رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تهز رأسك.. تتوقف وتشعل السيجارة، ثم تزفر الدخان يختلط بالضباب، تذوب أنت في تمازج اللونين، تقول: الأشياء الخرافية عندما تصبح واقعاً تبدو قميئة، ومزرية ومرعبة.. يتصور أن المزرعة ستجلب له السعادة، ويتخيل الذي يقطن في محيطها ينعم بالحياة الهانئة. وأنت تتسلق الأرض الحجرية، تغمرك الفكرة، معتمرا ضباب الصحراء، وكأنك تجوس في كون هلامي فياض، وتفيض بك الأرض، المفروشة بالصلابة، واختلاجات العشب، ونشيج الحيوانات الباحثة عن ثمرة الجنة..
مغامرة، قلت متحداً مع وجودك: مغامرة أن يتعرى داخلك، وسط مكونات الطبيعة التي تحللت من أردية الكون، المخادعة، وتصير في النهار تحت بياض الأرض، التي استقبلت أشعة الشمس اللاهبة باستسلام، وتلحفت بغشاء شفاف من العشب الصحراوي، الأشبه بشعر رأس رجل، أصلع إلا من شعيرات متناثرة عند قمة الجمجمة.. تقول إنك، خلي القلب وأنت تجوس الصحراء الواعدة، بعراء مهيب، تقول إنك شيء باهت من هذه الأشياء، الشاحبة، المعطرة بتواريخ مجهولة، وكأنها قطعة أثرية، بلا معنى.. الذين، استوطنوا هذه البقعة الجغرافية كانوا أبطالاً، بحق، بواسل إلى درجة التفاني من أجل إحياء رميم التراب، المتعافي من رهط الطبيعة القاسية، الصخور وحدها هنا التي تتلاقح عن يقين رغبة في البقاء، والصمود، بجرأة، كنساء هذا المكان اللاتي كن يخضن معارك البقاء، ويجلبن على رؤوسهن عطاء الأرض اليابسة من أجل لقمة تسد الرمق.. تتذكر الرجل، الذي أخذ أجرك وحملك مشكوراً بسيارته عندما تلمظ بشهوة يافعة وهو يسمع كلامك عن صديقك ومزرعته المترامية، في جغرافية المكان المتناهي إلى فحولته.. تتذكر رضابه الذي سأل، متوجعاً، متألماً من دون قناعة تذكر، وكذلك، تتذكر عمال الحفر، الذين يحلبون التراب ليجلبوا الحصى مختلطاً مع العرق، واللهاث المريع. تقول: يظل الوهم رغبة قابعة في الصدر، تمتد جذورها إلى ما لا نهاية، والخوف من الفناء، مساحة ضوئية، ضالعة في التأثير منذ الأبد. يسلبك التذكر، وأنت رحى تدور حصاتها دون توقف، تطحن دقيق القلب، وتنفض عرقاً، ثم تقدح الروح، بمسحل الحلم الفتاك، عندما داهمك أبو سيف بأفكاره الجديدة، امتعضت، ولم تتوسم فيه خيراً، لأن يقينك يقول: مادامت المرأة لم تزل تهيم بين أضلعه كالجرادة الجائعة، ويطعمها هو من نزيف نزواته بلا توقف، فلا داعي للوهم، ولا أمل في أن يخرج الرجل من شرنقة عبثيته التاريخية.. عندما نظرت إلى عذاب، ولمحت الشعاع الكينوني يفيض من مقلتيها، شعرت بأن الرجل لم يزل في غي السنوات العجاب، ولم يزل يستحم بعرق الشهقات السادية.. هذه المرأة العملاقة، تجرد مساميرها الحادة، لتنغرس في روحه، فتبقيه كما هو وإن حاول أن يتباهى بدنيوية جديدة مغايرة..
عند باب المزرعة، تقف، الوقت نصف النهار تقريباً، تنادي بصوت متعب، من حنجرة مضخمة بالبصاق.. تبصق أنت، ولا تدري، لماذا تقذف بصقتك بعنف، أهو تذمر، أم تمرد، بالفعل لا تدري، ولكن، شيء ما كتم على صدرك، وشعرت بالضجر يتسلل إلى صدرك. وتتصفد بالاختناق.. يأتي الخادم مسرعاً، يصفق ساقيه النحيلتين، السمراوين، المعفرتين بالغبار، وطين التعب، يقف أمامك ناظراً إليك بعينين ذليلتين، تشفق على حالته، تتضامن معه عاطفياً، تبتسم، ويشيعك بابتسامة باهتة.. تقول: لا أشك أبداً في أنه يكرهني في داخله، كما أنه يكره سيده..
فهو لا يحب أبا سيف.. الذين يجلسون في القاع، يحقدون على الذين يتربعون عند القمة، أياً كانوا، من يحرث الأرض بأظافره لا بد أن يرمق من يستخدمه بعين الشرر، فقد قال الشيخ ضاوي: إن أم الدويس لعنت زوجها وأرادت أن تنتقم منه لأنه فكر في اغتيال ابنائها، كونهم جاؤوا مشوهين.. الانتقام حيلة من يسقط تحت سياط الظلم..
استقبلك الصديق بترحاب جم، احتضنك، ولف ذراعيه حولك، في لقاء حميم.. وكذلك فعلت وأنت تشعر بالطمأنينة..
رغم المسافة التي تشق ندبها بينك وبين الصديق، إلا أنك تشعر بالسعادة، وتدخل إلى قلبك مشاعر هادئة، لما تجد نفسك في حضرة أبي سيف.. لم يحضر أحد عنده اليوم.. ازداد شعورك بالأمان، وهو يجلس قبالتك بملابسه الداخلية.. القميص القطني والإزار الأزرق المخطط بالأحمر والأبيض.. لم يسألك عن رغبتك، بل سارع على الفور ليعد الشاي الذي تفضله على الطعام والشراب.. ساورك الظن وأنت تتأمل هيئته الواجمة شيئاً ما، أنه قد تشاجر مع إحدى عشيقاته.. ولما قدم لك كأس الشاي، قلت متسائلاً: وجهك شاحب.. أتشعر بوعكة..
همهم ضاحكاً.. لا بالعكس، أنا في أتم العافية.. يبدو أن ضوء الشمس، الذي ضرب عينيك، بدل اللون الزاهي بالشاحب..
لكنك لم تغير رأيك.. صمت غير مقتنع بما يقوله، لكنك لم تبادر في مناقشته، فقد لا يعنيك الأمر كثيراً، في المجادلة حول قضية قد تبدو تافهة، المهم أنه يشعر بالعافية، حتى وإن كانت ظاهرية..
تتلفت.. تنظر في أركان الغرفة..
يفاجئك قائلاً: التي تبحث عنها سافرت إلى بلدها..
ترفع حاجبيك، وكأنك مشغول بشأنها.. سافرت.. لم..؟
يقول: وهل يهمك الأمر كثيراً..؟
تقول، متبجحاً: لا، بل مجرد استفهام..
يقول: هي في الأصل جاءت إلى هنا بتأشيرة زيارة..
تقول مازحاً: وأنت تصطاد كل اللاتي يأتين بتأشيرة زيارة كونهن يمثلن بضاعة طازجة لم تدنس بأيدي الغير.. أليس كذلك..
يهمهم.. مبتسماً.. لا.. أظن أنك تبالغ، هي الصدف التي تخلق مثل هذه اللقاءات، وكما تعرف صاحبك تمتع بمشاعر رقيقة ولا يهون عليه ترك عابري السبيل، بلا ملاذ..
مستفيداً من رابطة العلاقة التاريخية المديدة. تقول معنفاً إياه: ألا تجوز عن تصرفاتك الشنيعة: أيعقل أن تمرغ عمرك في الرغبات الطائشة..
يجلجل ضاحكاً.. قائلاً بعبارة تهكمية: أليست أفضل من أن أهيم في البراري بحثاً عن وهم، لا جدوى من نتائجه، سواء أكانت سلبية أم إيجابية..
تمتعض قليلاً.. تغضن حاجبيك، مبتئساً، قائلاً بلهجة جافة: الوهم الذي تتحدث عنه هو الحقيقة التي يجب أن نضعها نصب أعيننا، أنت لا تبالي بكل هذا لأنك مأخوذ بعلاقات جنسية عابرة، وتعيش هنا في برجك العاجي، متسكعاً بين أجساد النساء، وتضاريسهن التي تشبه بعضها..
يقول واجماً: لا تظن بصاحبك هذا الظن السيئ، أنا لست دونجوانياً، ولا أنا زير نساء، كل ما أفعله هو مجرد إسعاد نفسي والأخريات بقدر الإمكان..
تقول محتداً.. تسعد نفسك على حساب ضعف من لا حيلة لهن غير بيع لحومهن..
يلوح بأصبعه: لا يبعن لحومهن، بل يقدمنها طواعية وعن طيب خاطر.. ثم يستطرد: يا أخي، لماذا لا تريد أن تفهمني، أنا لست مستغلاً، ولا طاغية.. أنا إنسان طبيعي، وأشبهك في كثير من الصفات، فقط الأسلوب..أسلوبي الفج هو الذي يجعلك تنفر من تصرفاتي.. المرأة يا سيدي زينة الحياة الدنيا، المرأة التي تخشاها أنت، هي المحتوى والمضمون..
يرتعد بدنك.. تشعر بأنه، يقصم ظهرك، بكلمة «تخشاهن»، تشيعه بنظرة عتاب، تتفحصه.. وتشع من مقلتيك دمعة، حبيسة.. تقول بصوت متحشرج: أنا لا أخشى النساء، وإنما أتحاشاهن، لأنني أخاف من تلويث الذات..
يضرب كفاً بكف.. قائلاً بحسرة: تلويث الذات.. وهل هن كلاب..؟
قلت: لا.. لم أقصد ذلك، ولكن اللهاث خلف الجنس تلويث للفكرة التي أسعى إلى تحقيقها..
يقول برماً: يا أخي.. أتعبت نفسك، وأتعبتني.. ما هذه الفكرة الجهنمية التي تريد أن تفجرها في وجه العالم.. ألم تتعب من البحث أم أن علم النفس شوه الأشياء في عينيك إلى درجة أنك لم تعد قادراً على معرفة الحقيقة؟
تقول، منبجس القلب: علم النفس لم يشوهني كما تدعي، بل إنه فتح أمامي مجاهيل كثيرة، قد لا تعيها أنت..
يتدخل ضارعاً.. صدقني.. أنا أحبك كثيراً، وأتفق معك حول مفاهيم كثيرة، لكن كل ما أريده، أن تخرج قليلاً من هذه العتمة التي ورطت نفسك فيها، ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً بحدة: اخرج يا أخي.. اخرج..
تتورط أنت في حواره، تحاول أن تنسحب، تتقهقر قائلاً: اسكب لي كأساً ثانية..
يسكب، وعيناه تحملقان في وجهك، ثم يقول: لا تجزع، أعرف أن هذا الكلام يسري في صدرك مسرى السيوف الحادة، ولكني أردت فقط أن أمازحك..
تبرد قليلاً.. تفتل شاربيك، تتأمله، تفكر فيه، وأنت تعرف أنه يعيش حياته هنا، وفي صدره غليل النيران، ولم يختر منفاه هنا إلا لأنه رفض التعاطي مع الآخرين بالشكل الذي يريدونه، لكنه اختار أيضاً الطريق الخطأ.. تعرف أنه مثقف جليل، لكن إحباطه ألزمه العزلة الطوعية، ولأنه لم يعبأ، بالعقائد كثيراً، استحال إلى شخص ماجن، إنما سجيته ليست كذلك. قلت متسائلاً: ألم تقل لي إنك لفظت الماضي التليد الذي كنت جزءاً منه.. هل مازلت على العهد أم لا..؟
يخفض بصره، يزم شفتيه، ثم يرفع رأسه قائلاً.. صدقني أنا كائن آخر، أنا الآن أشعر وكأنني انسلخت من قوقعة ودخلت في رحاب واسع.. الفتاة التي مقتها، كانت سبباً في خروجي من الظلمة إلى النور.. أنا الآن، أشع بنور وضياء لا تتصور مدى حجمه وتأثيره في نفسي..
شعرت بالفرح.. قلت: ولم إذاً تجادلني..؟
قال في اهتمام بالغ.. لكن يجب أن تفهم، الخرافة التي تعتني بها، أنا لست مقتنعاً بها، ولن أقتنع..
عندما حلف لك بألا تغادر مكانك لتبقى معه هذه الليلة، انتابك شعور بالفرح، حاولت أن تتملص مجاملة، لكنك، تحت وصاية إصراره، أحسست بأنه يستجيب لرغبة داخلية، لديك، فنزعت القندورة، والمعصم، وقذفت بالعقال أيضاً، واسترخيت.. لازمك شعور بأنك لتمضي ليلة شاعرية، في خميلة صاحبك، وزقزقة العصافير، الحالمة بحثاً عن ملاذاتها، وحفيف الأوراق، المشاغبة وهي تترنم، بأيقونة الوجود الكلي.. تقول: إن الأشجار والأحجار، والأرض والكائنات الحية الأخرى، تتوحد ليلاً، تنسجم، وتعود إلى جبلتها الأولى، وتفتح الأرض، دفاتر التاريخ تتلو صفحاته على كائناتها التي تكونت من نفس معادنها.. في الليل، تتستر أشياء وتشهق أشياء، ويسيل رحيق الحياة، على ترائب الأرض المخلدة وتتذكر الأشجار، أشجار الغاف بالذات، يد قاطعي أغصانها، وحارقي حطبها، وكذلك همسات النساء اللاتي اختلين بعشاقهن، ساعة غفلة من الملأ، والطيور، تبدو حارسة، مجلجلة، متلجلجة وهي تسبح في الفضاء، تتبعها عيون النجوم المشعة، والناس بعضهم من غط وبعضهم ربما يبدأ سهرته في الساعات المتأخرة من الليل، لا متأملاً، ولكنه متزمل بما طوقته به دنيانا المليئة بالأحداث والتصاريف المحزنة..
جلست وطلبت من صاحبك أن يسقيك شاياً.. في هذه الليلة سيكون هو الخادم، النادل، والساقي الذي لا يكف عن إروائك بالسائل الأحمر الذي تحبه..
تقول إنك، انشغلت بكلام أبي سيف، ولمحت في عينيه بريقاً، يخطفك إلى أماكن بعيدة، وشاهقة، رشيقة، قلت لا يمكن أن ينبع من هذا المعدن إلا ما هو نفيس، أبو سيف حتى وإن كان نزقاً، إلا أنه ينتمي إلى فكرة سامية، وراقية، وهذا ما يجعلني أحبه، وأحس بالدفء وأنا أقابله، ولا أستطيع أن أقول إنني أحب هذه الأماكن الموحشة، كما يحبها هو، لكني أحببتها فعلاً، كونه يقطن فيها..
أبو سيف، صديق عمر، تربينا معاً، في الطفولة، وأيام الدراسة المدرسية، وفي الجامعة أيضاً، لكنه اختار الدراسة الجامدة، العلمية، ولم يكن، يعبأ بالنظري، بل كان يقول، هذه دراسات لا تؤكل عيشاً.. كان يضحك مني عندما يجدني أحتضن كتاباً في الفلسفة، ويسخر قائلاً: نعم يا فيلسوف زمانك، إلى ماذا توصلت.. أتريد أن تخترع نظرية جديدة في الكون؟ أتريد أن تفجر العالم باكتشاف جديد غير الذي جاء به داروين.. ويضيف.. بالتأكيد، ستقول إن أصل الإنسان، حمار، لأنه ليس لدينا هنا قرود، إنما الحمير تملأ الصحارى، وكذلك البيوت، ثم يجلجل ضاحكاً، لم أكن آخذ كلامه على محمل الجد.. لم أكن أمتعض منه، لأنني أحبه وهو أيضاً يشاكسني لمجرد إثارة جو من المتعة..
