون اللايف بوي، وما ينتجه صباح النخل من عفوية الابتسامات.. أبو زيد، الرجل الستيني في ذلك الزمن، كان يلج بستان النخل، ينادي على الفلاح العامل في النخل، يحثه بلطافة أن يجمع ثمار اللوز، والهمبو، ويضعه في مكان آمن، ليقدمه بنفسه للصغار الذين يأتون صباحاً، ليرموا أجسادهم الحارة في حوض النخل البارد، المنثال من عيون الأرض السخية.. قريباً من المستشفى التاريخي الكبير، تقف ترمق البوابة الكبيرة، حيث سيارات الإسعاف تنسل منها بأضوائها الحمراء، كعيون النساء الباكيات على من ثكلنهم.. تمتعض وينقبض قلبك. جراء سماعك صوت نواح سيارات الإسعاف، تعود القهقرى، تريد أن تنتعل الفراغ وتفر بجلدك، تريد أن تمارس دور الرجل الخفي وتذوب في عبارة الليل، تريد أن تنتهي إلى مكان آخر، أي مكان، يأخذك بعيداً عن أبصار هذا المكان الذي لا تخرج منه الأجساد إلا ملفوفة بالأبيض، مغطاة من أخمص القدمين حتى ذوائب الرأس.. تصعقك النهايات جداً، تمحوك وتشعر بأنك لا شيء.. عدت في اتجاه المقبرة. كان ضوء خافت عند البوابة، التي توارت خلفها غرفة صغيرة، أشبه بالكوخ.. تمشيت، سرت بخطوات متباطئة، وقدماك ثقيلتان وكأنهما تخوضان في وحل أو كأنك مزنجل بسلاسل حديدية.. وصلت عند البوابة الحديدية، الأشبه ببوابات السجون، تخيلت أن الذين يقطنون في الداخل ليسوا إلا لصوص أو رجال عصابات غللوا هنا بفعل الجرائم التي ارتكبوها.. فكرت.. لماذا تسور المقابر، وتحكم بأبواب حديدية، ويقف الحراس عند بواباتها.. ماذا تعني حراسة الأموات.. هل يعتقد الناس أن الذين ماتوا يمكن أن يخرجوا من الأجداث، وينتقموا من الذين واروا عليهم التراب.. تضحك.. تسخر من أفكارك البائسة.. تقول.. كيف يستطيع رجل حي بشحمه ولحمه، أن يمضي الليالي وهو يجاور الموتى، ولا تنتابه الوساوس، والخوف من الموت.. أي قلب هذا متخشب إلى درجة أنه لا يحس بشيء اسمه الموت.. الموت.. الموت.. تقول مردداً كلمة الموت، وأنت تضع يدك على صدرك، متوثباً، متحاشياً أي عثرة بحجر، متعقباً ظلك الذي صار خلفك، يتبعك وكأنه شخص ما يلاحق خطواتك.. قذفت بصقة لزجة من فمك، وقفت عند الباب العملاق الصدئ.. حاولت أن تتفحص الداخل، والداخل يعج بظلام دامس، وصمت مطبق، يحيي القبور، الخامدة.. فجأة سمعت نحنحة وسعالاً لرجل في الداخل.. لمحت هامة كائن يتقدم نحوك..
قال بصوت جهور، من في الفضاء، كطرقة قضيب حديدي، التطم بجدار سميك.. ارتجفت، لكنك تماسكت، قلت: أنا.. وألقيت التحية، قبل أن تسمع الصدى.. اقترب.. كانت ملامحه مغبرة، شائهة، عيناه يشع منهما ضوء أحمر، وشفتاه تتدليان عند ذقنه.. قال في لهجة جافة: ماذا تريد؟ ثم تابع: هذه مقبرة، وليست سوقاً للخضار، فماذا تتفحص في الداخل؟ ويتابع: سوف تزورها في يوم ما، فلا تتعجل من أمرك..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
كلماته الجامدة، خضت قلبك، وددت لو تفر من المكان، لكن فضولك تحداك ومنعك من أن تفعل ما يفعله الصغار، قلت بلهجة فاترة.. زيارة الأموات واجبة.. يضحك بسخرية.. ليس في أنصاف الليالي..
قلت متهكماً: ومتى إذاً؟
قال: ألا تعرف الأصول.. الناس يأتون لزيارة موتاهم في أوقات محددة، بمعنى في أيام الجمعة، وساعات النهار..
رميت قلقك بعيداً، بعد أن برد جسدك، وفتر خوفك، قلت: وماذا يمنع أن يزور الإنسان عزيزاً عليه في مثل هذا الوقت؟
قال منزعجاً: يا سيد.. قلت في الليل الزيارة مكروهة، ولا يجوز أن تتصرف بما يخالف تقاليد الدين..
قلت: مكروه.. ولماذا مكروه؟!
قال وهو يضغط على مخارج ألفاظه: ليس لديّ الوقت للمجادلة، ثم وهو يمنحك ظهره، بلا مبالاة.. يبدو أنك فارغ الصدر، والعقل..
تقول إنك ناديته.. رجوته بأن يمهلك قليلاً، ويتصرف كفاعل الخير.. توقف.. التفت نحوك.. ماذا تريد..؟
قلت: أريد أن أتحدث معك..
قال: عماذا؟
عن أمر شغل بالي كثيراً، وربما تستطيع الإجابة عن سؤالي..
يستند إلى جذع خشبي، وينظر إليك بإمعان.. قائلاً: عماذا تريد أن تسأل..
تقول: في هذا المكان، في هذه المقبرة، الموحشة، ألا تخاف من أم الدويس؟
جحظت عيناه.. نظر إليك، مبهتاً.. قال: وهل جئت لتنصحني كي لا أحفظ لقمة عيشي..
قلت مصراً: هذا يعني أنك تعترف بأنها موجودة في هذا المكان.
قال: وفي أي مكان..؟
قلت وأسنانك ترتجف: وهل شاهدتها في يوم؟
قال.. في ثقة: أجل شاهدتها.. وماذا يعنيك أنت في أمرها؟
قلت في صوت مزمجر: أنت تكذب.. أنت تخدعني..
لمح عصبيتك.. قال مهدئاً من روعك.. لا تجزع يا سيد.. كل واحد منا يمكن أن يرى هذه الشيطانة العملاقة.. ولا ضير في ذلك..
قلت.. برما: لكنني لم أرها.. أجل لم أرها، كلكم تقولون إنكم رأيتموها، وأنا لم أعثر لها على أثر.. هذا ما يزعجني..
