-
8 - 12 - 2012, 12:01 AM
#1
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
جديد
رواية/ أم الدويس
للأديب الإماراتي/ علي أبوالريش
في تلك اللحظة المباغتة، لحظة اغتيال الحلم، كنت واعياً جداً لما يجري في جسدي كما كانت الأرض التي استبيحت، والنخلة التي فاجأها العدوان، فأسقطت الثمار على الأرض المرتجفة احتجاجاً.. كنت في الرابعة عشرة من عمري، عندما اقشعر بدني، وارتعدت الفرائص رعباً، في تلك اللحظة تحديت نفسي وكتمت أنفاسي وأذعنت لما يجري، لأنه ما كان في استطاعتي غير مقاومة الجفول، والقبول بالأمر الواقع.. كنت يافعاً، ومعالم جسدي في موعد مع الأزهار، وكان الجندي يقف قبالتي مشدوداً نحوي برغبة عارمة، لمحت في عينيه بريقاً، قديماً، يتسلل من بين جفنيه كأنه ألسنة ضوئية قادمة من سماوات علا، أو من تواريخ قديمة قدم الضغينة التي كان يحفظها ضدي وضد سواي، لهذا اليوم.. ولما أزبد فمه كما يرغو اللعاب، في خطم الحمير المتوحشة، وانكب على جسدي، متفلق فـيّ، وأنا أشبه بالكائن المحاصر في زاوية أضيق من ثقب الإبرة، مستسلماً، متهاوناً، قابعاً تحت جسده كأرنب مذعور.. كان ينهق ويشهق وأنا أتأوه، وداخلي يزعق، وأسمع صراخي الداخلي كمن يستنجد من داخل بئر عميقة.. فما انفك عني الألم، قض قضيضه، فانتفض متعالياً، شامخاً، ولم أصحُ إلا على صفعة أدارت رأسي، بعد أن مادت الأرض من تحت قدمي.. وغد متوحش، قال لي بلهجة حانقة، انهض أيها الكلب العربي.. ستذهب إلى مأواك هناك في الضفة الغربية من الخليج.. حدقت في وجهه ساهماً، وقد شردت أفكاره، وغابت العبرة، ولم أكن أفقه شيئاً مما يعنيه إلا لما استأنف حديثه قائلاً: هذه الجزيرة ليست لكم أيها الأوغاد، أنتم دخلاء فارحلوا، أيقنت بعدها أن الأمر لا يتعلق فحسب بما فعله بجسدي، وإنما هناك ضحية سيتم اغتصابها، وما النهيق الذي بثه في وجهي إلا نذير جرم أكبر.. فكرت في البدء في منزل قروي وأخذت الصغار وأمي ووالدي.. والنخلة التي كانت تمارس فعل الوجود والقدسية التي كانت تنالها من جهة أبي.. كل هذه المكونات سوف تؤول إلى إناس آخرين، كما آل جسدي ظلماً إلى هذا الجندي الوغد.. نفضت إزاري الملتاث بالرمل الرطب، وهو الرداء الوحيد الذي حوى نصف جسدي السفلي، وجلست أسترد أنفاسي بعد أن غاب الوحش، نظرت إلى البحر، كان أزرق صافياً، وكان يعالج حبه مع ساحل الجزيرة، بكل أناة وتؤدة، بينما رست مراكب الصيد الصغيرة وادعة تحلم بيوم جديد يلي الأيام الفائتة، لتسمع نهيم الصيادين وهم يرتلون الأغاني، مناجين أسماءهم، بوعود اللقاءات الحميمة.. توجهت قرب الشاطئ، فإذا به يتبعني.. الوحش الضاري، يخب خلفي، بخوذته العسكرية، والقميص الكاكي المتهدل وسرواله المبعثر بين ساقيه.. شعرت بأن بؤساً لم تبدأ بدايته بعد، وأن ما حصل مجرد خطوة في اتجاه الكارثة.. توقفت، وسياط من الخوف من المجهول تجلد بدني وتنتزع من عمري زهرات الفرح، بيفوع، تستدعيه تفاصيل الجسد النابتة كبراعم لوز..
قال بلهجة ساخرة، ماذا تفعل هنا، اذهب يا صغيري إلى أمك، كي تلملم ثيابها وتنصرف من هنا.. نظرت إليه، والغيظ يحكم قبضته في حلقي فلم أستطع أن أنبس ببنت شفة، لكنه فهم أن عينيّ كانتا تتحدثان عن استهزاء بكلامه.
لطمني على وجهي، فتحطمت متناثراً على التراب، غرست شفتاي في الرمل المبلل بالماء المالح.. تفانيت من أجل النهوض، فتبع اللطمة بأخرى أشد فتكاً، فانكسرت مبعثراً على الرمل مرة أخرى، تجاسرت، وقفت، ثانية، قال بلهجة شبه باردة، ألم أقل لك غر من هناك، لماذا تصر على إغاظتي، ألا تعرف أنني جندي، من سلالة النبلاء؟ أما أنت وأشباهك فليسوا إلا جرذان، سوف نكتسحكم بالقوة إن لم تأتوا بالمعروف..
قلت في نفسي، يا صبي، لا تكابر، فما شأنك وهذا الخنزير، سوف تنال ما هو أشد وأفظع مضاضة لو أنك أصررت على العصيان، شعرت بالخزى وأنا أجرجر أذيال هزيمتي أمام هذا القذر، ولكن لا محالة، مادام تسلح هو بالحقد، وتأبطت أنا رذيلته التي قذفها في جسدي، من دون أن ترتجف له شعرة، في بدنه، تقهقرت في اتجاه المستحيل، ساورني ظن أن ما يجري مجرد عقاب كون الجزيرة المقدسة بقيت ردحاً من الزمن في طي النسيان، والمنتمون يغطون في سبات عميق.. سرت مضعضعاً أجمع خطواتي المتثاقلة على الرمل، وأنظر إلى البحر بعينين دامعتين، ثم ألتفت ناحية الوغد وألعنه في سري، توحدت مع السر الذي أردت أن أدفنه في داخلي، كي لا تنصاع أصوات الضمير، وتمقتني إلى الأبد.. وكان الأبد سر يقظتي التي تطورت نسلاً أممياً، تكاثرت ذراته ذرة ذرة، وتفرعت أنا يافعاً، صنعت بخيوط ضوئية، تناسقت من شمعة الشمس، حتى سمك عودها فصارت أغصاناً، توزعت ظلالها على الأرض التي سوف تصبح بعد اليوم رقعة جغرافية غريبة عن الأهل..
سمعته عندما قال لي، وهو يشهق، سوف أجز عنقك لو تفوهت بكلمة، اصمت واكمم فمك بهذا الرمل، وأحسست بالاختناق، وهو يضع راحته الغليظة على فمي، ويضغط على جسدي بعنف، كأنه يريد اغتيالي بعد اغتصابي، وبعد أن فرغ من مهمته الدنيئة رفسني، كما ترفس الشاه، ثم دفعني بعنف لافظاً أنفاسه، التي كانت تتسرب إلى فتحتي أنفي، كأنها الطائر المسموم.. هذا الجسد الأشبه بالجيفة يرتكب معصيته ويمضي وتبقى الرصاصة القاتلة في أحشائي، تتورم، وتكبر حلقاتها، حتى أصبحت كورم خبيث.. لعنت الظلم ولكن لا جدوي من اللعنات في وجه القوة، بل هو أشبه بالصرخة في فراغ يتسع الجهات الأربع.. ولم يسعني إلا أن أغادر المكان، إلى حيث يستقر المنزل الطيني الذي بناه والدي، بالتعاون مع أقربائه ليستر عورة أهل بيته، وهذه هي العورة تنكشف، ويهتك عرضها، ويذهب الجاني متمرغاً، متباهياً بالدناءة والوحشية، والجبروت الذي يولد من القوة الغاشمة.. لم يكن في وسعي أن أكشف السر، فما جدوى أن أفصح عن سر لا يستطيع كائن من كان أن يحل عقدته، بقيت وحدي أتجرع مرارة الطفل، وأستعيد حلقات الكابوس، وأقاوم انكساري بشيء من الصبر الذي لا يشفي، لكنه يؤجل شيئاً ما، من الإحساس بالموت النهائي..
بعد زمن عانيت الغضب الذي انتهك، تمعنت في خصاله وتفاصيله فلم يزل صامداً، يكابد معاناته، لكن ثقباً ما وصمه في الداخل رسمت وشماً أو سوراً غائراً محتدماً، يسورني بأسلاك شائكة أحاول أن أقفز على مرحلة ما سوداوية، بيد أنها تزمجر في وجهي مكفهرة، متعاظمة فأنيخ كالبعير المنهك، أخنع ضربات الداخل المدوية، وأنحني، وبين الفينة والأخرى أحاول أن أكسر حاجز الصوت الداخلي، إلا أنه يصر على أن يخدعني، ويقودني من معصمي إلى حيث ارتكبت المعصية الكونية، فأضطر منتكساً، ذاوياً، متهاوياً، متهالكاً، أجوس في هذا البحر المتلاطم بين أشياء سيئاته وخذلانه، أصر على أنني كائن بشري يستحق أن يتقاسم العيش والهم مع المنتمين، إلا أنهم يقررون، مرتجفين من كلمة أرض.. الأرض أصبحت الآن مجرد ذاكرة مثقوبة، كإناء صدئ، تراكمت في أحشائه الطفيليات والغبار.. ولكني أنا المعذورة، عن ماذا أسأل، الآن عن جسدي الملوث أم عن الأرض التي غابت عنها الشمس، وباتت شبه جغرافيا غشيتها تضاريس مدلهمة أقرب إلى لون العباءات السوداء الجنائزية. قلت في نفسي من يحق له أن يلطم صدره أنا أم هم؟ من يحق له أن ينعى الجرح، والأوصال التي قطعت أنا أم هم؟.. تناهى إلى سمعي أن أناساً صرخوا في يوم من الأيام قائلين لا للاحتلال، لكنهم بعد ذلك صمتوا صمت القبور، إذا كان صراخهم أشبه بصرخة الحمار عندما يتعب، ينفث من مؤخرته ريحاً نتنة احتجاجاً على الظلم ثم يرخي خطمه مستجيباً للأمر الواقع..
في رحلة الشتات توارت أحلام، ونشأت أحلام، صرت أشبه كمن صحا من حلم، ونشأ يرتب مشاعره المبعثرة، ولم تزل اللطمة تدوي في الذاكرة، وأنا هنا حيث تمضي الأيام على الأرض اليباب، أشعر بأن ما كان لم يعد، والأرض التي اختطفت لن تعود، وكذلك ما عاش في الذاكرة سيظل مجرد شرارات حارقة تذروها حركة الحجر المتقد في الأعماق، وقد أكون أنا أقل وعياً بالتراب الذي يتسلل من بين الأصابع، ولكن أبي، هذا الكهل المغموس في طين وعجين الأرض، فمارس الذاكرة ضد غليلها وعويلها إلى درجة أنه لم يقوَ على مقارعة الممكن الملتهب، فوقع فريسة المرض، وأطاحت به العلل، حتى انتزعه الموت من الأرض التي لم يشعر يوماً بأنها تتحمل همومه، وإحساسه بالضيق.. فذهب المسكين وحيداً، ذهب بعيداً، وبقيت وحدي، فكان الفراق الأليم الثاني بعد فراق أمه التي وافاها الأجل، وهي لم تزل على الأرض المقدسة، وقد تكون الأكثر حظاً مني ومن أبي كونها دفنت تحت تراب تلك الأرض، وقبل أن تشهد لوعة الحرمان، والشتات الرهيب.. الوحدة والعجز يكسر العظم والإحساس بوجود اللاشيء أمر مزرٍ، ومخيب للآمال، والوقوع وسط محيط استبيحت هويته، وصار أشبه بالكائن الملوث، قدر لا يحتمل الصبر مهما بلغ الإنسان من قوة جلد، الأمر الذي جعلني أشعر بأن القيامة بدأت منذ ذلك الوقت، وقت الاحتلال البغيض، وعلى الرغم من أنني حاولت أن أتسرب من بين نسيج الوطن البدين، وأتهرب من الثوابت لعل وعسى، تنصرف الأمور إلى فرج.. لكن ما كان يحيق بي وأنا أعيش وأعاشر، وأجتمع مع بشر، أشعرني بأنه لا مجال للندية، بل لا وقت لتصديق الوعود، فكل ما يتم ترتيبه كان يسرق الوقت ويهرب بالعمر إلى مساحات سوداوية لعينة، تقض المضجع ولا ترجع ما تمت سرقته.. في البر الغربي، تبدو الحياة مختلفة ومناهضة لكل ما يجيش في القلب، عندما أثير قضية الاحتلال، أواجه بالضغوط، وأنصح بالنسيان، وأنا قدماي مازالتا مبللتين بماء الجزيرة، ولم تزل عين أمي مرسومة في صدري، عندما شخصت البصر تطالعني، وإصبعها يشير إلى النخلة قائلة بكلمات غامضة، لا تهمل النخلة، اسقها بيديك.. وهنا وأنا أرفع يديّ أجدهما فارغتين بلا ماء، فأنتكس، وأغضن حاجبي، تحاصرني الحسرة والأسى.. أيقنت أنني لن أعود، فكل المعطيات تشير إلى عدم العودة، فالاحتلال رسخ جذوره، وكرس جهوده من أجل طمس هوية ذلك المكان، معتمداً على قوته العسكرية الباطشة وأنا ليس بحوزتي غير الأمل، المبتور والأمنيات المهضومة..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:02 AM
#2
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
على الأرض الجديدة تشرئب أعناق الرجال عندما تأتي سيرة الاحتلال، بل والبعض يعتبر ذلك ضرباً من الخيال، بأن يعود ما نهب، أنا وحدي أظن، وبعض الظن يبدو في منظومة المجتمع الجديد، إنما يجرم عليه قانون الغاب.. قال لي الجندي البغيض وهو يمارس رغبته المجنونة اذهب أيها الغريب، وهنا تنظر العيون إليّ بشيء من الريبة والتوجس، وأحياناً أصفع بألفاظ يندى لها الجبين، ما يشعرني بأنني جئت من عالم فضائي، بعيد لا يحق لي أن أستمر في الحياة على الأرض.. فالأرض ابتلعت كل المبادئ وتخلت عن ثوابتها الطبيعية، وتناهت إلى اختصار العنصر البشري، كونه مجموعة من خلايا النمل، تعمل ليل نهار من أجل كسب العيش، ولما تنتهي من صناعة غذائها تعود لتهدم البيت الذي بنته، لتمضي إلى حياة أخرى، هكذا لا ثبات ولا قوامة للعقل.. آه.. العقل.. ما هذا العقل؟ بدأت أفكر في عقلي، إنه التكوين المجرد، المكون من ذكريات وأحلام، وآلام، ومبادئ، قد لا تساوي شيئاً حيال هذا الزخم البشري المتعارك من أجل البقاء حياً.. فقط يعيش لأجل أن يعيش. توسلت إلى الله أن يهبني عقلاً مثل عقولهم، وأن يمنحني إرادة متفانية من أجل النسيان مثل إرادتهم، وكأني أطلب المستحيل، وجدت نفسي أهيم في عراء وسخ، مسحوق تحت رحى لا مبالية تطحن الوجود بقسوة لا مبرر لها غير تعاسة الذين أرادوا أن يكونوا هكذا، بلا معنى.. المعنى الذي أريده هو القوة التي تسترد الحق بأي ثمن.. والأثمان تبدو باهظة ومستحيلة لدى الذين أجبرتهم ضمائرهم الخربة على تجاوز حدود المنطقة..
سألني ضميري ذات يوم، وفي لحظة يأس، ما سلب ليس إلا قطعة أرض لا تساوي كل هذا الاحتقان، وبديلها تضاريس واسعة، تجمع الشرق بالغرب، فلماذا يا سيد تبالغ في الحرقة.. اجمع شتاتك، وانهل من الحياة لذيذها، وعش يومك، كما تعيش هذه الجموع.. فكرت، شعرت بوخزة صارمة، تسحق روحي، أحسست بأن المسألة لا تتعلق بتراب يقع في وسط بحر هائل، إنما المسألة هي الجذور، فلماذا تموت الشجرة التي تنقل من تربة إلى أخرى، رغم توافر كل مستلزمات الحياة لها، عندها، الأرض التي اقتلعت منها.. فكرت في الجذور ملياً، فكرت في التسرب الحقيقي للشرايين التي تغلغلت، واكتست شيمة الأرض، وبعد الفراق، تبدو الغربة موحشة، ومضنية.. لعنت الاحتلال، وبصقت في الوجوه الشاحبة، ومقت الرؤوس، التي لم ترتفع لترى ما أبيد من جذور.. تطورت بعد ذلك نسلاً غريباً، وضعت صورة أمي في صدري، قبلتها، قلت في بؤس، سامحيني لم أستطع أن أرى النخلة لأنها بعيدة، والمكان أصبح محظوراً، والجهابذة هنا يصرخون ويغرقون الفضاء بشعارات خاوية من المضمون، والمستقبل لا يبدو على ما يرام، كون الحاضر مدلهماً بغيوم العجز غارقاً بأمطاره الحمضية..