وتقول، ما يحزنني الآن هو هذه المسحة الغامقة من الحزن، التي تشوب وجهه، على الرغم من أنه يحاول أن يغطي ذلك بالابتسامات الباهتة، والنكات أحياناً، إلا أن نبرة الصوت التي أسمعها، لا تخرج من صدر منشرح، بل تندفع، كالحميم من جوف يختزن آهات وأنات.. تشرب الشاي، ويجلس أبو سيف قبالتك، يشيعك بنظرات ترحيبية، وأنت سعيد بجبوره، سعيد بقضاء ليلة بعيداً عن تلك الغرفة، الصامتة الجامدة، صحيح تشعر بوله، وشيء من الغربة الداخلية، لكن أحياناً.. تقول: إن هذا الإحساس يشيع لذة في النفس، كما هو الألم.. تستدرك: طبعاً أنا لست مازوخياً، ولكن طبيعة بشرية تتخللها أحياناً بعض التناقضات، والغرائبية..
يقول صاحبك: اشرب الشاي، وتكلم معي.. لا تنشغل بالشاي وتدعني أنظر إليك، كما ينظر الإنسان إلى تمثال حجري..
تضحك.. تقول: أحياناً الصمت أبلغ من الكلام، الصمت فلسفة الناس الذين ينظرون إلى الحياة نظرة عمق..
لم يتضايق، لكنه هز رأسه، بتململ مصطنع.. قائلاً: يا أخي، أوجعت رأسك ورأسي بهذه الفلسفة، ثم يستطرد: إن لبدنك عليك حقاً.. أعط هذا الرأس فترة من الراحة، فكر قليلاً كما يفكر الآخرون بسذاجة.. أحياناً السذاجة تكون فلسفة، لكنها فلسفة الناس الأبرياء العفويين، الأنقياء، الذين لم تشوههم النظريات المعقدة..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
تنظر إليه، وتعلو وجهك ابتسامة عريضة، تتخيله وهو ينظر، وكأنه بوذا، ولكن بثياب عربية، وطموحات أبي سيف الذي تعرفه.. تقول.. كل شيء في هذه الحياة فلسفة، ولو أردت الهروب من الفلسفة فلن تتمكن، وها أنتذا، جئت إلى هنا، لذت بالعراء، طوقت نفسك بعزلة قاتمة، جلست خلف الظلمة، اختبأت عند زاوية من الصمت، وحبست أنفاسك، كي تتلصص عليك النجوم، فهل تشعر حقاً بالسعادة التامة؟.. هل حققت كل ما أردته لمجرد أنك وجدت في هذا المكان القصي؟
يضع سبابته في صدغه، يتفرس في وجهك، يطرف جفنيه طرفات متدثرة، ثم يقول: لا بالطبع لم أشعر بالسعادة..
تقول إذاً لماذا تخدع نفسك وتظن أنك فعلت المستحيل حتى طلقت الحياة العادية وهجرت الناس..
يهاجمك قائلاً: وأنت كذلك انقطعت عن الناس.. أليس كذلك..؟
تقول: أجل.. فعلت ذلك، ولكن ليس لأجل أن أمضي أوقاتي في بيت بلا معنى، وأتصور أنني قد نجحت في تحقيق الذات..
يقول: لم آتِ هنا لتحقيق الذات..
تقول لماذا إذاً؟
يقول.. لأنني سئمت أشياء كثيرة.. لا أحبها..
تقول: الابتعاد عن الشر لا يحل المشكلة.. المواجهة هي الحل..
يفتح بصره، ويحدق دهشاً: مواجهة.. مواجهة من؟
تقول: مواجهة الحقيقة..
يصفق بيديه.. برما.. أمازلت متمسكاً بهذه الحقيقة التي تقتلني بها؟
تقول: بدونها، تبقى الحياة غائمة بلا مطر..
يقول: استحلفك بالله.. لا نريد أمطاراً، وأنت تعلم ماذا تفعل الأمطار في شوارعنا، وأحيائنا، وبيوتنا.. الجفاف أهون من المستنقعات..
تبتسم.. تقول: دعك من الأمطار التي تأتي بها غيوم السماء، ما أقصده أمطار الحياة، أمطار الناس، الأمطار التي تعشوشب لها القلوب وتتخلص من الخرافة، والأوهام، والأحلام المؤجلة..
يغضن حاجبيه، وينظر إليك بعجرفة.. يقول: وتعتقد أنك تستطيع أن تغير كل هذه الأشياء بمفردك..
تقول: لا بالطبع.
يقول: إذاً كيف ستحل هذه المعضلة؟
تقول: بك..
يشير إلى نفسه، واضعاً سبابته في صدره قائلاً: أنا؟
تقول: نعم أنت.. ولم لا؟
بهز رأسه، قائلاً: عفواً سيدي الفيلسوف، أنا لا أنفعك أبداً..
تقول: ولم؟
يقول: جئت متأخراً..
تقول: متأخر.. ثم تقول بإصرار.. مازلت شاباً يافعاً، وتستطيع أن تفعل الكثير، وإمكانك أن تخرج من هذه العزلة، لآفاق أرحب..
يقول: لم أقصد العمر، ما قصدته أنني خرب من الداخل..
يستفزك.. تثب. تقول: هذا يأس وليس خراباً.. أنت سمحت لليأس بأن يتغلغل داخلك واكتفيت باستقباله بترحاب، وجلست متقاعساً، راضياً، في هذه الحياة التي لا معنى لها..
ينهض أبو سيف.. اعتقدت أنه سيقول لك، انصرف من هنا.. اغرب عن وجهي.. مد لك يده، قال: قم..
بحلقت.. تقول إلى أين؟
يقول: إلى الخارج..
تقول: الخارج.. وماذا نفعل في الخارج، وسواد الليل يغطي المكان، وأنا أكره الظلمة الموحشة..
يقول: وأنا أحبها، ثم مازحاً.. أنا صاحب البيت وليس أنت.
تضحك.. تذعن لرغبته. يأخذك إلى مصطبة، حجرية، أضيء ما حولها بإضاءات خافتة، فبدت كجوف قاعة، سرية، لا يطأها إلا الخاصة..
تقول: لم جئت بي إلى هنا.. كنت مستريحاً في الغرفة، والجو لطيف..
يقول: بل هنا ألطف.. ثم يمزح.. أنت عالم نفس، ولك أن تتأمل في خلق الله البديع. لك أن تنظر إلى هذا الكون الفسيح نظرات منفتحة.. الخروج أحياناً من الحوارات المنغلقة يسنح للعقل بأن يلتقط الإشارات الضوئية الصحيحة، فيرى نور الحقيقة.. ويمزح ثانية: ألا تريد أن ترى الحقيقة؟
تضحك، لكنك كنت تشعر بأزمة داخلية.. تريد أن تمسك بزمام الحديث، وهو يحاول أن يتهرب كطبعه في معالجة القضايا..
يقول أبو سيف.. ألا تريد أن ترى أم الدويس بعينيك؟
تقول، ساخراً: لو كنت تعرف أن أم الدويس ستأتي هنا لتبولت في ثيابك، وخررت صريعاً في مكانك..
يضع يده على كتفك.. يقول: كم أنت جميل، ورائع، حتى عندما تكون حانقاً..
تقول بصوت شجي: لأنني أحبك.. أحبك كثيراً يا أبا سيف، وليس لي أصدقاء أعز منك.. لكنك.. وتغضن جاجبيك..
يقاطعك: لكن ماذا؟ قل ولا تتردد..
تزم بوزك.. لا أدري.. ثم تطرق.. أشعر بأنك تبتعد عني أحياناً كثيرة..
يفرك جفنيه.. يقول لك، أنت بحاجة إلى امرأة..
تقول محتجاً: وماذا أفعل بها؟
يقول: أنت تعاني من احتباس..
تضحك بسخرية.. تقول: احتباس؟ وكيف اكتشفت ذلك يا ذكي..
يقول: صدقني.. لا أمزح.. المرأة لديها مؤهلات تستطيع أن تخلصك من حياة التأزم..
تهز رأسك نافياً.. لست متأزماً..
يقول: بلى.. والدليل، أنك تنظر إلى الحياة وكأنها حقل جاف.. وهذا دليل أنك بحاجة إلى من يرطب لسانك..
تتفرس في وجهه.. تقول: أنت جاد..
يومئ برأسه، أجل.. يجب أن تفك هذه العقدة..
تتزلزل الأرض من تحتك، تشعر بأنه قصمك إلى نصفين، وأطاح برأسك.. تقول.. والكلمات ترتجف على شفتيك الناشفتين: أدعوتني للمكوث معك هنا لكي توبخني، وتطعنني في الصميم..
يقول بلهجة هادئة: أرأيت.. قلتها بنفسك.. أطعنك.. ثم يستطرد: لم أرد إهانتك، ولكن هذه هي الحقيقة.. وأنت قلت قبل قليل، يجب مواجهة الحقيقة..
تستدير جانباً، وكأنك تريد أن تهرب.. تريد أن تقفز قفزة واحدة، توصلك إلى غرفتك المعتمة.. تنام على فراشك الهادئ من دون زلزلة.. تقول: الحقيقة.. أنا أبحث عن الحقيقة.. ولكن الحقيقة تبدو كامنة في أشياء أخرى، وليست بين أفخاذ النساء..
يقول مازحاً: ليس من الضروري أن تبحث عنها بين الأفخاذ، خذها من أماكن أخرى، تضاريس النساء واسعة، ورحبة وسخية، وعليك أن تختار، ثم يسقيك كأساً آخر، يقول: اشرب من خمر المسلمين، ادلق كأساً ساخناً لعلك تهدأ قليلاً..
تقول: لست متوتراً..
يقول: بلى.. لكنك لا تريد أن تقول الحقيقة..
تضحك برماً، وأنت تشيح وجهك جانباً.. تقول: منذ أن عرفت كلمة الحقيقة وأنت تلوكها كما تمضغ النسوة اللبان.. صدقني أشعر بالتقزز من أسلوبك، وأود لو أغادرك إلى مكان آخر..
يقول منزعجاً: تغادرني؟! كيف يهون عليك صاحبك، تتركه وحيداً في وحشة الليل البهيم؟ ألم تعدني بأن تنام هنا..؟
تقول بلجلجة: سئمت من حديثك الفارغ، وأشعر بأنك لا تملك غير الكلام المسف، وأن العزلة فرغتك من مضمونك..
يقول معاتباً: كل هذا لأنني قلت إنك تحتاج إلى امرأة.. لماذا تكره النساء هكذا؟ هل أضرتك إحداهن؟ قل لي أنا سوف أقتص لك منها..
تقول: لا تمزح كثيراً يا صديقي.. يقولون إن كثرة الضحك تميت القلب، وقلبك لا يحتاج إلى مزيد من الهلاك، فهو هالك لا محالة..
يضحك.. يضحك.. يصدر سعالاً حاداً، ويقول: سامحك الله، كيف تتمنى لصديقك، صديق العمر، أن يهلك قلبه.. فمن سيبقى لك من بعدي؟
تقول: لا أقصد أنه متوقف عن الحياة، بل ما قصدته أنه لا يحس، أنت أصبحت براجماتياً عفناً، وأنا لا أطيق هذه المشاعر..
يقول: الواقعية، أجمل من الخرافة..
تقول: ليس كل ما في الواقع جميلاً، بل إن هناك معطيات تسمم البدن..
يقول: كلامك صحيح، لكن التعامل مع الرذيلة بواقعية، يذهب فاعليتها..
تقول: أنت تخادع نفسك..
يقول: وأنت تكابر..
تقول: إذاً لماذا نتناقش؟
يقول: لنصل إلى الحقيقة..
تقول: حقيقة ماذا؟
يقول: حقيقة كل شيء..
تقول: كل شيء؟
يقول: أجل..
تقول الأشياء لا تؤخذ بالجملة، فأنت لست في سوق البطيخ..
يقول: الحياة بطيخة كبيرة..
تقول ساخراً: كيف؟
يقول: قد تكون حمراء وقد تكون خضراء..
تقول: وكيف تكتشفها؟
يقول: عندما نقترب منها، ونبحث في تفاصيلها..
تقول: الشيطان يكمن في التفاصيل..
يقول ممتعضاً: هذه خرافة.. معرفة الأجزاء توصلنا إلى الكل..
تقول: وما هي أجزاء الحقيقة؟
يقول: جزءاً منها المرأة..
تبتئس: عدت أيضاً إلى المرأة..
يقول: ولم لا؟ هي جزء من الحقيقة..
تقول: كيف؟.. أفهمني..
يقول: عندما يتحاشى رجل مثقف مثلك الاقتراب من المرأة، فهذه معضلة يجب الاقتراب من فحواها، يجب دراستها..
ترتعد فرائصك، يسخن بدنك، تعرق، تقول: لكني لا أخشى المرأة..
يقول: إذاً لماذا تتحاشاها؟
تهز رأسك: لا أعتقد أنها مجدية..
يقول: ولماذا إذاً خلقت.. لأجل أن نكرهها..
تقول محتجاً: أنا لا أكره المرأة..
يقول: الابتعاد عنها، شيء من الكراهية..
تقول: لا تفهمني خطأ.. أنا لا أكره المرأة..
يقول: ولماذا إذاً، عندما شاهدت عذاب، شعرت وكأنك تلاقي أم الدويس.. أليست تلك امرأة.. وحسناء؟
تتبدد أفكارك، وتلتصق جدران الغرفة، من حولك، تفرقع عظامك، تريد أن تصرخ، تقول: لنعد إلى غرفتنا، أشعر بالاختناق هنا، أشعر وكأن وحشاً ضارياً يطاردني..
يقول: هذه المرأة التي تكرهها..
تقول بصوت مزمجر، أرجوك، لا تحطمني بأقوالك العقيمة، دعني وشأني.. تفر من المكان، تذهب إلى الغرفة، يتبعك، تدلفان يجلس قريباً منك، يربت على كتفك، يقول: اهدأ.. سأصنع لك شاياً ساخناً يعمر طاسة رأسك..
تلجم فمك.. تنكفئ مرتعداً، معرقاً، مكتوياً.. تردد في سرك.. المرأة.. المرأة.. أيعقل أن أم الدويس امرأة، وهل صحيح أنها تملك ذراعاً عملاقة وقوية؟ يا إلهي، أريد أن أشاهدها وأموت بعد ذلك، لا أريد أن ألهث خلف سراب.. المخرفون يتحدثون عن فظاعتها، يفصلون ويؤولون ويسورون، العقل بهالات خرافية، مذهلة.. أريد أن أرى هذه المرأة الهائلة، أريد أن أقبض عليها متلبسة بجريمة، لأقتنع بحقيقتها..
يقدم لك أبو سيف الشاي، يقول مبتسماً: جرب السكر.. مناسب.. ترشف الرشفة الأولى، تهز رأسك، تقول: جيد..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
يقول أبو سيف.. الآن حلق كما شئت، اشرب الشاي وطر، أينما تريد أن تسير، ولن أتدخل أبداً، لن أشاغبك، ثم وهو يربت على كتفك.. قائلاً: لا تنزعج مني، ولكن أنا على يقين، ستقتنع بعد زمن قليل بكل ما قلته.. ثم يضيف قائلاً: مشكلتك ليست مع أم الدويس، وإنما مع قضية أخرى، لن أقول المرأة حتى لا تتهمني باستفزازك، ولكن كل ما أريده أن تسأل نفسك بنفسك، لماذا لا تشكل المرأة بالنسبة إليك قضية محببة، تدفعك إلى الاقتراب منها؟ أليست المرأة جزء من الناس؟
تقول: نعم جزء من الناس..