قال مبتسماً: ولماذا تريد أن تراها؟
قلت: لأتأكد أنها، موجودة بالفعل..
قال: ولماذا لا تصدقني، أنا أقول لك إنني رأيتها..
قلت محتداً: هذا لا يعني أنها موجودة..
قال.. متململاً: ولتكن كذلك.. فلماذا تشغل بالك بأمر لا تعترف بوجوده؟
قلت بائساً: هذه هي المعضلة.. أن يعتقد الناس جميعاً بشيء وأنا مازلت في شك من أمره.. أشعر بأنني أبحث عن شيء غير موجود، أشعر بأن الناس يكذبون.. ثم بعد صمت تقول: أشعر بأنهم جهلة..
قال محتدماً بالغيظ: ولماذا لا تكون أنت الجاهل..
ازدردت ريقك الناشف، وقلت: الدلائل تسير كلها على أن أم الدويس مجرد وهم، وأن الذين يقولون إنهم رأوها، لم يصفوا شكلها بدقة تؤكد أنهم حقاً رأوها، وأنها موجودة..
يأخذ الرجل نفساً عميقاً، ثم يقرب منك، يضع يده على كتفك، ويقول: ألا تريد أن أستضيفك بكأس شاي..
سال لعابك، وكنت في أمس الحاجة إلى هذا السائل السحري الذي تحبه.. تمتمت.. قلت.. إذا كان هذا لا يضايقك..
قال في مودة: بل يسرني كثيراً..
دخلت الغرفة الطينية الصغيرة، لجت قدماك، الضوء الخافت.. واقتعدت مسنداً قطنياً، وتجمدت في مكانك..
الرجل الكهل، يقدم لك كأس الشاي، ويتفرس في وجهك، كان ورعاً إلى حد ما، لكنه خيل إليك أنه رجل عمل كثيراً في هذا المكان. لذا، استمرأ مجالستك، ليطرد وحشته، الأمر الذي شجعك على الجلوس معه.. قلت: ألا يجدر بك أن تصف لي شكلها؟
قال: من هي؟
قلت: أم الدويس..
قال مبتسماً: هذه الشيطانة، لا تظهر للناس بهيئة واحدة، فهي متلونة متشكلة، ولكن الشيء الوحيد، الذي تثبت عليه هو فأسها..
بحلقت.. قلت: وماذا تفعل بهذه الفأس؟
قال: ترعب الناس.. وأحياناً عندما تكون غاضبة وجائعة فإنها تقتل بها..
ارتعدت فرائصك.. قلت: هل لك أن تصف لي هيئتها كما رأيتها؟
قال.. متلعثماً: هي امرأة، عملاقة، قبيحة الشكل، منخارها ضخم، وذراعاها طويلان، تمتشق في يدها اليمنى فأساً ضخمة، ومرعبة..
قلت: وعندما رأيتها.. ماذا قلت لها.. وماذا قالت لك؟
قال مرتبكاً: لم أقل لها شيئاً، ولم تقل لي شيئاً، رأيتها تهيم وسط القبور، فأختبأت في غرفتي حتى تأكدت أنها زالت. وبعدها، صرت أتبع خطواتها، عثرت على خطوات ضخمة، وهذا دليل أن قدميها كبيرتان.. بعد ذلك لم أنشغل بها كثيراً، عدت إلى غرفتي، ونمت ليلتي أفكر فيها، وكنت أخشى أن تدفع هذا الباب الخشبي، وتهاجمني، لكنها والحمد لله لم تفعل.. وفي الصباح، سمعت أن طفلاً صغيراً قد اختفى من منزل ذويه، وروى الناس، أنه كان يلعب بجوار بيته، في الليل، وأن الناس سمعوا صوت صياح واستغاثة، لكن الطفل ذاب في الظلمة ولم يعثر له على أثر.. ولما ذهب الأهل، يتساءلون، قال لهم أحد المطوعين: إن الصغير اختطفته أم الدويس.. وبالفعل بعد يومين، وجدت جثته ملقاة، عند شاطئ البحر، وقد انتزعت أحشاؤه، القلب والكبد.. يصمت الرجل قليلاً ثم يستطرد: هذه الشيطانة الشريرة، عندما تفتك بالأشخاص، فلا تأكل غير الكبد والقلب..
تقول مندهشاً: ولماذا الكبد والقلب..؟
يقول، في لهجة حزينة: القلب مصدر الحب، وهي شريرة لا تكن إلا الكره للإنسان. والكبد، هي وعاء الدم في جسد الإنسان، وهي مصاصة دماء..
تقول إنك ألفت وجه الرجل، شعرت بأنه فتح لك دفتراً مقفلاً، وأنه منحك قلبه.. لمست في حديثه شيئاً من الود، وأنت في حاجة إلى إنسان يحكي بلا تمنع، ويروي لك الحكاية التي شغلتك من دون تردد..
تقول إنك صرت تفكر بشكل جدي، في أن تستعين به، كمصدر ملهم، يعاونك على بحثك المتعسر...
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
أنت الآن تستعيد دوران الزمن، أنت الآن تقف عند حافة تهوي بك في منعطف يبدو أنه لا عودة من بعده.. الرجل الذي يجلس قبالتك، كأنه الكاهن الذي يلهمك، ويسرد لك الحكاية، ويطور الفكرة في ذهنك.. أنت الآن، وحيد تحت هذا السقف المهترئ، وبجوارك أموات ناموا تحت التراب منذ أزمنة غابرة، العظام التي كانت مكسوة باللحم، المغطى بالجلد، أصبحت الآن جزءاً من التراب الذي تدوسه الأقدام.. الإنسان، يعيش، ويتمنى ويفكر ثم يموت ويصير كعصف مأكول، لا قيمة له، حتى هذا الحارس الذي يسهر الليل على رعاية العظام النخرة، قال لك، إنه يستقر هنا من أجل لقمة العيش، وكانت نظراته تدل على أنه يحتقر كل من يثوون تحت الرمل، والطين.. إذاً الحياة التي يتحدث عنها الناس مجرد وهم، والحقيقة أن الموت هو المخلب الذي ينغرس في الأجساد ويحملها إلى شيء تافه، وتصور لو أن الأجساد التي فنيت لو بقيت على سطح الأرض، فإنها سوف تتعفن، وتفوح منها رائحة عفنة ونتنة، قاتلة.. لكن هذا الوهم الذي نسميه الحياة، هو أيضاً شيء مجسد، شيء مكون من مادة.. هذه المادة، تحركت وانشغلت بأشياء كثيرة في الحياة، ومن ضمنها أم الدويس.. إذاً أم الدويس، التي تبحث عنها قد تكون وهماً، خرافة، خيالاً في عقول الناس، ولكن طالما شغل الناس فهو تجسيد.. تقول إنك نظرت إلى الرجل الكث، تفرست في عينيه الحمراوين، ووجهه الأغبر، قلت له: كم عمر هذه المقبرة؟
نظر إليك بعينين شذرتين، قال: لا أعلم بالضبط، لكنني منذ أن فتحت عيني وهذه الأرض تعج بالقبور، والناس يرتادونها، ويدفنون موتاهم.. ثم سألك.. ولماذا تسأل؟
قلت: مجرد سؤال..