المدينة القديمة، لم تزل حالمة، تعانق الماء الأزرق، وترقب أسماكه منذ القدم، تتغير الأشياء من حولها، وتتبدل، وهي معتكفة كراهبة هجرت اللذة، واعتنقت صبرها الأزلي، ومنذ أن قرر الإنسان هنا أن يحطب في الفراغ، ويختزل العمر، في الشهقات والنظرة اللامبالية، وهي تحشد أزقتها الضيقة بالغبار، وتتوازى مع عصورها البائدة بلا تأفف.. استقللت التاكسي البحري، جلست على المقعد الخشبي المفروش ببساط بلاستيكي أخضر باهت خدشت حياء لونه الداكن أشعة الشمس اللاهبة، والتي لم توفر جهداً في سوط صاحب القارب، فعذابات الحر، وملوحة العرق، ووساخة دخان الديزل المنبعث من فوهة الماكينة التي تكح وتصدر سعالاً أشبه بسعال كهل مسلول.. مضى القارب، يسبح على صفحة الماء الهادئ، ومكثت أنا مدلياً ساقيّ عبر المقعد المنضوي على ظهر الماكينة، والهواء الساخن الرطب يلطخ وجهي، وشظايا النيران المنبعثة من أحشاء الماكينة تلهب مؤخرتي، وعبر رجل آسيوي ذي سحنة سمراء، نحيف، أجرد، يرتدي قميصاً بنصف كم، وسروالاً رمادياً، منجرفاً عند ظهر القدم ومن خرخرة صدره، وأنفاسه المتقطعة بأنه مدخن شرس، لاسيما أنه لم يتوقف أبداً عن زم عقب السيجارة بنهم.. حاولت أن أدير وجهي لأبعد نفخاته عن أنفي، استدرت جانباً، بينما لبث هو في لعق الدخان بشراهة المدمنين.. الرجل الواقف عند مؤخرة القارب، بدأ يلم أجرة التوصيلة، معترضاً الآخرين بابتسامة جامدة، وهو يلهث من سطوة الحر.. وبأناة وتؤدة ارتطم القارب بجرف المرسى، نهضت، كما انتفض الآخرون، مكللين مهللين، بفرحة الوصول، وكان القارب الذي أقلنا جاء من أعالي البحار، بطبيعة الحال لم أجد غضاضة في أن أتسلل من بين الحشد، وأسير الهوينى لا ألوي على شيء. فعندما قررت القدوم إلى هنا لم يكن في ذهني أي هدف، كسائر الذين يحملون أوزارهم في صدورهم ويغادرون أمكنتهم إلى أماكن أخرى، هبطت على اللسان الأسفلتي الرمادي، وغبت وسط الزحام، ومضيت حتى آخر الجادة المؤدية إلى أزقة متفرقة ومتشعبة، قابلت الواجهة التي أبغضها.. البنك البريطاني، هنا عند الزاوية في مقابلة الشارع الرئيسي، ينتصب هذا الصرح التجاري العتيد، وأذكر أن يد الاحتلال، حيث سارت المظاهرة الحاشدة، ورشق بعض المأزومين مبنى البنك بالحجارة، فهشمت نوافذه وواجهاته الزجاجية، حتى تدخلت الشرطة، وفرقت الجموع الغاضبة جراء الاعتقاد أن لبريطانيا يداً طولى في تسليم جزء من تراب الوطن لقوات الاحتلال الإيرانية.. نظرت إلى المبنى، بصقت، ثم تابعت طريقي في نفس الشارع العام.. عند ركن قريب توقفت، ثم توغلت في زقاق ضيق، شممت رائحة الخشب المعتق، والطين الجلد، هنا تصطف دكاكين الباعة القدماء، رجال من زمن تاريخي عتيد، إنهم أشبه بأعمدة السقوف الخشبية، شاهدت ملامحهم، ولم تتغير رغبتهم في إثبات الوجود، تحدوا الزمن وتصرفاته الحمقى، وتزخرفوا بالصبر، وأبواب المحلات الخشبية بالدرابزينات الحديدية والأقفال المعلقة في ثقوب الحلقات المغروسة في جوف الخشب الهرم، وأكياس القمح، والأرز، والطحين، والفول السوداني، والحمص، والعدس، تفتح أفواهاً ظامئة في انتظار الزبائن الذين يأتون من شواهق الجبال، وبطون الوديان، وصدور السفوح، مسربلين بالقنادير والقحاف، التي لم يتغير نسيجها، إلا أنها باتت أشبه بجلود الحيوانات اليابسة، رائحة الخردوات والبهارات المكتومة بين الجدران الضيقة شدتني كثيراً، شعرت برغبة عارمة إلى قضاء وقت أطول بين أعشاب هذه الحديقة المهجورة، أحسست بأن وادياً ينهال بسرعة فائقة، يجرفني نحوها بقوة فطرية لا نهاية لها.. سألت نفسي هل لتشابه الأمكنة ما يجعل الانحياز إليها أمراً عفوياً، أم أن في وجدان الإنسان قاسماً مشتركاً، يفرض عليه حتمية الاندفاع بقوة إلى ما يشاهده.. التصقت بالجدران، تشممت الرائحة، غرست عيني في الوجوه البريئة، هؤلاء أطفال كبار، أو رجال صغار، سمهم ما تشاء، المهم في الأمر أنهم أناس اختاروا مصيرهم، وتبنوا الحياة ببساطتها، وسذاجة معطياتها، فرسخوا المفاهيم القديمة على أنها الجذور، التي لا يمكن اختراقها.. قارنت.. كيف يعن للإنسان أن يقلع إنساناً من جذوره، ويتبرأ من المبادئ، استناداً إلى مسوغات تاريخية كاذبة، ومبررات ثقافية لا تصدق أبداً، مهما بلغت من حنكة، وقدرة على إثبات ما لا يثبت في القيم الراقية.. سنحت لي الفرصة أن أرى رجلاً مسناً، يقف بجوار واجهة محل تجاري صغير، يتحزم بشريط جلدي، رصع ظاهره برصاص بندقية، كند على ما أعتقد إن لم تخني الذاكرة، يرتدي قندورة صفراء، ويربط رأسه بمعصم أحمر تبينت شكله، لا أدري لماذا لفت اهتمامي من الوهلة الأولى، ولماذا أصررت على الاقتراب منه، وتشخيص وجهه الأسمر، الجاد، ولا أدري لماذا بعد هنيهة، اعتقدت أنه يشبه أبي، وربما أن كل الرجال الذين ينتصبون بهامات شامخة ورفيعة، هم يشبهون أبي.. أبي كان رجلاً كهلاً، لكنه يتمتع بقامة سامقة، وعينين حمراوين حارتين..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:02 AM
#3
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
ماذا عليك أن تفعل هنا، أو بالأحرى، لماذا أنت جئت؟ وما الذي دفعك بأن تعبر القناة البحرية، وتأتي لتتوغل في هذه القناة الكبيرة، إنه أشبه بمكان مهجور، ومن يقطنونه مجرد هياكل عظمية لأحياء كانوا هنا وذهبت أرواحهم، تلتقط الفراغ.. تدخل في الزقاق المعتم وكأنك تلج قبراً كبيراً، ورائحة الطين والخشب المعتق أشبه برائحة العظام، تزم أنفك، تحاول أن تصمد لتكتشف المجهول في غابة الجدران المتآكلة، وأخشاب الصنوبر، المنحدرة من بداية الزمن.. تحسم أمرك، وتتكئ على صبرك المعتاد، وتجلس عند زاوية قريبة من محل لبيع الشاي الأحمر، والفول السوداني، والحمص والزلابيا، تطلب كأس شاي وصحن فول سوداني، وتنتظر.. ولما يعود النادل المتأبط جلداً تحت سطوة الحر القائظ، والمحفوف بمخاطر الوقوع تحت غماره، ولكن هؤلاء لا خوف عليهم، لأنهم أقوى من الحر، تأخذ رشفة شاي وتقذف حبة فول في فمك، ثم ترشق القشور على الأرض، وتعاين الفراغ، وترسم صورة لواقع جميل، على الرغم من الكآبة التي ألمت بك من الوهلة الأولى، وبطبيعة الحال، فإن الزائر لمكان لا يعرفه قد يصاب بالدهشة، أو بالملل، لكن أصحاب المكان هم وحدهم الذين انسحبوا بعد تألق في الصبر، وبعد أن جارت الدنيا عليهم بمشاعر اختلطت برائحة مكونات الطبيعة التي لم يختاروها، إنما هي التي اختارتهم، ولما فرغت من المشروب الأحمر اللذيذ، الذي لم أطعمه منذ زمن، أعطيت النادل أجرته ونهضت، كان بوسعي أن آخذ طلباً آخر، لأن شهيتي انفتحت على القدر ذي الرائحة الزكية لقشور الفول السوداني، ولولا أنني لا أحب السكريات كثيراً لطلبت حفنة من الزلابيا، إذ شدني اللون الأصفر البرتقالي، السائل الشفاف، المذاب في عروقها المتشابكة، شرايين الزلابيا، الرقيقة الأنيقة تغير من المزاج، لكني فضلت عدم الإذعان لرغبتي، فالحرارة اللاهبة، لا تقضي على المزيد من تناول السكريات، بوسعي أن أعود، وأن أستأنف الحوار مع هذا المكان الرائق المتجمد عند نقطة الصفر الحضارية، لكنه أجمل من الحضارة، وأكثر لباقة من أي شيء قد يلج أتون المكان، بعرفانية مجللة بالزيف والافتراء.. سألت نفسي، هذه الأعداد من الجريد كيف تم صفها وعقد أربطتها بهذه الأناقة واللباقة، وكذلك جذوع النخل، ما هذه الأيدي التي سحلت عنها الليف والزوائد، ورتبت أصلابها بكل شجاعة، ثم إنه كيف تم حملها، وأي ظهور هذه احتملت خشونة جذوع النخل، وعجرفة الجريد، وأشواكه، تمعنت بالسقوف التي لم تبدُ سقوفاً للظلال، بل بيوتاً للعنكبوت التي استوطنت المكان، وسيجت مصائدها، حتى تدلت الرقائق النسيجية الشفافة، مؤكدة أصالة المباني التي يجلس في أكنافها، هؤلاء الكهول، أحياناً أحس بأنهم أشبه بالأشباح والكائنات الغريبة، لغرابة ما يمارسونه من نشاطات تجارية، والمكان يبدو هادئاً، فأقول في نفسي أي معيشة هذه؟ فالواحد من هؤلاء لا يبدو أنه تاجر، إذا لم أقل عنه إنه عابر سبيل، اقتعد كرسياً خشبياً، في انتظار حافلة ما، ربما حافلة الموت، وكم هي أليمة هذه الفاجعة عندما ينتظر الإنسان الموت، ولكن لا يبدو على سيماهم أي عجرفة تدل على الخوف، أو القلق من أي شيء، بل إن الابتسامة الجامدة، وأحياناً الباردة تدلك على السخرية.. أجل أنا على يقين أن هؤلاء الرجال ساخرون، فالإنسان عندما لا يكتنف أي هدف فإنه ينظر بلا مبالاة، إلى الأشياء من حوله..
حاولت أن أستعيد قوتي، وأستعين بكل ما أملك من طاقة كامنة لحماية نفسي من الانطفاء كلياً، وبحق فأنا أحب الأطلال، وتغمرني السعادة برؤيتها، ولكن لا أدري، تداهمني فجأة رغبة داخلية أخرى، وتشيع الانكسار في نفسي وأشعر بالتعاسة فأرتاب، ولا أفكر إلا في الفرار، ولكن أين المفر، هذه المدينة تتنفس الخراب، وعلتها أنها لم تزل تستحم في مستنقعات الحضارة، وتمارس شهوة جمع الملابس القديمة والحلي.. خرجت من النفق المظلم، عبرت إلى الشارع العام، واصلت طريقي في اتجاه سوق السمك، وكان البحر قريباً مني، يستمع إلى نداءاتي وأنا ألعق بصاق السماء، وأجتر حثالة الهواء الرطب، وما إن شارفت عند البوابة الوسيعة، المشرعة، توقفت أستمع إلى نداءات البائعين، ودوي محركات المراكب التي وصلت للتو من رحلات الصيد، دلفت إلى أحضان السوق، تفرست في أحشائه الضليعة في صناعة الفرح على وجوه المشترين، والمفعمة بالرائحة المتخمة بالقشور السمكية، التي تناثرت كحبات عقد قديم، وكذلك مصارين الأسماك، وطفر من أحشائها الدم تبعثرت في كل مكان، بينما أخذ كل بائع مكانه على دكة البيع، مطلعاً على الداخلين والخارجين من مبنى السوق، متربصاً بأقرب زبون، باذلاً الجهد الجهيد في الإغراء والإطراء، وبسط النفوذ ليكسب أعلى معدل في البيع، وبين الجادات المتفرعة تمر نساء شاحبات مثخنات بالسمنة، وأخريات يتمايلن بأرداف كريمة، وأطراف بانت من تحت الأغشية السوداء، بضة ناعمة بيضاء، وأنا تتوزع نظراتي، بين هذه وتلك، ورغم فخامة العطور الفائحة بكرم أخلاق رفيع، إلا أن عطر الأسماك يبدو أكثر نفاذاً وقوة، وأستطيع أن أسترق السمع للهمسات الناعمة، وأن أقترب من أطراف العباءات السابحة في الفضاء كأجنحة فراشات غامضة، وهنيهة، ثم أخرج وأعثر على جادة أخرى تسوقني إلى شاطئ بحري، اختبئ خلف مبنى السوق، توقفت عند حافة الحاجز الحجري، نظرت إلى البحر وإلى الزرقة الوادعة، وخلايا حية ناعمة، صغيرة بحجم الشعرات، تلوي في العمق، وتدير أذيالاً رقيقة، أفكر أنها مثلي تائهة، ولكن لا أعتقد ذلك، لكون هذه الكائنات موجودة قبل وجود البشر هنا.. أمضيت برهة، ثم مضيت، وتابعت طريقي في اتجاه الكتل الرملية العالية، قيل لي إن هذه الأكوام، تخبئ تحت رملها عظام بشر، كانوا أناساً يتحركون، يمشون، يأكلون، يشربون، يلبسون، ويمارسون الحب، ولما غشيتهم الفاشية، وطغى عليهم الظلم، ودكت أسوارهم وحصونهم مدافع الطغاة البريطانيين، نامت بيوتهم على رؤوسهم، وانتهوا إلى زوال.. إذ أنا الآن أمشي على جمجمة إنسان، أو أدوس على صدر امرأة، ربما كانت امرأة جميلة رائعة، ربما كانت محط أنظار العشاق، وملهمة الشعراء، المدنفين، وقد أكون الآن أضع قدمي على سطح سرير خشبي، نامت عليه امرأة في حضن زوجها، وتمنيا أن يرزقا بمولود ذكر، وشهقا معاً، ثم ضحكا مسرورين.. أين هم الآن، لقد استولى الزمن على الذاكرة، فاختزل التاريخ في كومة رمل تافه ولا يساوي فلساً. أما البيوت المنتصبة على ظهر الجبل الرملي، كأنها أيضاً باتت من أفعال الماضي، كل شيء هنا يبدو فعلاً ماضياً لا مضارع يمكن أن يضع له موطئ قدم. صعدت التلة العالية، وقد علقت بين الأزقة، غصت في الرمل، كما سبحت عيناي في الفراغ، الجدران المتلاصقة كتب عليها بالفحم أو الطباشير الجيرية، كلام عن الحب، وعن العلاقات الزوجية، وبعضها شتائم وسباب في حق أفراد يبدو أنهم في خصام، كما يحصل هذا بين الرفقاء في الحارة الواحدة، أسير في الجادة، وكأني أمشي في خندق، فوق الأرض، الأنثى العارية تسلط وهجاً حامياً، يسقط على وجهي، كسياط حديدية، مستقرة، أحاول أن أغمض إحدى عيني لأفتحها بعد حين، ثم أغمض الأخرى، أتكئ على جدار وأسند ظهري، تحاشياً للدوار، وأمضي.. والمعضلة في الأمر أنني لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، فقد كنت مندفعاً بقوة، غامضة، إلى شيء لكنني رغم ذلك كله، لا أشعر بالملل، بل إن رغبة داخلية، تشحذني قوة إضافية لأستمر في السير، ثم أجد نفسي في الجهة الأخرى، من المدينة القديمة، هنا الشارع، الأسفلت، ينسحق تحت عجلات السيارات والحافلات، والدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وبعد مسافة بضعة أمتار يستقبلني الشاطئ، ثم البحر، بدا لي البحر أنه محيط هائل، لعظم ما تراكمت فيه من أمواج، وقد استقرت الأمواج هنا بعد أن هزمت النفوس البشرية، وكذلك المراكب، البحر وحده يهدر، ويزبد، ويصرخ كالوحش، زائراً بشدة، متحدياً، مقامراً، بشواطئه التي بدا عليها التآكل من عظم الصدام.. توقفت، أخذت نفساً عميقاً، حيث الهواء البارد، شكل إلى رئتي، كالماء البارد، أسكن عظام صدري، كما أضمر التعب قليلاً..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:03 AM
#4
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
فمنذ اللحظة الأولى التي أنجزت فيها شهادة التحليل النفسي، وأنا أشعر بصعوبة جمة، مع نفسي، حيث إنني لا أواجه الآخر، بصعوبة أكبر من مواجهتي لنفسي، فأنا، مازلت أغوص في أوحال، وأهيم في فضاء، تغيبت عنه الشمس، وتدحرجت النجوم بعيداً عن أرضه.. مازلت أمضغ مراحل ما بعد الفراغ، كحشرة تائهة، تطاردها ريح عاتية.. ما فعله ذاك النذل، كسر أواني كثيرة في داخلي، وشوه مرآة الوجه كما بعثر مشاعري التي أصبحت كنثار زجاج، داست عليه عجلات حافلة محملة بأوهام الفقراء..
امضي وحيداً على الشاطئ، أسترق السمع بإمعان إلى همهمات الموج، وهمسات الريح، وأنظر إلى نعومة أظافر المحار المقذوف، منذ بدء التاريخ، ولايزال يصفع بأقدام البشر أحياناً، وبكفوف الموج أحياناً أخرى، وهناك عند السكينة يبدو لي حديث سري بين الصخور المتراكمة عند الشاطئ والأسماك الصغيرة، التي تبحث عن مشاريع تشيد مأوى لها، وهناك أيضاً غناء وجودي لطيور النورس التي حلقت متسلقة الفضاء، بأجنحة كأوراق الموز، شفافة لكنها صلبة، ويانعة.. وهناك، أيضاً مراكب السفر الضخمة التي تجوب شوارع الخليج، في تؤدة، متأبطة أحلام البحارة، والمسافرين، والتجار، وربما بعض التجار يختلسون من الزمن وداعته وهروب من دوريات الخفر من لوعة الحر، فيسوقون الضمائر، ليملأوا الجعب بالمال، والدر النفيس..