يقول: إذن، لا تجزع من الحديث حولها..
تصمت.. تفكر..
تقول في سرك: عندما تحضر المرأة، تستحضر معها الأسئلة الغامضة، والمخيفة، وربما يكون صديقك على حق، لكنني لا أستطيع أن أفشي أسراري بهذه السذاجة.. تمقت هذه الفكرة.. تقول: لا أشعر حيالها بأي بغضاء، هو مخطئ عندما يصفني بالمعقد، وربما يريد من وراء حديثه تبرير سيئاته التاريخية الفظيعة، ربما يريد أن يتخلص من بعض عقده التي تلازمه على مدى أيامه.. أحياناً أشعر بأنه يريد أن يكفر عن ذنوبه بمجرد الإطاحة بأفكاري العظيمة، هو يعلم أنني فيلسوف غارق حتى أذنيّ في البحث والتقصي، فلماذا يصمني بعار الكراهية للمرأة.. تلبث هكذا، تحك صدغك، وتفتل شاربيك، وتتلمظ، تريد أن تخرج من دائرة مغلقة لكنك تشعر بتحطم عظامك، وأنت تغوص في التفاصيل الشائكة.. المرأة.. المرأة.. كلما استأنفنا الحديث عن الحياة، أقحم المرأة على الطاولة، وصار يلعق رضابه بتشهي كأنه الظامئ، ثم يبدأ في كيل الاتهامات المؤذية لي.. لقد مضى على صداقتنا عقود من الزمن، أي أنه صديق طفولة، لكنني لم أعد أفهمه جيداً، متقلب، متغير، مزدوج الشخصية، ورع ملتزم في ساعة، وفي ساعة أخرى نزق، شهواني إلى درجة تقديس جسد المرأة.. أرغب أن أخرج من مجالسته في يوم، وأنا مقتنع بأن لي صديقاً يكافئني على جهودي العلمية، بالإشارة، والإطراء، لكنه للأسف دائماً ما يفاجئني بالخذلان، ويضطرني إلى أن أكرهه..
أبو سيف ينهض.. يحاول أن يغير مجرى الحديث، يتحرك في محيط الغرفة جيئة وذهاباً، ثم يتجمد عند طرف قريب منك.. يقول: يسعدني دائماً أن أراك مبتسماً لكنك وللأسف قلما تفرج شفتيك عن ابتسامة تكافئ هذه الطبيعة الباهرة على إبداعها المذهل.. أريدك أن تتحرر من الانطواء المزري، أريدك أن تحلم بحياة أزهى، ويستطرد.. دعنا من الآخرين.. فإذا كانوا منحرفين وغير أسوياء، فلماذا لا ننجز نحن عالمنا الخاص؟ أو لماذا لا نتخلص من سوداوية الآخرين؟ كنت تمنحه ظهرك.. تستدير، تنظر إليه بإمعان تقول: وكيف نتحرر من الأصفاد والأقفال بأيديهم..؟ ألست أنت الذي قلت إنهم أوغاد، وأنذال، يمضغون الخرافات كما تجترها العاهرات قبل أي منازلة جنسية خسيسة؟ فلماذا الآن تنقلب رأساً على عقب، وتبدو كأنك، الملاك الذي يهبط من السماء ليحرر العالم، من رجس الشياطين؟
يقول: مشكلتك أنك لم تفهمني.. صحيح أنك صديق عمر لكنك مازلت تجهل توجهاتي، ومشاريعي الإنسانية..
تقول: وما هي مشاريع الصديق العزيز..؟
يقول: هي أن أعيش متصالحاً مع نفسي، أن أتطهر من غبن الآخر، وأن أحيا حياة البوذيين.. وهي تعجبني جداً..
تقول دهشاً: إذاً أنت بوذا جديد..
يقول: لا.. بل أنا معجب فقط بهذه الانثيالة النفسية الرهيبة، التي تمنح الإنسان القدرة على الحلم، والتمسك بالقيم الإنسانية الرفيعة، من دون الإمعان في الإضرار بالآخر..
تطقطق.. تهز رأسك. مستغرباً.. تقول: ليتك تتخلص من هذا الاحتيال الفكري.. بوذا لم يكن زير نساء، بوذا لم يتعبد عند فرج امرأة..
يحنق.. وأنا لم أفعل ذلك، هذا وهم أنت ترتكبه فحسب، كما تتوهم، أشياء أخرى... قلت إنك لم تفهمني، وهذا جلي الآن في لهجتك الحادة..
أحسست بأنه احتقن، فأردت تطييب خاطره.. تقول: لا تجزع هذه مصارحة صديق لصديقه، وإن كنت قد قسوت عليك فسامحني..
يتجرد من كظمه.. يحاول أن يغبطك بالمحبة التاريخية التي سارت عليها الصداقة العريقة.. يقول.. لن يزعجني انتقادك، بل هذا يدفعني إلى أن أفهمك وألتذ، وإذا فهم كل منا الآخر نستطيع أن نحلم معاً بقاسم مشترك واحد..
تقول: عافاك الله، ونعم الصديق، ولكنني أريد أن تفهم شيئاً واحداً، هو أنني رجل شديد المراس، ومن يريد أن يتبعني لا بد أن يتحلى بأخلاق، وأنا من قيمي ألا أتطرق إلى قضايا المرأة وأقحمها في أتون القيم الكبرى..
يعتدل في جلسته.. يقول بلهجة جادة وحادة.. صديقي العزيز، لو لم نتطرق إلى المرأة، فإننا نكون كمن يريد أن يتسلق الفراغ.. المرأة، ليست جنساً كما تعتقد، المرأة كائن شائك، يحتاج إلى قدرات خارقة كي تفك الشفرات، وأستميحك عذراً، لأقول، إن التخلف المزري الذي ترزح تحت طياته الثقيلة سببه بؤس المرأة ورجس الرجل..
تأخذ نفساً عميقاً.. تشعل سيجارة، تقول: لقد أتعبتني اليوم، أشعر بأنك شخص آخر غير الذي كنت أعرفه، تخوض في قضايا، لا تجعل الحوار معك سهلاً..
يقول ضاحكاً: ألست أنت الفيلسوف.. فلا بد أن يكون معك الحوار شائكاً..
تقول: لكنه أيضاً، تافه في بعض جوانبه..
يقول برماً: كيف؟
تقول: لأنك توغل الأشياء في الأشياء، وتوغر صدر محدثك، بحقن سامة، ما يستدعي الملل والسأم.. دعنا نتحدث رويداً رويداً.. ثم ننتقل إلى موضوعات الساعة التي تريد مناقشتها..
يقول في حيرة: وماذا تريد أن نتحدث عنه؟
تقول: أم الدويس..
يضرب كفاً بكف.. يقول، حانقاً: عدنا لنفس الموضوع.. ثم يستطرد قائلاً: أنت لا تريد أن تخرج من هذه الدائرة المغلقة.. أنت حبست نفسك في سجن أم الدويس، ولا تريد فك الأغلال من معصميك..
تقول بإصرار: هذه قضيتي.. إن شئت فساعدني وإن لم تشأ فهذا شأنك ولن أرغمك على شيء لا تحبذه..
يقول مضطرباً: وماذا تريد من أم الدويس؟ لقد شرح لك الشيخ ضاوي ما يكفي شرحه، وأوضح لك كل التفاصيل التي تريدها.. ماذا بعد؟
تقول: لقد قال القصة الكلاسيكية، ولم يفصح عن علاقتها بالمرأة.. ما أريده.. لماذا أم الدويس امرأة، وليست رجلاً..
يضحك.. يقول بسخرية: هي هكذا، الله خلقها امرأة، ماذا تريدنا أن نفعل؟ أتريدنا أن نعيد خلقها من جديد ونحولها إلى رجل..
تقول متهكماً: اسمح لي أن أصفك بالغباء.. فعلاً فأنت غبي..
يبتسم.. يقول: مقبولة منك..
تقول.. معتذراً: لقد حيرتني، وتجيب عن الأسئلة يستنكف طالب في الابتدائي أن يجيب عنها.. فما علاقة الله بأم الدويس؟
يقول متواطئاً مع أفكاره اللامبالية.. إذاً ألا تقل لي من خلقها.. أنت.
تقول محتجاً: بل الجهلاء..
يقول: الجهلاء؟ كيف حصل هذا؟
تقول: أم الدويس صناعة بشرية وليست ربانية.
يبهت.. يقول: إذا كان الإنسان هو الذي صنعها، فلماذا يخافها..؟
تقول: نحن بني البشر هكذا.. نصنع الأصنام ونعبدها، وقد قلت لك ذلك سلفاً، ونصنع كذلك المارد الضخم فنهابه.. والأمور تجري هكذا..
يقول: إذا أنت حللت المسألة المعقدة، فلماذا تجهد نفسك في البحث؟
تهز رأسك ممتعضاً.. تقول: أبحث عن البداية، أبحث عن السبب..
يقول: سوف تتعب يا صديقي.. ثم يستلقي على فراشه قائلاً.. صباحك ورد..
تقول: وتتركني وحيداً وأنا ضيفك..
يقول.. أنت لست ضيفاً.. أنت أخ.. واعذرني فقدت أرهقت.
في الصباح الباكر تستيقظ.. تقول، لم أنجز شيئاً يستحق الاحترام.. هذا الغبي يريدني أن أكون مثله.. يريد أن أنام كالقطط مستريحاً بعد إطعام معدتي.. يجب أن أغادر، وربما أكون قد أثقلت، ربما أكون قد فهمته خطأ بحق..
تودع صديقك، وتغادر منزله، وقلبك مملوء بتوجسات المقبل من الأيام، تقول: ماذا جرى لعقلي، لقد أقحمته في متاهات هو أعجز أن يفهمها.. كان في إمكاني قضاء ليلة مخملية، أستذكر معه أيام الطفولة، وأستعيد ذكريات ماضية جميلة.. أبو سيف رجل شهم، ونقي السريرة، لو أنني أطلعته على رحلاتي في العراء، وأخبرته عن الفتاة نيران، لانفرجت أساريره، وبحلق عينيه، وسال لعابه حتى غطى لحيته الكثة.. أبو سيف يريد أن يسمع عن قصص النساء، وكان في إمكاني أن أختلق القصص، وأصيغ جملاً رائعة تلهب وجدانه، يستفيق على أثرها قلبه الأخضر، المعشوشب بشهيق النساء الغارقات من تعب اللهاث، وشقاء الأحلام الوردية.. لكنني كنت صلفاً، متعجرفاً، متزمتاً، متعنتاً، نعته بأوصاف لا ينعت بها إنسان، وأنا على علم بأنه رجل رقيق وشفاف، يحب الإطراء، ويعشق التغزل بصولاته النسائية، فهكذا يجد نفسه، وهكذا يتطور نسله، وهو يزبد ويرغي أثناء الكلام عن امرأة، ضاجعته من المغيب حتى شروق الشمس، ومنحته جسدها بسخاء الطيبين الأفذاذ، ورطوبة الماجدات، الناعسات الكواعب.
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول موبخاً نفسك.. خسئت.. لقد أحبطته، وثبطت همته، وكسرت عزيمته، لذا، انزوى بعيداً مكظوماً، منحطاً، ونام في أسفل المشاعر المكسورة..
…
مشيت على قدمين، متهالكتين، يخضك قلب منعدم، وروح تغوص في سحيق الاندحار المريع.. عند الشارع العام، حاولت أن تستجدي العربات المجنزرة، التي تخوض معارك الوجود، بيد أنك فشلت، لا أحد هنا، يلتفت لعابري السبيل.. لا أحد في المكان النائي يتوخى الصبر في السير على الأسفلت.. السيارات تبدو كالصواريخ منطلقة إلى ما لا نهاية.. تمنيت أن ترى صاحبك الذي أقلك بالأمس، لكن لا جدوى، الأمنيات هنا مجرد سراب، وذاك الرجل لا يتكرر كما لا تتكرر العادات القديمة والنبيلة.. الناس يبدو أنهم خائفون.. مماذا؟ لا تدري، ولكن لا أحد يجرؤ على التوقف في الشارع العام، ويسأل شخصاً ما عن مكان وجهته.. أنت وحدك الذي مازلت تفهم بعض القيم، وتتمنى ألا تزول، ولكن دوام الحال من المحال في مجتمع تطحنه أمواج التغيير من كل حدب وصوب. تشعر باليأس، تحرك قدميك، المتيبستين، تشعر بأنهما ليستا ملكك، تشعر بأنهما تريدان أن تنفصلا عن جسدك، وتفكر أنت أن تمارس غي المشي، رغم التهالك وانسداد الأوعية الدموية عند قاع القدمين.. تمضي قدماً متماسكاً، تقول.. لماذا لم يفكر أبو سيف أن يأخذني بسيارته إلى مأواي، ثم تستدرك: لقد تركته، والنعاس يملأ عينيه، تركته ولم تلتفت إلى نداءاته وترجياته لك بأن تبقى معه وقتاً أطول. فأحس بأنك ماضٍ في قرارك، فترك لك الخيار، لكنك في قرارة نفسك كنت تتمنى في هذا اليوم بالذات، أن يسهم أي مخلوق في مساعدتك.. فسهرة الليلة الفائتة كانت مضنية، هشمت عظامك، وحطمت معنوياتك، صرت كالشيخ الضرير الذي يتوكأ على صخور الصحراء، فتلكمه، بالصلادة، بعدوانية.. لمست بعض الراحة، عند ظل شجرة الغاف.. قلت يجب أن أمنح نفسي بعض النقاهة، ثم أواصل. كانت رائحة الورد الأخضر تفعم أنفك، وتحس بنشوة الناهض من غفوة، جلست على سطح صخرة صغيرة، نظرت إلى الخلاء، ورغم كل ذلك، فالجو اليوم مثالي، لأن الشمس بدأت تتهاوى قليلاً، وشهر سبتمبر، أعدل طقساً من سلفه القابض على الجمرات.. أخذت قسطاً من الراحة، واستأنفت المشي، بعد أن استعدت بعضاً من قواك الجسدية.. استعدت بعض أشياء نفسك المبعثرة، رتبت مشاعرك.. تقول: رغم كل فجاجته إلا أنه صديق يتحمل كل غلظي.. هذه محسنة من محسناته البديعة.. استعدت نشوتك عندما حطت قدماك أرض المنزل..
بعدما فعلت فيك تلك الليلة حامية الوطيس، بعد الاحتقان المزري، بعد المواجع التي تحركت وتصهدت حتى احمر وجه الليل، وارتجفت الجدران، وارتعش السقف الخشبي، وناءت الأشجار في الخارج من ثقل الأنفاس، التي خرجت من شقوق الباب القديم، مسام الغرفة الطينية.. وبعد أن فررت في الصباح الباكر، ليس مهزوماً، وإنما مكظوماً، مثلم المشاعر، تخرجت لا تلوي على شيء، مطوقاً بأحزانك وانفعالاتك التي هدرت وزمجرت حتى ارتعد داخلك ما أهلك جسدك، وجعلك تسير كالمصاب بالدرن..