همهم، مبتسماً..
قلت: وأين ذهبت بساتين النخل التي كانت تجاورها..
قال بصوت حزين النخيل.. النخيل ذهبت مع أصحابها..
قلت: وأين ذهب أصحابها..؟
قال: ذهبوا إلى الجحيم..
بهت.. إلى الجحيم.. وأين هذا الجحيم؟
قال متهكماً: لا أعلم مكانه.. لكنه هو الذي سول لهم لكي يجعلوا الأرض يباباً بعدما أهملوا النخل..
تقول: ولماذا أهملوها..؟
يقول: لأنهم أغبياء..
شعرت في لهجته غضباً، عارماً.. قلت: وكيف تحولت المزارع إلى مطاحن للغبار، ومزابل لعوادم السيارات..
طقطق قائلاً في حسرة: قلت لك لأنهم أغبياء..
تستفزك كلمة أغبياء.. تقول: ولماذا لا يزرعون النخل؟
يزم شفتيه، في أسف قائلاً: الأشجار لا تنمو في المكان الذي يتكاثر فيه، فيروس الغباء.. النخلة كائن نبيل، لا تستوي وحال الأنذال..
شعرت ببؤسه، وتشرذمه، جراء كلماته المتذمرة.. قلت: ولماذا لا يزرعونها في مكان آخر، لعلها تنمو، وتتكاثر..؟
قال في سخرية: تعني في البحر.. حتى البحر، تم تلويثه.. وفي أي مكان، ستقترحه، ستجده ملآن بروث الكائنات المتوحشة..
قلت: وماذا بعد؟
قال، يائساً: لا بعد ولا قبل، كل ما في الأمر أن زماننا بالت عليه ثعالب البشر، وصرنا نبحث في الفضلات عن بريق المستقبل، ثم صفق بيديه، مكفهراً، مغضناً حاجبيه، في أسى..
قلت: هذا يأس..
نظر إليك، مبتسماً: عندما يبحث رجل مثلك عن أم الدويس فهذا أس اليأس..
قلت: ولم لا؟
قال: كان الأولى أن تسأل عن النخلة التي ماتت وليس عن أم الدويس..
تنظر إليه.. خيل إليك أنك أمام رجل يستخف حتى في افتراضات ما، كنت تعتقد أنه الأمر الجلل.. قلت: أم الدويس ليس موضوع البحث الذي أقوم به، بل هو الوهم.. الخرافة..
قال: وماذا يفيد البحث في الخرافة..
قلت: لأنها أصل الداء..
قال: لنبحث عن الداء..
قلت: وما هو؟
قال: الناس..
قلت.. وأنت تزفر: أتعتقد من المجدي أن تناقش الناس في أوهامهم؟
قال: بل من الضروري أن نواجه الحقيقة..
قلت: وما الحقيقة؟
قال: الحقيقة أن الانشغال بالخرافة، هو هروب من الواقع..
قلت: ولماذا يهرب الناس من الواقع؟
قال: لأنهم عاجزون عن مواجهته.. لأنهم مشغولون بأشياء أخرى..
قلت: وما هي الأشياء الأخرى؟
قال: الخوف..
قلت: الخوف مم..؟
قال: من ضعفهم..
قلت: ولماذا هم ضعفاء؟
قال: لأنهم جهلة..
قلت: وما سر الجهل؟
قال: لأنهم يرفضون الكشف عن جهلهم، ويصرون على العيش في العتمة..
انقطع الحوار مع رجل المقبرة، وانفجر الحوار الداخلي، نمت أشجارك في الداخل بسرعة، ورشاقة، تفرعت أغصانها، غبت في الغابة العتمة، تماديت في الاستبداد، صرت كائناً متوحشاً.. تساءلت بفجاجة.. الجهل، وكيف يمكن للمرء أن يمارس طبيعته في وسط محيط يغط في سبات الجهل، كيف للمرء أن ينأى بهذه الذات الناتجة عن خضم الحثالات والأوساخ التي تتلبد في أذهان الجهلة.. نظرت إلى الرجل، كان شبه غائب، كان هو أيضاً يستأنف حواره الداخلي، ربما كان يفكر فيك، ويقول في نفسه: من يا ترى هذا البائس الذي اقتحم عزلتي، وأثار الغبار من حولي.. هو أيضاً ربما يكون منزعجاً كونك قلّبت مواجع وأثرت فواجع، وانتزعت سكونه، لتجلجل داخله النيران، وتحرض اللهب، بألسنة حارة وموجعة.. قلت: هذا الرجل يستوطن المقبرة، ويعيش مع الأموات وصرير الأحجار، ونعيق الغربان، وصراع الحشرات الضالة، وكل شيء يحيط به، مدعاة للفزع، والاشمئزاز، والقرف، كل شيء يبات معه هنا على هذه الأرض الوسخة، يمرغ القلب في وحل السأم، والكراهية.. لقد بانت على سيمائه علامات البغض، واتشح وجهه، بالحزن.. لا شك في أنه ليس حزيناً على الأموات الذين اندثروا تحت التراب، فهو اعتاد هذه الجثث وفي كل يوم يرى أكثر من جثة، ويشارك في دفنها وإهالة التراب عليها، هو كالطبيب، لا يجزع من رؤية الدم، والجروح المثخنة، لأنه يمارس هذه العادة المشروعة، مرات ومرات، حتى كادت تصير جزءاً من حياته. لكنه إذاً لماذا يغطس في هذا المستنقع الحزين؟ تفرست في وجهه وكأنك تراه للوهلة الأولى، ولم تمض على لقائك به أكثر من ساعتين.. تمعنته، تفحصته، تأملت رموشه الطارئة والمرتبكة، قلت: هذا الرجل ناقم على الأحياء، لكنك لا تعرف سبب هذه النقمة.. قلت في حيرة: ربما لأنه لم يخالط الناس كثيراً، أو بالأحرى ربما لأنهم لا يقتربون منه إلا ساعة حملهم نعوش موتاهم، ولا كلام عند دفن الموتى، فإذاً هو لا يحتك بالأحياء كثيراً، أو يجد من جانبهم نفوراً تجاهه، وبالتالي فإنه يكرههم.. وتضيف.. إذاً يشعر بأنه كسائر الأموات الذين تحت التراب يزوره الناس ساعة الدفن، ومن ثم يغادرونه بلا رجعة.. وهذا ما يشعره بأنهم بشر بلا مشاعر.. ويشعر بأنه ميت، والميت لا يحب أحداً، الميت نائم أبدي، وغائب إلى أمد بعيد، فلا حاجة له لحب الآخرين.. وكذلك فإن الميت لا يشعر بالجوع، ولا يحتاج إلى مأكل، أو مشرب أو ملبس أو مأوى، لذلك فهو ينفض يده من الحاجة إلى الآخرين. ومادام لا يحتاجهم فهو لا يخافهم.. الحاجة هي التي تجعل الإنسان يخاف الآخرين، يخاف من منعهم لقضاء حاجته، ويخاف من اغتصابهم لما يحتاجه، ويخافهم لأنه يخاف أن يكونوا عقبة كأداء، في أداء حاجة أو طلب غرض.. تصمت.. تتأمله.. تقول، هذا الرجل يبدو كتمثال عاجي، جامد، لا غرض له في الحياة، يقف عند حافة مسننة، كمن ينوي الانتحار والخلاص. الإنسان الذي يفقد شهوة الحياة، يخسر رغبته في التشبث بعلاقاته بالناس، وبالتالي فإنه لا يشعر بوجودهم..