عندما أقف على الشاطئ، أحس بأن إحدى قدمي تنزلق في محيط غائر، أو أنني أتدحرج على سفوح جبل شاهق، فأشعر بالرعب، وينتابني خوف فظيع ينتزع قلبي من صدري، أحتقر نفسي كوني أصبحت أضعف من زعانف هذه السمكات الضئيلة، فأتقهقر، وأسند ظهري إلى الفراغ وأضع نفسي في حضن المنتهي والمجهول.. أقف ورويداً رويداً أسترد أنفاسي الضائعة في خضم الإنهاك، أصارع هذا الوغد الكامن في روحي، وأعصب عيني كي لا أرى ما يتراءى إليّ، لكن الدوار لم يزل يجتاحني كما اجتاحني ذلك الوغد، في النهار البائس، أحاول أن أقتعد كرسياً رملياً، تلة صغيرة، هي بقايا بيت قوقعة أطلقت الفكرة، والتيار الهوائي يختزل مساحة الرؤية، إذ أغمضت عيني بعد أن مسحت قطرات الدمع المتهافتة أسفل المحجر.. ولما عدت إلى المنزل، في الغرفة الصغيرة، المتلفتة على رزم من الكتب التاريخية والأدبية والفلسفية، إضافة إلى ملازم علم النفس والمجلدات الضخمة بعضها تم فتح صفحاتها، وبان على أطرافها حبر التلخيص، وبعضها تراكمت كالهم.. قلت في نفسي ما نفع كل هذه الكتب طالما عجز العلم عن طرد شياطين الهم، من روح شجنت منذ الميلاد.. جلست بمفردي، أتأمل فصاحة الطبيعة، وهي تكشف عن ساق شهواتها، وتفرج عن لوعة تاريخية في صناعة الألم.. الأشياء هنا تتألم، منذ زمن، حتى العصافير لا يبدو لي أن تغريدها يخرج من حناجر لم يبحها العويل، إذ البكاء هنا وجودي، والحزن خالد خلود أشجار الشريش، والسدر واللوز.. الآن وقد خبأت الشمس ثوبها المطرز باللون الذهبي، وانكفأت تحت ردائها الأسود الداكن، وختلت القرية تحت هودج الصمت، لابد لي أن أتناول شرائح الخبز الأحمر، مع جبنة الكرافت وأذهب إلى النوم، ولكن لن أنام، ولو فعلتها فإنني سأكون قد خالفت قوانين الطبيعة، وعصيت أوامر العادة القميئة.
شريحتان من الخبز مدهونتان بالجبن مع كأس الشاي، تكفي، وفيض على الحاجة.. لا أريد أن أطحن أحشائي بالمزيد، ربما كنت في الطفولة أعشق الأرز مع السمك المقدد، وأحياناً المشوي. أما الآن، وبعد العقود الأربعة العجاف، صار الجسد أشبه بالسمكة المملحة، لو زدتها ملحاً تلفت ولو أقللت من الملح فسدت، ولا بد من الاعتدال، لا بد من الابتعاد عن الخيبات..
أستلقي على السرير، فتنهض الأحلام والأوهام، ويشتعل سقف الغرفة بصور وأشكال هندسية، ما برع في صناعتها، أنجح المهندسين المعماريين، كذلك يهاجمني الخوف من الوحدة، كوني أنام ولا جسد يدفئ صدري، ويملأني غبطة، ويحسسني بأهمية الوجود.. لا أتصور كيف أمضيت هذا العمر بدون امرأة، وكيف سأقضي السنوات وما تبقى من العمر، بدون أنثى، تؤثث المشاعر، بسجادة أنثوية، تنعم على القلب بالسعادة والاطمئنان.. ولكن يخالجني شك في أن أتمكن من اقتحام عالم المرأة، إنه عالم معقد وشائك، ولو ذهبت في أدغاله، سوف تلسعني تلك الثعابين، اللابدة في أحشاء الأحراش، والأشجار الشوكية.. أنتفض زائغاً من الضواري التي تختفي تحت عباءة كل امرأة.. أشعر بالذعر من هذه الأفكار السوداوية والعدمية التي تعبث في رأسي، وتجعلني أنقم على الزواج أو أحجم عنه.. لماذا أكون هذه التصورات العبثية عن المرأة، ولم أفق من هذه الأوهام، على الرغم من أن التحليل النفسي فسر كل هذه العقد والإحباطات، لكني لا أستطيع الهرب من هذه الشراك المعقودة حول عنقي.. أنهض مذعوراً، رافضاً ضعفي، أتجول في محيط الغرفة، جيئة وذهاباً أحاول أن أطرد هذه الأوهام، وأستغرب من نفسي فعلى الرغم من يقيني أن كل ما أفكر فيه مجرد وهم، لكنني لا أستطيع التخلص من أغلاله، فهل أنا أتكون من شخصين متناقضين متناثرين.. لماذا أرفض شيئاً، ثم أؤمن بوجوده لو فعلها شخص مجنون، فهذا ممكن، لأنني قابلت أشخاصاً مصابين بالعصاب القهري، يعانون ازدواجية الشخصية. أما أنا، فأعرف جيداً أن هذه الخيالات مجرد تراكمات ماضٍ، إذ هي لا وجود لها في الواقع، فلماذا لا ألفظها كما تلفظ نوي التمر، وأستمتع بحلاوة الحياة.. أعود وأجلس على السرير، أشعر بسخونة قاع قدمي، ثم بتنميل يا ترى ما سبب هذه السخونة، ألأنني مشيت اليوم كثيراً، فتعبت أعصاب ساقي؟ أم أن التكييف لا يعمل، كالمعتاد، فسخن الجسد؟.. لا أدري، ربما كل هذه الحجج مجتمعة، المهم في الأمر، أنني اليوم، لست طبيعياً، وأهم ما يؤكد ذلك، أنني عدت من رحلتي الطويلة، وجناحا قلبي يرفان، كجناحي عصفور مطارد.. كل شيء في جسدي ينتفض، ولا إرادة لديّ في إيقاف أطرافي المرتجفة..
عندما أشعر بالضعف، أستغيث بالذاكرة، وأستدعي التاريخ والحكمة باللاوعي، أطالب نفسي بأن تلتزم حيالي بالحياد، وإلا قد تظهر أشيائي الخفية كثيراً، حتى لا أبوء بالفشل الذريع، وأنا الآن، إلى حد ما، فاشل كوني لا أستطيع أن أطرد كل هذه الخيالات المتراكمة حولي، والتي أصبحت كالشياطين تلاحقني، أتذكر تلك المرأة الأمية الشابة، اليافعة، التي كانت تجلبني إلى منزلها، بحجة الاستعانة لكتابة رسالة خطية إلى زوجها المسافر، كانت تقترب مني، تلاحقني، أشعر بأنفاسها الدافئة تلفح وجهي، وكنت أقبض على شهوتي المحتدمة بحراسة الضمير، وكانت تستنهض كل شيء في جسدي عندما كانت تقرب أنفها من أذني، أو يلامس إصبعها ظاهر كفي، وكثيراً ما كانت تزم شفتيها، وهي تلفظ مخارج الكلمات، وهي تأتي بسيرة الزوج، وأحياناً تمازحني شاتمة بعلها، كي ترضي غروري وتؤكد أنها راغبة في احتساء رضابي، المتقاطر من بين شفتي، كنت شاباً أصغرها بعقد من الزمن، لكنها بدت لي غصناً غضاً ندياً، ولأن الزوج كان يغيب عنها لشهور، وأحياناً يكمل السنة كاملة في الغربة، بدا جسدها حاراً، شهياً، وكان يشدني جداً عنقها المجرد من غشاء الحشمة، الناصع، الأملس، ما يجعلني كثيراً، أقرب أنفي من جسدها لأشم الرائحة، وبالفعل كانت مطواعة إلى درجة الإذعان، والمكوث طويلاً بجانبي، رغم الانتهاء من كتابة الرسالة، وتغليفها في ظرف البريد، وكنت أستعين بالصبر أمام إغرائها ودهاء الأنوثة، الزاعقة بشهوات أزمنة ما بعد الظمأ.. وكانت تفتعل الأحاديث والكلام المسلي لكي تطيل زمن الزيارة، وتستبدل الكلام الجاد بقصص مثيرة، تفتح شهيتي كشاب أرعن في عمر الفحولة، لكي أستمتع بالكلمات بإنصات بالغ وأفتح عينيّ كلتيهما، لأجل أن أتابع بإمعان حركة الشفتين الليميائيتين الدقيقتين، وأتشهى مخارج الألفاظ المندفعة في فيها كشلال ماء بارد.. بالفعل كان جسدي يبرد، وأتصبب عرقاً، وأشعر بأنها تريد أن تلتهمني، وتقبض على جسدي، كمن عثر على أرنب بري هارب من عدالة الطبيعة، وكنت أؤمن بأن هذه المرأة طيعة، وجائعة، لكنها ليست وضيعة، وكنت على يقين أن المرأة العطشى لا تعتبر عاهرة، أو مذنبة، والرذيلة لمن ترتكب المعصية وهي في عصمة رجل يمنحها الإشباع، لكنها ومن دون جدوى تمارس الغي بفجور المتحررات، وشعرت بأنني أحب البقاء معها، لكنها دوماً كانت متوجسة من كلام الآخرين الذين تتربص أعينهم وتراقب دخول النملة إلى بيت أي امرأة غاب عنها زوجها، لذا كنت أحمل قلبي قبل جسدي، وأفر بمشاعري، كي لا تنزلق في الوحل، وكانت تتبعني بنظرات الحسرة، وألمس نسمات أنفاسها، المنبثقة من أنف رقيق، رهيف رهافة ورقة التوت، وألتمس لنفسي العذر، أن الذي يحب امرأة، يجب أن يحترم رغبتها، فإن كانت قادرة على العطاء فأنا في أتم الاستعداد، فأخرج من منزلها والارتعاشة تستولي على جسدي، والنوم كذلك، لأنني لم أظفر بغزوة تساوي كل هذا الاحتباس الحراري الذي استولى على جسدي، ألومها أحياناً لأنها ما كانت جديرة بالاهتمام برغبتي الجامحة، وأوبخ نفسي لكوني لم ألبّ نداء الجسد لديها، حين كانت تطاردني كالقطة المشتهية، ولم أعر رغبتها أي اهتمام. المهم في الأمر أنني كنت أغادرها وهي جامدة في مكانها، وكأنها تلعن هذه المشاعر المتوقدة التي لم تستطع إيقاظ ما بداخلي، وكنت مرتاباً جداً من قنوطها، لأن قنوط المرأة جحيم الرجال.. في المرة الأخيرة، وقبل عودة زوجها بشهر تقريباً، استنجدت بي قائلة، أريدك أن تخط لي رسالة شديدة اللهجة لهذا الرجل الذي ما عاد يسأل، ولا يلتفت إلى زوجته الملتاعة، ولم تفصح تماماً إلى من هي ملتاعة، بل تركت الجملة تخرج من فيها على الإطلاق، ما دلني على رغبتها، فصرت أمارس حنقي على الزوج، إذ اقترب موعد وصوله، وأنا مازلت لم أذق طعم الشفتين، كنت أشعر بأنني أستطيع أن أقتحم هذه النخلة الفارعة، ولكن لما أزفت الآزفة، وكانت المرأة محتقنة إلى درجة الانفجار، شعرت برغبة في الانسحاب، تصورت أن العقل سوف يدفعني إلى ارتكاب جريمة نكراء أو هكذا، قال لي قلبي وهو ينكوي بالهواجس المؤلمة، فآثرت عدم الاندفاع، وبينما كانت هي تندفع بقوة الرغبة العارمة، وتلقي بمشاعرها مدرارة كالهطول، كنت أدافع عن نفسي خشية الوقوع في الخطأ، لم أكن ورعاً أو قديساً، لكن قوى ما داخلية نهرتني بشدة، وبشراسة، دفعتني إلى البعيد، فرأيت عيني المرأة شاخصتين، يتطاير منهما الشرر، شعرت بأنها تريد أن تخنقني لتتخلص من درجات الحرارة، التي سيطرت على جسدها.. هربت فعلاً، فعلت ذلك كالطفل الخائف من وحش ضارٍ، وكانت تلاحقني بنظرات الاحتقار، والحقد كذلك، لكنها لم تفه بكلمة نابية، بل إن زمة شفتيها كانتا تفصحان عن نقمة شديدة انطوت ضدي..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:04 AM
#5
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
أي أبدية هذه أيقظت في هذه الشجرة الصامدة سحر الخلود، أي بقاء هذا يقاوم فناء جل القيم، ليحكي أسطورة الكائنات، التي لا تذوب كما يذوب الملح في ماء مغلي.. طفقت أقرأ اللوحة، الحالمة بالتجرد من دون التفاتة مضنية، لما يتغير، ويتبدل، ويذهب في جحيم الانهيارات.. سدرة قرواش قيل إنها مسكونة بالشياطين، وكان الكبار يتحاشون المرور حولها، بعد أن تخلع الشمس نعليها وتذهب حافية نحو المجهول، ويوصون صغارهم بألا يلهوا بالقرب من الموت، قالها ابن طفيل، الذين لا يشكون لا ينظرون، والذين لا ينظرون لا يبصرون، الذين لا يبصرون يموتون، عمياناً.. العمى والجهل، سيان كلمتان مترادفتان.. وقفت هنا، حاولت أن أبصر ما يقف مبحلقاً في وجهي، أي حاولت أن أشك بكل ما قيل عن هذه الشجرة التي لعنها الآخرون، وتعوذوا من شياطينها، على الرغم من شهوتهم المفتوحة حيال نبتها السكري، قال لي أحد الأعيان: إن رجلاً حاول أن يقطع غصناً بسكين حاد، فانحرف السكين، بغتة تجاه، عنقه، فنزف قبل أن يسعفه أحد، ومات.. ومنذ تلك الحادثة والناس يخشون هذه الشجرة، وإذا أراد الصغار أن يطاردوا العصافير أو يقتربوا من أعشاشها فإنهم يداهمونها نهاراً، وقبل حلول الظلام يعودون إلى مأواهم، فرحين، بالظفر، مما جادت به أيديهم الصغيرة، من صيد، لكنهم أيضاً يتوجسون من الفراخ الصغيرة، خشية أن تكون متلبسة بأرواح الشياطين، لذلك فهم كانوا يداعبونها بأناة وتؤدة، ويقدمون لها الطعام، كقرابين.. لا أستطيع أن أكذب، لقد شعرت بقشعريرة، وأنا أقف جامداً تحت الأغصان المتدلية، كقلادة قديمة، على صدر امرأة عجوز، ففي تلك اللحظات نسيت كل ما قرأته في علم النفس، ونسيت تعليمات الأب سيجموند فرويد، وفكرت فقط، في الحكايات القديمة، التي تسللت إلى قلبي، كالماء المثلج، فأرعشت بدني، لكنني تجاسرت، حاولت أن أبتعث من جديد لأؤكد لنفسي أن الخرافة مهما كانت لها من سطوة تبقى مجرد فقاعة تدهش لكنها لا تغرق.. غرقت أنا في الفكرة، متسولاً الشجاعة، الصبر، وخضت معركة ضارية مع المفاهيم، المتشابكة، تشابكت مع الظلام الدامس، غرقت في عباءته، اختفيت، وكانت عيناي تحملقان في بصيص الضوء، المنبثق من مصباح الأيون المعلق، عند باب منزل قريب من المكان، حاولت أن أعتق فكرة النور الذي شق العتمة، فانبجست منه حمامة بيضاء، حلقت فوق رأسي، وحلقت أنا، طرت متماهياً مع الجناحين الشفيفين، تماديت في التحليق، كما تمادت الشجرة الشيطانية في بث الرعشة في جسدي.. عندما صرصرت الجدران المحيطة للشجرة، وصاح ديك من خلف فناء منزل مجاور، طارداً الوحشة بقليل من الضجيج المدوي، لامست مشاعر الألفة، اقتربت أكثر من الشجرة، تحسست اللحاء المتعجرف. وخزتني الخشونة الأبدية، نأيت قليلاً، تأوهت، لكن قلبي حدثني أن السدرة التي أحاذيها ليست إلا من بقايا زمن، الزمن الذي تخلى عن أوصافه الحميدة، وانتعل الرمضاء والجحود.. لبثت في مكاني، وراودني فضول قديم من أن الأشياء لا تصبح موحشة إلا عندما تهيم في غربة الأهل والمكان، الناس ساروا بعيداً، ولا أدري أين تقطن الأرواح التي عاشت تحلم بالقرب، وتنهال مفجوعة عندما يغيب امرؤ فجأة.. الآن يبدو لي من وقوف السدرة في هذه الجادة الغريبة، أنها تسخر، ولا أدري كيف تسخر الكائنات الأخرى، عندما يلهث البشر وراء أكاذيب.. الشياطين التي كانت هنا ألم تمت كما يموت البشر، أم أنها تخلد كما هو خلود هذه السدرة.. نظرت إلى العصفور الأصفر، والذي بدا، هو أيضاً، كذرات الجدران الشائخة، المتهاوية شيئاً ما، لكنها لم تسقط، وكأن هناك رهاناً خفياً بين الجدران والشجر، جميعها تموت واقفة عدا البشر الذين يذهبون تحت التراب بلا رجعة.. كم من الأرواح، هنا، ملأت الفراغ ضجيجاً وعجيجاً، كم من الأجساد تزاحمت مروراً بين الأزقة.. صديق حالم بالحياة، مبتهج دوماً كان يلوب في هذا الزقاق، عاشقاً مدففاً، يتبين الحبيبة المختبئة خلف الجدران، ولما يلمح الثوب الشفاف يشهق محتدماً بمشاعر، التهبت مساعرها جمراً، وكان يقول: لا بد للحي أن يلتقي بالحي، طالما بقي نفس في الصدر، ذهب الصديق، بل قضي نحبه، واقترنت الحبيبة بآخر، ولم يكن لقاء، لكن يبقى الحلم، الدائرة الأوسع، للذين يعشقون الحياة. غادرت المكان، ممتلئاً بأشجان تدفقت كالضوء القادم من سماوات مبتهجة، تدفقت أنا بالحنين، واستأنفت المسير باتجاه أزقة ضيقة، لا أدري لماذا فكرت في المشي على الرمل، المجلجل بالحصى وقذارات ما أتلفته بطون القاطنين الغرباء.. وجوه سمراء، غبراء، نزت بالشقاء، تتدافع في الأزقة، طاوية الفراغ الوسيع بأحلام وأوهام، وأنا أحاول أن ألملم شتاتي بين هذه الأجساد المكتظة، وأقتفي أثر الباقيات الصالحات من الأحلام.. أرتاب شيئاً ما من حملقة العيون المدهشة، لكني أتحاشى النظر بل وأخفي وجهي في التراب المبلل، ببول القطط الضالة، وبقايا الفضلات والرائحة العفنة، تظلل رأسي، وتتسرب إلى أنفاسي، بلا حياء.. ما بالي لا أخفف الوطء، ولا أداري لهفتي لرؤية ما لا يستحق المشاهدة، وكأن داخلي المسربل برائحة الماضي، يطفر برغبات قديمة، فهنا أيضاً كانت الفتاة المدللة، التي كانت تهواها القلوب، وتنشق ولعاً نحوها، كنت أحد الذين أتلفهم الوجد، فالصورة كما هي تتجسد الآن، يانعة الوضوح، تتحايل على قلبي بأن أتخلى عن رزانة العمر، وأن أقمع كبريائي، لأستعيد ما مضى، الأشياء التي تبهت عندما تحتك بجديد الذاكرة اليقظة، تبدو صقيلة لامعة، ورائعة أيضاً.. رائع أنا أيضاً عندما نهلت من هذا المخزون الثري وأثريت قلبي بدفق الدماء، لا شك أنني تعهدت لكني أذعنت للرغبة الكامنة هنا أيضاً في هذه الأزقة الضيقة، وخلف هذا الجدار المتآكل، كان الرجل الورع يقرأ القرآن، ويصدح بصوته المجلجل، ليسمع الآخرين جمال النشيد والكون وروعة الحنجرة البارعة في ترتيب المفردات، وكان أيضاً ترتاده النساء المفجوعات بأطفالهن المرضى، فيسدي إليهن النصائح المقدسة، ويكتب المحو بماء الورود والزعفران، ويزخرفه لهن بصحون الحجر الطيني.. كن يبجلنه على الرغم من فظاظته وأحياناً تماديه في مغازلتهن ولكنهن كن يعتبرن ذلك عملاً من أعمال السجود لقارئ القرآن الذي لا يزني ولا يخل بالقيم الدينية، وكان الرجال يحسدونه على طاقته العرفانية التي تؤجل غضبهم ضده، فيختارون التقدير والإجلال، لقامته الدينية.. عرجت باتجاه جادة أخرى، غاصت قدماي في الرمل، المكلل بالحشرات والدواب، وبعر الأغنام التائهة، وفضلات الكلاب الضالة، تاهت عيناي في المكان المهيب بظلاله، الرهيب في وحشته، المكتنز بذاكرة سخية، لا تجود بها الكتب، والأبحاث العلمية لو حاول المجتهدون أن يأتوا بمثلها.. وجدت نفسي عند بيت لا يضم غير مخزن طيني، ودهليز شُيّد من الجص والحجر، ثم دهن بعد حين بالأسمنت، كي لا تتآكل جدرانه.. وقفت مشدوداً كالعابد المبتهل، وقفت وقد تجلت الذاكرة بنجوم تراقصت، وتداولت حديث الروح، واستقصيت الأبدية، القابعة عند جمود الجدران وصمتها.. زخرفت عيني بألوان الطين الأسمر والأحمر، ووسمت حاسة الشم برائحة القديم، العابث بصمته، وكأنه الدورة الدموية المتوقفة عن فعل الحركة.. ضحكت، قلت لو شاهدني أحد أصدقاء الطفولة، سيقول ما هذا الأبله يتحرى زمناً انتزع بريقه، وأفل.. ثم عبست متأثراً بالصرير الذي لا يجد صدى غير ردود فعل قلبي الذي أجل جل مسراته في لحظة التأمل..