هل تغادر البيت إلى مكان آخر، إلى أي مكان؟.. أم أنك تحرم الخروج لمدة أيام أو أسابيع.. أو حتى شهور..؟
تقول: لا بالطبع.. ما جرى كان لا بد أن يدور بين صديقين مختلفين في التوجه، وكان من الطبيعي أن يحتد النقاش، وتتصاعد وتيرة اللغة، وأحياناً أسف أنا وأحياناً يسف هو، لكن كل هذا التشعب لن يفسد الود التاريخي بيننا كصديقين.. ثم إنني أعرف صديقي جيداً، رجل طيب القلب، نقي السريرة، مسامح، لا يضمر شراً لأي مخلوق، صحيح أنه ناقم لقيم معينة، لكن هذا لا يعني أنه يكره أحداً بالذات.. وأنا كذلك إن كنت أشد منه فظاظة، وغلظة وهذه سجيتي ولا أستطيع التملص منها، لكن في نهاية الأمر أحبه، وزياراتي له سوف تتكرر، وسأكون أكثر تشدداً في مبادئي، وليكن هو كذلك.. هذا الصديق، كل ما لديه من خصال تعجبني حتى التي لا أتفق معه فيها، ما عدا واحدة.. وهي اعتقاده أن المرأة محور الكون، وليس لأنه يبجل عقلها دائماً لأنه رجل حالم بجسد المرأة، عابد، ناسك، معتزل من أجل اختزال التاريخ، في شهقة أنثوية، تعيد له توازنه.. أنا لا أشك أبداً أنه يعاني تناقضاً في حسه تجاه المرأة، فهذه الأنثى التي يتغنى بها ليل نهار، ويطلق الأناشيد الصباحية لأجلها، هي نفسها الأنثى التي يغتال خصوصيتها، ككائن حي يستحق ألا ننظر إلى أسفله أكثر مما نحترم، ما فوق الأسفل..
تقول.. لقد أغاظني كثيراً عندما تحدث بفجاجة، وصار يرعد ويزبد، عندما جاءت سيرة المرأة، شعرت بأنه تحول إلى كائن آخر، كائن مشتهٍ ومتورم بالجنس حتى آخر رمق.. تصمت.. ثم تستطرد قائلاً: ولكن لا أدري ماذا جرى لعقلي عندما حمي وطيس الحوار، وصرنا، نحن الاثنين، ننبح ككلبين مسعورين، ولو شاهدنا أحد سيقول إن هذين الرجلين يتنازعان على إرث، أو أن لديهما ثأراً قديماً.. كنت أرتعش، وكان يحتد غضباً، على الرغم من أنه كان يشيعني بابتساماته الباهتة بين الحين والآخر، ولكنها كانت كالماء البارد عندما يصب على حديد محمي، ليبرد ويتخذ صلابته، كان يفعل ذلك بهدوء بعد ضراوة، وكان يخفض من لهجته بعد عدوانية شرسة، وكذلك، كنت.. متشبثاً بآرائي، متيبساً كعكب شجرة القرط لا ألين ولا أميل، يجتهد محاولاً أن يطوعني، وأنا أزم شفتي، متعجرفاً.. وهو كذلك حاولت مرات ومرات أن أهدئ من روعه، وأن أستميله، بيد أنه كان يقف متصلباً كالجبل، متزمتاً كشجرة عجفاء بلا ثمر..
تصمت قليلاً.. تفكر.. تقول، متسائلاً: لماذا الارتعاشة. أجل كنت أرتعش عندما توغل في الحديث وعندما حضرت المرأة بقوة في جمله الاستعراضية.. كنت أشعر بالتوجس، وكان قلبي ينبجس، ويتقعر، وينكمش، حتى صرت أحياناً أشعر بأنه سوف يقفز من صدري، ويلتطم في وجهه ليسكته.. تكرر.. المرأة.. المرأة.. تتوتر الآن، تحملق في السقف، تنظر إلى اللاشيء، تبدو لك صورة أنثى شامخة، ضخمة الجسد، عيناها حمراوان، وأنفها ضخم.. تقول: يا إلهي، صورة أم الدويس، كما سجلها لي الشيخ ضاوي في الذاكرة.. كيف دخلت هنا في هذه الهدأة؟ ما علاقتها بالمرأة التي تحدث عنها أبو سيف.. يبدو أنني بدأت أخرف.. ولم يزل البحث الذي أردته في أولى حلقاته.. ماذا جرى لعقلي حتى أسدد كل هذه الضربات القاصمة لصديقي وأرتجف.. أفعلاً كنت أتخيله يتحدث عن أم الدويس، وليس عن المرأة، الإنسانة.. قال لي أنت معقد.. وفعلاً هذه التصرفات المشينة تشي عن نفس مرتبكة، وروح مخذولة، لكني في الحقيقة لم أبدأ البحث لأجل ذلك.. لم أبدأ البحث لأني أريد أن أفك عقدة شخصية.. كنت أنوي أن أدرس هذه الأسطورة.. الخرافة، كنت أريد أن أشبع رغبة طفولية، لازمتني من قديم..
يقولون.. الإنسان عندما يحب موضوعاً ما، فإنه يتلبسه.. يصير جزءاً منه، وهذا الآن يحصل معي، أنا الآن أعيش هذه الحالة..
تهز رأسك.. تطقطق.. لا.. لا.. لست أنا كذلك.. أنا فقط، يلتبس عليّ الموضوع.. تنتفض، تدخن سيجارة، تنفث الدخان، تضرب يدك على صدرك، تقول: أريد أن أنتهي من هذه القصة في أسرع وقت، لقد أرهقتني، أحب أن أعيش حياتي حراً، ولا منغصات، ولا نكدات.. ولكن كيف، أنا مازلت أبحث، والبحث جار على قدم وساق، رغم أن ساقي ترهلت من شدة التجول.. تقول: قال أبو سيف.. أنت تكره المرأة، وكان يصر على اتهامه لي.. لكنني في الحقيقة تلعثمت، انتابتني قشعريرة، وتلبسني كائن آخر غير أني في تلك اللحظة، وددت لو أهم بوضع يدي في عنقه، وأنتزع حنجرته المبحوحة التي كان يطلق منها الكلام الجارح.. فعلاً أحسست بالجرح.. تصمت.. ثم تقول: إذاً لم يكن هو على حق.. لماذا لا أبحث عن الكراهية.. كراهية الرجل للمرأة.. تمقت هذه الفكرة، تلفظها، تقول: هذه سخافة علمية، لا تستحق أن أبذل من أجلها الجهد.. ولو فعلت سوف يؤولون الأمر ويتهمونني بكراهية المرأة، وأول شخص سوف يهلل ويكبر ويقول، لقد صدقت نبوءتي عندما قلت إنك تكره المرأة.. أبو سيف.. لا أدري لماذا أصبح نداً.. لماذا يراودني هذا الشعور عندما أتذكره، رغم حبي له، ألأنه الشخص الوحيد الذي أثار هذه القضية، التي ما كنت أفكر فيها.. ثم تقول: كوني لا أفكر فيها هذا لا يعني أنها غير موجودة.. تصرفات كثيرة نقوم بها ولا نعي كيف قمنا بها، وأشياء كثيرة، تحزننا وتفرحنا ولا نعي أيضاً مصدرها.. هذه ثابتة في العلم.. ثم ترفع يدك عالياً.. تقول: هاه.. أهي ترتجف الآن، لمجرد الحديث في الموضوع نفسه، ترتجف.. تنظر من النافذة، تطل على الخارج، قبل منتصف النهار، أي الضحى، والطقس يبدو معتدلاً، ربما تشوبه بعض الرطوبة، لكنها محتملة.. رطوبة سبتمبر أهدأ مما قبلها.. والوقت سانح للخروج.. إلى أين.. لا أدري، في الطريق سوف أقرر..
…
من نافذة العراء انطلقت، ولجت الرقعة الفسيحة وأنت ضجر ضيق الصدر، في هذا الصباح وددت أن تخالف المألوف، وتخرج إلى مكان ما ربما يكون سفوح شمل الصخرية، وفعلاً قادتك قدماك إلى هذا المتسع الرهيب، تقول عنه إنه رهيب، لأنه مكان أشبه بالمنفى، مكان ناتئ، مقفر، مكفهر، الطين الذي تغوص في أحشائه قدماك يبدو كجسد رخو، وبعد كل خبطة من إحدى قدميك، ينفر الغبار، ممتشط حولك، يغطي مساحة الرؤية بينك وبين الأشياء التي تود أن تراها، ولا تراها إلا بعد أن تدعك جفنيك، ثم تمسح بطرف المعصم، تحت الجفن وفوقه، ثم تمضي، ممعناً النظر، والأشياء رمادية، قاسية، لا تلهمك إلا بأسلاف المتناسلين، غصباً، وأحفاد المتشردين.. ولجت النفق المرعب، سرت تتمشى، كالتائه وأنت بالفعل تضيع في الأماكن التي لم تطأها قدماك منذ زمن.. آه.. الزمن، كل شيء ثابت هنا إلا الزمن الذي طوى سجادته بخفة الطير عندما يطوي جناحيه على رمق.. صرت في جوف المعمعة، معتصباً بعروة الثقة من أنك ستغطي على وجوه، ربما تكون شبيهة بالوجوه الآدمية، لكنها ليست هي بالضبط.. بدأت تهش عنك الذباب.. وتحمي جسدك من قرص البعوض، وتسد أنفك من تغلغل الروائح النتنة، وتتحاشى الاقتراب من الحشود البشرية التي رافقتك كظلك، تعتقد أنك فاعل خير جاء لأجل إطعام الأفواه، الفاغرة، وملء البطون المقرقعة، والتي قد تكون أمضت أياماً ولم تذق طعم اللقمة الشهية، الكلاب هنا حاضرة أيضاً، والقطط كذلك تتبع الجياع، تموء تحت أقدامهم، التي كانت ترفس التراب، متراصة في فوضى عارمة، وقلوب متلهفة لإقتناص الهدية الأولى، لكنك جئت خاوي الوفاض، ليس بيديك، إلا العرق الذي ند بغزارة، وجيبك فارغ إلا من علبة السجائر، وهم لا يدخنون السجائر، هؤلاء يفقدون الأرجيلة، ولكنهم قد لا يكونون يجدون ما يورون به حطب النار.. وجوههم الساخنة أشبه بالفحم المبرد، يشوبه بعض الرماد الساخن، أجسادهم الناحفة الناشفة من سمنة الغذاء، عيونهم مغشية بسحابات بيضاء، محمرة تحت الجفنين..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
أسود تنتفض نحوك، أسود جائعة، متهالكة، متحسرة، مبتسرة، مغتالة منذ زمن.. ملابس الصغار، أشبه برقع من القماش المهترئ، يرثي زمان الوصل، وينعى حال أناس باتوا أشبه بشتات بشر، يلهجون إلى النعيم المفقود، ويغطون تحت هذه المضارب، الكوخية من سعف وجذوع نخل، مدثر بطرابيل، تشققت أحشاؤها.. الرجال المكسورون، وما أشنع كسر الرجال، يتوكأون على عصي بؤسهم، ويروغون الصغار، لينأوا عنك بعيداً، يريدون أن يستفسروا عن سبب مجيئك، لكن صخب الملتفين حولك يحول دون إيصال أصواتهم لسماع صوتك، حشرجة في المكان، يندى لها الجبين، أنين أرواح داخلي مبطن بابتسامات متقاعسة، وثغور، تفرج عن أسنان أشبه بمسامير صدئة، أسنان رجال لم تفكر في المنتج الصناعي العجيب الذي يسمى معجوناً، وجوه أطفال في عمر الورود شاخت واتسخت بأحلام الليل المفزعة، أيديهم تعجرفت، مختلطة مع التراب، وبقايا طعام بات معها تحت الفراش الرث، وأحذية بلاستيكية مسحوقة بالحصاد والتراب، وتراكم التواريخ على نسيجها.. تحاول أن تلتقط أنفاسك، تجاهد، لكي تفرج لنفسك فسحة، تلتقط نفساً خارج الدائرة المغلقة التي أحكمت إغلاقها أجساد البشر، المتهافتين، المتراكمين حولك، ومعهم كلابهم، وقططهم، عدا الأغنام الشحيحة، التي ماءت عن قرب، مربوطة بحبال قدرها المحتوم، في انتظار حفنة من طعام قد تأتي أو لا تأتي. من خلال ثقب ضيق تطور إلى فسحة بفعل تحرك الأجساد، نظرت في المتناهي القريب، امرأة تقرفص حول قطعة قماش، ربما تحيك ثوباً أو ترقع سروالاً، ترفع بصرها ثم تخفضه، نظرت بإمعان، إلى المرأة، إلى عينيها اللامعتين، بحزن الأسلاف وانقباض الصدر، ربما تكون أجمل من نيران، ولكن ماذا يمكن أن يخلف كل هذا الانحسار الجبلي للنعمة، ماذا يمكن أن يفعل الفقر المدقع، والشظف المتسلق، كالأعشاب الشوكية المطوقة للمكان، كأنها مشدات حراسة.. تقول: انتابك شعور بالذعر وأنت محاط بهذه الهالة القاتمة من الأجساد المحنطة.. تقول: أجل هي أشبه بالجثث المحنطة، لأنها أجساد بلا أرواح ما يحركها ليس الأرواح، وإنما الجوع..
ما ينقصك أن كل شيء هنا مكسور أو منحنٍ.. الرجال، النساء، الأطفال، الأشجار البيوت الخرافية، أعمدة الكهرباء العارية من أي حياة، الكلاب، القطط، لا شيء ينبض.. لا شيء يبتسم ابتسامة طبيعية، كما هم البشر العاديون.. إذاً هؤلاء ليسوا بشراً كسائر الناس، هؤلاء ربما جاؤوا، من خارج التاريخ ومن وراء الجغرافيا.. الجغرافيا التي تلفظ البشر، فهي ليست موطنهم، والجغرافيا التي لا تحترم دموع الناس الذين يلوبون على تضاريسها، فهي ليست ملاذهم.. كيف جاء هؤلاء البشر إلى هنا؟ وكيف تناسلوا؟ تقول: المشكلة أنهم يتناسلون، وينجبون، ويتكاثرون، والأرض مازالت حامية تحت أقدامهم، تحرقهم بلظى الحرمان، وهم ينتصبون قامات في الليل، وينحتون أعجاز نخل في النهار.. بالقرب من هذه الأكواخ يقطن وادٍ، تنزلق منه أحجار وأشجار، وفي باطنه تنام الوحشة، وفي الشتاء عندما يمتلئ بطنه بغدير الماء، ربما يطفح، ربما يزأر، ويجرف أكتاف الرجال، ويبقر بطون النساء الحوامل، واللائي يصررن على مقارعة القوة بالقوة، لكنها قوة تنتهي إلى جحافل من الأفواه، التي لا تكاد تطفأ، مهما امتدت الأيدي، وتسابقت السيقان من أجل الالتفاف حول لقمة خاطفة جاءت من بعيد..
تقول: المرأة الجالسة، هناك تروغ الذباب من حولها، وتهش البعوض، ثم تستأنف غرس الإبرة في أحشاء قطعة القماش.. وتنظر.. تنظر إلى لا شيء بطبيعة الحال، لأن اللاشيء هو الموجود الخالد، الديمومي، والشيء هو العدم، اللانهائي..
تقول: ألم يبتكر أحد فكرة جهنمية تنقذ هذه الأجساد من الفقدان، هذا الفقدان، المتطور نسلاً من عقد الإقصاء، وإلغاء الحق، طالما ليس له مطالب.. ثم تستدرك: الفقدان، يعني، المرض، والجهل والفقر والنسيان في قعر المجهول الذي ليس له بداية ولا نهاية.. تحاول أن تحرك قدميك، فقد تنملتا من شدة الوقوف، تأملت ملياً، وقلبك المنبجس يتقطر، ولكن يبدو الحل هنا أصعب من العثور على أم الدويس.. لأن البئر عميقة، والدلو غير موجود..