بصوت متحشرج، يقول لك الرجل: أتود أن تشرب شاياً..
أومأت إليه بالإيجاب قائلاً: لو تفضلت..
قال: الشاي الساخن يملح الرأس..
ابتسمت شاكراً..
قلت في نفسك: على الرغم من فتور لهجته، إلا أنك لم تلحظ تململاً في سلوكه، لم يتثاءب، أو يبدِ لك إشارات تدل على أنه يريد أن تفارقه.. لكنه يظل طيلة الوقت صامتاً.. ساهماً، ولا يجيب إلا عن الأسئلة، وبمباشرة، واختصار تام تشعر بالرغبة في انتشال نفسك من موقف كهذا، لكن أسئلتك تتوارد تباعاً بإلحاح، تجد نفسك كمن يحتال على أخرس، ويريد أن يستنطقه، تشرب الشاي، وتستأذنه في إشعال سيجارة، يناولك علبة الكبريت، وتشكره وأنت تشعل قداحتك، حتى يحمر وجهك، إثر اشتعال النار، ومرور اللسان الذهبي بالقرب من أنفك، الذي بدا تحت الوميض كمنقار دقيق..
قلت متسائلاً وأنت تنفخ الدخان الكثيف: يا ترى من سيجلب لي أم الدويس..
يضحك ضحكة مجلجلة ولأول مرة، منذ جلست معه، تسمع صوته، يهدر كالرعد، ويقول ساخراً: رب العالمين..
تقول، في صوت رزين: أنا لا أمزح..
يقول بصوت جاد: وأنا كذلك..
تقول: أنا أعني من بني البشر..
يقول: من بني البشر، لن يستطيع أحد إلا إذا كان ذا نسب مع هذه الشيطانة الشريرة، وإلا فلا..
تقول: كفاك سخرية.. ما أقصده أنني أريد أن أعرف المزيد عنها.
يقول: كلامك يدعو إلى السخرية، ثم يحدق في وجهك.. قائلاً: فكيف تتصور أن يجرؤ إنسان ويقول لك، أنا أستطيع أن أجلبها لك..
تصمت.. وتشعر بفداحة، وسخافة سؤالك، ثم تطرق.. وهل يستطيع أحد أن يأخذ لها صورة، تدلل على وجودها حقاً..
يقول محدقاً في السقف: يبدو أنك تخرف.. قلت لك إن هذه الشيطانة تجعل الكبار قبل الصغار يتبولون على أنفسهم لمجرد سماع اسمها، فكيف يستطيع أي إنسان أن يصورها..؟
قلت: ألهذه الدرجة، هي مرعبة..؟
قال: أتريد أن تجرب؟
قلت: كيف؟
اقضِ في هذا المكان عدة ليال، بمفردك، فلعلك تراها، ومن ثم احكم بنفسك..
تشعر بالرجفة.. يخض قلبك كلامه، لكنك تقول مكابراً: أنا لا أخافها..
يهمهم قائلاً: يبدو أنك تحب المجازفة.. فلتفعل..
قلت: كيف؟
يقول: قلت لك، نم هنا، وبجانب أحد القبور، وسوف ترى..
تتخيل نفسك تنام في العراء، عند أحد القبور، والحشرات تحيط بك من كل جانب، وصرير الأحجار يرن في أذنيك، كأجراس مرعبة، والعتمة تخيم على كاهلك، تتخيل أنك ميت كسائر الذين يقطنون هنا بسلام.. تجحظ عيناك وتشعل سيجارة أخرى، تتفرس في وجه الرجل، الذي غرس ناظريه في وجهك، مبتسماً ابتسامة متهكمة، ثم تقول.. هذا ليس حلاً مجزياً..
يضحك قائلاً: بطبيعة الحال، إنه حل مجنون، ولكن ماذا تريد أن أفعل وأنت تصر على انتزاع إجابات قسرية، ولا تخطر على بال بشر..
تشرد قليلاً.. بدأت في سرد المقارنة بين ما يقوله العلم، وبين ما تسفر عنه عقلية هذا الرجل، ثم تعتدل في جلستك قائلاً: ولكن العلم يرفض مثل هذه المفاهيم.. يعتبرها مجرد خرافات وأوهام مزروعة في رؤوس الناس، فقط..
يفتح عينيه جيداً، ويقول: إذاً فسر لي لماذا يراها الناس..
قلت: الناس لا يرونها، وإنما يرون خوفهم منها..
يمتعض الرجل.. وهل الخوف كائن حي؟
قلت أجل.. إنه كائن حي..