كلما أعود إلى البيت، بعد رحلة استقصاء، أشعر كمن يتخفف من حمل ثقيل، الذاكرة عندما تستفز، تصبو إلى تفريغ الحمولة بأي شكل من الأشكال.. وماذا يعني كل هذا الاستفزاز غير أن في النفس تراكمات، تتدفق، مبللة الجسد بالعرق، ومالئة المكان بضجيج.. تذكرت أنك كنت فوقها وهي تشيح بوجوم طالبة الرحمة، بيد أنك كنت ظامئاً وترتاد الجسد المزخرف بتفاصيل مدهشة، بفجاجة الرجال الأوغاد.. تذكرت كما أنك ذاك الوغد الذي وطأك بشراسة، فخذلتك الفطرة ولم تمارس الحب كما أردت، نهضت وانتفضت كالقط بعد معاشرة، لكن هبوطك على جسدها لم يكلل بالنجاح، لأن الوغد انتزع الرغبة من تحت جلدك، فبرد الجسد، رغم حرارة جسدها إلا أنك همدت، واستعصى عليك إكمال العملية بنجاح.. فكرت أن أتفوه بكلمة تلعن الشيطان، وكل الجنود المجندة من الجن، لأنهم لهنيهة لعبوا بعقلك، وعبثوا بمقتنيات رأسك، فلبثت مشتتاً، عاجزاً، لكنك بدلاً من أن تلعن الشيطان، بصقت في وجه الخرافة، وقلت إنها سبب الإدواء، وجلست وحدك على السرير الخشبي المنمق، بالشراشف القطنية، والوسادة المحشوة بالريش، وانتعشت روحك بعطر الجدران المعبقة بالبخور، هذه الرائحة المحببة إلى نفسك ورثتها من زمن الأجداد، وربما الرائحة وحدها التي بقيت صامدة، رغم قوة الصانع التي تضخ أصنافاً تشيب لها الولدان من العطور البخاخة.. لكنك لم تبذل جهداً من أجل رائحة غير رائحة البخور، ويبدو أن للدخان علاقة وطيدة بجسدك، كونه الأقرب إلى لون الغيم، والغيم نذير المطر، والمطر طهر للأرض، وطهر للجسد، ونظافة للروح من رواسب الآخر..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:05 AM
#6
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
أخذت أنفاسك بشدة وأنت تتشمم الرائحة، وتتذكر صرير الجسد الذي كان يلون نفسه بلون الكرز، ما بين الأمس واليوم مسألة قريبة جداً، لكن القفز إلى الأمام كان عالياً وسريعاً، ما أدى إلى تكسير العديد من أواني القلب، وبعثرتها، إلى درجة أنك لم تعد تميز بين الجهات ولا الشخوص، ولا الأماكن، الأشخاص الذين تلتقيهم الآن ربما لا تعرفهم، لتغير في سيماهم، وتبدل في مزاجهم، والصغار الذين كبروا لا يجدر بك أنك ستعرفهم وكأن الأمر الحادث أشبه بالزلزلة، التي تحرك مواطن الجبال وتقتلع الأشجار، وتهيج البحار، وترعب البشر، فتحول دون الاطمئنان.. عندما تحاول أن تجد شبهاً بين الجزيرة، التي انتزعت منها، وبين تضاريس المدينة تشعر بالخزي، وينتابك شعور بالغصة، لأنه لا شيء يشبه شيئاً إلا إذا كانت المشاعر واحدة، وهناك لا تشعر بهذا المقياس الحراري الذي يؤكد رغبتك، فعليك أن تمضي زمناً حتى تؤلف بين المشاعر المتقدة، وأن تجيد لغة النسيان.. النسيان هذا الكائن الوحيد الذي لا تجيد معاشرته، لأنه يوحي إليك بأن الذين ينسون أو بالأحرى يتناسون، إنما هم هاربون، وهم صانعو الأكذوبة كما صنعوا الخرافة وصدقوها، لذلك، فأنت تكره الكذبة كما تمقت الخرافة، الخرافة التي يجيد صناعتها الجهلة كونهم مذعورين من المستقبل، الأمر الذي يجعلهم يصبغون الحكاية المزيفة كأنها الحقيقة، ولا يسعك إلا أن تخذلهم، وتنكفئ على ذاتك لتحقق نداء الحقيقة..
ولما استقللت الحافلة الصغيرة، وكانت وجهتك المناطق الرملية الواسعة، وكنت تنوي مزيداً من الاكتشاف، لارتكاب معصية المعرفة، ويبدو أنك لا تفكر فقط لمعرفة التضاريس، بقدر ما كنت تريد معرفة نفسك، أي مطاردة ذاك المجهول الخفي الذي لم يزل يسكنك، وتريد أن تلحق به، وتمسك بتلابيبه، لعل وعسى تستريح من وهدة التصدع الداخلي.. الرمل المعتق، اللون الذهبي، الاكتساح الرهيب لفضاء يتسع، ويرسم صورة وادعة، خلدت على مر السنين.. الرمل يوحي لي بأن علاقة جسدية ارتكبت على كل ذرة من ذراته، وأن فضيلة ما منحت لهذا التراب لأن يكون النعيم الذي تأتي منه الأجساد، ثم تعود إليه ذائبة في نسيجه.. عندما تغوص الأقدام، تشعر بالدغدغة، نتيجة لحركة الحبات الناعمة بين أصابع القدمين، وتحس بكائنات غريبة تراودك عن نفسها، فتنتشي، والهواء الرشيق، يغدق عليك بنسائمه الأنيقة، فتشعر بأنك ملك، وأنك تحكم هذه المملكة الخرافية بنفسك ولا أحد يشاطرك النفوذ، تصعد على تلة ثم تهبط إلى قصر، ثم تستريح قدماك، عند منبسط رمل جاف، وقد فرش بسجادة رمادية تميل إلى البياض، بفعل تيبس الملح، مع التراب بعد نوبة أمطار الشتاء التي مرت، وأنت تحلم بهذا التكوين العجائبي ومخلوقاته الفريدة، والآن تفصلك عن جزيرتك المغتصبة مئات الأميال، لكن الحلم أسرع من الضوء، عندما يستوعبك في جناحيه ويطير بك في اتجاه الشرق.. ما يشبه تضاريس الجزيرة بهذا المكان هو هذه السكينة، وأنت كونك رغبت في العزلة، واستهويت مساحتها الوادعة، تشعر الآن بعظم الصيرورة وأنت تطأ الرمل المنقوش بأعشابه البرية، والمرصع بأغصان أشجار الغاف، والملون بوجوه النساء العابثات بسحر الكون.. عند جادة قريبة من شجرة فارعة، لمحت النجمة.. وبرق الفضاء، بوجه امرأة، تحاشت فضول الجائلين بعباءة أشف من أرواح الجميلات الناعسات الكواعب.. استيقظ المارد داخلك، صارع قواك العقلية الكامنة والرابضة عند مربط الإحباط، تمهلت قليلاً، وتربصت بخطواتها، كانت تسير وإماؤها ترعى النوق البيض.. أنت على يقين بأنك لا تحلم الآن وأن الحوريات لا يظهرن في الصحراء، الصحراء فقط موطن الأساطير، ومدونات الطبيعة، لمحت الضوء الخفي يتسرب إلى نفسك، تشجعت، هرولت قليلاً كي تلحق بركابي المتبعثرة بين الرمال، وسدت رأسك على خاصرتي الآهلة، وذهبت تائقاً نحوها.. قلت في نفسك من أين جاءت هذه المهرة، البارعة، كيف انحرفت عن السرح، واتخذت جادة ثانية، المكان لا يبدو آمناً، وبخاصة للنساء، فالطرقات الوعرة مسكونة بالطيش والحماقات، ولا توجد مضارب قريبة هنا، توجست قليلاً، وبدأ قلبك ينذر بخفقات الفزع، لكنك، بدافع من الفضول، فضلت أن تمضي نحوها، وقلت في نفسك ربما تاهت الطريق، فالواجب أن أكون في تصرفها، اقتربت وخزتك بابتسامة بارعة، مرسومة، بإتقان واعٍ وهي تميل بحرير الجسد بعناية فائقة، خفق قلبك، تدفق وعياً شمولياً، وتساقطت على رأسك حبات الاستفاقة، ساورك الظن أن هذه الفتاة من سكان هذه المنطقة، وإنما خرجت للتنزه وشم النسيم.. فكرت في ذلك للوهلة الأولى، كونها لم تستغرب شيئاً في وجودك ولم ينتابها أي قلق جراء اقترابك من مكانها.. لم تنبس الفتاة ببنت شفة، ولكنك تبعتها، سارت بخطوات متئدة، واثقة بدون ذنب الخوف، وأنت خلفها وكأنك ظلها، وقوتك العاطفية تدفعك في اتجاهها، بعفوية الرجال، الكهان، الذين يعشقون عطر المرأة، ويرتوون من نظراتها.. بعد هنيهة، التفتت الفتاة، نظرت إليك بعينين متقدتين، بشعاع مضيء، أيقظ حسك العاطفي، لكنك لم تتفوه بكلمة ولا هي أيضاً، ماذا إذاً تفعل، يبدو أن صمت الصحراء مسح على شفتي هذه المرأة، فزمت بوزها، واتخذت جانباً، تسير بخطوات متأنية، وأنت تلتهب، وتتحرق جمراً، لكن مرت الثواني ولم تفوه بكلمة.. الابتسامة الفارغة لا تكفي، والعطش لا يرويه سراب التصورات المبهمة.. عند شجرة عشبية كثيفة، توقفت، قطفت زهرة صفراء، وضعتها عند أنفها، شعرت بأنها تستنشق أفيون الوجود، ذكرتني بالرائحة.. تذكرت، انتشيت، وكأن الإصبعين اللذين يكتبان اسمهما على جذر الوردة يلامسان أنفها، هي تشم رائحة الورد، وأنا أتفرس جيداً، وأتسلل نحوها، لأشم جسدها.. هكذا وجدتني فجأة قريباً منها، وهي ثابتة، تعيرني انتباهاً تفصيلياً، تتحرى وجهي، وتتهجى التفاصيل، منسجمة مع رائحة الوردة.. قلت بشجاعة، بعد محاولات جادة.. ما اسمك يا جميلة.. ببلاغة الشفتين الدقيقتين قالت.. نيران، وأشاحت جانباً.. نيران..
في أول الوقت، كنت وحدك مستفرداً، بوجود هذه الفتاة، وسط الصحراء النائمة على برزخ أساطيرها، وأقدام الحفاة الذين جابوا بطحاءها بكل سرور، لكن الآن، وقد امتلأت الكثبان بضجيج المركبات ذات الدفع الرباعي، وكذلك الدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وكذلك الصبية الصغار، الذين أمسكوا بزمام الجريد المقوس، المعقود من طرفيه بحبل دقيق وصنعوا منه دراجاتهم البدائية، لاهين بين الرمال، وتحت قرص الشمس المستدير، كدوران سقف السماء الحارة.. شعرت بشيء من الضجر، تذمرت كون المنطقة تعكرت بعواقب الفوضى، ونكبت أنت بفوات الفرصة، أو هكذا تخيلت لتعطي نفسك فسحة من الأعذار، التي قد لا تلازمك فيما لو استمر الوضع، كما هو، ساكناً خالياً من أنفاس البشر، بينما لبثت الفتاة تدقق في تفاصيل الصحراء، وترسم على الرمل صورة مثلى لخيالها الخصب كخصوبة الجسد الذي احتوى روحها اليافعة. والجدير بالذكر هنا أنك لا تنوي فعل أي شيء يناوئ الأخلاق، أو أنك لا تجرؤ، وقد تعاقب عقاباً شديداً جراء الإتيان بأي فعل، ومن سيعاقبك هو أنت نفسك، وما إن فرغت الفتاة من الخربشة على سفح الرمل، سألت ثانية: قلتِ اسمك نيران؟
أومأت برأسها، نيران.. ثم أردفت ألم يعجبك الاسم؟
قلت: بل أدهشني..
ولماذا؟
قلت: يا سبحان الله، كيف تتصادف النيران مع النيران ولا تلتقيان؟
ماذا تعني؟
قلت: لا أعتقد أن لقاء حميمياً يمكن أن يحدث بين نارين؟
قالت: وهل اسمك نار؟
قلت: بل النيران في صدري..
ضحكت بجلجلة، مبتهجة.. ولا يسعد المرأة أكثر من إحساسها بفخامة وجلال قدرها لدى الرجل..
قلت: ماذا يضحكك؟
قالت: أنت مهرج فظيع..
شعرت بانتكاسة.. وبخت نفسك إذا لم يسعدها وضعك..
أشاحت نحوك.. عن ماذا تبحث هنا؟
قلت متجاسراً: عن نفسي..
ضحكت قائلة.. يبدو أن هذا عنوان مسرحية هزلية.
قلت.. بل مسرحية جادة..
ضحكت.. وهل وجدتها؟
قلت: ربما.. أجدها..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:05 AM
#7
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
تابع ..
تحركت الفتاة متشنشلة بجواهر لمعت على حرير الجسد، وتبينت أنت عنق الغزال الأصيل، والتصقت عيناك بالبياض، شعرت بأنك تغدق اللهفة بالقبلات، وتلحس الرضاب بعد فورة من العض، تبتعد هي قليلاً على مدى خطوات، وتتبعها أنت، تحبس الأنفاس، غائر العينين، متحدر إلى عالمك السفلي، متضور تلوي خلفها وهي منتشية بمشيئة هذا اللحاق المزري، ولا تنوي أن تغادر هي المكان، ولا أنت، بإمكانك أن تفارق الصحراء، فأجلت جل هفواتك، واحتفظت نجيبتك أن هذه المرأة مشتهية إلى حد الإنعاش السريري، ولكن لا يبدو أن المكان يناسب انبطاح مثل هذا الجسد، الأرق من ورقة اللوز.. ما العمل؟
قلت أتقطنين في هذا المكان؟
هزت رأسها بدلال جم.. لا بل أزوره مع أسرتي أسبوعياً.. ثم تشير بإصبعها، هناك الخيام الرابضة في الشرق، هي مأوانا..
حملقت أنت، وضعت كفك فوق مستوى الحاجبين، لتبصر جيداً.
زممت شفتيك متيقناً من المكان، شعرت بأنها تململت من أسئلتك البديهية، وهي المتشكلة بمخيلتها الخاصة، شعرت بأنك لم تزل جاهلاً مآرب النساء، أو أنك تحاول أن تنأى عن مناطق الخطر خشية الوقوع في أفخاخ ما بعد الرضا..
قلت في نفسك.. أما بعد.. ماذا في إمكاني أن أفعل فيما لو أناخت لي البعير، وقالت هيت لك نفسي.. هل أستطيع أن أطأ الأرض المحرمة، وأجازف بقدراتي التي لا أثق بها؟
التفتت الفتاة.. نظرت إليك، بعمق، تحرت عينيك وشفتيك، واشتقت أنت إلى فحولة، تمتطي ظهر المهرة القابعة أمامك ولا يبدو أنها صعبة المراس، لكنك، قد لا تفعل شيئاً..
بنبرة هامسة، قالت: من أين جئت؟
قلت: لا أدري، فقط وجدت نفسي هنا على هذه الأرض..