تقول بحسرة: هذه قيامة البشر المسحوقين، هنا يحشرون، وهنا تسلط على رؤوسهم سياط ملائكة العذاب.. منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كنت أجيء مع والدتي لزيارة أقاربي، كانت هذه الأكواخ تنتصب بين التلال الصخرية، ولكن لم تكن نافرة إلى حد البؤس، كما هي الآن.. اليوم، تبدو الجدران المحيطة بالبيوت، تكتسي بالأسمنت وزخرفة ألوان الأصباغ الزاهية، والأشكال الهندسية الحديثة، تفكر في بيوت الطين التي استبدلت وتغيرت، وتوهجت نوافذها بأضواء النيون، وزحفت حولها أشجار الزينة، ورصفت السيارات الفارهة، بعيونها الضوئية المدهشة.. كانت أمك تقول لك: هؤلاء جاؤوا من أقاصي الأرض، واستوطنوا في أماكن متفرقة في الحديبة، والغب، وشمل، لكن بعضهم اندمج وذاب في النسيج، ولم يبن له أثر. أما البعض وهم الذين يتكدسون هنا، فلم يزل الوقت يؤجل منحهم الحظ.. تقول الحظ وأنت مقتنع بأن الحظ وحده السبيل لارتفاع هامة أو خفضها.. فلا أحد يعرف بالضبط عن فصيلة دمه، وليست الجينات البشرية كتب عليها أسماء من يحظون بالحظوة، ومن لا يحظون.. تقول: لا توجد علامات فارقة تبين، النوع، في هذا الجانب، كنت تأتي مع أمك. تمران حول هذه المضارب المأهولة بالسكان، وكان أصحاب المزارع يستعينون بالرجال، كمزارعين، يفلحون ويحرثون، ويرعون، ويأخذون أجورهم، من التمر والملابس المستعملة، وبعض المؤونة اليومية.. وكانوا يعيشون، في ثبات ونبات، ويدجنون الأولاد والبنات، تحت هذه الخيام الوادعة، وعيونهم معلقة في سقف السماء ينتظرون المدد، وربما يكون ذلك من أكثر من مئة عام، لكن الأعوام أكلت لحومهم، وشربت من دمائهم ولم ترتوِ، بل جاشت في كل عام، في إقصائهم بشكل أزيد، لأنهم باتوا جزءاً من هذا التشرد المريع، وقد ذكر لك أحد الأشخاص.. هكذا تقول، أنه شاهد أحد الصبية من أبناء هذه الأكواخ، يتجول بين طوابير السيارات، في أحد الشوارع المزدحمة، ويعرض جسده.. بعضهم ينظر إليه شذراً، وبعضهم يساومه، لا تدري على ماذا يساومه، فقد بدا وجه الصبي أشبه بورقة اللوز المتعجرفة.. ولكن ربما لاكتشاف المجهول..
وقد أفاد لك آخر أن صبياً، لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة، كان يشحذ الدراهم، ليشتري الحشيش.. تقول دهشاً.. جائع ويحشش، هذا من سخرية القدر، الإنسان عندما يفقد الأمل، لا يفكر في بطنه، بقدر ما يفكر في إعدام فكره الإحساس بالعدمية.. وأنت في المحيط المتزاحم، لا تجد مجالاً للتملص والتخلص من الاختناق، أحياناً تراودك فكرة شتم الحشود، ثم قذفهم بالحجارة، ثم الهروب بلا رجعة، لكن ضميرك يهزأ من هذه الفكرة، قلبك يحدثك عن مأساة قوم، وجريمة قتل جماعية، تمارس بصمت وتحت جنح العبث الجاثم على الصدور. تتوقف مستسلماً، ساهماً، جاهماً، لا تتعاطى بلغة معينة مع أحد، وتتصور أن جميعهم لا يريدون التحدث بقدر ما يريدون أن يعرفوا، كم تخبئ في جيبك، ليطمئنوا على قوت هذا اليوم، وجيبك لا يسفر عن مخزون سوى الحسرة البالغة، ولا تستطيع أن تفسر ما يجري.. تقول: ألا يعقل أن تكون أم الدويس تنبلج أسرارها من هذا المكان.. ترتعد فرائصك وأنت تلاحق نظرات تلك المرأة، الحائكة ثوب الحياة، المقرفصة عند وجدان تخضه الاحتمالات المبتورة، والنظرات المكسورة، والشفاه المشطورة، بجفاف ورعاف واستخفاف، مراحل ما بعد الفراغ، وتفاصيل أخرى، قد تبدو غامضة، ومدلهمة، وجاهمة.. تقول إنك تشعر الآن في قبضة المجهول، تحاول أن تستنفر قواك الذهنية بلا جدوى، لأن الفكرة المبهمة تهيمن على الرأس، وتسلبك القدرة على ترتيب مشاعرك.. تفكر أن تخرج بسرعة، وتغادر المكان، بلا خسائر على الرغم من إحساسك بالانقباض، وقد سورك المكان برائحة خانقة، ومشاهد مزرية، مشيت.. خطوات متباطئة بعد أن كلّ الجمع ولم يعثر على مراده.. تقول إنك أنت أيضاً شعرت بالغصة لأنك لم تمنح الأفواه ما يملأها، ولأنك فعلت كما يفعل الآخرون، تفرجت، وأغظت، وذهبت كما تفعل الرياح الخاطفة، هدأت الأصوات، واختفت الوجوه، تلاشت شيئاً فشيئاً، أحسست بشيء من راحة الضمير، لأنك لم تر الوجوه البائسة..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
ملأت جعبتك بالحنين إلى زمن أجمل، وقد لا يكون جميلاً، لكنه بالمقارنة ربما يمنحك البريق الخافت.. تجد نفسك تحت الضوء، بين الضجيج، ثم تهدأ وكأنك خلعت ملابس مخشوشنة، وارتديت أخرى ناعمة.. مضيت بعيداً، وخلفك تسير الأصوات والنهيق، وقد تكون اللعنات.. ولم لا؟ رأيت في عيونهم عندما أقبلوا، شيئاً من التوحش، لمحت الحرقات تتجول في محاجرهم، ثم تشع شظايا ولظى، لا تستطيع أن تقول إنك لم تحترق.. بل إنك انكويت، تقول: ليس لتلك المرأة ذراع عملاقة.. ليس لها منخار ضخم.. هي أنثى كسائر الإناث.. كبقية الكائنات التي يحصدها الأسى، فترمق الآخرين بحنق.. تلعثمت.. وأنت تحاول أن تستعين بلغتك مودعاً.. لأن الأيادي التي امتدت نحوك، لتحلب ما في جيبك، ترهلت.. انخفضت، وبعضها دست في جيوب أصحابها الخاوية، دلالة على الاستسلام، والقنوط، واليأس.. أنت لم تكن فألاً حسناً.. أنت شغلت الوقت، وسرقت العيون من أن تنتبه، لزائرين آخرين، قد يكونون أسخى منك عطاء.. هذه الخيام، المنصوبة في عراء الزمن المتوحش، تقف هكذا، متسائلة دوماً عن الآن الجديد. العيون مبحلقة في الفراغ لعل وعسى يأتي النصيب.. هنا الصغار والكبار، الرجال والنساء، يحتفون بالنصيب ضيفاً مكرماً، معززاً، لأنه الغدر الغادر على فتح باب الرزق، ملء البطون، وطرد الجوع الضاري.. عند المنتصف، تحاول أن تصعد تلة خفيضة، هناك تلال كبيرة، وضاحية مزروعة بالنخيل، وفاكهة التين والليمون، إلى جانب السدر واللوز.. دخلت في العراء، ولجت المنخفض، والوادي الذي استقبلك كان يصفر بالوحشة، والحرارة، وتنام على ضفتيه أعشاب شوكية، تناهشت بعضها الحمير والجمال.. تهشمت وأنت تنظر إلى الوراء، وخلفك الأكواخ، تخيم على الرؤوس، ببلاهة، الأرزاق المؤجلة، أغمضت عينيك، وأنت تتعثر بصخرة، أدمت إبهام القدم اليسرى، حاولت أن تنشف الدم بردم الجرح بالتراب.. آلمك الجرح، وأزعجتك الحرقة.. لكنك لم تتوقف.. كنت تسير وكأنك مشدود إلى لقاء مهم وحاسم..
راوغتك الأرض الصخرية، بجدل صحراوي عقيم، هذا طائر الحمام البري، يغرد على غصن غافة شعثاء، تحاول أن ترى موطئ قدمه فلا تراه، فقد اختبأ بين الأوراق المتناثرة على الأغصان المتشابكة، في عناق فوضوي، والغراب الأسود يحوم حول رأسك، ناعقاً بصوت جهوري غاضب، والعصافير تزغرد مستبدة بشبابها اليافع، مفعمة بحيوية ونشاط، تدور بأجنحة أشف من ورق التوت، وتتنادى بترانيم رقيقة يهفو لها الفضاء، تحت اللظى المتفاقم تهيم أنت، تنظر إلى الحمار الشارد في البراري، إنه أسمن من ظهور قبيلة بأكملها من أبناء الجياع الذين مررت على أكواخهم الأشبه بهياكل العظام النخرة.. تلحن أنت كلمات قديمة بصوتك المشروخ، كطبلة عازف قديمة قدم الدهر.. يصدمك النهيق، وخطم الحمار المتدلي، كدلو مبلل بالماء، يركض الحمار، وخلفه تركض ذكريات البؤس، والاستغلال المريع، أصبح الآن متقاعداً، لا راعي له ولا حمال، والمرعى هذا الفراغ الوسيع، يفتح نافذة خضرته البديهية، أعشاب شوكية، وأوراق الخبيز اليابسة، وأعواد ذابلة من أغصان ألقاها الجفاف لتصبح شاهدة على زمن اليباب، والعسف الطبيعي الذي تزدريه، تحاول أن تروض مشاعرك، المفعمة بجور النهايات القصوى لأحياء بشرية، سحبتهم الطرق المتسخة بالأحلام الواهية، عند جرف وادٍ سحيق، تقف، تتفرس في الخلاء الرمادي، تنظر إلى ذاك الحمار الذي غيبته الحفر المتراكمة من أثر السخط.. يعود ثانية ناهقاً، شاهقاً، مرقعاً بالعرق، لكنه بطبيعة الحال حبور بهذا الانعتاق الاختياري، الحمار الذي كان يحمل مآسي البشر هنا، ويتوخى الصبر، من عظامه المثابرة صار الآن يلهو بالفراغ، ويعظم جسده بأعشاب الحرية المتنامية عند السفوح، وعند جروح الصخور.. المتآكلة جراء التعرية الزمنية.. يمر من حولك، عابثاً بذيله الطويل المنعم بالشعر الكثيف، مهفهفاً بأذنيه الضخمتين، كأنها المراوح الهوائية البدائية. عيناه الواسعتان السوداوان، تبحلقان بالطلوع الأزلي للشمس المراهقة المتدفقة، ولعاً في كي الأرض بمسامير أحشائها الحارقة..
تستمرئ الوقوف هنا، تغريك نظرات الحمار، تقول: تحررت الحمير ولم يتحرر البشر.. تبصق في التراب الصخري، تزلق بصقتك في سطح حجر صقيل، تلمع تحت أشعة الشمس، تتقزز من الاستغلال وانتهاك حرمة الضمير الإنساني، تحثو رملاً على بصقتك، تخفيها عن الوجود، تعود ثانية ترمق الحمار، المتمرد المتمرغ على التراب الطيني، مصدراً الغبار، متعفراً، مستعيناً بأذنيه الطويلتين، يروغ بهما البعوض الصحراوي.. ويلحس ساقه مترامية الأطراف، بلذة الكائنات المتعافية.. يتجلى لك شيئه العظيم، تبتسم، ثم تنظر إلى الأعلى، صدى صوت عصفور هائم، تلحن نشيده التاريخي الشجي، مطلقاً الجناحين في مهب الريح.. تقول: الطيور وحدها التي لم تلمسها يد البشر. الطيور تحلق بعيداً، وترشق الرذيلة بفضلاتها من علٍ، ثم تمضي، متملصة من عقاب الأشرار. الحمار ينهض، وينهق، يحوم حول نفسه، متشدقاً بذيله الطويل المعقوف بين ساقيه الخلفيتين، متلذذاً بنشوة الاحتكاك الحليم، تسمع صوتاً يأتيك من بعيد.. ينادي.. يا شيخ.. يا شيخ.. تقول: لقد صرت شيخاً جليلاً، في زمن الأجلاء فيه أقل من العدم.. يقترب منك صبي ربما لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر، يقترب، ملامح وجهه تبدو أنه كهل، التجاعيد كرست الأوساخ بين شروخها، البثور وحب الشباب المصدد بنى أبراجاً بمستوى النذالة التي شيدها الآخرون، يقف إلى جوارك، ذليلاً، مكسوراً، ذابل الجفنين، منهك الوجه، مسغب العينين.. يقول.. يا شيخ، أنا خائف.. والناس الذين رأيتهم خائفون، مرتعدون.. الأكواخ في الليل تصدر أصواتاً مزمجرة كالرعد، لكنه ليس رعداً، ليس صوتاً بشرياً.. إنه عصف كوني، يهتك السكون، ووضاعة المكان..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تبهت.. تتفرس في وجهه.. تقول: وما شأني أنا بهذا الخوف؟
يقول: أنت شيخ جليل، وفي إمكانك أن تهزمه..
أهزم ماذا؟
يقول: الخوف..
تفكر.. ربما يكون هازئاً.. أو محتالاً.. ثم تنظر إلى دمعة احتبست في محجريه.. تتفحص جسده الأقدم من منحدر الصحراء، تنظر إلى وجهه المغضن كجرف الوادي، تجلس على حافة جرفه.. ولماذا أنتم خائفون؟
يقول: من الخوف..
تنظر إليه بانزعاج.. كيف تخافون من الخوف..؟
يقول: لأننا لا نعرف كنه الأصوات التي تنزل ليلاً على خيامنا..
تقول له: استرح.. هنا بالقرب مني، هدئ من روعك، ولا تجزع، ثم تسأله.. كيف عرفت مكاني، فلم أرك بين الجموع الغفيرة، التي شاهدتها..
يقول متلعثماً: كنت أراك، أتابع خطواتك، انتظرت حتى تنأى بعيداً لأخبرك عن أحوال الناس في هذه المخيمات البائسة..
تقول: وماذا أستطيع أن أفعل إزاء هذا الخوف الوهمي، إنه ليس كائناً كي ألاحقه وأقتله، وتنتهي المشكلة..
يقول متمسكاً برأيه: أنت شيخ.. تستطيع أن تفعل أي شيء لتطرد الشياطين..
تبحلق في وجهه. تقول بلهجة متسائلة: وكيف عرفت أنها الشياطين..؟
يقول: بالطبع إنها الشياطين، لأنها لا ترى بالعين المجردة..
تقول: وهل هي أم الدويس؟
يقول: ربما هي..
تقول: أتعرفها..؟
يقول: سمعت عنها الكثير..
تقول: وماذا سمعت..؟
يرتبك.. يقول بلهجة ملهوجة: هي على هيئة امرأة، لها ذراعان عملاقتان، وعينان واسعتان حمراوان، ومنخار ضخم.. تحمل في إحدى ذراعيها فأساً كبيرة، تحطم بها أجساد البشر الذين تريد أن تفتك بهم..
تقول مندهشاً: وماذا بعد..؟
يقول: هذا كل ما أعرفه..
تصمت.. تأكل قلبك الحيرة، تتحرى وجه الصبي، المكفهر، تقرأ ملامحه البائسة، تشعل سيجارة وتدخن.. تقول بلهجة واثقة.. اذهب الآن وسوف أقوم بالواجب.. لا تجزع، اطمئن.. سوف أقضي على الشياطين..