يقول: كيف؟
تقول: العلم يقول، الإنسان كائن ضعيف، المتعلم والجاهل على حد سواء، لكن، الفرق بين الاثنين، أن المتعلم يفسر الظواهر، ضمن أدلة علمية ملموسة، ولذلك فهو يطرد خوفه بفهم الأشياء على علتها علمياً، بينما الجاهل، لأنه لا يعرف عن مدلول الأشياء علمياً، فيلجأ إلى الخرافة، يصور الأشياء كما يتوهمها، حتى يكاد يصبح الوهم يقيناً لديه.. وبالتالي، يتنامى الخوف من وهمه.. الذي صنعه من واقع تخيلاته..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
..تابع
يلبث الرجل، باهتاً، ساهماً، مندهشاً، يتلمظ، ويداه تكادان تقبضان على عنقك، يشعر بأنك تريد أن تقتحم سوره العظيم الذي توارثه، من أسلاف وسلالات التاريخ القديم، وأنت على يقين من أنه لن يسلمك رقبته ويقول لك أفلحت..
يقول لك: ما تقوله موجود في الكتب. أما الواقع فلا.. الواقع ما عرفه الناس، وما عايشوه.. ولا تفكر أبداً أن يصدقك الناس كونك تسرد لهم، حكايات من الكتب وتقول لهم هذا من وحي العلم.. العلم، لن يقف في وجه أم الدويس يوماً، ويقول لها أنت خرافة..
تصطك أسنانك بارتعاشة، غيظ، تشعر بأنك تؤذن في خرابة، تشعر بأنك تصرخ في وسط خلاء موحش، تشعر بأنك تريد أن تصطاد سمكاً في عرض صحراء قاحلة، تشعر بأنك تريد أن تزرع زهراً في أعماق البحر.. ينبجس قلبك.. يتفجر داخلك، يستبد بك حنق فظيع.. يتعالى الصخب في داخلك، وتنكفئ أنت وتغور عيناك في إناء المحجرين، الجامدين، تنهض.. تقول: أتسمح لي بأن أغادر..
حملق الرجل متأسفاً، يقول: لا تجزع يا سيد.. سوف تفكر كثيراً، وتنبش الكتب، وتمخر النظرات، لكنك لن تجد الحقيقة إلا في عيون الناس.. الناس الذين سوف يمقتون ما تقوله، ويعدونه على ما تدعي أنه خرافة.. وثق بأن الخرافة متى ما أصبحت، من زرع الواقع، فهي الحقيقة.. وما عدا ذلك، مجرد زيف لا يجدي..
غادرت مكتظاً بإرهاصات.. لم تكن مقتنعاً بكلام رجل المقبرة، لكنك لم تستطع إثبات العكس.
…
تقول إنك تخاف منها، ولكنك لا تريد أن تبوح بذلك.. تقول إن المرأة، عندما تكون شيطانة وشريرة، تكون مرعبة، وتحوم حولها الأساطير، والحكايات ويكتب عنها التاريخ، ويسرد المؤرخون قصصاً، وحوادث، وأحياناً جرائم.. الشيخ ضاوي تحدث بطلاقة عن بطولات أم الدويس، وفتل شاربيه، وأجزل في التهريج، والتأويل، وامتشق سيف المعرفة وتمطى مسربلاً، بغوغائية ما يجيش في وجدان الناس.. كنت تعرف أن الشيخ ضاوي قد لا يعرف أم الدويس، وقد لا يكون رآها، وهو كذلك، لكنه نقل ما يدور في الذاكرة، وما صورته أحاسيس الآخرين، وما استوطن في لاشعورهم.. كذلك رجل المقبرة، فعندما أومأ بيديه، ولوح، وشوح، وأزبد وأرعد، كان يفضي إليك بأسرار ما أفصحت عنه، مخاوف الآخر.. تقول إنك تخاف لكنك لا تريد أن تبرز خوفك أمام الآخر، تريد أن تبحث وتدرس، وتعرف عن الأسرار الخفية، لامرأة، تعتبر أعظم امرأة وهمية في التاريخ، وعندما يبحث الإنسان في المجهول، فلا بد أن ترتجف يداه، ولا بد أن ترتعد فرائصه، وأن يعيش حياة المطارد، والمشرد، يبحث عن ملاذ في وجدان الآخرين.. ولا تستطيع أن تقول عن هذه الساحرة المفترضة غير أنها اللعنة الجميلة، لأنها فتقت ذاكرة الناس عن قصص اخترعوها بأنفسهم، وأحاطوا حولها الحواشي والهوامش، وداروا من خلفها، وضعوها إلى حيث تستقر النجوم، وتطير الكواكب في الأفلاك النائية..
تقول: إن رجلاً أصيب قبل سنوات بجلطة في المخ، ذهب على أثرها في غيبوبة، لسوء الحظ أن هذا الرجل اعتاد أن يزور بستان النخل، قبل غروب الشمس بساعة، ويعود قبل أذان المغرب، في هذه المرة، شاء حظه أن يتأخر، لأسباب لا يعلمها إلا هو. فيضطر إلى الذهاب إلى النخل بعد أذان المغرب، وقد كان الجو حاراً والرطوبة عالية، وهو يعاني أساساً ارتفاعاً في ضغط الدم.. لم يكد يصل إلى منتصف المسافة في داخل السور المحيط ببستان النخل، إلا ويشعر بصداع حاد، ثم يقع على أثره على الأرض.. ويصادف في تلك اللحظة أن يكون الخادم موجوداً، لم يسعه إلا أن يهرع مذعوراً لما أصاب سيده، اقترب منه، ناداه، صرخ في أذنه، إلا أن الرجل قد فقد الوعي، وذهب في عالم آخر غير عالم أم الدويس، هرول الخادم، واستدعى الأهل والجيران، وحمل الرجل على الأكتاف إلى أن وصلوا به إلى داخل المنزل.. اتفق الجميع بداهة أنه صفع.. من صفعه.. الجن.. الجن وحدهم الذين يجولون تحت جنح الليل.. ما الحل، لا حل غير المطوع، جني بالرجل الأشيب ذي المسبحة الطويلة، اللحية البيضاء، الكثة والشارب المحلوق، إلا من شعيرات خفيفة.. قرأ المعوذتين، وآية الكرسي.. ثم تلا ذلك بسورة يس.. فلا جدوى، فالرجل مسجي على الفراش بلا حراك، وعيناه مفتوحتان، شاخصتان، وشفتاه تتمتمان بصوت مخنوق، أشبه بمن يكون في بئر عميقة، وبعد فترة، فقد الصوت. لبث المطوع يتلو آيات من القرآن الكريم، ويبسمل ويحمدل، ويومئ برأسه يمنة ويسرة، ويضع يده على جبين الرجل، ثم يطلب ماءً فاتراً، يحاول أن يمسح وجه الرجل، ويقرأ الشهادتين، ثم ينهض.. قائلاً بصوت جهور: دعوه تحت رحمة ربه، إن كان له عمر فسوف يشفى، وإلا فهذا قدره. ثم يطرق: واعلموا أن الجن الذي صفعه ليس ذكراً. هو أنثى، وصفعة الأنثى أشد ضراوة وقسوة على الرجل من صفعة الذكر.. يأخذ الرجل نصيبه من الأجرة ويغادر، ويدع الرجل ينسحق تحت وطأة الانفجار الكوني الذي حل برأسه.. لبث الرجل هكذا إلى أن انتزعه أحد أبنائه، وسار به إلى أحد المستشفيات العريقة في البلاد، فقيل له إن والده لا علاج له، لأن الجلطة في المخ أحدثت نزيفاً عالياً، وهي نتيجة لإصابته أساساً بضغط الدم الذي لم يتلقّ عنه علاجاً.. أعيد الرجل إلى مأواه، ومكث لمدة عام، ثم توفي..