ضحكت.. كانت ضحكتها مثيرة جداً، وملهمة، وقالت: جئت طائراً..
انفرجت شفتاك عن ابتسامة باهتة.. قلت: لا.. بل جئت مستقلاً الحافلة.. وهبطت هنا..
قالت جادة: بلا هدف جئت؟
قلت: أجل.. بلا هدف.. وخفضت بصرك، كمن ارتكب جرماً، ثم انتهيت على صوتها.. السير بلا هدف كمن يفكر في القفز من أعلى إلى أسفل، فإنه لا بد أن يقع، ومن يقع يخسر..
قلت: لقد وقعت من زمن ولا جدوى من النصح..
رفعت حاجبيها، مندهشة، قالت: أأنت محبط؟
رفعت بصرك، نظرت أنت إليها، تمعنت العينين، زارك اليقين، أنها امرأة ثاقبة إلى حد الدهاء.. قلت: الإحباط صنو للإحساس بالفراغ..
قالت.. متحايلة، فخورة، بنعمة الجسد، ولكن هذه الكبرياء لم تخلُ من شعور بالرغبة في ملء الفراغ الداخلي.. أحسست بأنها لا تخلو من معضلة.. لا أحد يخلو من معضلة..
«الفراغ.. تتحدث عن الفراغ، بماذا يملأ الفراغ»..
أنت بنفسك لا حل لديك، شعرت بأنك في هذه اللحظة بالذات، لا مجال لديك للإجابات، وأنت الكاره البغيض للإجابات الجاهزة، كل ما توده الآن كيف تعالج حرقة جسدين، امرأة، اعتدت متكأ، وسلت سكين الرغبة، ورجل، يقايض الرغبة برغبة، ويقاوم كائناً شرساً، احتدت أنيابه إلى درجة الفتك.. توجست أنت، وتهيأت هي، وكلاكما يحطب في صحرائه، لكن أعوادك أكثر صلابة ويبوساً، وهي لا تبدو أكثر صلابة منك، فماذا تفعل.. الآن تشعر بانكسار أشد حدة من ذي قبل.. بعد أن داهمك ذلك الوغد، وحشر جل فجاجته في أغوارك..
لما نظرت إلى ساعة معصمها الذهبية. وقالت تأخرت..
تقول انسلت من المكان كخيط حريري من ثقب إبرة، أو أنها انحلت من خاتم القلب. وجدت نفسك في مأزق. نيران تشعل النار وتدع الحريق يلتهم الكثبان ويطوي نياط القلب بلا رحمة، وما كنت أتوقع أنني سأتعلق بامرأة، كما تشبثت بها، وأعلم جيداً أنني لست بذاك الذكر الذي يمكن أن يستولي على أنثى، ويختطف قلبها، ويحتويها، ويروض مشاعرها، لكن هذا ما بدا لي في الوهلة الأولى، حيث لبثت ساهماً، واجماً، متحسراً، ليس لأنها سوف تختفي عن ناظري، بل لأنني هكذا دوماً، أهيم مع فوات الفرص، الفرص التي تحط وتطير فجأة، وكأن شيئاً لم يكن، لم يكن لأنني أواجه شرخاً مفصلاً لمعضلات التكوين، وعلاقة مباشرة مع اليأس والقنوط، القنوط الذي يجلد الذات، ويحاصرها بحزمة من الانكسارات.. قالت لي أمي ذات يوم: يا فيروز، أنت من صنف الرجال الذين يفقدون الأشياء عندما تكون في مرأى العين وبين اليدين، لذلك لا تمنّ القلب كثيراً بالحظوظ لأنك توأمت الروح مع الفقدان.. ولما لملمت عباءتها وطارت شعرت بأنها كالحمامة التي تغادر العش، في ساعة غفلة من صاحبها، حماقتي هذه ذابت مع الفراغ، ولأن الشمس تلاءمت مع شفق الغياب، وانحسرت في الغياهب المعتمة، فإن الزمن الآن يتوقف.. يا إلهي ما الزمن سوى طية من سجادة. لا نهاية لها، والعمر عقدة في هذا الحبل، والحظوظ تبدو كألياف بعضها مهترئ وبعضها متين، تتفتق عنه انبهارات مبهجة..
ذهبت عنك يا فيروز، بل كنت في داخلك تتمنى أن يحدث ذلك، لأن يقينك يقول إن هذا يحدث لشخص مثلك، عجزت قواه الذكورية عن أن تروض أنثى، وتجلبها إلى حلبة الصراع الكينوني.. كن ما شئت، اصرخ في هذا العراء الوسيع، لن يكون لصوتك صدى، لأنك تبينت منذ البدء قدراتك، وصولاتك ما هي إلا مجرد عواء في خواء.. هي نيران لم يكن بمقدورها أن تفك عقال بعيرها وتخب لو أنها حظيت برائحة جسد تفور منه رغبة السلالات القديمة، هي لم يكن في وسعها أن تعصى أوامر الجسد، لو أنها احتست شيئاً من رضاب ذكوري، يحرك مكامن الروح، ويفسد نداء القيم البائدة، هي هكذا شعرت بما يثبط همم القلب، ففكرت أن تفر برغبتها المجنونة وشبابها اليافع، ونهوض صدرها المتقد، لكي لا تخجل بعد حين من الفرصة الفاسدة..
وقفت وحدك، عاينت العراء، تشدقت بعشب الفصول الناضرة، والتحمت مع الشجر، والتراب، واللون الرمادي ما قبل الغروب، هنا لا أحد يراك سواك، هنا لا كائن ينظر إلى خنوعك إلاك وشيء من الغبطة اعتراك، لأنك لن تتصبب عرقاً مادام لا وعيك لم يشهد سوى أنت.. بدأت الأضواء، أضواء السيارات، تتسلل إلى مقلتيك، تؤذيك لأنك تود في هذه اللحظات أن تختفي، وأن تخفي ما سرقته.. لقد سرقت وضاعة الأخلاق عندما لم تلجم الخيل التي مرت من حولك، وكتمت النيران في صدرك، ثم صرحت بأنها لم تلقنك شهوة الإناث البارعات في التصدي لرعونة الرجال الأماجد.. أوصدت باب الرغبة، وركنت حلماً عند زاوية خلف رمال الصحراء، الصحراء التي تكشف العورات ولا تستحي أن تبوح بالحقيقة، وحدهم الأنذال الذين يمارسون الرذيلة تحت جنح الظلام، وحدهم الخائنون للأخلاق الذين يترددون عندما تفتح الصحراء صفحات التاريخ، وتفسر للأميين معاني الحلم الكريم.. لقد أفرطت كثيراً في التأويل، وتماديت في عصابك القهري، عندما ارتجفت وحملقت في الآيات المتساقطة كالثلج في مقلتي الأنثى الفارعة، لقد كفرت فعلاً، ومن هو لا يكفر عندما لا يشيع سر الرغبة أمام أنثى تمادت في الصهيل الداخلي حتى احترقت أعشاب الصحراء، وتهاوت أشجارها إجلالاً وقدسية لما يكمن في الباطن.. ما كان لنيران أن تقول لك هذا مربط الفرس، فخذ بإرادتك ما تشتهيه النفس، لا.. لا يمكن أن تفعلها حواء الأصيلة..
تساقطت النجوم، وهوت السماء على رأسك، وحمم بركانية انفجرت فجأة، احترقت أنت، حيث رفع الغطاء عن رأسك، ونامت الأرض، وتحايلت الأشجار على الوقت لكي تصمد لكن أنفاسك الحارقة بعثرت الأوراق، وانشق الزمن عن فضيحة كونية لا يمكن سترها.. حثثت الخطى، سرت في الدهاليز الرملية الوعرة، تشعبت تائهاً، ضائعاً، لا تلوي على شيء، لعنت هذه السيارات التي سورت الطرقات بالضجيج والفوضى العارمة، لكنك لا بد أن تعود أدراجك إلى منزلك، حيث الهدوء والسكينة.. ماذا تريد من صحراء، تجثم على الصدر كأنها الوغد الحقود.. شعرت بحقد دفين تجاه نيران أحسست بأنك لو أمسكت بعنقها الرهيف، وضغطت على الشرايين حتى طفر الدم من فمها، ولازمك هذا الشعور وأنت تجرد الطريق، وتصطبر على الوعورة المنهكة، حتى تشاء أن تصل إلى الجادة الأسفلتية، وهناك تستقل أي حافلة أو أي حمار أو ما يأخذك إلى مأواك..
توقفت كثيراً، والرطوبة تغسل جسدك، ولا تعلم إن كان الماء المالح المتصبب من جلدك هو نتيجة لتوترك أم أن الحر القائظ يندي حتى لحاء الشجر.. المهم أنت الآن لا تفكر في شيء سوى أنك تعود أدراجك، وبأقل الخسائر.. خسائر ماذا، لقد خسرت وطويت سجادة الفقدان، واختفت نيران إلى الأبد.. وأنت من أنصار الأبدية، فكل شيء في حياتك أبدي وسرمدي، لا نهاية له، واعتنقت الفكرة منذ أن غادرت الجزيرة وأيقنت أنه لا رجعة ولا نهاية للاحتلال، مادامت المسافة بين الضفتين أصبحت تقاس بحيل التاريخ، ولا يملك التاريخ غير الأقوياء..
وأنت في سيارة الأجرة، والرائحة النتنة تنفخ رأسك، وتدمع عينيك، حاولت أن تهرب، من دخان الإبط العفن المجاور لأنفك، فتحت النافذة، لعل وعسى، أن تحفظ الود مع السائق وألا تتهور، وتلطم خده المتورم، بغليون البان، وتصبح الفضيحة مجلجلة أو قد يعيد لك الصاع صاعين، ويغيبك عن الوجود بضربة قاضية من ساعده الأشبه بالجذع.. طفت بين البساتين الضالعة في الخضرة، بعشبها الشاب، وأشجار نخيلها السامقة، وكان السواد يسيطر على المكان، ما عدا بعض الأضواء المنبعثة من البيوت الرابضة في المنحدرات النائية، والهواء الرطب يلفح أرنبة أنفك فتغريك الرائحة، تود لو أن الطواف يستمر إلى حين، ولكن من دون هذا السائق المتمرس جيداً في نشر قطرات عرقه، مبثوثة مع بصاقه، وأنت كثير التمني، وكثير الإخفاقات في البيت وأنت تهبط على السرير، وتخفي ساقيك بالشرشف القطني، تمارس الغيبوبة المفتعلة، مغمضاً عينيك، تريد أن تستعيد شريط الذاكرة، تكرر المشاهد الخلابة، وترسم صورة مثلى لتلك الفتاة الأسطورية، تقرأ عينيها الواسعتين، وأنفها الدقيق، وشفتيها الليميائيتين، وقوامها الأنيق، ومازالت رائحة عطرها تعلق في أنفك أو هكذا تصورت، ومازلت أنت على موعد مع حلم لن يطوى سجله طالما حاصرتك كلماتها ونظراتها، بقيت هكذا، موشحاً بتأملاتك، راشحاً بالأفكار والأمنيات قابعاً على سريرك كالأرنب المذعور، ولا تدري لماذا ترتجف أطرافك، على الرغم من ذهاب مصدر الخوف.. نيران، لم تزل تخالجك وتسكن بهالتها على السرير، تقترب منك، تهدهدك، وتشاغبك، وتقاضيك على مشاعرك وأنت تتسلح بضراعة الضعيف، ثم تؤنب نفسك لماذا لم أفعل كذا، ولماذا لم أقل كذا، ولماذا تركتها تهرب من بين يدي، وتذوب في الخلاء، كالوهم.. لم تكن خيالاً جامحاً، بل كنت واقفاً، وكانت تؤدي مقدمات بديهية، للتطهر من رذيلة الشهوات المكبوتة، لكنك خذلتها عندما أمعنت في ليّ الحقيقة وطمس ما كان يغلي في جوفك الملوث.. أنت يا فيروز كنت في جحيم صراعك، كمن حوصر بين طيات حريق، كنت تريد ولا تريد، لذلك أفلتت منك، هربت وتركتك عارياً، تسح بعرق الندم، أو نزيف الأسى يغرق كيانك، تريد الآن أن تنام، تريد أن تغسل عارك بالندم، وإخفاء البثور التي طفت على جلدك، بهذا الشرشف القطني. فهل وطأك حقيقة ذاك الوغد؟ أم أنك تخيلت متوجساً، واعتنقت الفكرة، لمجرد أنك مارست رغبة اللاشعور، لتلبي نداء الطفولة، الذي زرعته أمك في قلبك..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:06 AM
#8
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
تثاءبت الأرض، وقطعت الأشجار أغصانها، ومدت الأعشاب لسانها، تلحس ندى الصباحات المنبعثة عن فضاء نبيل.. عودة على بدء، جئت هنا في نفس المكان، تبحث عن نفسك، عن شهقة ضائعة، وعن نبضة هفهفت في الصور، جئت تدفعك قوى خفية، لئلا، يتكاسل الوعد، وتذوب التي تعلقت بها إلى الأبد.. الأبد هذا الامتداد اللانهائي، هذا الحلم الذي لا تنفك حلقاته من سرد الحكايات الأولى لتتلوها بأخرى.. وقفت عند ربوة، كأنك المؤذن في منارة التصريح الأخير، وقفت تستجدي الوجود ليحكم قبضته على غيمته، ويستدرج المطر، وشيء ما يغلي، شيء ما تدور رحاه، وتطحن نفايات، وقشور أزمنة، حرضتك كثيراً ثم تخلت عن مد الخطى نحوك.. المكان في الصباح يبدو خالياً من دخان السيارات، خاوياً من القحاف البيض، ولا يعالج مكر الطبيعة غير الضوء والرائحة.. ضوء السماء المزخرفة بزمرد السحابات البيضاء، ورائحة الأرض، بعد النوم، تبدو الأغشية الترابية كنسيج جلد امرأة، راعفة بغفوة ما قبل الصحو، الأرض تسترخي بسكينة وتنتهي إلى فراغاتها لتبلع أسمى آيات الخلود.. لو حدثت أحد أصدقائك القدماء عن المرأة التي رأيتها واختفت فجأة، سيقول لك، هذه القديسة أم داس، أو كما يحكى عنها أم الدويس، وسوف يحذرك من التعاطي معها، لأنها جنية خطيرة، تستدرج الرجال إلى مخادعها، ثم بعد أن تمضي أرواحهم، تقطعهم أشلاء، وترميهم في الصحراء لتنهش جثثهم الكلاب، وربما تعاطف معك أحدهم، وقال إنها من عطاءات السماء عندما ترضى عن مخلوقاتها.. تبهت أنت، وتغضن حاجبيك، مستعيناً بالصبر، ولكن قلبك يحدثك أن ما رأيته لم يكن إلا امرأة إنسية، بدمها ولحمها وشحمها.. تحاول أن تتمالك نفسك، وتقبض على تاريخك الطويل، في تلاوة علوم علم النفس، وترفض أن تخنع لما تتداوله الألسن عن القديسة أم داس، وعن حكاياتها مع البشر، ترفض ذلك. لأنك لا تؤمن بالخرافة، ولأنك أيضاً لا تريد أن تكون نيران غير نيران التي رأيتها وتفرست في وجهها، وقرأت تفاصيل جسدها.. قلت في نفسك لماذا يتعمد الأوغاد إفساد جمال الطبيعة، وتخريب المشاعر واغتصاب الفرحة، والاعتقاد دوماً باللاماورائية التي لا معنى لها غير أنها تشيع الفرح لكونها أشياء لا ترى بالعين المجردة.. انغمست في التفكير، فكرت ملياً، تمعنت في العراء الذاهب بعيداً في البصر والبصيرة، اقتعدت حجراً بجوار شجرة وارفة، تأملت النمل الأبيض، الراكض بسرعة فائقة، المنتظم في صفوف متراصة، وكأنه في طابور مدرسي مهذب، تحاشيت قرصه، فرفعت قندورتك إلى ركبتيك وحرصت على ألا تقع قدمك فريسة لأضراس هذه الكائنات، والحادة، والشرسة، ملأت عينيك بمناظر الصحراء، وبالأشجار التي صمدت منذ مئات السنين ولم تبلَ، ولم تكل عن منح الأرض ظلها، تفانٍ منقطع النظير لا مثيل له، عناق أزلي بين الشجرة والأرض، ولم تأخذ الشجرة من الأرض ما أخذه الإنسان، لكنه الجحود الذي سرعان ما يخون ويخذل، ويرتكب الرذيلة، ضد ترابه الذي منه جسده.. يا رب السماء أحقيقة أن جسد نيران من تراب الأرض؟! أيعقل أن تكون نيران خلقت من هذه السبخة والغبار؟! شيء ما في جسدها يؤكد أنها أنثى من معدن نفيس، وأن نهديها المنتصبين، المكورين على الخلود ما هما إلا نجمتان تلاقتا ليلاً، ففاجأهما، الفجر، فلم تصحوان فاستقرتا على صدر هذه الأنثى.
تقول إنها حكاية قديمة، تقول إن صاحبك، الذي أخبرك عنها، كان على يقين مما سرده، وحكاه بالتفصيل.. أم داس القديسة، أو القديسة أم داس، عربدت كثيراً في هذه البلاد، واختطفت أجمل الفتيان، بالفعل قال لك إن هذه الجنية كانت تنتقي الشباب ذوي الطلعة البهية، والقوة اليافعة، والصدور الناهضة بعضلات منتفخة في مقدمة البدن. لكنك أنت رجل ضامر، صحيح أنك مازلت بعافيتك، ورونق هيئتك، لكنك لا تملك المحسنات البديعية التي تشتهيها أم داس، فلماذا إذاً تتوجس، ففي هذه البلاد الكثير من الخزعبلات، والخرافات، والأساطير التي لا تمت بصلة إلى الواقع.. وأنت تدعي أنك عالم ضليع في التحليل النفسي، فلماذا تذعن للخرافة؟ ولماذا تمنحها الفرصة كي تستولي على مشاعرك، وأنت الذي قطعت عهداً على نفسك بأن تقطع الصلة بالخرافة والمخرفين، وتنزوي بعيداً، تبحث عن نفسك في هذا المتسع النضر، وفي خضم الصحراء النبيلة، أنت بالفعل عشقت نيران، اندفعت إليها بقوة، تلبست بها، لكنك لا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك بكثير، لأن الكثير من الولوج سوف يكلفك ثمناً باهظاً وقد تخسر نفسك.. كانت على يقين من أن قدراتك لا تحملك على تنفيذ خطط تريد أن تثب فيها حالاً، أنت مازلت تواجه جداراً سميكاً يقف دون تحقيق ما تريد، عليك أن تتريث وأن تصمد، وأن تتحدى نفسك أولاً، فهل تستطيع؟ لا أعتقد الآن وربما في المستقبل المنظور أو البعيد..