ينهض الصبي، يغادرك، ونظراته لم تند عن رضا، لكنه ودعك بابتسامة متسائلة، فعندما جاءك كان يركض لاهثاً، وفي المغادرة عاد يمشي بخطوات متباطئة، هذا يعني أنه لم يزل يحتفظ بمشاعره القديمة، وأنه غير مقتنع بما وعدته به..
أطفأت السيجارة، غرزتها في التراب، لبثت هكذا مبحلقاً، ساهماً.. تقول: الحمار ليس خائفاً من شيء، العصافير كذلك، وأشجار الغاف.. تستطرد: الحمير أكثر أمناً من البشر، لا يهمها بوق الشياطين، لا يعرفون الخوف من مجهول، كل ما يتوجسون منه الأشياء المحسوسة، المجسدة.. كيف.. تقول، مذهولاً، بكلام الصبي، أينما أهيم وجهي، أجد أم الدويس، الكائن مهاب الجانب، ولا أحد يثبت رؤيتها، سوى ذلك الرجل، رجل المقبرة، وأظن أنه محتال.. وكذلك الشيخ ضاوي، أفرد التفاصيل مدعياً أنه شاهدها أكثر من مرة، لكنها لم تستطع الإضرار به.. إذا هي لم تلحق الضرر بالشيخ ضاوي، ولا برجل المقبرة، بينما تحوم حول خيام هؤلاء المعدومين، وتروعهم، بفأسها العملاقة.. هذا ماذا يعني؟
تفكر.. هم يقولون إنهم يخافون منها، على الرغم من أنهم لم يروها قط.. مهزلة أن يخاف الإنسان من شيء لم يره أبداً.. لمجرد أنه سمع عنه، لمجرد أنه روي له، أنه كذا وكذا، فيخاف.. تتذكر.. كنت في ليلة من الليالي تسير بجانب سدرة قرواش، السدرة المشهورة بموطن الجن، ومستقر أم الدويس، تعثرت بحجر، فقفزت زائغاً مرتعباً، صرخت، طلبت النجدة، من الفراغ الحالك، ركضت، حاولت أن تنتزع خوفك من صدرك، فأخبرت رجلاً طاعناً بالأمر، قال لك: لا تخف، مجرد وهم.. فزعت، وسخرت من كلامك، فأكد لك أنه يستطيع أن يصحبك إلى المكان نفسه، وسوف تجد أن خوفك لا مبرر له.. سرت معه، ودرت تحت الشجرة الموسومة بالخوف، ولم تجد شيئاً، قال لك لم يلقمك أي شيطان بحجر، بل أنت الذي تعثرت قدماك بحجر، وظننت أنه الشيطان الذي أراد أن يفزعك.. وعلى الرغم من صدقية كلامه، إلا أنك لم تقتنع، ولما ذهبت إلى البيت بقيت مستلباً من ذاتك، تحاول أن تستعيد قلبك المخفوق، فلا جدوى، ما اضطر أمك إلى أن تجلب إناءً في منتصفه ماء، وتغطس خاتمها في جوفه، وتقول لك اشرب.. شربت وبالفعل، رويداً رويداً، خفت الرعشة في جسدك، وعادت مياه السكينة إلى مجاريها في كيانك.. ما سر الذهب؟ ما علاقة الخاتم بطرد الخوف؟ فهل للذهب سحر السيطرة، والسطوة على الشياطين، بحيث يطوقها في حلقته الضيقة، ويخنقها حتى تتوب، وتعلق المطواة بشكل سري من دون أن تعلن ذلك جهاراً.. تقول أبديت استعداداً لطرد الشياطين من محيط المخيمات المتقارعة، ليلاً كأنها رؤوس بقايا جثث قديمة.. لكنك لا تستطيع أن تفي بالوعد، فالخوف الذي ألم برؤوس الناس هناك، يحتاج إلى مئات الخواتم الذهبية، ولربما توافرت بفعل الصدفة، فإنهم سوف يبيعونها، لشراء طعامهم، المفقود على مدار السنة.. تقول.. الذهب، ما هذا المعدن النفيس، المحدق بالكون، المؤلف من مكونات بديعة ومرهفة تشتاق إليه النساء، كما تهفو إليه قلوب الخائفين.. وتستطرد: ربما كانت أمي وسائر الأمهات يفعلن ذلك، لمجرد طرد الوهم، وهن يمارسن هذا الطقس ليس لخديعة، وإنما توارثنه عن الأسلاف من الجدات العجائز المفعمات بتراكم هائل من الأوهام، وما يتبعها من طقوس.. تخلع نعليك بعد أن تصببت قدماك بالعرق المختلط بالطين، تسترخي قليلاً.. تنظر إلى الضخامة العالية لتلك الخيام المتلاصقة، لا ترى التفاصيل، ولكنّ جبلاً رمادياً يبدو لك. أو تلة ترابية، تخطف وميضها أشعة الشمس، وتصير إلى النهائي.. تقول: هل الضعف يصنع الخوف، أم الخوف هو الذي يخلق الضعف؟ وهل الجهل يمارس وعيه الوهمي في كتابة روايات خرافية، تصبح مع الزمن واقعاً، لا فكاك من تأثيره في الناس؟
ثم تضيف: ما يذهلني هذا الترادف في الأقوال، من أن أم الدويس امرأة وليست رجلاً.. فكل الجمائل والوسائل، الباهرة من صنع الرجل، وما عدا ذلك من أشياء تهديدية في الكون فهي من صنع المرأة.. كيف؟
وعندما ينهض الحمار تقول: أنت الوحيد الذي تبدو خالياً من الخوف.. هل لأنك حمار أم لأن الآخرين أكثر منك حمرنة.. تضحك بسخرية، ثم تنظر إلى الخيام تقول: أكل هؤلاء حمير..؟ أمر لا يصدقه العقل، فلا بد في الأمر ما يثير القلق، لا بد أن أبحث جلياً علني أعثر على الحقيقة..
لو تحدثت مع امرأة، وبصراحة متناهية، عن سر النكتة الأزلية، ستسخر، وسوف تدافع عن قضيتها بضراوة الماجدات الفذات.. وسأكون أنا الطرف العدواني، الذي يسبغ السيئات بالنساء كوني رجلاً.. ستمور الأرض من تحت قدمي أي امرأة، عندما يلمس الحديث شغاف كيانها.. إذاً يا ترى من صنع الحكاية.. أرجل ناقم، أم امرأة مازوخية كارهة لذاتها..؟ أم أن كل ما يدور هو حقيقة لا بد من إثباتها بعقل محايد.. تنهض من مكانك، تحاول أن تغادر الظل، تشعر برغبة في الحركة، تريد أن تشرد الجمود، تريد أن تطرد الكسل، تريد أن تمحو صورة الأكواخ من ذهنك التي صارت أشبه بالصدأ العالق في معدن الرأس.. تذهب بعيداً، لم تقطع مسافة طويلة، لكنك تحس بأن الطريق الوعر، يمد لساناً من الصعوبة، ما يجعلك تبتئس من رحلة ليست مظفرة، بالحد المعقول، على الرغم من أنك لم تزر الأكواخ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأن الزيارة كانت زاخرة بالمشاعر والمشاهد المؤسفة، وقد أججت في روحك نيراناً وأحزاناً، وأشجاناً، وأفادك الصبي، بفكرة كنت تبحث عنها، وقال ما قال، من دون أن يدري، وربما أرسل إليك من السماء ليعينك بعض الشيء، على فك الشفرة المعقدة، لكنك مازلت تحوم في الحلقة المفرغة، ولم تصل إلى مربط الحمار الذي تسأل عن نشأته، وتكوينه، والألوان التي يتزخرف بها.. مازلت تفكر في هذا الكائن العظيم، شاغل الناس، عن أم الدويس، ولعلك تحصد ثمار النجاح..
الجبل يبدو قريباً، يطل عليك بهامة بارعة، كالحارس الذي لا ينام.. في هذا الجبل يسكن بشر، مازالوا يحتفلون بأعيادهم، ويقيمون أفراحهم، بالقندورة البيضاء، والمعصم الأحمر الملفوف حول الرأس، حماية له من سيوف الشمس الحادة، ووقاية له من رطوبة الليل المالحة.. وعندما تشهد قامة الجبل، تتجسد أمامك الهيبة، والعظمة، وأشياء أخرى مبهمة، تزلزل كيانك..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
وأنت تلملم شال النهار، إذ ينتفض، تقول: هل يستفيق الجبل، بعد نوم أسطوري، وهل تنشأ من العدم أيقونة الحياة، منذ طفولتي، وأنا أحلم بأن أكون مختلفاً، وأن أصبح مثل هذا الجبل، شاهقاً، سامقاً.. ومنذ الطفولة، أعرف أن بين شقوق الجبال تستوطن القطط الجبلية، وكذلك الذئاب والثعالب والنسور.. ماذا تبقى من هذه الكائنات العريقة، عند السفح تبدو الصخور المتراكمة كجماجم فقراء أتعستهم العازة، وكذلك الأنفاق الدهرية، تنفتح كفوهات جهنم، وتبتلع سوارها في الأجواف الغائرة، أود لو أنني أتسلق السلالم الوعرة، وأصل إلى القمة، هناك يهفهف الهواء، وتتنسم الورود الصحراوية، ترسم لوحة زاهية الألوان.. في قديم الزمان، كانت النساء ينطلقن كالغزلان، عند المنعرجات والسكك الحادة، يصلن إلى الأعالي بحثاً عن العسل، وعن عشب الحياة، وعن ماعز تغيبت عن الحضور في حفل الأغنام العائدة، عند الغسق.. كنت ترى النساء بأثوابهن الفضفاضة الشفيفة، والسراويل الطويلة المضغوطة بأزرار معدنية، فوق الكعب بنصف سنتيمتر، يحلبن أثداء المكان، بسيقان مسحولة بالرياضة اليومية، وأرداف منحوتة، تحت الثوب الخفيف، تتدحرج ككرات الثلج المتفاني، وصدور أينعت، فانتصبت، ببراعة، كن ينطلقن من شعاب الوعورة، يذهبن عميقاً في الغضون الجبلية، ويخضن معارك المصير بين التجاعيد، الصلدة، وتبدو أصواتهن من بعيد أناشيد إلهية مفعمة بالرهافة.. ولما تهبط الواحدة منهن من علٍ، تتزحلق بخفة البدن، تنزلق بحمية حب الحياة، تشق الصعوبات بشهيق مغرٍ، ولافت، وعند حضيض الأرض تمضي الأناقة البدوية، محتشدة بالأمل، مملوءة بالفرح، حيث تجيء الحيوانات النبيلة، قافزة نحو صاحباتها، متسلقة عروق البهجة، بنقاء طوية، تقف الأنثى الفارعة مترعة بالابتسامة الأسطورية تمد يداً مناغية أغنامها، باللحن الشجي، وتتقاطر الغنمات، كأطفال فرحين بلعبة الحياة، ثم تمضي الأنثى البدوية، تتبعها كائناتها في خطوات أشبه بالنقش على الحجر، وطرقات أقرب إلى النقر على لوحة رخامية، وترى أخريات، حاطبات، هاويات في الفراغ الوسيع، منتميات إلى الشجر المودع بأعواده اليابسة، ترى الواحدة منهن وقد تعلقت بغصن، ممتشقة عنق الحليب، رافعة قامة بديهية، منسجمة مع زمن الابتهال، عند شجر بلا ورق.. تسمع الخشخشة، تسمع الأنفاس المترددة، كأنها النسيم المتسرب من بين وريقات حالمة بالوجود، والراية التاريخية تجاور الأنثى المتشكلة من قطع أعواد الحياة، لتحملها على ظهرها، عائدة إلى المأوى بزاد ومراد..
في الجانب الآخر، تلمح عيناك رجلاً بدوياً، يستحلب الأرض، ويهز جذع الفراغ، بحثاً عن قوت الأبناء الضالعين تحت السقف الطيني.. تراه راجلاً، أم ممتطياً ظهر بعيره، سابحاً في الملكوت الكوني، دائراً في الأفلاك البعيدة، طارحاً أسئلته الوجودية بإصرار وحسم.. الأرض الجبلية تزرع التين والرمان والليمون، وتزرع قمح الحياة، فلم تزل آثار «الوعوب» باقية ومتناثرة، في أماكن مختلفة، لم تزل القنوات تحفر حروفها في ذاكرة التراب الطيني، تغيرت أشياء وبقيت أشياء.. في بطون الجبل، تجد المنازل الطينية، ترصد الدورة الدموية للكون، وترقب عن كثب حركة القمر وهو يدور حول الأرض، حتى إن آثار أقدام لم تزل مغروسة في باطن الطين الصلد، والمسقوف بأعواد السعف، وأعمدة الجذوع، ربما تصبح الآن خاوية لأن موسم الهجرة التاريخي استبد وأباد، وأحكم قبضة حديدية على الإرادة التي ترهلت في فورة الانصياع الكلي، لتيار جديد، جرف الطين والعجين وصعد في اتجاه الهاوية.. يرصدك الفراغ، ويطارد خطواتك الدهشة، الاتساع المريع.. فعلاً.. تقول.. أشعر بالرهبة وأنا أقف عارياً من قوتي الذهنية، أشعر بأن العالم استدار مرات عدة، دورات حامية، حتى داخت الأرض، وأسقطت جل القوانين الطبيعية من سجلها، وذهب الإنسان، ذهب يبحث عن شيء ربما يكون وهمياً، ربما يكون سراباً، وقد يكون شيئاً لكنه أضخم من أن تمسكه يد الإنسان، وأعظم من تلمسه حواسه. فتسربت الأشياء خفية، اختفت وبقي الإنسان وحيداً، خاوياً، تزول من تحت قدميه الأعشاب وبعضها يجف ويقسو، ويصبح إبراً مسننة، تجرحه، فيصرخ، لكنه يصرخ في الفراغ، ينسج خيوط عشقه في السر. في الديجور الحالك. قد تقول إنها قوى شريرة، اختطفت العقل، فانهار الحلم، واستيقظ وهم جلي عملاق، أضفى جناحين ظليلين، ما أدى إلى عمى البصر والبصيرة.. تقف عند الحافة، تنظر إلى الأفق البعيد، تشهق، تقول كم من التضاريس انتحرت تحت قدمي، وأنا أفترس الحصى، كأنثى الليل البهيم.. كم من المسافة اختزلت، وكم من الأنفاس رددت، وكم من الأفكار دارت في هذا الرأس، وأنا أخب كجمل مطارد.. تشعر بالتعب، وتشعر بالدوار، تستريح على ظهر صخرة، تتملى التفاصيل المملة، تقول: الذكريات مريرة، عندما تقفز إلى الذهن، وتفتح صفحات مجها الوقت، وصارت جزءاً من التاريخ الذي لا يمكن أن يلتفت إليه التاريخ.. التاريخ وحده الذي يطوي صفحة ويفتح أخرى، بناء على أوامر عليا، ومراسيم بشرية، تجري بين ساعة وحين.. تقول: عروق الجبل كعروق الإنسان، عندما تجف من السائل السحري، يبدو الجبل مكفهراً، ذابلاً، متعجرفاً، تحاول أن تستنطق صخوره اللابثة كالجحيم النائم، ولا جدوى، فتخمد نيرانك، ولا تجد من المنطق أن تستجدي العدم، بل إن من العبث ألا تصمت حين تتجمد ألسنة الوجود.. تشعل السيجارة، تنفث الدخان، تأخذ أنفاساً عميقة، يختلط الدخان بنسيم الجبل، تشعر بنشوة الانتماء إلى الفطرة.. تحتمي بجزء محدد من صخرة عظيمة، تمنع عنك لسعات الشمس المتلاشية.. تحتمي بالنشيد الأزلي وأنت تدعك عينيك المغبشتين ببعض الغبار المتجمع قذى عن حافة الجفون..