تقول: الناس لا يجهلون معنى الضغط.. ولا يجهلون الجلطة.. ويعرفون جيداً مكان المستشفيات، إلا أنهم يصرون على أثر الصفعة.. وتقول: إن الخوف الوهمي من الجنية، وبالذات الأنثى، لا يخلص أحداً من براثنه.. الخوف الوهمي أقوى من العلوم والاختراعات.. يكذب رجل المقبرة عندما وصف الآخرين بالجهل، والدليل على ذلك أنه هو أيضاً يخاف من أم الدويس، بمعنى أنه يختزن جرعة كافية من هذا الوهم، لا يستطيع الخلاص منه..
تقول: ربما تشعر بقليل من الارتياح، كونك توصلت إلى جزء من المعضلة الكبرى، لكنك لن تستطيع أن تتطهر من كل هذا المخزون التاريخي، ذي الامتداد الأسطوري من الأزل.. تقول أنت الآن، لا يهمك أن تخاف أو لا تخاف، كل ما يشغلك أن تبحث في سر هذا الخوف، في المخزون الذي ألف هذه القصة الخارقة.. تريد أن تتوصل إلى مضمون القصة، فحواها، جذورها، ومن صنعها.. أهو رجل أم امرأة.. تريد أن تعرف لماذا قال المطوع: إن الصفعة جاءت من أنثى، لأنها قوية وعصبية، ولماذا تخيل أن صفعة الأنثى أقوى من صفعة الرجل، مع العلم أن الأنثى في التاريخ الأسطوري هي الطرف الأضعف.. فكيف تنقلب الحال هناك لتكون هي الأكثر جبروتاً، وعنفاً؟ أهو الحقد على الأنثى.. أم محاولة لإطالة أمد الاستبداد في حق الأنثى؟ أهو الخوف من تمردها على سيدها الرجل بعد أن طال هذا الاضطهاد الذكوري أو أصبح أمراً غير مبرر؟ ولذلك، ولكي يصدق التبرير حوله، فلا بد أن تحاك القصص المرعبة حول المرأة، والإتيان بصور مغايرة لهيئة المرأة، بوصفها العملاقة، وذات الذراعين العملاقتين..
تقول: إن علم النفس توصل بواسطة التحليل النفسي، إلى أن المرأة تعاني من عقدة الكترا، بمعنى أن المرأة شديدة التعلق بأبيها، على عكس الذكر الذي يكون أكثر تشبثاً بأمه من أبيه، والأمر يعود، كما يفسره علم النفس، إلى أن المرأة كونها تعاني من عقدة النفس الناتجة، من صغر البظر وهو رديف القضيب عند الرجل، يجعلها أكثر تشدداً، وتعلقاً بالرجل والذي هو الأب، لتعوض ما فقدته من جسدها..
إذاً كيف ينقلب الحب إلى عدوانية وشراسة، وانتقام؟ تقول إنك تريد أن تبحث في هذا السر.. وهل هو حقيقة فطرية لدى المرأة، تجعلها، تخلط ما بين الحب والكره، وأحياناً تقلب الحب كرهاً، وفي أحيان أخرى تقلب الكره حباً، ما يجعلها أكثر تقلباً وجدانياً من الرجل.. ولهذا السبب قيل عنها ناقصة عقل كونها تفكر بالعاطفة.. أم هذا وهم، لا يعيشه إلا الرجال، كونهم يريدون أن يحافظوا على المكتسب التاريخي في بسط النفوذ، ولذلك فإنهم يهيلون التراب على كل بريق يخدم مصلحة المرأة، ويلجأون إلى التشويش والتشويه، لتبقى المرأة الكائن الأبدي، الملاحق قضائياً وأخلاقياً من قبل الرجل، ثم صدر ذلك إلى عقل المرأة، إلى ذاكرتها، حيث أصبحت مقتنعة بشبح أم الدويس، بل إن المرأة تقوم في كثير من الأحيان بدور الراوي، الذي يختلق القصص حول أم الدويس وتاريخها الدموي، كما تحتفظ به ذاكرة الناس، تقول إنك، قد لا تجد الدليل على سبب الفكرة وانتشارها، لكنك تجد من الواجب أن تعتني بقصة تاريخية عريقة، شكلت وجدان الناس على مدى قرون، ولم تزل تمارس بطشاً وغطرسة على عقول الأجيال المعاصرة..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول: ما جدوى البحث في قصة تافهة، وكيان وهمي، غير مرئي، مخلوق ماورائي، صنعه كائن أهوج مريض، أراد من خلاله، أن يصنع تمثالاً في التاريخ ليحدد نسل المشاعر، إن كانت ذكرية أم أنثوية؟ ثم تردف: هذا صحيح، وكأني هنا أحاول أن أضع السؤال بين غواية المرأة وشهوة الرجل، ولا أعتقد من الإنصاف أن نسأل عن من المسؤول في مثل هذه الحالات، لأنها قوى داخلية أعظم بكثير من أسئلتنا التي تبدو ساذجة وعقيمة في ما لو تعاظم تكرارها..
تقول: ما جدوى ذلك، ولكن، الحقيقة، التي تستحق البحث، هي هذا الوجدان، الإنساني العظيم، هذا المخزن الهائل والمذهل لمكونات الحياة البشرية، وما يختلجها من عواصف تغيرات وزلازل، خوفاً من هذه التغيرات..