أمام هذه الأنثيالات تتجلد، تواجه انكسارك بشيء من الصبر، لا بد أنك شعرت بأن نيران لمست موضع الجرح، والذي فعلها هو ذاك الجندي الأهوج وليس أمك.. الجندي الذي تجلى كالوهم، وربما هو الوهم ذاته، حين اغتصب اليقين وراح يضحك ساخراً من جبنك.. أنت الآن فعلاً تخوض حرباً شرسة بين الشهوة والروح، الشهوة العارمة، المنتفخة، المحتقنة، والروح المهيمنة، المتخشبة، أنت فعلاً تريد أن تطور نفسك، لتخرج من شرنقة الاضطهاد الداخلي، تريد أن تطير في الفضاء كالفراشة، تريد أن تسبح في العراء كما الحلم، تريد أن تتحرر، ولكن الخطأ الذريع الذي ارتكبته هو عندما زاوجت بين الخرافة والعلم، وبين الحلم واليقين، وبين التاريخ والزمن.. التاريخ نحن الذين نكتبه وكثير مما كتبناه زائف وخرافي، وأحياناً متعالٍ، وكاذب. أما الزمن، فهو الحقيقة التي تقطن داخلنا، فيا ترى ماذا يحصل في العالم عندما تتساوى الكذبة بالحقيقة، فلا بد أن تنتكس الحياة، ولا بد أن تتهيأ السماء، لالتقاط بقايا ما طرأ من صراع.. أنت تتصور أن المرأة جنس مغاير لجنس الرجل، وهذه مفاهيم قديمة أنت تجترها الآن، وبعد اجترارها، كونت معرفتك الخاصة، التي تخاصمت فعلاً مع معرفتك العلمية التي نهلتها من الكتب..
الآن أنت تستمع إلى همس الوريقات الرهيفة، وتنظر إلى الخلاء، هو في الحقيقة لا يبدو خلاء بحت، بل إن مضارب الزائرين تملأ المكان، رجالاً ونساء، وصبية، يغطون في الأمكنة المتفرقة، ويستيقظون متأخرين ليباشروا نشاطهم المسائي، وبالأخص الشبان والفتيات، عالم هؤلاء عالم الأحلام، وفي المساء، وبعد العتمة، تتهيأ الصور الخيالية للرسو عند الجفون، وينتشي الحالمون، ينتشون ويفتشون، عن مراسم لتخليد هذه الذاكرة، الحية، والمستقرة.. وأنت بعد أربعين عاماً تعلمت الكثير، وجلت في الكثير من البلدان، وتعرفت إلى نساء، ولكنك لا تذكر أبداً أنك مارست الحب مع واحدة منهن. ولا تعتقد ذلك تعففاً، ولكن يبقى السؤال لديك مطروحاً، ومفتوحاً على آخره.. تريد أن تتحرر من هذا الوهم الخرافي أنت تعرف أن كل ردود أفعالك ضد المرأة مجرد أوهام، لكن الأوهام، كيف يتم طردها، كيف تستطيع أن تهزمها، وأنت مازلت تبحث عن المجهول.. ما المجهول؟ أتعرف ما هو الشيء الذي تريد أن تصل إليه؟.. بالتأكيد لا تعرف، ولذلك سيظل ترحالك طويلاً، والبلاد التي سوف تمضي نحوها سوف تقربك، أو تقصيك، لكنك سوف تمضي بإيمان راسخ أن الحقيقة التي تبحث عنها ليست عندما تنظر إلى البيوت المتنافرة، بعضها شبه أعشاش، أصحابها شيدوها لمجرد الاستيلاء على بقعة الأرض، وبعضهم اعتنوا بها، فتميزت بأناقة أصحابها، ولباقة العاشقين للصحراء، فتجد بعض الأفنية محاطة بالأشجار، مزخرفة بأرصفة محسومة بحجر السيراميك، أو أصلاب الحديد، وترى أيضاً التنانير، بعضهم يعشق شي سمك القابط، وتقشير جلده، بأناة وتؤدة، ويتلذذ بلحمه الأبيض الهش، والأشبه بالقشدة الطازجة، تنظر إلى حولك، تجد عربات رباعية الدفع بدأت تهرب، وتشيع الضجيج، وتأملاتك لا تنتهي، وأنت تتلفت يمنة ويسرة، فقد تبزغ نيران، قد تهبط فجأة، كالحمام البري، لتلتقط من حبات القلب نزقاً، معرفياً وعرفانياً، يحيق بك وبها.. لا.. لا أنت لا تريد أن تمسها بلهفة ولا نبضة، تريدها فقط أن تتأمل الوجه الحسن تريد أن تتمعن في تضاريس الجسد، وتسجل ملاحظاتك عن التغير الذي طرأ على الناس، وكذلك المكان.. الناس هم الذين غيروا المكان بعد أن تغيروا.. واستبدلوا أشياءهم الصغيرة بأشياء أخرى، كبرت الأشياء كما كبرت الحاجات، وتعقدت أيضاً..
في البدء عندما تأملت وجه المرأة، وأمعنت في النظر إلى حركات يدها، وتوتر أصابعها، حسبت أنها يائسة، وبالفعل تضامنت معها، فكرت أن تقترب منها بفضول ذكوري، لمحت في عينيها بريقاً أنثوياً غائراً، لمحت حكايات قديمة مطموسة تحت الجفنين، لكن جفنيها في الحقيقة لم يكونا ذابلين، ويبدو أن الجمال الرائع الذي تمتعت به أخفى كثيراً من يأسها، معظم الفتيات في هذه البلاد يائسات قانطات، مفعمات بخيالات مزدهرة بأحلام مبتورة.. الآن انقلبت الحال، فبعد أن كانت الفتاة تتزوج في سن الرابعة عشرة، وقبل ذلك، صار الزواج محنة، عناء بالنسبة إلى الفتاة، الواحدة منهن لا تحظى بشريك الحياة إلا بشق الأنفس، وإن عثرت عليه فإنه يأتي متأخراً بعد أن يذبل الجسد أو يشارف على الخمود، ولكن التي رأيتها لم تتجاوز سن الثامنة عشرة أو نيفاً، ولكن هذا لا يبرر أبداً زوال القلق، القلق رفيق كل فتاة عندما تبدأ في نزف الدورة الشهرية، وتتوافد الأحلام، تقطرها بسيل من المشاهد الليلية المبهجة أحياناً، والمبتسرة أحياناً أخرى، المهم في الأمر أن الفتيات يعانين كثيراً، ويخسرن الكثير من وهج الشباب إثر التفكير العميق، في شريك الحياة، الذي لا يأتي في أغلب الأحوال. لست وحدك الذي يصاب في أغلب الأوقات بالحسرة، ولست وحدك الذي يمارس جلد الذات ليل نهار، فالبلاد التي نشأ أهلها على الأحلام المبتورة لا بد أن يواجه أجيالها المتعاقبة مثل هذه المشاعر المكسورة، تسقط الأشياء الجميلة بين أيدي الأجيال كون المجتمع يمضي بقفزات متلاحقة، ويحقق بعض النجاحات وكثيراً من الإخفاقات، إخفاقات تحفر الفجوات بين المراحل، وإلا لماذا يهرب الناس من جديد إلى الصحراء، لماذا يستعيدون الماضي بين أفنية بدائية، يفترشون التراب، ويلتحفون السماء، ويتحملون لدغ العقارب، ولسع الرطوبة الخانقة، وشم الأرض اليباب، لا توجد هنا أنهار محفوفة بالبساتين، ولا توجد هنا غابات، وأحراش، كل ما هناك بطحاء رملية قاسية، ترقد منذ أزمنة تاريخية بعيدة، وإلى حتى الآن، لم ينبت شعر شبابها، أو يستقيظ فحل يفوعها.. تتذكر أنت الفتاة اليافعة وتلهج بالأسى، كونك لم تقترب أكثر من نيرانها، فقط أنت حسدتها على رونق الجسد، ولم تتقصّ ما يجيش في الداخل.. هالك جداً ذاك الجسد البض، ونعومة الأصابع التي لوحت بها كأعواد اللوز النبيلة. ورحت تتأسف على زمانك الذي لم تقطف من أغصانه غير الشوك.. فهب أنك حظيت بامرأة طيعة لينة، وقالت لك في لحظة غيبوبة، هيت لك نفسي، فهل ستفعل كما تصير الضواري إلى الفرائس، أم أنك ستتريث، وتتأمل أولاً ثم تتلو التفاصيل، وتضع أصبعك على أعلى جبل في بستانها المزدهر، ثم تقول لها، أريد أن نتجانس معاً.. ثم تمارس الحب.. وأنت تعلم أنك لن تفعل شيئاً، أنت سوف تغوص في الغيهب، وتبحث عن نفسك وحتى تصحو ستكون الأنثى التي بجوارك قد انتزعت نزعاً وغادرتك إلى الأبد.. تتأوه الآن، تقبض على قلبك، تعصر عضلة الصدر بعنف، وتنظر إلى الخلاء، وتقول في نفسك، من هناك جاءت، ثم حلت زائراً خفيفاً، تطل، ثم ذهبت، لا تتصور أنها ستعود، لأنك خذلتها، لأنك أطلت كثيراً في السرد، وتركتها تقضم أظافرها تلفاً، ثم تزم شفتيها، مجلودة بفورة الدماء الحارة.. أنت تفكر كثيراً، وتفسر وتؤول، وحتى تستقصي الحقيقة، تكون أنت قد ضعت في التفاصيل.. ألم تسمع قصة العاقل والمجنون؟.. المجنون تزوج وأنجب الأطفال، بينما لبث العاقل يفكر ويدبر، حتى فوات الأوان، ولم ينجز أي شيء.. قد تضحك أنت من هذه الحكاية، وتسخر، لكنك لا بد أن تفهم أنك بمحض إرادتك تخسر نفسك..
تشعر الآن بعهد المكان، تتوقف عن العويل، تتوقف عن جلد الذات، وتنتصب، تود أن تغادر المكان إلى غير رجعة، فما بالك تفكر في أوهام، ربما كانت تلك الفتاة مجرد وهم، ربما كانت كائناً من كائنات الفضاء، فلا تدعي أنك تعلم بواطن الأمور، وتغادر، تدع الصحراء وحدها تلملم شتاتها، وتسقي أشجارها من عرق العراء المبلل، تذهب عند طرف الشارع تنتظر حافلة تقلك إلى أي مكان، لا تلوي الآن إلى أي جهة، المهم أن تهرع بعيداً عن الصحراء، وتتحرر من تصوراتك، البوهيمية.. أنت بالفعل بوهيمي التطلع، وتحتاج إلى زمن كي تستعيد نفسك وتصل إلى درجة التباين ما بينك والأشياء غير العاقلة.. أحياناً تشعر بأنك تهيم في فضاء خارجي، وأحياناً تحس بأن كل ما تفعله مجرد هراء، لا داعي للتمادي في فعله، وأحياناً أيضاً تمارس ضد نفسك الاضهاد وتغلب عليك الرغبة في جلد الذات، وكل هذه أفعال تعطل كثيراً من تحقيق أهدافك.. حتى اسمك، لا تريد أن تبوح به، ولا أن تجاهر به، فتستحي أن يسمعه غيرك، وكيف يمكن لإنسان أن يعرف نفسه ويدون اسمه، أليست هذه مهزلة، أنت تمارسها ضد نفسك عندما تشمئز من سماع كلمة فيروز، وتقول إن هذه الأسماء تطلق على أشباه البشر.. أليست هذه مفاهيم متعجرفة وبائسة تستحق البصق، وصفع أصحابها؟ عندما لا تتأنى في تفسير ما يلقى عليك من مفاهيم تصبح كالطفل الشرير الذي يريد الأشياء جاهزة، وطيعة ومتاحة دوماً..
قلت إنها ليست عاهرة.. بالطبع هي ليست كذلك. ولكنها كانت راغبة بحزم وصرامة، الرغبة في ممارسة الحب، هي طهر، يتحلل الجسد في بث الرغبة بطلاقة من عفن الاحتقانات، وتنتعش الروح من كبوتات خانقة.. لا شك في أن الإنسان لا يحقق وجوده إلا من خلال تلك الممارسة النبيلة، بين رجل شبق وامرأة متشهية إلى حد الغيبوبة، غيبوبة النهايات القصوى، ذروة الارتعاشة الفانية.. عندما يفنى جسدان في مسيرات الشهوة العارمة، السماء تبتهل في عرفانية غامضة، وكذلك الأرض تنشأ ضارعة لهذا الولوج الأسطوري.. كانت يافعة إلى حد النضج الملتهب، وكنت أنت تتحرى التفاصيل في نشوة بالغة الخصوبة. للمرأة عينان، عين ترى فيها نفسها وأخرى ترى فيها الآخر.. بينما الرجل له عين واحدة، لا يرى فيها إلا نفسه.. كانت نيران ملهوفة، مندفعة متدفقة، وكان تحت كل ذلك حذر شديد يحرس مشاعرها المتفاقمة هلعاً، وكنت أنت بلا حراس يحفظون توهجك العاطفي، لذا أسفت كثيراً عندما لملمت عباءتها هاربة من المكان، كان يتبعها توجسها وعيناك الشاخصتان، في الفرار الرهيب، شعرت أنت بالخذلان، لعنت الشيطان الذي حال بينك وبين تنفيذ الرغبة الجامحة، لعنت الناس، لعنت الوجود، لم ترَ في تلك اللحظة غير نفسك، ولم ترغب إلا في إرضاء هذا المتضور تحت جلد الجسد، امتعضت كثيراً، وأيقنت أن ما جعلك تمقت الآخرين، وتكره التواصل هو هذا الجرح الغائر، النازف حثالات وغروراً، ولاءات لا تعد ولا تحصى، أنت تفكر في عصر بوهيمي، يفتح لك نوافذ الرغبة بلا امتناع أو امتقاع، والآخرون كذلك كل واحد يريد أن يعيش هذه الحالة، ولكن لكل واحد فريضته التي يؤديها، ولجامه الذي يضعه في عنق الرغبة، أنت فقط الذي لا تطيق أربطة العنق لأنها تضايقك، تلجمك، تحبطك، تقيد نزواتك.. نيران لم تكن معتصمة بحبل الله كما تصورت، لكنها المسكينة مرتبطة بعقد اجتماعي متين، لا يلين، ومحاصرة بحزمة من القيم التي تجعلها قديسة، تكره ممارسة الحب، إلا بالطرق التي تتم فيها عبر رجل اللحية الكثة وشهود العيان.. في لحظة سانحة توحدتما ولكن، فجأة انبلجت سهام القيم متحدية ما كان يجوس في صدر الأنثى، ففرت، طالبة حبل النجاة.. عندما نظرت إلى ساعة المعصم وقالت لقد تأخرت، تأكد أنها لم تكن ترقب الوقت بقدر ما كانت تتهجى تفاصيل الزمن، وما خطه على جبينها من تعاليم وتلاوات وحروز مبهمة ومحكمة.. عليك أن تفسر ذلك، وأنت عالم النفس الجهبذ، وأن تتقصى حقيقة ما فعلته الآنسة المجلودة بسياط الشيطان الرجيم.. تفكر في نفسك، تتحسر على حظك، تلعن الهروب المزري، وتكيل السباب لمن خض قلب نيران بالخوف، ثم تتوقف دون تحليل دقيق لما يجري، في باطن الأمور..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:07 AM
#9
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
تابع ..
تشعر بفراغ يطوق عنقك، تريد أن تفك عقال البؤس، تريد أن تلجأ إلى أقرب صديق، يرفع عن كاهلك كل هذا الاحتقان، تتذكر صديقاً قديماً كانت لك معه صولات وجولات وحكايات وقصص إنسانية جمعت بينكما.. تريد أن تطير إلى مكانه في صحراء مجاورة، في مهجع قريب.. تتذكر هذا الصديق.. تراهن على صداقته، وقدراته الفائقة في حل مثل هذه العقد الشائكة.. صحيح أنك عالم نفس وقد تكون تشربت بالفلسفة ما يجعلك أشبه بالناسك، لكنك لا تفهم كثيراً في نفوس النساء.. النساء، كما قال لك هذا الصديق في ذات يوم: «الخيل تريد خيال والمرأة تريد ريال»، فلا يطأ المرأة كل من هب ودب، ولا يروض لجامها إلا رجل يعرف كيف يضع إصبعه على مكان الضعف الذي يجعل المرأة الجامحة تنيخ ركابها، وتذعن للراغب في ولوجها..
في مزرعته في الدقداقة، التي يرتادها منذ عقود من الزمن بعد أن هجر الناس جميعاً، فكرت مداهمته.. أبو سيف هكذا أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب قط، فهو أيضاً يكره الزواج، ويعتبره شيئاً من الجنون أن يحاصر الرجل بذراعي امرأة واحدة، لا ينفكان عن عنقه إلا بموت أحدهما.. وهو كان يقول إنه لا يجب أن يموت، بل يعشق الحياة كما يعشق الحرية.. اتهموه بالمجون والزندقة والهرطقة، لكنه لم يهضْ جناح الذل للألسن الطويلة، كان يعتبر ذلك ضرباً من ضروب الجهل..