سأعود لاحقاً، سأبحث عن السطوة الجهنمية، سأقوم بإجراء مقابلات مع شياطين الإنس.. هذا الجبل، يبدو أنه يتحرك، أو أن قوة ما رهيبة بدأت تأكل أطرافه وجوانبه، حتى صارت بعض جهاته حفراً عميقة، عندما تنظر إلى الحفرة الواحدة، تفكر أن زلزالاً رهيباً ضرب المنطقة، فاهتزت أرض الجبل، فانحفر هذا الجحيم.. لا أدري ماذا تبحث هذه القوى الشريرة في أعماق الصخور الصلدة، ربما تكون تبحث عن أسطورة أو أحفورة اختفت منذ زمن، تريد أن تعثر عليها.. أو ربما أن هناك سراً خفياً لا يعلمه إلا أصحاب القلوب الملتبسة.. تستأنف حديثك عن الأشرار الذين يلحقون بالجبل الضرر الشنيع، وتقول: هذا الجبل الذي ظل على مدى القرون مهيباً، أصبح الآن عرضة للنهش حتى صارت عظامه المنخورة بالآلات الحادة تنضح بالرميم، وتضج بالأنين، وعندما تفتح عينيك تنظر إلى الأعلى ترى دخاناً كثيفاً، وترى صخباً وزمجرة، وهديراً وزعيقاً، وأشخاصاً يتسلقون الفراغ، ويشكلون أوهامهم، لوحات زائفة وفاشلة..
تلتقي رجلاً، أشيب، كث اللحية، مفتول الشوارب، ينظر إليك بعينين متوجستين، كعادة البدو، لا يألفون الغريب، للوهلة الأولى، يقترب منك، ويده على الزناد، تختض أنت على الرغم من معرفتك أنهم لا يعتدون على المسالمين الآمنين، ولكن، ربما مشهد البندقية، هيأ في نفسك حالة وجدانية خاصة.. وقفت.. يقول لك بلهجة حادة، مبحوحة بصوت جهور.. من أنت؟
تقول: أنا عابر سبيل..
وماذا تفعل هنا في هذه الساعة المتأخرة من النهار..
تقول: جئت أسأل أهل الجبل عن أم الدويس..
يرد بلهجة جادة: أم الدويس؟
تقول: أجل..
يقول: وما شأنك أنت بها..
تقول: لمجرد المعرفة..
يرفع حاجبيه، يشيعك بنظرة جازمة.. لمجرد المعرفة، وتجازف بوقتك، وجهدك..
تقول: لقد شغلتني كثيراً، وأردت أن أعرف سر هذه المرأة..
يقول دهشاً: وكيف عرفت أنها امرأة..
تقول: كل الذين وصفوا هيئتها، يصرون على أنها امرأة وليست رجلاً..
يجنبك الخوف من البندقية، يركنها جانباً، ويجلس قبالتك.. يقول: الذين وصفوها ماذا قالوا عن شكلها؟
تقول: قالوا إنها امرأة عملاقة، لها ذراعان عظيمتان وعينان واسعتان حمراوان، وفي يدها تحمل فأساً كبيرة..
ويسألك: وماذا قالوا أيضاً..؟
تقول: قالوا إنها عدوانية، وتكره الرجال والنساء، وتقتل كل من تقابله..
يحدجك.. يفرك لحيته، يتفرس في وجهك.. يقول: إذاً أنت تعرف عنها كل شيء، فماذا تريد أكثر..؟
تقول: أريد أن أعرف كنهها.. أريد أن أتقصى حقيقتها..
يقول: ولو رأيتها هل تستطيع مجابهتها..؟
ترتعد.. تقول: لا أعتقد أنني رجل خارق، حتى أفعل ما عجز عن فعله كل الناس، على مدى تاريخ طويل..
يقول ضاحكاً: وكيف تبحث عن شيء أنت لا تستطيع مواجهته..؟ كيف ستتقصى إذاً حقيقتها وأنت ترتعب من رؤيتها..؟
تقول: أريد أن أدرس تاريخها ولا يهمني أن أرى جسدها..
ينهمك البدوي، في العبث بلحيته، وينظر إلى البعيد، ثم يلتفت ناحيتك: وماذا يهمك تاريخها حتى تبذل كل هذا الجهد..؟
تقول: أريد أن أعرف لماذا يخاف الناس منها.. ولماذا هي امرأة وليست رجلاً..؟
يقول: إن كانت امرأة أم رجل.. ما الفرق؟
تقول: لا.. بل الفرق شاسع..
كيف في حيرة.. كيف؟
تقول: كونها امرأة فلها دلالة مختلفة عن كونها رجلاً..
يتفرس البدوي في وجهك.. ينظر بإمعان.. يقول: نحن منذ أن نشأنا ونعرف أن أم الدويس امرأة، وأنها امرأة باطشة، كارهة للبشر..
تقول: هل رأيتها؟
يقفز.. أعوذ بالله.. لا لم أرها..
تقول: وهل تخاف منها..؟
يقول: ومن لا يخاف من شيطان أو شيطانة؟
تقول: وكيف عرفت أنها شيطانة؟
يقول: وماذا ستكون إذاً.. ناقة مثلاً..؟
تغرد عصافير السخط داخلك، وتقول: مادمت لم تراها، فكيف أيقنت أنها امرأة؟
يقول: قالوا لي كذلك، وهذا أمر لا يشغلني كثيراً..
تقول: لكنك تخاف منها..؟
يقول: بطبيعة الحال.. وهذا أمر لا يحتاج إلى جدال.
تقول: لماذا تخاف حتى من الأشياء التي لا تشغلنا؟
يقول: لأنها مخيفة..
تقول: أنت لم تستطع إقناعي..
يقول: ومن قال إنني جئت لإقناعك.. فهذا شأنك..؟
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول: ألم تفكر في يوم، لماذا يخاف الناس من أم الدويس، على الرغم من أنهم لم يروها..؟
يقول: بل بعضهم قال إنه رآها..
تقول: وكيف يثبت لنا ذلك..؟
يقول: هل أنت تشكو من ألم ما؟
تقول: لماذا؟
يقول؟ هذه الأسئلة لا يطرحها إلا إنسان لديه مشكلة..
تقول: أجل.. لديّ مشكلة..
يقول: ما هي؟
تقول: الخوف من أم الدويس..
يقول: وأين المشكلة؟
تقول: الخوف..
يهز رأسه.. يقول: لقد حيرتني يا رجل.. أسألك، وتجيب بالسؤال نفسه..
تقول: لأنك لم تفهمني..
يقول: كيف؟
تقول: لأنك لا تريد أن تفهمني.. فعندما تقول إن الأمر لا يشغلك فهذا بدا لي أنك لست على استعداد أن تتعاطى معي في هذا الموضوع..
يقول، مرتبكاً: وأي موضوع؟
تقول: الخوف من أم الدويس..
يقول محتداً: قلت لك، لأنها مخيفة..
تقول: كيف تكون مخيفة وأنت لم ترها؟
يقول: الآخرون رأوها..
تقول: هذا لا يعني أن ما يرونه صحيح..
يصمت البدوي.. يتأفف.. يحاول أن ينهض.. تجذبه من يده، تقول: لم تجبني.. أريد مساعدتك..
يقول متذمراً: لا أستطيع مساعدتك في هذا الأمر..
تقول: كيف.. ألم تقل إنك تعرف أم الدويس..؟
يقول: كما يعرفه غيري، ولا أعرف أزيد من ذلك..
تقول: أريد مصارحتك..
يقول: مَن..؟
تقول: أكنت خائفاً مني في بداية الأمر..؟
يتلعثم.. يقول: ليس بالضبط كذلك، ولكن كنت حذراً..
تقول: ولماذا الحذر..؟
يقول: لأنك شخص مجهول بالنسبة إليّ..
تقول: إذاً أنت تخاف من المجهول..
يقول: بطبيعة الحال، فالذي لا يعرفك، لا يأتمنك..
تقول: إذاً أم الدويس، لأنها مجهولة الهوية، فهي مخيفة..
يهز رأسه.. يقول: قد تكون كذلك، لكنها تبقى أمراً مخيفاً..
تقول: المجهول، أليس من المعقول، أن يكون مجرد خرافة..؟
يقول: قد يكون كذلك..
تقول: الخرافة، قصة يصنعها الناس.. فلماذا يخافونها..؟
يقول: لغرض في نفوسهم..
تقول: قلت لغرض في أنفسهم.. أليس كذلك..؟
يقول: أجل قلت..
تقول: إذاً فقيل عن أم الدويس، إنها امرأة، لغاية في نفوسهم..
يقول: مستسلماً لحديثك.. ولم لا..؟
تقول: إذاً القصة قد لا تكون حقيقة..
يقول: وقد تكون..
تقول: إذاً أم الدويس تحمل احتمالين.. أن تكون حقيقة.. أو لا تكون..
يقول: وهو يزم شفتيه.. ولم لا..؟
تضع يدك على كتفه.. تقول: مادام في الأمر غموض، والتباس، إذاً يستحق البحث والتقصي عن الحقيقة..
ينهض البدوي هذه المرة، باتاً في أمره.. يقول بلهجة سائمة: ابحث أنت، فأنا لديّ أشياء أخرى، أريد أن أبحث عنها..
ترفع بصرك، في وجهه، تقول برماً: عماذا تبحث؟
يقول: عن قوت يومي.
تقول: ألا تخشى من مباغتة أم الدويس لك؟
يقول: إنها لا تخرج نهاراً..
تقول: وتخشاها ليلاً..؟
يقول: أجل.
…
تلاشى ضوء النهار الأخير، وعلى الجبل اكتست القمم باللون الداكن، واحتشدت الوحشة، متراكمة في المساحات الشاسعة، أنت وحدك وقد خلفك البدوي وراء ظهره، حين قال: لديّ ما أبحث عنه.. بينما أنت في هذا المكان، تلتقط خيوط الظلام، القادمة من الجهات الأربع، المتأنية في بسط نفوذ الحلكة، وكأنها تتربص بكائن ما، تريد أن تقتنصه.. البدو لا يجوبون الجبل في جنح الظلام، يعودون أدراجهم إلى ملاذاتهم، بعد قضاء يوم حاسم، في البحث عن أحلام الأجواف الغائرة.. أشعلت سيجارتك التي أضاءت وجهك الحاضر بالعتمة، واستنارت مساحة صغيرة من حولك، أحسست بالألفة والدخان يختلط في الظلام، ويضيع في مجهول الهوة الواسعة. تختلس الأصوات المتناغمة، المنبعثة فراغ الجبل، ومن وهاده وشعابه، ووعورته المحتدمة.. تشعر بشيء من التوجس، لكنك تستعين بالإرادة.. إرادتك التي بدأت تقوى كلما مضى العمر باتجاه النضج، متأكد من أن المكان لم يعد مهجوراً البتة هناك في القريب، تبدو أضواء النيون، تتلألأ فاضحة السواد وكذلك بعض الأصوات التي تتسلل عبر السديم، مختالة كأنها ترانيم ليلية، تتلوها الطبيعة لأجل مؤانسة القاطنين في المكان القديم.. تحترس جيداً من الدواب، فكلما عنّ على الليل أن يضيف إلى سواده، رطوبة المكان المختنق بالصخور، تتسرب الحشرات والكائنات العدوانية، كالأفاعي والعقارب، من بين الشقوق، تتلوى بخيلاء الإرادات الباطشة، ولكن عينيك تتدحرجان، ككرتين صغيرتين، في المحجرين تتربصان بأي عدو غاشم قد يلسعك أو يلدغك، أو يضربك الضربة القاصمة.. تقول: من يجاور الجبل يجب أن يصمد كصموده، وأن يتجلد بالصبر كصبره، وأن يتصلب كصلابة صخوره.. الجبل لا يخاف من غدر الزمن رغم الأحافير التي نهشت جسده، وكذلك أنا يجب أن أهزم هذا الخوف ويجب أن أدركه مهما بلغ من صعوبة الوصول إليه..
على الجانب الآخر انطلقت، أخذت طريقاً جانبياً، وعلى سماع صوت الطبول التي كانت تخترق الخلاء، وتصلك كأنها النداء الداخلي حين يجلجل مستفيقاً من سكون قديم.. تمشيت، تحملك الخطوات وكأنك تسير على جناحي عصفور.. طائر، يتمخض الرنين الدفاق، شيئاً فشيئاً عن نصوع وعي اللاشعور المختزن لذكريات وأحداث عاطفية.. تقول: إن لترنيمة الطبول موسيقى داخلية، استوطنت الوجدان، حتى بدت كمارد ينهض من سبات ينفض عن جسده غبار ما تراكم من أزمنة قديمة.. في باحة واسعة، على فراش رملي عار، توقفت هناك بعض البيوت، التي أنشئت حديثاً، مضاءة بالنيون، ومزخرفة بألوان زاهية لم تخرج عن مزاج البدوي المذهل، شباب من البدو أحفاد وآباء وأجداد وأسلاف وأقارب، يرقصون على صوت الطبول الشجية، وكانت رقصاتهم أشبه بمبارزة المقاتلين الأفذاذ وهم يتقابلون وجهاً لوجه، ويقذفون بالسيوف التي لمعت مع تلاحمها، بأضواء المصابيح اليافعة، الراقصون يدورون حول بعضهم، متحلقين في دائرة، قطرها لا يزيد على ثلاثة أمتار، في غزل إيقاعي مهيب، وشاب بدوي، يرفل بملابس الفرح، وينفح برائحة الطيب، عطر دهن العود والبخور الهندي ذات النكهة المجللة بتواريخ الإنسان البدوي الأصيل، الشاب العريس الذي ارتدى القندورة البيضاء والغترة والعقال ثم تلفح بالعباءة ذات اللون النحاسي، الهياب، مستمتعاً بمساء بهيج ومهيمناً على المكان برزانة الأفذاذ المتأهبين لخوض معركة الليالي، الساخنة.. وصوت الطبل يرن، بشقاوة الوجدان، الحالم، المكتسب جمالية الوجوه المشرقة بألوان الفرح.. والدائرة الشبابية، تلتحم شيئاً وتفك عقالها شيئاً، والرقص التلقائي يمتزج بخطوات حذرة وواعدة، كما أنه مشهد من مشاهد شجار المحبين، وبعد مضي فترة، صمت الطبل، وهمد الرقص وراح كل من الراقصين ينشف عرقه، ويشرب الشاي، ثم انثال الجميع في اتجاه العريس، مهنئين مباركين بأنفاس لاهثة، ووجوه متقدة، وعيون تلمع، بشعاع الفرح، والأصوات تتعالى بين المتجاذبين لأطرافها، والمتحاورين، والمتجادلين، ثم انصرف الجميع في اتجاه الأواني المعدنية، التي زخرفت وملئت أحشاؤها، بالأرز البسمتي، ولحم الضأن المحشو بالزبيب، والحمص، وحبات الهيل، والقرفة، ومع الدخان المتطاير من الطعام الشهي، فاحت الروائح الزكية، وانهمر الرجال متدفقين، في نهم، يقذفون اللقم، بحجم كف اليد الواحدة، ويرشقون العظام المسلوخة من لحمها وشحمها، منسجمين في التحام ممزوج بالحبور، ونيران الطبول لم تزل متوقدة، والحرارة تنفث من أجواف المواقد، وأنت تقول الحمد لله، أن الطقس قد بدأ ينحني للبرودة قليلاً، وإلا تكون أجساد الشباب المنهمكين في حركات عشوائية وفوضوية تعبر عن مساحة الفرح التي غطتها صورهم ستسبح في النيران. تقول إنك جئت متأخراً قليلاً، فالعادة أن الأفراح تبدأ منذ صلاة العصر لتنتهي قبل صلاة العشاء، بعدها يتم الاستعداد لزف العريس على عروسته، وذلك في الساعة الحادية عشرة تقريباً، ثم ينفض الجميع، ليبقى العريس في حضرة شريكة الحياة المستقبلية.. تقول، إنك بعد تفرق الجميع، شعرت بانقباض، داهمك شعور سوداوي لا تدري أين مصدره، لكنك وجدت نفسك هكذا، في قبضة مشاعر قابضة، بقيت كأنك البعيد المجروح، تتفرس في المكان، وتنظر إلى الطبول التي تركها أصحابها، إلى بعد حين، بعينين دامعتين، وقلب منقبض، ووجه جاهم.. كان عند ظل جدار انكفأ رجل كهل، لف رأسه بمعصم أحمر اللون، وتكور مقرفصاً ساقين أشبه بعودين يابسين، وبرزت عظام وجهه الشاحب، كان ينظر وكان يتأمل أو ربما يتذكر أياماً وأحداثاً، مرت ربما ولجت ذاكرته، تفاصيل دقيقة من أيام الصغر، وددت لو أنك تعرف ما يجول في رأسه، لكنك لم تكن بذاك الفضول الذي يقتحم على الآخرين وحدتهم واكتفيت بتأمل وجهه ونظراته عن بعد، وعينيك الدامعتين، لم تزل تهتف بحنين تاريخي، تقول إنك من أيام طفولتك كنت تهفو إلى سماع رنين الطبل، كنت تقطع المسافات الطويلة لأجل الوصول إلى مكان، تدق فيه الطارات والطبول، والدفوف. لكنك أيضاً كنت تصل إلى هذه الأمكنة، وقلبك يرف كجناح طائر مكلوم، تلبث هكذا ولا تفارق المكان حتى ينفض الجمع، ويغادر كل إلى مأواه، ثم تعود إلى منزلك، مأخوذاً بأحزان مضنية، مستلباً إلى درجة الفقدان المريع.. لم تكن تبحث عن سر هذا الحزن، لم تكن تبالي بسببه بقدر ما كنت تعيشه، وتعاصر محنة في صدرك المخدوش بأنياب حادة، تعود إلى بيتك، وتنعزل في مكان لا تصل إليك أعين الأهل، وتنكفئ منتحباً، ذارفاً الدموع بغزارة، ولا يخلو صدرك من أشعة إلا بعد مرور فترة زمنية كافية، تشعر بعدها بالحنين إلى زيارة أحد المقربين من أصدقائك، وكان الوحيد الذي ينفحك بمشاعره الدافئة.. أبو سيف.. تقول: عندما كنت وسط الصخب الهائل، تذكرت أبو سيف، وانثالت الأفكار كالقيح تنزف من رأسك، وأنت تتابع مشهد الشباب الراقصين، أيقنت أن الفرح رديف الحزن، كلاهما يأكل من شحم الآخر، ولا تنتصر بعد ذلك إلا الإرادة، هؤلاء البدو يقارعون الحزن بالأفراح المتتالية، وكم كان مشهد قارع الطبل، وهو ينكب بانفعال جم، ضارباً جلد الطبل بكل عنفوان، وحماس، نازاً من عرق الجسد ما يغسل الأدران الداخلية.. تقول إنك كنت على وشك الدخول في حلقة الرقص، كان دافعاً قوياً يشدك إلى اختزال الزمن، والولوج مع الآخرين، لتطرد شيطان الخجل، لكنك في اللحظة الأخيرة تهاونت ومنعك فضولك من التمادي، واكتفيت بالتفرج، منسحباً بلا خسائر..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
هدأ المكان، وبدت الساحة، التي كانت محل صخب وهدير، كساحة القتال، التي انفض عنها الاشتباك، واستراحت الأرض، الخاوية من رفس الأقدام المتصارعة من أجل إشعال فتيل الفرح، وبقيت وحدك، والظلام يغسل رداء الكون، بمسحوقه الأسود الغامق، وصرت تنشف دموعك، بطرف المعصم، وتمسح قطرات العرق عن محياك الرطب.. تقول إنك أردت أن تعود أدراجك إلى المكان نفسه، إلى حيث تربض الأكواخ، وحيث يلهث الفقراء هناك، وهم يلونون «فقدانهم» بأضواء الفوانيس، بفتائلها المتراقصة، مع حبات الريح الضئيلة..
من هذا السواد الأعظم، يخرج الخوف المهيب، مهيمناً، مستوطناً أرض الحثالات، والعدمية الساحقة.. من هذا المكان، يتجلى المارد، حاصداً الأرواح، ماحقاً الأجساد قديماً في كسر النفوس، عن بكرة أبيها.. ولجت، خضت في الرذيلة المتفاقمة، صعدت تلال الهموم، والاحتقانات المتلاحمة، كالأجل المحتوم، وجدت نفسك تهيم بلا هوى، تضيع في الظلمات، والأشباح تسومك عذاباً وامتهاناً، وانتكاساً، تخسر وعيك وأنت تغيب في العتمة، وتتجسد كائناً هشاً، زائفاً من رعونة المكان، واضمحلال الشخوص المختبئة تحت السقوف المهترئة.. تبحث عن نفسك، تسأل عن أشياء الناس الذين لا شيء لهم، غير أمنياتهم المبتورة، ورؤوسهم المخفضة، في انتظار ولي من أولياء الله الصالحين يمد يده السخية، ليطعم الصغار الذين لا طعام لهم غير الشحذ من الفراغ، والشكوى للسراب.. غصت وحيداً مرتجفاً، راعفاً بالأنين الداخلي، تقتصر المسافة بخطوات متسارعة أحياناً خشية من العثرات، وتتباطأ في أحيان أخرى، لتتملى العيون المحملقة في شخصك الغريب، لكنك لا تنبس ببنت شفة، بل إن شفتيك الناشفتين، كمن يحتضر، تحرسان لسانك العالق في حلقك المر، بعض الأطفال يلهون بقطة نافقة، يسحبونها من ذيلها، ويرشقونها بالحصى، ويهيلون عليها التراب، عنف طفولي، مزرٍ وعدوانية مريرة، تشيخ لها الولدان، تسمع صراخ الصغار، تصم أذنيك وأنت المتأذي من هذا الموت المجاني. تفكر في الأيدي الصغيرة، وهي تتلقف الحصى، وترشقه على الجسد النافق، الهامد، وتسمع الضحكات.. لا خوف هنا من الموت وهذا ما يصعقك، الموت رديف العدم، الموت صنو الذين اختبأوا تحت سقوف الشقاء، وناموا على فراش النهايات القصوى، وبؤس الأحلام.. رجل يخرج من فوهة كوخ، ينادي صغيره فلا يسمع صدى لندائه، يخرج حانقاً، يتناول الصغير من ذراعه، يلكمه على وجهه، ينهال عليه ضرباً، صفعاً ولكماً، ورفساً، لمحت الدم ينزف من فم الصغير، متسخاً بالطين، الدم الرمادي، يسيل على وجه الصغير، مختلطاً بنحيبه، وعجزه.. ثم صمت رهيب.. تصل إلى منتصف المخيم، شجار عنيف تحت سقف من السقوف، امرأة تصرخ محتجة، ثم تصمت.. يسود سكون، يصرخ داخلك، قائلاً: هنا، تنصب مذبحة الأشقياء.. تقول: السواد حليف الخوف.. الخوف صانع الوهم، أم الدويس ليست صناعة حديثة العهد، بل هي منتج قديم قدم الدهر، أيضاً في تلك الأمكنة كانت خيام منصوبة على أعمدة، من جذوع النخل، وكان الظلام أيضاً، يباغت الأرواح، يقرعها بضجيج مرعب، يختزل الأعمار، وينتصر لخوفه المريع. نشأت أم الدويس على أثر السوداء، والقهر والظلم.. تفشي سرك لنفسك، تقول لماذا التعب، يكفي كل هذا السواد لتتجلى العملاقة الشهيرة من أكفان الأحياء المدثرين بخوفهم، وضعفهم، وموتهم السريري..
تصل الآن إلى نهاية المخيم في الطرف المقابل، طرق وعرة، تؤدي إلى الطريق العام.. النهاية القصوى للخوف، الذروة الأعلى للفقر المدقع.. تمد خطواتك مكتفياً بالحزن، متحاشياً المرور في الأدغال الموحشة، تقول، لا بد أن أفرد جناح الرحمة على هذا القلب، فقد زججته في الكون السفلي، في العالم الماورائي، حتى تفحمت شرايينه، تصل عند مساحة الضوء الخافت، تحت أعمدة النور المتلاحقة، مربوطة بأسلاك معدنية، هي مصدر التيار الكهربائي.. بعض الأسلاك تبدو كحبال قديمة، وبعضها انسلخ جلده كعظام كلب أجرب، وبعضها فعلاً تحلل من رباطه، متدلياً على الأرض، متربصاً بالحيوانات الضالة، والغافلين من البشر، أرواح زهقت بسبب هذا الفقر، وشح المعرفة بمصائر من يلحق بهم الأذى.. زحفت ماشياً بتؤدة رابط الجأش، متأبطاً أحلامك، متشرذماً بين شراك الإرادة المخذولة.. تبنيت الشارع العام جيداً، تمليت الأسفلت المرقع بالحفر، والشروخ والأخاديد والغضون، وما فعلته السنون العجاف، والرؤوس الحافية من الذمم.. تحريت طريقك باحتراس، ومشيت الهوينى، متوكئاً على رغبتك في الوصول سالماً، معافى من غي المسافات الوعرة، وسواد الأمكنة المقفرة.. قرعت طبول اللهفة، اشتقت لبيتك تباعدت خطواتك وأنت تجوس تحت جنح الظلال والأضواء الخافتة..
…
بعد انقضاء قرن من الزمن، وعزلة هذه القرية وقسوة الطبيعة من حولها، وشراسة البشر الذين تداولوا على سكنى هذا المنزل، الأسطوري الكبير، تصير جدرانه المتهالكة، والتي خلعت أصباغها البيضاء، تحت سطوة الشمس الحارقة، والإهمال البشري، وعتو الزمن، قبواً دافئاً للجرذان والفئران، والحشرات والدواب، وموطناً للظلام، وملاذاً للقصص والخرافات التي امتلأت صيتاً على مدار السنوات الماضية..
بيت السركال، هكذا وصل إلى مسمعك، منذ أن نشأت وفتحت عينيك على الحياة، لكنه في الحقيقة كان موطناً لأكثر من عائلة، ومسمى لأكثر من شخص، ثم آل أخيراً لملكية آل مالك.. الأسرة العريقة، وأعداد أفرادها الذين انبعثوا هنا وتناسلوا، ثم بعد التغيير الذي فاجأ القرية، العزلاء، ذهبت الرياح بآل مالك إلى منافٍ جديدة على جغرافية الأرض الواسعة.. بقي المنزل الأثري وحيداً في وجه العاصفة الزمنية، بقي تؤمه كائنات هلامية، عفوية وغريبة وعجيبة.. بشر توافدوا على سكنى هذا البيت، عاشوا فيه سنوات عمرهم، تضاجعوا وتناسلوا ثم اختفوا. بقيت الجدران صامدة، تمد لسانها في الرطوبة العاتية، وتتوسد الفراغ، متعرية من أي شكل من أشكال الحداثة التي هاجمت الأمكنة بلا هوادة.. يقال إن السركال كان رجلاً مشهوراً، وعلاقاته الاجتماعية والسياسية ملأت جدران الفضاء، ولما هاجر إلى دبي بقيت جدران البيت فارغة، حتى تداولت عليها الوحشة.. تقول إن أمك كانت تحكي لك قصة هذا البيت وعلاقته بالجن.. كانت تسرد القصص، وتتعوذ من الشيطان وتبسمل، محتشدة بزخم من المخاوف، وكنت تنام في حضنها مخضوضاً، مروعاً، وأحياناً تتشبث بثوبها خوفاً من أن يختطفك جني أهوج، ويأخذك عن حضن أمك، بينما أمك تأخذك بلهفة تهدهدك تربت على جسدك، وتطوق جسدك الصغير بذراعيها، حتى يسكن روعك، ثم تستأنف قصتها.. تقول إنها حكت لك عن جنية عجوز، كانت تخرج في المساء بعد مغيب الشمس، وتجلس في وسط الفناء الرملي الواسع، وتمشط شعرها الطويل الأسود الفاحم، بمشط ضخم، كي تتناول آخر خصلة من شعرها المتدلي تحت الردفين.. وتقول إن أمك ذكرت لك أن الجنية، على الرغم من شيخوختها إلا أنها كانت توصف بجمال فذ، ومحيا يشع ببياض ناصع حتى إن الناس الذين كانوا يتلصصون عليها من خلال ثقوب الجدران، كانوا يرون وجهها، المشع، من خلال الظلام الدامس، لكنها أيضاً كانت مسالمة، بل وكانت تبتسم ابتسامات شفافة للصغار، الذين كانوا يرقبون حركاتها، وهم منضوون تحت أجنحة ذويهم. وتقول إن أمك حكت لك أنها لم ترَ وجه هذه الجنية قط، لأنها لا تثق بالجن مهما بدوا مسالمين، ولا بكلام الناس عنها، بأنها امرأة وديعة، لكنها تسرد لك القصة حسب ما جاء على لسان من شاهدوها.. وتقول إن أمك كانت تصور لك الجنية، وكأنها رأتها، حيث كانت تتوغل في التفاصيل، وفي مرة ذكرت لك أن هذه الجنية عشقت رجلاً من القرية، واستهامت به، وتولعت حتى أنها لما يئست من الحظي به، توحشت، وصارت تلوب في أزقة القرية، وتجهش بالبكاء عند باب بيته، وقد يئس الرجل من إثنائها عن هذه الرغبة، فاضطر أن يلجأ إلى أحد المطاوعة، الذي نصحه بأن يقرأ القرآن، وأن يضع حرزاً في زنده تحميه من مغبة عدوان الجنية في ما لو يئست وفكرت في مهاجمته.. وبالفعل مارس الرجل جل الطقوس التي أمر بها المطوع، لكنها لم تشفع له، وفي يوم من الأيام، شوهد الرجل، يحلق في الفضاء، على ظهر كائن ضخم أسود سواد الليل، وبعد أن اختفى عن الأنظار، بحثت عنه أسرته، زوجته وأولاده، لكنهم لم يعثروا له على أثر، وذهبوا إلى المطوع نفسه، ليستفهموا منه عن سر اختفاء الرجل، فلم يعثر على وسيلة أو سبب غير أنه أرجع الأمر إلى الجنية، متهماً الرجل أنه لم يتبع التعليمات بحذافيرها، وقال لهم، إن هذا جزاء من يرفض تنفيذ ما آمره به.. احتار الأهل واحتار الناس جميعاً، وظل البحث جارياً عن الرجل، وفي يوم من الأيام، شوهد الرجل، يسير على الشاطئ، وقد ارتدى ملابس مرقعة، متسخة بالطين والغبار، ووجهه كث بلحية طويلة بيضاء، والتجاعيد ملأت سحنته الكالحة.. ولما رجعوا إلى المطوع، متسائلين عن أحوال الرجل التي تبدلت، قال هذا حال من يرفض اتباع التعليمات، ثم طلبوا منه أن يستعيد الرجل وأن يهون من أحواله، أن يردعه، عن أفعال الجنون، قال.. لا جدوى.. وقد حاولت الأسرة أن تفعل ما في وسعها، لكي تعيد الرجل إلى بيته، إلى سابق عهده، إلا أنه رفض وكان يهذي بكلمات غير مفهومة، ويبدي حركات عشوائية، غريبة، ما أشاع الخبر عن جنونه..
يتبع ..