تصمت قليلاً ثم تقول: جذر المسألة من أين جاء.. كيف صنع الإنسان خوفه، من أم الدويس؟ وكيف شكلها وصاغ حيلها، ووضع المنجل في يدها، ثم اختفى هارباً من بطشها؟
تقول: ما الغرابة في ذلك؟.. ألم يصنع الإنسان صنمه، وبيديه، ثم صار يتعبد عن قدميه خاشعاً، متصدعاً، متورعاً، طالباً الشفاعة والمغفرة، من حجر صلد، لا حراك فيه، كيف كان يحصل هذا من إنسان يمتلك القدرة على التصوير والإبداع، في خلق القصة، ونسج خيوط المعرفة، بالتاريخ والكون.. الإنسان تخيل الكواكب، النجوم، والأجرام السماوية قبل مجيء المجسات الفضائية، والمكبرات والكاميرات.. إذاً فهذا الإنسان لديه من الحدس الداخلي والقوة الفعلية في صياغة العقل، ما لا يمكن الاستهانة به.
تقول إنك فعلاً تشعر بالذهول، وكلما تعمقت في القضية، ازدادت تعقيداً، وكلما تبينت بصيصاً، غرقت في عتمة البحث.. لكنك مع كل ذلك، تشعر برغبة جامحة في الولوج في عقر دار هذه القصة، ولا بد أن تصل إلى لغة مشتركة بينك وبين الواقع الذي تعيشه.. لا تريد أن تصير مثل أبي سيف، يمقت الوصول إلى الناس، لكنه لا يتخلى عن شغفه بالنساء، وهنا جزء من عالم الناس، أبو سيف يتحدث كثيراً عن القيم البالية، ثم يمارس بعضها أو كلها خفية.. أبو سيف لا يستطيع التخلص من مخزون اجتماعي عريق، تأسس منذ قرون، لكنه يقول إن هذا الإرث بائس وعقيم..
تقول: لقد اشتقت إلى هذا الصديق، البائس، تروعني تصرفاته البوهيمية، لكن يبقى مع كل ذلك شخصاً لطيفاً ويمكن أن يحبه الإنسان بسهولة.. لذلك فإن النساء يحببنه وينجذبن نحوه، كالذباب المنهمر على قطعة سكر.. لكن أبا سيف ليس ذلك الشخص البارع في وسامته، على الرغم من أنه ليس قبيحاً.. لكن لغته، لسانه يبدو أنه من سلالة غير سلالة البشر. تقول إن أبا سيف يستطيع أن يقلب الأبيض إلى أسود، من دون أن يبذل جهداً عصياً، ويستطيع أن يتحول من فاسق، متأصل في النزق، إلى شيخ وواعظ، تستسيغ لسماعة الأذن.. على العموم، هذه ليست سمة سيئة، ربما هي تضايقك وتثير لديك نزعة الغضب في أوقات معينة، لكنك أحياناً تشعر بأنك في حاجة إلى هذا الصديق.. ربما كنت تغضب منه لأنك عاجز عن فعل ما يقوم به، كالإحساس بالعجز، يجعلك تناهض العقل، وتغضب على صاحبه، بحجة واهية، قد لا تقنعك أنت فكيف بغيرك؟
تقول: لن تنسى آخر لقاء، كان شخصاً آخر، كان وجهه أشبه بخرقة مبلولة بالماء، لشدة ما تصبب منه العرق، وهو يحلف بعمره أنه يشعر بالذنب حيال ماضيه.. واعتبر أن الفتاة الأذربيجانية، الغانية، هي سر الانقلاب الجذري في حياته، يدين لها بكل هذا التغيير.. كان يعتبرها الإلهام الذي نزل عليه من السماء، ليطيح بكل مآثره السوداوية، وعديمة المعنى.. تقول.. إنه قال لك، ومع ذلك، فإنه ضاجع فتاته، ليلة كاملة..
…
تنهض باكراً، تنوي زيارة الصديق، في هذا الصباح، الرطوبة عالية جداً، والضباب يزحف على الأمكنة كجحافل متوحشة، يملأ فمك بالدخان كأنه سجائر قديمة ضربت بالشمس، فأصبحت حارقة تكوي سقف الحلق.. تطوي الطريق طياً. مشياً على الأقدام، ولا تفكر في استقلال سيارة أجرة، تريد أن تملأ صدرك بالدخان السماوي، المهيب، تريد أن يتهاوى قفصك الصدري أمام جدار كثيف من الضباب القادم من علو شاهق، والمتسلق درج الفضاء، كسلاحف بغيضة حانقة.. الشارع مزدحم بالناس، والسيارات، والأشجار التي اقتلعتها الجرافات السخيفة، بحجة أنها تأوي الحشرات الضارة، وأنت تنظر إلى العراء، تشعر بأن كائناً متوحشاً حل على الأرض، ليخلع ثيابها الخضراء، ويصبغ حياتها بلون رمادي قميء.. بعض المباني الشاهقة انتصبت بعجرفة، مدت لساناً ساخراً، ولونت الفضاء بسخرية بائسة.. تمضي لعلك تصل إلي طرف، وادع، لكن الطرق ضجت بأصوات مزمجرة، هادرة، تشعر كأنك تقترب من جهنم، حيث الحر القائظ، يتساقط حمماً بركانية، ولا تستطيع أن تميز بين طرف الشارع والحواف الرملية المحاذية، كالأسفلت ذاب تحت سياط العابرات، الساخطة، والرمل زحف بشهوة عارمة، ليغتال الفاصل الأسمنتي الأقدم من عمر الإنسان، والأبهت من التاريخ والقصص الخيالية، تقتعد تلة خفيضة، ثم تنزلق على جرفها المتهاوى، التلة هي ركام رملي مخلوط بأحجار، وقطع أسمنتية، يبدو أنها بقايا مبنى قديم، شيد مكانه صرح جديد، ولا يبدو شيء جديد في هذه البلاد، فالأشياء تتشابه، كما هي وجوه الناس، التي كحلت بالغبار، والتعب، والحزن البيولوجي، المنبعث من باطن الأرض، كما تنبعث الحمم البركانية، حينما يحبل باطن الأرض، بصراع الصخور في أجوافها الغائرة..