لم تكن زرت المزرعة، منذ زمن، وتكاد تنسى معالمها، لكنك أصررت على المغامرة، واندفعت باحثاً عن مكانها، كاندفاعك في البحث عن أبي سيف.. مشيت على قدميك، بعد أن انطلقت من الحافلة التي أقلتك حتى الشارع العام، بالقرب من المحلات التجارية، نزلت في الوهاد القاحلة، المحاطة بالمروج، وبساتين النخل، والبقاع الزراعية المفروشة بأعشاب البرسيم، وكذلك الغليون.. تتلفت يمنة ويسرة، فأخذت جادات الوعورة في التيه البغيض، الوقت الذي بدأ يغمض عينيه، ويسترخي تحت غشاء شفيف من الظلمة، والتي بدأت تزحف شيئاً فشيئاً، وأنت في عجلة من أمرك، خشية من أن الظلام يخفي ما حفظته من معالم قديمة عن المزرعة، قابلك ضوء خافت، أطل من بعيد، ويبدو أن قرص النيون المضاء غير مثبت في جدار، فبدا متمايلاً، راقصاً، كشيخ عجوز يتهاوى في قعر وادٍ، أبديت استعداداً على مواصلة الطريق، مهما بلغ الأمر من صعوبة، فلا مجال للتراجع الآن، بعدما قطعت مسافة لا بأس بها.. مررت على البوابة المضاءة، نظرت إلى السواد الداخلي داخل الحزام الحديدي، قلت ليست هذه مزرعة أبي سيف، فهو لم يحط مزرعته بالأسلاك، بل تركها مسيجة بجدار طيني خفيض، وكان يقول إن للطين مزاجاً يأتلف مع مزاج من يريد أن يتفقه في علوم الطبيعة.. إذا تابعت الطريق شعرت بترهل ركبتيك، وتصبب العرق من جسدك، تحاول أن تخفض من لوعتك بالغناء، وتتذكر كلام أبي سيف عن صوتك الجميل الذي كان يطربه، وكان ينقر طبل الصفيح بضربات خفيفة منسجماً مع ترنيماتك الشجية.. تعرج في اتجاه آخر، تبدو لك مزرعة قريبة، غير مضاءة، وما تراه مجرد مساحة واسعة تبرز من جوانبها أشجار عالية، مضيت وأنت تلهث، توقف غناؤك، وأنت تقول يبدو أنها هي.. هذه مزرعة أبي سيف، وانفراج أساريرك ذوب التعب، ونشف العرق قليلاً، لامست جبينك نسمة ناعمة، داعبت روحك، اقتربت من المكان، قلت مبتهجاً، أجل هذه هي إن لم تخني الذاكرة، الجدار الطيني الخفيض يحيط بأشجار النخيل، وكذلك تلك السدرة الوحيدة التي يتباهى بنبقها أبو سيف، كان يقول عنها: إنها سدرة أسطورية، فهي تثمر شتاءً وصيفاً، ولا يمخر عظم ثمارها أبداً.. وقفت أمام الباب، المحكم بالرتاج الحديدي، صرخت بصوت وئيد، وأنت تتلفت خلفك، كان صدى صوتك يذوب في العراء، حاولت أن تقترب من ثقب في الباب الخشبي، لا توجد إضاءة، الغرفة الوحيدة، المحروسة بالأشجار الكثيفة، لا تكشف عن سيئات هذا الماجن، يبدو أنه يغط في أحلام يقظته، يبدو أنه غادر المكان إلى مكان آخر، ولكن أنت متأكد أن هذه المزرعة هي لصديقك أبي سيف، وهو لا يبدو أنه ينتقل إلى مكان آخر بعد حلول الظلام.. ما العمل إذاً.. هل ترفس الباب المتهاوي، وتلج المزرعة دون إذن مسبق، فقد يفاجئك بضربة على رأسك وينهي كل هذه المشقة، ففي مثل هذا المكان، وفي هذا الوقت بالذات الناس متوجسون، وأنت تعرف أبا سيف، يكاد يشك حتى في نفسه في مثل هذه الظروف.. تصرخ مرة ثانية.. أنا فيروز، فيروز أنا، جئت لزيارتك يا صديقي.. إن كنت هنا أجبني.. شعرت بأنك وكأنك من رجال خفر السواحل، أو حراس الشرطة..
يجيبك.. من على الباب، تفضل.. تفضل.. ولا يبدو أنه سمع اسمك عندما صرخت وقلت أنا فيروز..
رجل بثياب مهدلة، سروال فضفاض، وقميص التصق على صدره مبلل بالعرق، جاءك لاهثاً..
ولجت.. وقلبك يهتف مستريحاً، حيث أيقنت أنك حققت المراد، شعرت وكأنك نزلت من علو شاهق، بواسطة حبل مهترئ، وتلقفتك أرض ترابية لينة ولم يصبك أذى، استقبلك استقبال الأبطال.. قال في لهجة فرحة.. لله درك كيف عرفت المكان بعد هذه العقود الزمنية البعيدة، لم يخطر ببالي أنك تتذكر صديقك وتزوره في هذه العتمة البغيضة.. صحيح أنها ليلة مباركة.. كنت باهتاً، لا تنبس بكلمة، وكنت متعباً، تريد أن ينقذك كأس ماء، يلطف مزاجك، كنت تريده أن يدعك تستريح، ولا يباغتك بالأسئلة، لأنك كنت على يقين من أن الليل طويل، ومجال الأسئلة يأتي لاحقاً.. اتكأت على المسند القطني، ونظرك جامداً باتجاه السقف المسقوف بالجريد، وجذوع النخل.. قلت له: اسعفني بالماء..
تتناول الكأس، دلقت ما في جوفه دفعة واحدة، وأخذت نفساً، قلت معاتباً: كيف تسنى لك أن تسكن في هذه البقعة النائية كل هذه المدة الطويلة.. ألا تخشى من الوحدة..
قال لك مبتسماً: ومن قال إني وحيد..
فهمت المغزى، تمتمت قائلاً: صعلوك، ولا تتهاون في مجونك..
يقول: إنه ألذ ما تستمتع به النفس..
تقول: الشيب غزا رأسك، ولم تهمد..
يضحك.. الذين همدوا ماتوا يا عزيزي..
ولكن لا بد من الاستعانة بالورع قليلاً، إنه يمنع من الزلل..
يغضن حاجبيه قائلاً: ألم تكف عن مواعظك السخيفة.. ثم ينهض..
سأصنع لك شاياً يعدل مزاجك، لعلك تهتدي..
تبتسم.. لن ترتدع عن مهازلك..
ثم وهو يعطيك ظهره، ألم تقتنع بعد أن الحياة مهزلة.. ماذا جنيت أنت من تحليلاتك المملة غير التعاسة..
ومن قال لك إنني تعيس..
يقول: سيماهم في وجوههم..
تتنهد.. لا تستطيع مقاومة بلاغته.. فسخريته جاءت من قدرته على منح الحياة فلسفة مغايرة لما اعتاده الآخرون..
تأخذ كأسك.. تتجرع الرشفات الساخنة، ويمخر الدخان فتحتي أنفك، تنتعش ذاكرتك برائحة الشاي..
أبو سيف.. كيف خطر على بالك زيارتي..؟
خفضت رأسك، ولم تسعفك العبارة غير أنك تقول.. اشتقت إليك، وساقتني قدماي إلى مكانك، وصدقني إنني لم أكن متأكداً من أنني سأستدل إلى مكانك. يشيعه بنظرة حالمة.. القلوب يا سيدي.. القلوب عند بعضها، وأنت أصيل.. ثم يعتدل في جلسته، مستدرجاً مشاعرك.. قل لي كيف كنت تقضي أوقاتك كل هذه المدة.. أليس لك أصدقاء؟
تقول له بامتعاض: لا أصدقاء لي، متململاً.. الحياة باتت باهتة وبلا لون.
أبو سيف: الآن عرفت.. منذ أن شحنت الأرض بالبشر وهي مكتئبة، ولو كان في إمكانها لابتلعت كل من عليها.
تأوهت أنت، أحسست بأنه وضع يده على الجرح.. قلت له: زدني من شايك، إنه لذيذ..
يملأ كأساً آخر، وتتلقفه بيد مرتشعة.. شكراً.
في الصباح نثرت السماء رذاذها الفضي على وريقات الشجر، فاستراح الندى قطرات تلمع على سطح الخضرة، حيث الشمس هيأت خيوطها الذهبية، متوزعة بأناة على ألسنة العشب الناعمة، تصديت أنت للشروق بقلب حالم، يستعيد أزمنة قديمة، تطورت وجداً كونياً بين الجذوع السامقة، والأغصان المنحدرة من علو الفضاء، أخذت مكاناً من زاوية الكون، ورحت توزع نظراتك بين المروج، وأصداء الصباح تحثك على جلب الذاكرة، وحلب شلالها المختلط بالمشاهد الراهنة.. جسدت جل أحلامك في المكان النائم على خضم من الزخرفة الطبيعية، وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً، أن أبا سيف، رفيق العمر القديم، استطاع أن ينشق عن جموع الناس، ليبقى شاهداً على بلد يتطور في أشكاله المادية، ثم ينزوي بميراثه القيمي، مترافعاً أمام قضاة الزمن، عن قضية لا يمكن الإفلات من أنيابها الحادة، كونها قضية الوجدان واللاشعور الجمعي، الذي لا ترحم حصاه، أي آله بشرية مهما امتلكت من مقومات التغيير، أنت وحدك الآن تضع أبا سيف في مقلة العين، وتمسك على تمرده بالنواجذ، تعلم أن كليكما استتب أمرة على أن ما يجيش في خلايا المجتمع هو شيء من الخرافة، هو جزء من اعتلال البنية، لكنك لم تجرؤ على سلك الطريق الذي نهجه أبو سيف. فالرجل أغمض البصر عن الكلام المباح، وشد ركابه باتجاه اللامعقول، بينما أنت مازلت في قلب المخاض، لأن علم النفس يحلل كثيراً، ويؤول أكثر ويسرد حكايات، ويفسر أخرى، الأمر الذي يجعلك لا تبادر متى ظننت، بانتظار اليقين، واليقين لا يأتي إلا بعد أجل غير مسمى، وقد لا يأتي البتة. عرجت نحو منعطف، تمرغت قدماك في وحل مياه آسنة، نامت على الأرض الطينية منذ أيام، انتشلت ساقيك بصعوبة، حاولت أن تنظف نعالك البلاستيكي القديم، من بقايا الطين المبلل، انتزعته من قدميك ونحيته جانباً، ماداً ساقيك على ظهر صخرة، أسندت ظهرها على كومة رمل.. تسمرت في مكانك متأملاً، غارقاً في شعاب الفكرة، ولم يزل صديقك يغط في النوم، ويبدو أنه اعتاد على تمضية نصف النهار على السرير الخشبي تحت السقف البارد، المتصدع بهواء المكيف.. ستقول إنك لم تنم البارحة، لأنك كنت تفكر، وكذلك لأنك لم تعتد النوم على فراش لم يستمرئ جسدك الخمود على قماشة القطن برائحة غريبة.. لم تكن الغرفة مرتبة كالمعتاد، لكنها لم تكن رثة أو عفنة، لكنك هكذا دوماً تشعر بالقلق عندما تفارق مخدعك.. العصافير هنا تطير فرحة بحرية، تنتقل على الأغصان في غزل رفيع المستوى، وكذلك الحمام البري، ذو الريش الرمادي، يستفيق صباحاً، ليبحث عن طعامه، من ثمرات الزرع، وذكور الحمير تلاحق إناثها، في شبق طفولي بريء، متحررة من قيد الحطابين، وسقاة الماء، والحادبين على ظهورها. زمن مر وقد استطاعت هذه الحيوانات النبيلة أن تتنفس الصعداء بعد تخلصها من العذاب اليومي، لا تستطيع أن تقول إن التطور الذي نشأ عن ثورة النفط لم تكن له إيجابية، فهذه الحمير الآن تجد منتجعها الصيفي، في هذه السيوح المحزمة بالخضرة والماء والممارسات العفوية، لفطرتها السحرية.
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:08 AM
#10
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
وكذلك القطط، لا أحد يؤذي مشاعرها، في هذا الفضاء الرحب، ورزقها من الفئران، والحشرات الأخرى، يتوافر هنا بكثرة، وبلا منغصات بشرية.. الحيوانات هنا تمارس حقها في العيش الآمن، فلا أيدٍ تطالها، ولا أعين تتربصها.. نهضت، غصت في البرزخ، وفي نفسك رغبة ملحة على أن تتشابه مع صديقك، لكنك ترتدع لمجرد التفكير، في تأسيس مثل هذه المملكة، لأنك مسكون بالخوف، خوفك الذي يلازمك، ويطارد إخفاقك كلما فكرت أن تحتسي من نفس الذي يكرعه صديقك.. تحسده أحياناً، وتنقم عليه أحياناً كونه متحرراً ورعاً، يمارس طقوسه المجونية، والجنونية، في صومعته، في خلاء الكون الفسيح.. تقول: لماذا لم أتخذ القرار الذي يسلخني من كل هذه الهواجس اللعينة، ثم تتعوذ من شر المجون.. في داخلك تتصارع القوى الغامضة، تحاصرك بقواها الفتاكة، فتضطر إلى التراجع، وتنزف بكاءً داخلياً مريراً..
ينصهر المكان بالحرقة، تحاول أن تختبئ في الظل، كما تفعل القطط التي تخلت عن مشاغباتها، وهجعت تحت الأفياء، مادة ألسنتها اللاهثة.. فجأة تقفز يقظاً، كانت يد أبي سيف تهبط على كتفك، تطبق قبضتها، تلتفت مذعوراً، يقول لك بصوت هامس: هل استمتعت بمنظر الصباح، بعيداً عن الضجيج..
تقول له بصوت مشروخ: بالطبع.. إنه منظر خلاب..
يقول لك: لو سمعت كلامي، عندما نصحتك، بالتخلي عن خزعبلاتك، لكنت الآن في أحسن حال..
تقول له بلهجة متحدية: المكان، رائع، لكنه لا يصلح للإقامة الدائمة..
ومن قال لك إنه مقر دائم.. مجرد منتجع، أقضي فيه أوقاتي..
أنا لا أحب العزلة التي تحبها..
بل قل إنك، ممسوس بقواك الخفية.
تبتسم ابتسامة باهتة.. ثم تطرق.. هذه القوى هي التي عصمتني من أفعال ترتكبها أنت.. ولو فعلت لما استطعت أن أقاوم حياتي..
يضحك ساخراً.. ثم يربت على كتفك: خذ بنصيحتي، ولن أخذلك..
تهز رأسك: لا تحاول.. أنا لا أستطيع..
يزم شفتيه.. ثم يردف: دعك من الوسوسة، وتعال لنأخذ إفطارنا.. السفرة المعدة سلفاً، مهدت طعامها بشرائح الجبن، والخبز الأسمر، والحليب، والشعرية المحلاة، والفول المطبوخ، والحمص..
قلت.. كل هذا تجهزه بنفسك كل يوم..
يهز رأسه، فخوراً.. أجل بنفسي.. ثم يمزح قائلاً: وهل تجد أمامك من تسكن معي تحت هذا السقف.. أمر طبيعي أن يخدم الإنسان نفسه بنفسه..
ولما فرغت من طعامك..
قال: الآن تحتاج إلى كأس أحمر.. أليس كذلك؟
هززت رأسك متجاوباً معه.. سيكون أفضل..
شعرت بالوجل وأنت تنتظر كأس الشاي، كنت تريده أن يفرغ من أي شيء تريد أن تدفعه في اللجة، لجة الحديث والحكايات التي تريد أن تستفسر عنها، قد لا يطيق حديثك عن الجن، لكنك على يقين أنه أعتى شيطان في هذه الأرض، ويعرف الشيء الكثير عن الذين يحفظون من حكايات الحب، وخفايا الأساطير القديمة.. أخذت رشفات الشاي وعيناك تحملقان في وجهه اللامع، أبو سيف، رجل يعتني كثيراً بنفسه، ويبدو من سحنته أنه يهذب شعر الوجه يومياً، ويفترض أنه يفعل ذلك كونه كائناً مغامراً، يعشق النساء إلى حد الشغف..
قلت له: يشغلني كثيراً هذه الأيام موضوع الساحرة أم الدويس، فهي المخلوق الذي أسس مساحة واسعة من وعي الناس، واحتل جبلاً من وجدانهم..
يتفرس في وجهك.. والابتسامة الساخرة تعلو وجهه قائلاً: أنت متأكد من كلامك.. صحيح، أنك تريد أن تعرف عن هذه الخرافة؟
تقول: ولم لا؟ أليست هذه الخرافة جزءاً من تاريخ مجتمع بأسره..
وماذا ستفعل بها لو عرفت؟
أريد أن أكمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس..
يضحك بجلجلة.. آخر عمرك تريد أن تدرس حياة أم الدويس..
ألا تعرف أنني متخصص في علم النفس؟
وما شأن أم الدويس، بعلمك الذي تخصصت فيه..
تقول بلهجة جادة.. علم النفس يدرس سلوكيات الناس ومشاعرهم، وهذه الخرافة جزء من مشاعر الناس.. بل هي شكلت هذه المشاعر..
يفرغ كأس الشاي في جوفه، ثم يزدرد ريقه قائلاً: إذا كنت جاداً، فسوف أصحبك إلى رجل كهل يمكن أن يفيدك في هذا الأمر..
ترفع حاجبيك، مندفعاً.. سأكون شاكراً لك.
لا تحتاج إلى شكري.. فلن أبذل جهداً غير أن أصطحبك إلى رجل أعرف أنه غارق حتى أذنيه، في مسألة الجن والشياطين، وقد يطلعك على موضوع أم الدويس.. ثم يبتسم لتكمل دراستك القيمة..
تقول له، باشتياق، ومتى أستطيع أن أذهب إليه؟
بلهجة واثقة وهادئة.. لا تجزع، فالمساء يكون حاضراً في المزرعة المجاورة، هي ليست بعيدة، على بعد خطوات فقط. طبعاً سوف تسمع الكثير من القصص والروايات التي تدوخك، وعليك أن تسمع، وتأخذ منه ما يفيد.. هو رجل، شبه كفيف، لكنه يمتلك ذاكرة قوية، وفكراً ثاقباً، ولديه قدرة فائقة في تلفيق الصور والمشاهد الدرامية، ما يجعلك تعجب به، وتتمنى لو عرفته من زمن بعيد، ولكن عليك أن تحذر من تصديق كل ما يقوله، فهو يعتقد أنه ملك الجن، وسوف يسرد لك أحداثاً ما مرت على عقل بشر..
تزداد أنت قلقاً، وتتحين فرصة لقائه، وتكاد لا تصدق كلام أبي سيف، تريد أن تقابل الرجل في أقرب فرصة، لتنهل من معينة وتعرف منه أسرار أم الدويس، تريد أن تبني نظريتك العلمية، على معطيات ما سيبوح به هذا الشيخ الجليل الذي يهزأ منه صديقك.. شعرت باشتياق أكثر، واقشعر بدنك، كونك ستتعرف إلى رجل سوف يفك لك عقدة طالما عقدت لسانك، وهيضت منامك، وجعلتك تعيش كناسك طرد من صومعته ولم يبلغ مراده، بعد أن غضبت عليه الآلهة.