تلفظ أنفاساً ساخنة، تنظر إلى المسافة التي تبعدك عن مأوى الصديق.. بضعة كيلومترات، لكنها أشقى من تسلقك مدارج السماء.. تتوقف، تنتظر سيارة، تعبر بنفسك الطريق.. سيارات الأجرة هنا نادرة في الشارع العام، والتي تمر من حولك تكون مسرعة، بدرجة أن أصحابها لا يرون الواقف على الرصيف.. يسوقك الحظ، أن تمنى بسائق شهم، يتوقف، ويفتح الباب، يقول لك: تفضل يا سيد الجو حار، ولا يمكنك انتظار سيارة أجرة.. تبهت.. تستغرب كيف حصل هذا، فليس من العادة أن يتوقف سائق خصوصاً لرجل لا يعرفه.. السيارات في أغلب الأحيان، تسير مغلقة الأبواب والنوافذ، ولا ترى أصحابها إلا من خلال زجاج ملون بالأسود، بل ترى شبحاً، لا تعرف إن كان رجلاً أم امرأة.. الأصدقاء والأقارب كذلك لا يتوقفون، بل يومئون بالأيدي، وأحياناً يكتفون بزعقة خفيفة من بوق السيارة، ثم يدلفون ويختفون إلى الأبد.. أشياء كثيرة هنا تختفي إلى الأبد ولا تعود، لأنها تتوه في الزحام، تغيب في الخضم من الصخب والضجيج..
جلست صامتاً، كتلميذ مؤدب، وكان يزم شفتيه على عقب سيجارة، وينقر أصبعه على مقود السيارة، وعيناه تشخصان في الأمام.. مضت برهة ثم التفت ناحيتك قائلاً: الجو يفور بنيران جهنم.. كان يريد أن يستنطقك.. التفت نحوه.. قلت: كان الله في عون المساكين..
قال من هم..؟
أشرت بيدك إلى مجموعة من العمال المنكبين في حفر الأرض، لإعدادها في وضع أنابيب الماء..
قال: صدقت..
قلت: لا أدري، كيف سيكون حالنا لولا هؤلاء..
قال: في تحدٍّ.. سنكون نحن الذين نحفر الأرض..
قلت: وهل سنتخلى عن حياتنا هذه..
قال: الحاجة وليدة الاختراع..
قلت: لكننا نسينا الاختراع منذ زمن..
قال: لا بأس.. لكن آباءنا فعلوا ذلك، وأكثر من ذلك..
تفحصت وجهه.. استدرت نحوه، ونظرت إلى السيارة الباذخة.. وقلت آباؤنا لم يركبوا هذه السيارات، بل سكنوا العريش والخيمة، وساروا على أقدامهم، قاطعين المسافات الطويلة..
يبتسم قائلاً: قلت الحاجة.. والإنسان ابن بيئته.. الظروف هي التي تخلق طبائع الإنسان وليس هو..
تقلب ناظريك في وجهه، الباسم، تحرجه.. تقول: صدقت.. وتصمت..
يقول بصوت هامس: أين وجهتك..
تقول: قبل دوار المطار..
يقول: ألديك مزرعة..
تزم شفتيك.. لا: بل ذاهب لزيارة صديق..
يقول: لديه مزرعة..
تقول: أجل.
يقول: مزرعة خاصة، أم تجارية..
احترت.. قلت: لا أدري، بل كل ما أعرفه، أنه مستقر فيها..
يضحك: صديقك رجل، صاحب مزاج..
رفعت حاجبيك.. قلت كيف؟
قال: الذين يستقرون في المزارع، أناس مجوا حياة المدن، واختاروا راحة البال.. ثم يستطرد: تعرف أنا أحب الحياة الريفية، أحب العيش في الأماكن البعيدة عن صخب السيارات والزحام..
تدخلت.. ولماذا لا تشتري لك مزرعة، لتعيش سعيداً..
يغضن حاجبيه منبجساً.. يقول بلهجة غامضة: تعرف أن المزارع تحتاج إلى عناية وتكاليف، رعايتها مكلفة وأنا لا أملك المال الكافي..
عند النقطة المراد الوصول إليها.. أشرت إليه بالتوقف.. رميته بابتسامة عريضة، شكرته.. قلت: وسع الله من رزقك، وأعلى من قدرك..
رمش بعينيه، قائلاً: ربنا يسمع منك. يبدو أنك رجل طيب..
استنفر محرك سيارته، ولبثت ناصباً عينيك في اتجاه دخان السيارة، الذي اختلط بالضباب، إلى أن اختفت السيارة خلف الحجب الضبابية..
في الطريق الذي يأخذك إلى مزرعة الصديق، وهي على مسافة قريبة.. استيقظت في داخلك أحلاماً، وأنت تقفز برشاقة من فوق الأحجار متناثرة كالعصفور، تقفز لاهثاً، انتابك شعور بالكبرياء، تداولت كلمات الرجل الذي حملك إلى هنا في سيارته الفارهة. فقد قال، في سقم إنه لا يملك المال الذي يجلب به مزرعة توفر له راحة البال.. وعندما نظرت إلى هيئة الرجل، كنت متأكداً أنه ليس معدماً، واقتناؤه لسيارة بهذا الحجم، وهذه الرفاهية، يعني أنه رجل على أقل تقدير مكتفٍ.. لكن، نفسه كانت أفقر بكثير من جيبه.. وتخيلت الرجال المنكبين في داخل الحفر العميقة، المتشظين باللهيب، وهم يضحكون، ويمرحون، ويتمازحون محملين بعواطف عفوية، ومشاعر تخلصت من عبث اللهاث، تخيلت هؤلاء وشعرت بأنهم أبطال حقيقيون وبواسل، يذكرونك بالأسلاف، الذين صنعوا التاريخ، وتركوا صفحاته مفتوحة للذين سيأتون من بعدهم، لكن للأسف، الذين جاؤوا لم يقرأوا جيداً.. لقد قال الرجل عن صديقك وهو يأتي بذكر المزرعة، كمن بترت شهوته قبل بلوغ الذروة، رجل، تلمظ ولعق ريقه، وهو يتحدث عن مزاج الصديق.. لكن الصديق الذي امتدحه الرجل، بل وحسده على نعيمه، لم يزل بائساً.. صديقك، لا يشعر بقيمة الرخاء الذي تضفيه المزرعة، كما فكر الرجل.. قلت: وماذا سيقول العمال عن سيارته، هل سيقولون إنه رجل صاحب مزاج رفيع، كونه اختار هذا الصنف من السيارات الفارهة، التي تضفي على أصحابها برزخ الفخامة والعظمة..
يتبع ..