أبو سيف، يتفرس في وجهك، يقرأ تفاصيل محياك الشاحب، ويشيعك بابتسامة ساخرة، وأنت تحاول أن تغض البصر عن نظراته، ويهيأ لك على أنه رجل لا يعترف بالعلم كما أنه يحاول أن يتحاشى الخوض في عوالم الجن، ليس لأنه لا يعترف في هذا المحيط الغامض، بل إنه اعتنق فكرة منذ زمن بأنه يجب أن يهرب من كل شيء، أن يهرب من الجن والإنس، ليعيش حياته، هو ديماجوجي السليقة، ولا يستطيع أن يرهق ذهنه بأمور تبعده عن مزاجه الشخصي..
قبل أوان الموعد بساعتين أو أكثر بقليل، يخيل إليك أنك ذاهب إلى الجحيم، تصورت نفسك كالمتهم المحكوم بالإعدام، بدأت أطرافك ترتعش، وقلبك يخفق والعرق يسح من جسدك الذي أضحى كالقربة الناضحة.. نظرت إلى صديقك وهو يلج متاهات الفكرة، ولا يريد أن يخاطبك في أمر ما. أبو سيف لا يعتني كثيراً بهذه الأمور، بل يعتبرها ضرباً من الخرافات البالية، وكذلك أنت، لكنك تختلف عنه في أنك تريد دوماً ألا تمر الأشياء من حولك كلحظة عابرة، فالفكرة تظل تجوس في عقلك حتى تنهكك، وتصير أنت كالطفل الباحث، مهمة شاقة.. يشق عليك أن تفوه بالأشياء كما هي، ولا تفكر عميقاً في تفاصيلها المزمنة.. هذا مرض مزمن سكن روحك منذ طفولتك والآن كبر معك، بعد أن كبرت أسئلتك، الغامضة والشائكة.. فعلاً أنت تحسد هذا الصديق، الذي أمسك عصا الحياة من النصف وراح يروغ بها عن نفسه كل ما يشقي روحه، فاستمتع بحياته كما هي، ولا يفكر أبداً في تطويق عنقها بالأسئلة التي ليس لها إجابات سوى الشقاء.. تحاول أن تعتذر عن الذهاب مع صديقك إلى الرجل الذي سميته كاهناً، تريد أن ترتب أفكارك، تريد أن تهذب مشاعرك، لا تريد أن يستقبلك الرجل وأنت مرتبك العقل، تريد أن تقف أمامه بهيئة الرجل الباحث عن الحقيقة لا أنك مراهق، مرتجف، مرتعد الفرائص.. حاول أن تفوه بكلمة تنبئ الصديق عن رأيك الأخير، بينما كان هو مستلقياً على جانبه، يقلب ألبوماً، قديماً، ويبدو أنه رصف فيه مجموعة من الصور، كانت هذه هواية قديمة لديه، يجمع صور الأصدقاء، تجرأت، قلت له: أرني ما في الألبوم..
قال في ابتسامة نبيلة.. هذا لا يخصك..
ألست صديقك؟
بلى.. ولكن ليس كل ما لديّ هو مشاع..
إذاً لماذا تقلب الصفحات أمام عيني..
يضحك.. أريد أن أغريك.
وبماذا تغريني؟
أنت مندهش بكل شيء، وأي شيء يشد انتباهك؟
مديح هذا أم ذم..
بين هذا وذاك.. ثم يضحك مازحاً.. ويمد الألبوم لتتلقفه يداك المرتبكتان..
يصيح.. ما بك ترتعش كزعنفة سمكة ألقيت على الشاطئ..
تقول، زاماً شفتيك: لا أدري، ثم تزعق.. ما هذه الصور..
هل أعجبتك؟
تقول: بالتأكيد أعجبتني، ولكن سؤالي عن هذه الصور؟
يقول: لبشر من دم ولحم..
تضحك ضحكة باهتة..
يقول: ما الذي أدهشك في الأمر؟
تقول: آسف أنك كرست كل هذه السنوات في الجمع والالتقاط.. أليس كذلك.. وهل أجمل من الجمع.. والالتقاط أيضاً..
ولكن ما جدوى هذه الصور، مادمت حظيت بأصحابها..
إنها، رسم مثير تجعلني لا أنسى، الوجوه التي قبلتها..
وهل قبلت كل هذه الوجوه؟
يقول: وإنما لماذا أحتفظ بصورها.. أنا لا أفعل خيراً دون جزاء.. عقيدتي هي هكذا..
تهز رأسك، يأكل صدرك الغيظ من فجاجة صاحبك، رغم محبتك له، وينهش قلبك، أوان الموعد المشؤوم.. تقول في نفسك: لماذا استعجلت في الأمر؟ كان ينبغي عليّ أن أتريث، حتى تستتب مشاعري، وأهيئ نفسي لهذا اللقاء.. أخشى أن أضعف أمام الرجل، وتذوب كل قدراتي لسؤاله.. سأبوء بالفشل الذريع، سأتحطم وأندم أنني تسرعت.. تقفز من مكانك، تدع الألبوم جانباً، تنحيه بالقرب منك.. تقول لصاحبك.. ما رأيك لو أجلت موضوع لقاء الكاهن إلى يوم آخر..
فيغضن حاجبيه، ويزم شفتيه، قائلاً: هذا شأنك.. أنت الذي تريد مقابلته، ولك الخيار متى ما أردت.
ترتاح نفسك، وكنت تخشى من سخريته منك، واتهامك بالخوف والتردد، لكن يبدو أنه بغطرسته فهم الأمر، ولم يعترض.. صحيح بدا من لهجته شيء من الامتعاض، لكنه لم يرق إلى درجة الغضب.. قلت في نفسك هذا مريح، أشعر الآن بالسعادة، إذ سيأتي المساء من دون مواعيد، وأعتقد أنني أكره المواعيد والالتزامات منذ الصغر، وقد تكون هذه الحالة مرتبطة بنفسي منذ أيام المدرسة، كنت في طفولتي، أشعر مساء كل جمعة بحزن رهيب ينتابني، إلى درجة أنني كنت أنكفئ في مكان منعزل، وأظل منتحباً وكأنني سأساق إلى المقصلة، وأتصور أن الإحساس باللوعة مرتبط بالخوف من الفراق، كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق، كنت أبلل ثيابي ليلاً، حتى تظل أمي إلى جانبي، تنظفني، وتغسل أعضائي التناسلية، بل وكنت ألتذ بالملامسة الحانية التي تبديها..
تقول الآن، أشعر وكأنني تخلصت من السجن، تريد الآن أن تغادر الغرفة، لتطلع على مشاريع صديقك الزراعية، رغم أنها متواضعة وليست ذات أهمية إلا أنه يعتبرها من المهمات الجليلة التي أقدم عليها بالفعل، فإنه اختار الطريق الصحيح بالنسبة له، مثل هذا الكائن لا يستطيع أن يمارس حياته المعتادة، وسط زحام الناس.. الناس سوف يرجمونه بالحصى، فيما لو شاهدوا تصرفاته، فهو لا يتورع أن يعانق فتاة، طليقة في مكان عام، لا يرتدع عن فعل أي شيء في اللحظة ذاتها متى ما سنحت له الفرصة، فإذا إن هذا الملاذ الآمن يصبح بالنسبة له، ساتراً وواقياً من الفضائح..
تنظر إليه، تقول: أريد أن أخرج من عتمة الغرفة، أريد أن أتجول في المزرعة، لأشم رائحة العشب..
يقول.. وهو يلتقط ألبومه، الذي تركته مطوياً عند المسند المجاور لمسندك، ألم تعجبك أي منها؟
تقول ساخطاً: لا.. لا تعجبني هذه الأنماط..
يضحك.. مزمجراً.. أنت لا يعجبك شيء غير أم الدويس..
ترمقه بنظرة وأنت تدلف من الباب، تلج المزرعة، ومع انكسار الضوء، وزحف الظلال على الرمل الطيني، أحسست برغبة في فسخ نعليك، لتتلقف الأرض الباردة شيئاً من الدافئة أكثر، قدميك الحافيتين، شعرت بلذة، وكأنما شيء ما في داخلك يطويك طياً، ويدفعك إلى الدفء.. في الدفء حكاية مديدة تقطن روحك، أنت قد لا تحب ممارسة الحب الجسدي، أكثر من توقك إلى الدفء، لذلك شعرت بالاشمئزاز وشيء من المرارة، عندما سألك الصديق، عن اختياراتك، أحسست بأنه يناوئك المشاعر، فهو يمارس الحب لإشباع الغريزة الجسدية، وأنت تبحث عن الظل، تسأل عن الدفء، والدفء لا يأتي إلا من أحضان امرأة مرهفة أجلت مطالب الجسد إلى حين يمتلئ القلب، بسعراته الحرارية..
جلست الآن أنت عند المجرى المائي، وبين الفينة والأخرى صرت تمد يديك، تبللهما بالشلال ذي الرغوة البيضاء، الناصعة.. ترشف شيئاً من القطرات، تقول: الماء هنا، ليس بالعذوبة التي نتوخاها، في السابق كانت مياه الآبار أشد عذوبة، وربما يكون ذلك بسبب النزيف اليومي من قبل المزراعين الذين لا وسيلة لديهم غير هذه العيون، شبه الفاضية.. لم يرافقك أبو سيف، وبطبيعة الحال، فإنه منشغل في إعداد شاي المساء، أبو سيف صاحب مزاج وحس مرهف في تعامله مع الطبيعة، لكن على ما يبدو فهو على خلاف ذلك، في علاقته بالمرأة.. الذي يحترم روح المرأة، لا ينبغي أن يكدس الأشكال والأصناف، كما أنه هاوٍ لجمع الحيوانات أو أي أشياء أخرى..
تقول: على الرغم من إحساسي بأن أبا سيف من أقرب الأصدقاء، وأكثرهم حميمية، لكنني أمقت هذا المزاج الشخصي الذي لا يتلاءم مع أخلاقه كإنسان، محب، ورقيق، ولا أدري كيف تجتمع شخصيتان في شخص واحد.. تهز رأسك، قانطاً، ثم يلفت نظرك طائر الغراب، الذي يحوم فوق رأسك.
قلت: هذا الطائر اللص، يقولون إنه لا يخدم نفسه بنفسه، وإنما من خصاله أنه يسرق ما لدى غيره.. أراه الآن يلوي فوق رأسي، يظن أنني أضم بين يدي طعاماً.. صوته أشبه بصوت مزمار سيارة عتيقة.. محشرج دائماً، لا يثير الشفقة أبداً، عدواني إلى درجة أنه يهيم في الفضاء، ويصطدم بالأشياء بعنف وكأنه طائر أعمى.. تنظر إليه وهو، يتعسف بالأغصان، وعندما يهبط، وعلى الرغم من ضآلة حجمه إلا أنه يثير ضجيجاً، فتفر منه العصافير، وطيور الحمام البري.. تنهض.. تعود أدراجك إلى مأوى الصديق..
الشاي رائع.. ترشف رشفات خفيفة، ثم ترشق في فمك حبات لب البطيخ، ثم تقذف بقشورها في وعاء النظافة.. تسترخي مستريحاً عند حلول الظلام، يقول لك أبو سيف.. وقت الأصيل في حوش المزرعة، الهواء عليل، ومنعش..
تقول: بالفعل هذا رائع..
في المخدع المتواري بين جدران، وأشجان، قلت لطفك.. طوقني.. حاول بكل جهد أن تستحضرها، لتحميك من خوف، وتدفئك من برد.. ارتعشت قليلاً ولما طواك الشرشف القطني السميك شعرت بالهدوء.. ففي الليل الأشياء تلبد، وتسكن، ما عدا شياطين الشوارع الذين يلوبون ليلاً ونهاراً، ولا تخمد نفوسهم من الدوران، وطحن الأسفلت بعجلات الحنق والحمق.. تتذكر صديقك وتستعيد ما سرده من أمجاد، بين أفخاذ نساء، تنوعت أشكالهن وألوانهن، ولم تتغير رغبته عن حب الشهوات والنزوات.. لا تدري لماذا أنت تلومه، ولكن كلما حاولت أن تجد له عذراً انقبض قلبك، وشدك دافع عنيف قائلاً لك: لا تندفع نحو الضلالات.. تريث، تعود أدراجك إلى أيامك الغابرة، تقول ما أجمل هذا الصديق لو أنه تخلى عن مجونه.. وتقول أيضاً هو سيقول، ما أروعني فقط لو انتهيت من فلسفة الأشياء، وتركت الحياة بجبلتها من دون قوانين، ونظم صفها البعض لأغراض أنانية لا غير.. وتقول لا أريد أن أكون أنانياً، فليمضِ صديقي في طريقه، وليبقَ صديق العمر، في شأن سلوكه الشخصي بعلاقتي به.. تستريح الآن قليلاً، تشعر بأنك تخلصت قليلاً من النقمة.. تعود ثانية تحاول أن تستدعي تلك الفتاة العابرة، تقول في نفسك النساء العابرات أشد فتكاً من اللواتي يجاورن الجسد، ألهذا السبب لم ينفرد صديقي بواحدة، حتى يتخلص منها، ليصبو إلى أخرى.. الأشياء البعيدة أجمل من القريبة، البناؤون لا يرون ما أنجزوا جيداً إلا عندما يتقهقرون بعيداً، فيكون الإحساس بالجمال أدق.. ولو أنني اعتليت بدنها لأول وهلة، ستصبح بلا قيمة بعد ذلك.. الأشياء التي تأتي بصعوبة تكون أشهى وألذ.. المرأة المراوغة تستقطب المشاعر أكثر من المرأة التي تسقط بسهولة كثمرة فاسدة..
أنا على يقين لم تكن عاهرة.. قلت.. أجل نيران، ربما كانت تواجه مأساة كسائر الفتيات اللائي يمررن في فترة المخاض.. كانت أشبه بالحمامة التائهة، وكانت تود لو أنني أنقض عليها، وألتهم بدنها، وأمارس الحب معها بصورة نهائية ونموذجية، ولكن لم أكن لأفعل.. تقول بغضاضة.. هذه أساليب حيوانية أن يطأ الرجل امرأة، في عرض الصحراء، ولا لحاف لهما غير سقف السماء العاري.. الحمير تفعل ذلك، لأن فطرتها تتيح لها ذلك. أما أن يمارس ذلك الإنسان فذلك فعل من أفعال الهبل..
تحاول أن تغادر الفراش، لقد سخن السرير، وصارت عظامه المتهالكة تصرصر، كأحجار الجدران القديمة. تقف عند النافذة، تفتح الستارة المخملية، ثم الشيفون الشفاف، ثم الزجاج الداكن للنافذة، تطل على الشارع، الساهر وحده على حراسة الأشجار، والحيوانات الصغيرة، الدائبة ليلاً بحثاً عن فرائس.. تلمح عن بعد مطاردة عنيفة، ومواء أشبه بالاستغاثة، قط شرس، برأس مدبب دائري، ينقض على أنثى صغيرة الحجم، تحاول أن تلقمه بحجر، لكن ليس لديك ما تلقمه إياه.. الهرة الصغيرة تستلقي على الأرض الحجرية، وترفع سيقانها إلى الأعلى، تحاول أن تدافع عن مصيرها، بيد أن العدوان أقوى من المقاومة، بعد فترة سمعت الهدوء، همدت الأصوات، ويبدو أن الهرة الصغيرة وجدت مفراً، فلاذت بالفرار، الروح أغلى من أي شيء، ومن له حيلة لا بد أن يحتال، ربما وجدت الهرة الصغيرة من وسيلة، خدعت بها القط المهاجم، فهربت.. كان في إمكاني أن أفعل ذلك ساعة العدوان المباغت، وأحمي بدني من الانتهاك، لكن الحيلة أحياناً تكون ضئيلة أمام عدوان غاشم، لا يردعه استجداء، ولا يمنعه احتواء، ولا ينفك عن فعل جريمته إلا بعد أن يقضي ما أمره شيطانه..
تفكر الآن فيما قاله صديقك أبو سيف.. تقول وأنت تحت وطأة القلق. تقول وأنت مستريب من كلام الصديق.. لماذا حاول أن يحبط ذلك، الرجل بهذه الهالة السحرية، حتى جعلني أرتعد.. لماذا كانت عيناه تجحظان وهو يسرد القصة عن صاحبه العجوز، وكأنه يقص قصة من حكايات ألف ليلة وليلة.. صحيح أنه اعتاد دوماً ومنذ الصغر أن يفخم الأشياء، ويضخم الأحداث، لكن هذه المرأة كانت أكثر مبالغة من ذي قبل.. تشعر بصراع، تمسك رأسك بيدك، تعقد جبينك، تحاول أن تمسد الجبهة، ثم تذهب إلى الدرج المجاور للسرير، تفتح الدرج، وتنزع علبة الفوكس، تمسح جبينك بالدهان الساخن، ومع ارتفاع درجة حرارة الدخان، تخف ضربات الصداع، تعود ثانية إلى المناظرة، تسمع طرقات خف على صلابة الأسفلت، تتبين الهيئة، شخص ما يمر بجوار النافذة، شخص يلمع وجهه تحت ضوء النيون الخافت، يتحدث بصوت مرتفع، ولا أحد يسير معه، لكنه يتكلم، يكلم نفسه، يحث خطى مسرعة، وكأنه يريد أن يلحق بركب ما، لمحت عصا فوق الكتف، وعلق حبال قفة من سعف النخيل، عرفت أنه أحد الصيادين الذين يرتادون البحر في هذه الساعات من الليل، وربما كان قد تأخر عن موعد الوصول إلى المركب الذي سيقله مع مجموعة من رفاقه.. قميص قطني بنصف كم، وإزار مخطط بالأبيض والأحمر، مرتفع قليلاً عن الكعبين، ليس تديناً وإنما لحاجة العمل في البحر، ولإنجاز المهمات الصعبة، في أقصى سرعة.. الكادحون وحدهم الذين يسيرون في الليالي وتحت جنح الظلام، ويمخرون عباب البحار، متفانين من أجل لقمة العيش، بينما المستهترون يهلكون أنفسهم وينفقون أموالهم في لحظات طيش مميتة..
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى