رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
منذ أربعين عاماً تقريباً جاء إلى هنا رجل إنجليزي كان يدعى مايكل، وبعد فترة من الزمن غير اسمه الإنجليزي، وأطلق على نفسه اسم سالم، كان رجلاً نحيفاً، طويل القامة، أشقر الشعر، وسيماً، وهو في سن الثلاثين.. كان دمثاً خلوقاً، لطيفاً مرحاً بشوشاً، الابتسامة الرقيقة لا تفارق محياه الصبيح.. يشارك الناس في أفراحهم، وفي أتراحهم، في الأعراس تجده حاضراً، ينشط بحيوية وكأنه من أقارب أحد العروسين، وفي الولائم يأكل بيده، ويقطع اللحم المقدد بأسنانه، ويرقص، ويردد الأغاني الشعبية، بطلاقة بعد أن أجاد لهجة البلد.. وكان الصبية والشباب، يلهجون باسمه، ويبحثون عنه ويسألون عندما يغيب.. أحبوه كثيراً، تحمى الطبول، ويرتفع التصفيق، يدخل سالم في حلقة الرقص، ويرقص ويهز كتفيه، وردفيه بجدارة الأشخاص المتمرسين، ويرتدي سالم القندورة العربية، ويعتصم بالغترة، ومن لا يعرفه لا يصدق أنه رجل أجنبي.. كان سخياً جداً، حيث كان يهب في عطائه للأولاد الصغار، الذين تتهلل وجوههم بالفرح، عندما يقبل نحوهم بإشراقته الفضية، الناعمة، وفي المناسبات الرسمية، يكون سالم بين الحشود، يجلس في الأرجوحة الدائرية، مصفقاً مزغرداً، مجلجلاً بصوت رخيم، وعلى نغمات الأرجوحة الزاعقة، في صفير مهيب كان يقلب رأسه منسجماً، متناغماً من الأصوات المجلجلة.. في المجالس، كان سالم يحضر وبيديه مدونة صغيرة، يسجل فيها ملاحظاته باللغة الإنجليزية، وبعد أن ينتهي من التدوين يحفظها في جيب قندورته السفلي، ويقتعد مسنداً، متكئاً، باسترخاء، مستمعاً، ناصتاً، مبتسماً، ملاطفاً الجميع بلهجة حانية دفاقة بمشاعر رقيقة.. كان سالم يعشق تسلق الجبال، والسير في الشعاب، والوديان، والولوج في المزارع، والسؤال عن الأشياء الغامضة، كان لحوحاً إلى درجة الخوض في التفاصيل.. وكان يمتهن كل المهن، فهو طبيب، ومهندس، وأخصائي اجتماعي، وراوي حكايات، وكان يبدو من أقاصيصه أنه رجل دار العالم، وعرف الكثير من تقاليد الشعوب، وبخاصة الخرافات والأساطير.. زار الصين، والهند وشرق آسيا، ويقول إنه يحب هذه الشعوب، لأنها شعوب وجدانية وعاطفية إلى درجة التفاني.. وكان يتحدث كثيراً عن تعاليم بوذا التي يعشقها، وكونفوشيوس العظيم.. فيلسوف الصين، المصلح الاجتماعي الأسطورة، كان الشباب يتحلقون حوله، مبهوتين بلغته السردية، البليغة والطليقة، وقدرته الفائقة على اجتذاب الانتباه، والغوص في مجاهيل الفلسفات القديمة.. كان يتحدث عن السحر في تلك البلاد التي زارها كثيراً، ويعتبر هذا الصنف من الشعوذة جزءاً من حياة الناس، البسطاء، كان يقول: السحر قوة باطنية رهيبة، والساحر إنسان استبطن خوافي الأمور، ما لا يستطيع أي شخص عادي أن يصل إليها، وكان يقول: الناس لجأوا إلى السحر بعجزهم عن تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية الكبرى كالكوارث، الزلازل، والبراكين، والفيضانات، وكذلك قضية الموت.. يقول عن الموت إنه القوة الرهيبة التي كانت ترعب الإنسان على مدى القرون، لذلك كان السحرة، يلجأون إلى هذه الحيل، باعتمادهم قوة إقناعية تجبر الناس على الانصياع لهم، وتنفيذ أوامرهم، واللوذ إليهم في حال إصابتهم بمكروه.. سالم كان يبهر جلاسه، بأحاديثه المدهشة، وكانت كلماته تلقى استحساناً جماً لدى الصغار والكبار.. حتى إن أحد الكبار كان يقول عنه.. إنه لو كان يصلي لقلنا إنه نبي، لسماحته وصفاء روحه، وعبقريته الفذة في معرفة ما يحيط بالإنسان من قضايا مبهمة.. ويقال إنه فسر قصة أم الدويس على أنها حكاية عالمية، وأنها موجودة في تراث شعوب كثيرة، وبأسماء مختلفة.. في بعض الأحيان، كان سالم يختفي ويغيب أياماً عدة، وأحياناً أسبوعاً، ثم يهل على الناس مشرقاً، متهللاً، وعندما يسألونه عن سبب غيابه كان يرد بإبهام، قائلاً: سافرت بلدي، أو أنه يقول ذهبت في عمل خاص.. ولم يكن الأمر مستغرباً لدى الناس، بل إن إجاباته الغامضة كانت تمر مرور الكرام، ولا يتم التلجلج في شأنها، وببساطة كانوا يقبلونه على علاته، رجلاً مسالماً، متفانياً في تقديم المساعدة للآخرين..
أمضى سالم سنوات عدة في البلد، ولم يكن يتأفف من حرارة صيف أو رطوبة قيظ، أو شظف حياة، أو عوز في حاجة من حاجات الناس.. بل كان معيناً مغيثاً، وكان كل فترة غياب، يجلب معه الهدايا للصغار، من لعب وحلوى، وكانوا يتناهشونها في عجل ووجل، وأحياناً يتشاجرون، إذا ما سبق أحدهم في قطف القسم الأكبر من الهدايا.. كان يضحك، وينتابه شعور بالفخر وهو يتوسط محيطاً من البشر، يسعدونه في التفافهم حوله، في ضراعة، ووداعة، وكان دائماً يقول أنتم شعب مسالم ومحب.. أحبكم كثيراً لأنكم طيبون.. كانوا يمشتقون الابتسامات العريضة، معجبين بإطرائه، وثنائه عليهم، بالتصفيق والتهليل..
ثم فجأة، يغيب الرجل، ويظل الناس يبحثون عنه ويسألون في لوعة المشتاق، كانوا يهتفون باسمه، ويأتون بسيرته بالحسنى، ويتحسرون على غيابه.. وبخاصة الصغار الذين اعتادوا على مزاحه الخفيف، وهداياه الثمينة، ومعاشرته الطيبة. حتى إن كبار السن نسجوا حوله القصص والروايات التي كاد يصدقها الكثيرون، وبخاصة صغار السن المندهشون بشخصيته، الذين لم يستطيعوا نسيان هالته، المسيطرة على وجدانهم.. يقول بعض كبار السن: قد يكون سالم من كائنات العالم الآخر.. لكنه تلبس بهيئة بشر. وبعضهم قال إنه ساحر، لكنه من السحرة الطيبين الذين لا يسيؤون إلى البشر.. وعلى الرغم من غموض شخصيته، والريبة من غياباته المتكررة، إلا أن البعض لم يستطع أن يصدق أنه كائن عادي، الأمر الذي جعلهم يتمنون عودته، ليتعرفوا عليه جيداً، لكن سالم لم يعد، ولم يبقَ له أثر، اختفى فجأة، لمجرد أنه أعلن أنه سيختفي لمدة أيام ثم يعود، لأمر خاص، لكن الأيام مرت والقلق تزايدت وتيرته في قلوب محبيه، وأصبح الناس في مرية من أمره، كالأسرار الغامضة، يشيع الشك، ويثير غباراً من الأفكار، سيئة أم حسنة، لكن بعد فترة من الزمن تأكد الجميع أن سالم، إما أن يكون قد مات، أو أنه التحق بعمل معين، ولم يستطع العودة، أو أنه كما قال أحد كبار السن، إنه كائن غريب ليس من جنس البشر..
رجل عجوز جاء في يوم، وقد مضت فترة طويلة على غياب سالم، وانقطعت به وعنه الأخبار، حتى تقاعس الكثيرون عن السؤال حول غيابه بعد سأم، وفقدان أمل. قال العجوز: تسألون عن سالم، الذي تحبونه.. إنه موجود فوق قمة ذاك الجبل، منقطعاً عن الناس، ساهماً لا يريد أن يحدث أحداً، ولا يصغي إلى أحد. وعندما سألوه: كيف استطعت أن تصل إلى قمة الجبل، وأنت لا تقطع مسافة مترين إلا متكئاً على عكاز.. قال: لقد حلمت به.. رأيته في المنام، كان جالساً في جوف جحر عميق، مظلم، لا ماء فيه ولا طعام، وكان عاري الجسد، وجهه مكفهر، وعيناه جاحظتان وفمه يسيل منه الزبد..
قالوا: ألم يقل لك شيئاً.. ألم ينطق بكلمة تند عن سبب لاعتزاله الجماعة.
قال.. لم يقل شيئاً، لم يفه بكلمة، كان مبحلقاً، شارداً، والدموع تذرف من عينيه، وقد نمت له لحية طويلة وكثة..
بهت الكبار والصغار، تحولوا حول بعضهم بنظرات دهشة، والصغار ارتعشت أطرافهم، مبتئسين مما يحصل في قريتهم.. فانتصب أحد الشبان، في حماسة منقطعة النظير قائلاً: أريد أن أراه، أنا سأذهب لألاقيه.. ويلتفت إلى الرجل العجوز.. دلني على مكانه.. أشر فقط إلى موقعه بالضبط، وسأذهب بمفردي، قال آخر، وأنا سأرافقك، يجب أن نحظى بسالم، بأي وسيلة.. لا يجب أن نذعن للحيرة، ونحن نعلم مكان وجوده..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
قال العجوز: يا بني، لكني أخاف عليكما من الضرر، وربما لا يكون سالم إنساناً عادياً، قد يكون جنياً..
يستخف الشاب بكلامه.. قائلاً: سأكون جباناً لو استمعت إلى نصائحك..
يقول رجل آخر: لا يا بني.. لا يجب أن تتهور، ودع الرجل وشأنه، إن كان جنياً أو إنسياً، فإذا أراد أن يعود، فلن يمنعه أحد.. دعوه وشأنه..
يقف الشابان، والحيرة تأكل قلبيهما.. ينظران إلى بعضهما.. ثم يتفقان همساً على الذهاب إلى الرجل، من دون علم أي من الحاضرين..
قال الشاب الأول: سأتبع نصيحتك يا شيخ، بشرط أن تصف لي المكان بعينه..
قال العجوز: إذا كنت لا تنوي الذهاب إليه.. فلماذا تسأل عن مكانه..
يقول الشاب: إنني أحبه كثيراً، وأريد تخيله، وتجسيد شخصيته في ذاكرتي، حتى أقنع نفسي بأنه حي، لم يمت..
اعتدل العجوز.. قال في لهجة مرتبكة: سالم يقطن الآن في الناحية الشمالية من مكان وجودنا، عند قمة الجبل تلك، كما تراها بأم عينيك، وتحت قمة الجبل بأقل من ثلاثة أمتار، جحر عميق، تراه الآن، ينكفئ ويردد ترنيمات، غامضة لن يفهمها أحد من الجالسين، إنها تراتيل السحرة..
يقول الشاب الآخر: إذاً هو ساحر؟
يرد العجوز بلهوجة.. لا أدري.. ولكن يبدو لي ذلك..
ينظر الشابان إلى بعضهما.. يهمسان.. غداً، عند الفجر.. يتفقان..
يسترد العجوز أنفاسه قائلاً: أرجو ألا تجازفا، فالأمر خطير جداً.. ولا يعلم أحد ماذا سيحدث لأي شخص يقترب من تلك القمة الجبلية..
يمتعض الشابان.. ينظران إلى العجوز بشذر، ثم يبحلقان في القمة الجبلية..
ينهض رجل من بين الجالسين.. ألا يحتاج الرجل إلى طعام أو شراب.. فربما أجبر على الذهاب إلى هناك وتعذر عليه جلب ما يغذي جسده.. لماذا لا نهم بمساعدته..
يزعق العجوز، مرتجفاً.. قلت لكم إن الأمر خطير، ومن يجازف بمصيره سيتحمل مسؤولية هذه المغامرة، غير المحسوبة.. ثم يتوكأ العجوز على عصاه، شاهقاً، مصدراً سعالاً هادراً، ويغادر المكان، بجفول، تاركاً الآخرين يعجون في غموض الأسئلة المتناسلة من رؤوسهم، كأشواك صحراوية وخازة.. ينفض الجميع، ويذهب كل إلى سبيله، تاركاً أسئلته تعشعش في رأسه، خائباً، متفانياً من أجل الوصول إلى مراده من دون أن يصاب بمكروه.. الشابان المتحمسان لبثا في مكانهما، متجمدين، وعلى الرغم من الرغبة الجامحة في تحقيق الأمل المنشود ومقابلة سالم، إلا أن الخوف لم يكبحه جماح، وظل كل واحد منهما يولول في داخله، منشغلاً بالهواجس، والمصير المجهول الذي سيلاقيانه في ما لو نفذا المهمة، وهما قد قطعا عهداً على نفسيهما بأن يتجاوزا نصائح الرجل العجوز ليصلا إلى سالم..
في اليوم التالي مساءً، جاء رجل يخب على ظهر حمار، مضطرباً، متدهوراً، مزمجراً بصوت هادر، قائلاً بصوت مشروخ: رأيت رجلين في ريعان الشباب، وقد لقيا حتفهما عند حضيض الجبل في مقابل تلك القمة العالية، كانا مهشمين، والدماء تطفر من مخيهما، وأنفيهما، وكل عضو من أعضائهما قد تكسر.. حاولت أن أفعل ما ينقذهما، لكنني وجدتهما قد فارقا الحياة.. ويشير إلى حماره، حماري هذا دلني على مكانهما، هو الذي نهق، ولوح بذيله، مرفرفاً بأذنيه، مستفزاً، شاخصاً..
بهت الجالسون، ونظر كل إلى الآخر، وحامت الشكوك حول الشابين اللذين أبديا استعدادهما للذهاب إلى سالم، رغم تراجعهما بالتالي، بعد إصرار العجوز على رفض رغبتهما لخطورة الموقف.. لبث الجميع ساهمين مرتجفين متشككين من أمر سالم.. قال أحدهم، متيقناً: إذاً كلام الشيخ كان صحيحاً، وكان على صواب، عندما حذر من عدم الاقتراب من مكان سالم..
وقال آخر: يجب أن نتأكد من الأمر..
قال العجوز: كيف؟
قال الرجل: نذهب إلى مكانهما..
قال العجوز: أتريد أن تلقى نفس حتفهما.. اذهب إن شئت..
توجس الجميع.. وساد المكان سحابة حزن على الشابين، وامتزج الحزن بالخوف كون سالم الرجل، المسالم اللطيف، ينبري عن كائن شرير..
قاطعه شاب صغير: أكان سالم جنياً؟
العجوز: وماذا سيكون إن لم يكن جنياً.. نبياً؟
يتمتم الجميع في كلمات غامضة، وقد احتبست أنفاسهم.. ولبثوا في حيرة من أمرهم، وإحساس بالذنب أن يدعوا الشابين يفطسان في المكان النائي، من دون أن يبادروا في عمل الواجب تجاه الميتين..
لكن العجوز بصرامة قال: لا يجب أن يخاطر أحدكم بنفسه، أما الشابان فقد أنذرتهما، ولم يستجيبا، ولا نريد مزيداً من الضحايا..
لم تكن مشاعر الرجال، مستقرة على أمر.. انبرى أحدهم قائلاً: وكيف لم يصب هذا الرجل بأذى عندما اقترب منهما..
قال العجوز في يقين: ليحمل إليكم الرسالة..
بصوت واحد قالوا: رسالة؟
العجوز: أجل رسالة، تخبركم أن الشابين استخفا بأمر الجن، فما كان من مصيرهما إلا أن يؤول إلى هذه النهاية المأساوية..
اقشعرت الأبدان، ودارت الرؤوس، وحلقت في عراء الخوف الرهيب.. وكل منهم بدأ تخيل كيف كان يجلس مع سالم، ويمازحه، ويأكل معه الأرز باللحم، ويرتع معه من دون أن يعلم أنه كائن رهيب..
بعد مضي زمن على قصة سالم، أحيت إحدى الأسر عرساً لأحد أبنائها، فالتم الناس يرقصون ويهتفون، وتجمعت النسوة، يساعدن في ترتيب ما يحتاج إليه المحتفلون، لاستكمال عدة الفرح، وفي معمعة الابتهاج وتداخل الصغار والكبار، في حلقات الرقص، فوجئ الجميع بالرجل يداهمهم، بطلعته البهية، وابتسامته العريضة، المشرقة، بهتوا.. وقفزت قلوبهم مذعورة للمشهد الدرامي الفظيع، فالصغار تشردوا وانتشروا كالجراد المطارد، والكبار تجمدوا في مكانهم، وأطبق الصمت المهيب، مخالبه على الأفواه، والوجوه..
دهش سالم، بدأ يتلفت لإحساسه بالغربة بين الجميع الذين نفروا واستنفروا طاقاتهم النفسية، لتحاشي الخطر المباغت.. صرخ بصوت وئيد.. لماذا توقفتم عن الغناء.. غنوا وارقصوا، فقد اشتقت إلى جمعكم الطيب، أريد أن أرقص.. دخل في الحلقة المستديرة، رقص في صمت الطبول، صفق وغرد وجذب أحد الشبان، قائلاً أريدك أن ترقص معي. أريد أن أعوض أيام غيابي، في ليلة حافلة بالبهجة، وإشراقة الوجوه السمحة.. استغرب الجميع مرتابين من تصرف سالم، وساورتهم ظنون وشكوك، وهواجس، لم يصدقوا أنه سالم الذي عرفوه، لم يعترفوا به أنه الرجل الذي استأنسوا بوجوده لمدة من الزمن. الذي يقف بينهم الآن، هو الجني، الذي قضى على شابين في ريعان شبابهما، يريدون أن ينتقموا منه ويثأروا لفقيديهما، لكنهم بالتأكيد لن يستطيعون.. كل ما يمكنهم فعله هو أن يقاطعوا نظراته الباسمة، وألا يجاملونه في حركاته البهلوانية، التي بدت لهم أنها مجرد مناورات يهدف من خلالها استدراجهم إلى مواقع الخطر..
لبث سالم يرقص، ويهز كتفيه، حتى تقطعت أنفاسه.. ثم وقع على الأرض، هامداً متلهوجاً، يردد كلمات متوترة، وبعد أن هدأ جسده، ونشف العرق، من جبينه، التفت إلى الجميع قائلاً بلهجة وديعة: ما بالكم تشخصون الأبصار فـيّ وكأني شيطان حط من علٍ فأرعبكم.. ثم يضع سبابته في صدره قائلاً: أنا سالم، مايكل سابقاً، ألا تعرفونني؟ أمضيت سنوات بينكم فلم أسئ إلى أحد ولم ألقَ الإساءة منكم أبداً.. ثم يصرخ، متشنجاً، مضطرباً.. لماذا تستنكرون وجودي الآن، أشيء غريب أن يغيب الإنسان عن أحبائه ثم يعود بعد سفر.. ألا يجدر بكم أن تستقبلونني بحفاوة العرب المعهودة.. أم ماذا حصل؟
يتقدم الرجل العجوز متهالكاً، متمالكاً نفسه، متكئاً على عصاه، قائلاً بلهجة مضطربة: أأنت سالم الذي عرفناك بدماثتك ولطف خلقك..
يهز رأسه: أجل هو أنا.. ولم يتغير شيء..
قال العجوز: أتصارحني، ولا تنزعج..
قال: أبداً.. قل ما بدا لك..
العجوز: أين ذهبت كل هذه الفترة لغيابك؟
سالم: ذهبت إلى بلدي.. كنت في مهمة أسرية، عاجلة وعدت على أمل أن ألقاكم جميعاً بخير.. ثم يتفحص الوجوه.. لكنني أعتذر إن كنت أخطأت التقدير.
يبهت الجميع.. صار الرجال، يتفحصون الرجل الذي يجلس بينهم، يتأملونه، كمن يتحرى الدقة في رؤية مخلوق عجيب..
انتفض سالم.. قال: ما بالكم، تغرسون أنظاركم فيّ وكأني ارتكبت جريمة..
يخفض الجميع رؤوسهم، يشكون في الأمر، يستريبون من حلم الرجل العجوز، يشعرون بأنه ورطهم في عقيدتهم تجاه سالم، لكنهم لا يستطيعون أن يفصحوا عن ظنهم ولا أن يصفحوا عنه..
تحول الحفل البهيج إلى مأتم، دارت حول رؤوس الرجال، أناشيد جنائزية، واستداروا حول بعضهم مؤنبين أنفسهم تارة، خائبين، ضائعين في متن الاحتمالات المبتورة، ومستبدين بالرجل العجوز الذي أفضى بهم إلى شكوك وانفعالات وأخاييل جهنمية.. تلبدت الألسن، وجحظت العيون، ودارت المقل في المحاجر كأنها الكرات الصغيرة، الحائرة.. ولبث سالم متجمداً في مكانه، تفنيه النظرات الحائرة، ويسلبه الصمت، ويقصيه في متاهات الأسئلة، الشائكة.. ثم بعد فترة وجيزة ينتفض سالم قائلاً: يبدو أن في الأمر شيئاً مريباً، أرجو أن أفهم، وإلا سأغادر حفلكم هذا، ولكن لن أكون الرابح بطبيعة الحال، سأخسر، وأفقد أعز من عرفت..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تطلع الجميع إلى سالم، تفحصوا وجهه ملياً.. كل هذه الملامح، لا يمكن أن تسفر عن شخص غير سالم الذي استوطن وجدانهم.. تملكتهم الحيرة، وكان لسان حالهم يقول للرجل العجوز: لقد ارتكبت خطأً فادحاً، وتوهمت ما لا يتوهمه المجانين.. سالم ليس إلا رجل محترم.. اعترت العجوز مشاعر فجائية، لم يستطع كبتها.. اعتدل واقترب من سالم، ثم أردف قائلاً: ألست أنت الذي رأيتك في المنام، تجلس في مجرى بالقرب من قمة الجبل؟ ثم أليس أنت الذي فتكت بروحي الشابين اللذين أرادا أن يقابلاك في عزلتك عند قمة الجبل؟
يفتح سالم عينيه، دهشاً.. ثم يضحك ضحكة هستيرية، والدموع تطفو من عينيه. يقول: الآن فهمت.. أأنت الذي حلمت هذا الحلم المريع..؟
يقول العجوز: أجل أنا..
سالم: ألا تعلم أن الأحلام ليست إلا أضغاث ولا علاقة لها بالواقع.. ثم يربت على كتف العجوز قائلاً: لقد ظلمتني، ودفعت بشابين إلى المخاطرة في وهاد الجبال.. ثم وهو يلهج بلغة مرتبكة.. قائلاً: اذهبوا وأبحثوا عن موتاكم، أما أنا فلكم الخيار أن تصدقوني أو تكذبوني.. لكني في قرارة نفسي مقتنع بأن ما رواه شيخكم ما هو إلا أضغاث أحلام.. والأحلام لا تصدق، حتى وإن صادف ولامست شيئاً من الحقيقة..
…
تقول إن سالم ذهب في اليوم التالي عند الصباح الباكر إلى قمة الجبل، وعلى الرغم من قناعته من سذاجة تلك الخرافة التي أطلقها الرجل العجوز.. وروج لها، وروع قلوب أصحابه واستعداهم ضده، إلا أن الفضول يدفعه دائماً إلى اكتشاف القصص الخرافية، للوقوف على كنهها.. صعد درجات الوعورة، كانت القمة شاهقة إذ ترتفع بمقدار تسعمائة متر تقريباً، لكنه استعان بالإرادة، وقوة العزيمة، والرغبة الملحة في معرفة أسباب ما أشاعه الرجل العجوز، وبخاصة أنه كان يشك في مشاعر هذا الرجل تجاهه. فربما أراد من وراء هذه القصة المرعبة أن ينفر الناس منه، بعد أن وجد الجميع يلتفون حوله، بل ويتعاملون معه كأحد أفراد القرية.. انتصف الطريق وقد نسي سالم أن يجلب معه ماء الشرب يبل به ريقه، والجهد الذي يبذل في تسلق الجبل يحتاج إلى كميات من الماء تعوض ما ينزفه الجسد من العرق، لكنه لم يأسف كثيراً، بل تشدق بالأمل، لتحقيق مأربه.. استراح قليلاً وأسند ظهره على سطح حجر، وبعد فترة وجيزة، تابع طريقه، منحنياً على الصخور، التي منحته أسنانها الحادة، وأكلت من جلد رقبته وركبتيه، إلا أنه لم يتوانَ عن تحقيق هدفه المنشود.. اعتلى القمة، ثم ولج الجحر الذي ذكره الرجل العجوز، غاص في الظلمة، ومعه قلبه المرتجف قليلاً جراء الوحشة والرائحة النتنة التي تفوح من جوف الجحر، وصل إلى أعقاب الجحر، تلمس الأحجار، تفحصها، ثم استراح قليلاً في العتمة، متمسكاً بالإرادة، ثم أقفل عائداً، ولما وصل، إلى الفتحة العظيمة، المشرفة على الفضاء الوسيع، تنفس الصعداء، أخذ شهيقاً عميقاً، واستأنف النزول رويداً رويداً، وكانت قدماه تنزلقان من فوق رؤوس الصخور المتعجرفة وكأنه يتزحلق على ظهر جبل جليدي صلب، وكانت الشمس تلفح وجهه، على الرغم من تغير الطقس، وانطفاء الحرارة شيئاً ما، إلا أن الوقوف مباشرة في وجه الشمس، يدفع باللسعات الشمسية، تضرب بشرة الوجه كالإبر، ومع الإحساس بالظفر، كانت الوخزات تحقن المنشطات التي تمنح للأجسام المتهالكة.. وصل الحضيض، نظر إلى الجوانب المحيطة به، لم يجد الشابين، قال.. أليست هذه نكتة..؟ أين ذهبا؟ فالجميع ذكروا أنهما وجدا ميتين في الحضيض.. هذا هو الحضيض، لا أثر لجثة أي منهما.. أين ذهبا؟ هل اختطفت جثتيهما النسور..؟ لا أعتقد أن يحصل ذلك بهذه السرعة.. هرول سالم، متجهاً إلى القرية، يريد أن يقابل الناس هناك، ليؤكد لهم أن ما ذكره الرجل العجوز، خرافة وأنه في إمكانه اصطحاب من يريد أن يدحض هذه الكذبة، ليرى بأم عينيه تلك القمة، وذلك الجحر، الخالي من أي حياة.. ثم يخبرهم، عن تلاشي جثتي الشابين، أو أنهما لا وجود لهما في المكان الذي ذكر..
وصل سالم، كان لاهثاً، منهكاً، وكانت القرية لم تزل تلفظ أنفاس الخوف والقلق، وعلى الرغم من تيقن الأغلبية العظمى من الناس، أن ما ذكره الرجل العجوز لا أساس له من الصحة، إلا أن شوائب القلق لم تزل رابضة في نفوسهم، وبخاصة أن مقتل الشابين لم تبن حقيقته.. في حلقة من حلقات السمر المسائية، اقتحم سالم المكان، واقتعد مسنداً يتوسط الجميع، قال بلهجة متقطعة، ولم تخل من نبرات الحبور، لقد ذهبت بنفسي إلى قمة الجبل، ودخلت الجحر، وعدت كما ترون سالماً معافى ولم يصبني أي مكروه، وهذا يفسر كل كلمة قالها لكم الرجل العجوز، وأنا على يقين من أن أحلامه قد تقود القرية إلى مهالك ومهاوٍ، وأستطيع الآن أن أثبت لكم ذلك إن أردتم التأكد من صحة كلامي.. أستطيع أن أصطحب من تريدون منه الشهادة، ليقفوا على القضية، ويروا بأعينهم أن ما سرده مجرد خيالات وأوهام، لا يرويها إلا رجل مخرف..
كان الرجل العجوز يفغر فاه ويشخص بصره في وجه سالم، الذي بدا مضطرباً، تخرج الكلمات من فيه، متدافعة، متدفقة، وليست كعادته كما عرفه الناس من قبل، في هدوئه ورصانته، ورزانة عبارته.. أما الرجل العجوز، فشعر بالخطر يقترب من أصابعه، بدأ يتزحزح ويتنحنح، ويكح أحياناً طارداً إحساسه بالإحراج، ثم يقفز فجأة قائلاً: هذا الرجل الأجنبي، محتال، ويريد أن يوقع بين أبناء الدم الواحد..
يضحك سالم، يهمهم. صرت الآن أجنبياً، وغريباً.. أليست كذلك.. لا ضير في ذلك، لكن كل ما أريده قبل أن أرحل من هنا، أن أضع الناس على حقيقة الأمر، وآن لهم أن يعرفوا الحقيقة..
يقول العجوز كيف؟
سالم: أن يذهبوا، وأنت بصحبتهم إلى قمة الجبل ويدخل الجميع الجحر، لتروا جميعاً الواقع كما هو.. أليس هذا حلاً محايداً.. ينصفني.. كما أنه ينصفك..
يطقطق العجوز.. يفتل شاربيه.. ثم يطرق متوتراً.. أنا لا أستطيع، سني وحالتي الصحية لا تسمحان لي بذلك..
سالم: سنأخذك على ظهر حمار، وإن أردت فعلى ظهورنا..
يهز العجوز رأسه.. قائلاً: هذا حل غير مجدٍ..
سالم: وما المجدي إذاً؟ أتريد أن تبقى الأمور مبهمة وكما أردتها، لأصبح أنا المتهم وأنت البريء..
العجوز.. متفاقماً، محتقناً: ستظل أنت المتهم حتى وإن حاولت إيهام الآخرين ببراءتك.. فمن يستطيع أن يثبت لي عن أصلك وهويتك، ومن أين جئت، وكيف جئت.. كل هذه أسئلة لن تستطيع أنت أن تجيب عنها، ولا غيرك أيضاً.
يبهت سالم، يشعر بأن العجوز مصرٌّ على إلصاق التهمة، في شخصه، وأنه يحاول التملص من أي حل، لأجل إثبات الجريمة. أما سالم.. فيطرق قائلاً: وأنا لن أتخلى عن حقي، فالتهمة التي وصمتني بها جريمة شنعاء، لا تغتفر ومن حقي أن أدافع عن نفسي، وأن أرفع التهمة الباطلة عن نفسي، ثم ينظر إلى الآخرين، قائلاً: أليس هذا من حقي؟
يرد الجميع.. بصوت واحد: بل من حقك، ومن واجبه أن ينصاع للحل الذي طرحته..
ينظر العجوز إلى الجميع بشذر، ولمعت عيناه بشرارة الغضب، ويردد قائلاً: جميعكم انسقتم وراء هذا الغريب، كالحملان الوديعة..
يبتئس الرجال، ومعهم سالم، ترتجف شفتاه حنقاً، الذي أطرق بدوره: ما أريد أن أستوضحه الآن من شيخنا الجليل عن الشابين، فلم أر لهما أي أثر هناك..
العجوز، يأخذ نفساً عميقاً ثم يردف.. وهذه كذبة أخرى..
سالم: لا أكذب، ولست مضطراً للكذب، ومن يريد أن يتأكد من صدق ما أقوله فليصحبني إلى هناك، وإن أردتم جميعاً أن تذهبوا معي، فلا مانع..
العجوز: لا تتعب نفسك كثيراً، فقد بذلت جهداً مضنياً.. الضباع، والنسور، والثعالب، تملأ الجبال، وهذه الكائنات الضارية كفيلة بأن تفترس جسدي شابين، خلال يومين.. وليس أكثر..
يمتعض الجميع من تبريرات العجوز، ويشعرون بأنه يغير حقيقة ما، لا يعرفونها، يزداد حقدهم عليه، وترتفع وتيرة الغضب في نفوسهم ويستشيط أحد الشبان متضامناً مع سالم قائلاً: يا جماعة، هذا الرجل بدأ يخرف، وأعتقد أن هناك جريمة وقعت في حقنا كما وقعت في حق مصير الشابين، فيجب أن نبحث عن الحقيقة..
يقول أحدهم: وكيف نبحث عن الحقيقة..؟
الشاب المتحمس: إنها في وجه هذا الرجل.. مشيراً إلى العجوز. يجب أن يعترف، بجلاء، عن سر الحكاية من أولها إلى آخرها، وأن يأتي بالدليل القاطع عن مصير الشابين اللذين ذهبا ضحية عدوانية مريرة..
يصرخ العجوز منتفضاً، وقد ارتعشت أطرافه، وتقافزت عظام صدره، وتورمت عروق رقبته، قائلاً: اصمت يا نذل وإلا أخرستك غصباً..
الشاب لم يبد تشنجاً.. التزم الصمت، واكتفى بالتحديق في وجه الجالسين..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
ساد صمت.. ثم انتفض سالم.. قائلاً: أنا أؤيد رأي هذا الشاب.. إنه كشف عن الرأي الصواب، يجب ألا نصمت إزاء هذه الجريمة النكراء، ويجب أن يخبرنا هذا الرجل عن الطلاسم، التي شابت القضية.. ما الذي دعاه أن يؤلف هذه القصة، وما جدوى تحريض شابين للذهاب إلى مكان خطير بوعورة مسالكه وجهلهم بصعود الجبال..
ينط العجوز كالأسد المجروح.. أتريدون الحقيقة.. إنني كنت أكره هذا الرجل، ويقصد سالم، والآن صرت أتمنى لو أضع سكيناً في عنقه، وأدعه ينزف بدمه حتى الموت..
يصعق الجميع.. يحدقون في وجهه الذي اكفهر فجأة، وقفزت عيناه، كجمرتين.. ساد صمت رهيب.. شعر الرجل صاحب الحمار، بعقدة الذنب، حاول أن يقمع إحساسه المتدفق، كشظايا جمر، حاول أن يلجم رغبته في الاعتراف، إلا أن جفول الجميع، وإبداءهم مشاعر التعاطف مع سالم، وامتعاضهم من الرجل العجوز الذي بدا لهم أنه كائن يكره حتى نفسه.. أصدر تمتمة.. قال: اسمحوا لي أن أقول الحقيقة.. كل ما رواه هذا الرجل ويقصد العجوز، ليس إلا خرافة، ومؤامرة، أراد من ورائها الإساءة إلى هذا الرجل الطيب..
ثم يسأل الجميع بصوت واحد: والشابان.. من قتلهما؟
يقول، وقد ارتعشت أطرافه، متخلصاً من عقدة الذنب، قائلاً بجرأة: أنا.
الجميع بصوت واحد.. أنت؟
نعم أنا.. لقد حرضني على قتلهما، مقابل تزويجي ابنته التي أحبها..
يسقط الصمت الرهيب، على رؤوس الجميع، ويتجمد الرجل العجوز، مشيعاً رفيقه بنظرات التوبيخ، والعتب، والإحساس بنهاية مأساوية..
ينهض أحد الشبان وفي لهجة حاسمة.. يجب أن نثأر لشابينا، وألا ندع دمهما يذهب. هذا ما فعله هذا الحثالة، يستحق عليه القتل، وكذلك صاحبه النذل..
صاح الجميع.. قتلهما حلال، ويجب أن يكون جهاراً نهاراً، وأمام أعين الناس جميعاً، عقاباً لهما على قتل الشابين، ثم ظلم هذا الرجل النجيب، ثم نشر الخرافة التي أدت إلى إرعاب الناس، وإشاعة الأفكار الزائفة..
تقول إن سالم شعر بالارتياح، وقد أفسد عدوانية رجل واستطاع أن يحتل مكانة عالية في نفوس مجايليه، وأن يتربع على عرش قلوبهم، التي أحبته أكثر، وصار الرجل بالنسبة إلى جميع الناس في القرية، كمنقذ وداحض للخرافة، ومدافع عن حقوق الناس، في العيش بأمن وسلام وطمأنينة.. وتمضي أيام، بعدها، يغيب سالم، ويختفي عن الوجود، وتظل العيون تتربص، والقلوب تتوجس، والأخبار تتداول بين الناس، ولم يتبين أحد، إن كان سالم سافر إلى بلاده أم مات، أم قتل، فكل التكهنات، والتأويلات بنت أعشاشاً في أذهان الناس، وعلى الرغم من التخلص من الرجل العجوز وصاحبه، إلا أن الخوف من وقوع خطر ما لم يزل موجوداً، كون اختفاء سالم أسس في نفوسهم جمهورية نافذة وواسعة الانتشار في وجدانهم، حتى إن بعضهم، ورغم اعتراف صاحب الحمار بقتله الشابين، إلا أن القصة في حد ذاتها ظلت مبهمة.. فلماذا كان العجوز يكره سالم، ولماذا حدت به هذه الكراهية إلى إفناء شابين، لا ذنب لهما بهذه المشاعر، المبطنة التي يكنها العجوز لسالم.. بقي سالم حكيماً، وبقي الجحر في قمة الجبل قصة غامضة، مشوبة بأسئلة كثيرة، لم يستطع أحد أن يعثر لها على إجابة..
…
تقول أصبحت الآن في حاجة إلى صديق حميم يداويك من هواجسك.. ويعينك على حل لغز الكوابيس الليلية التي صارت تؤرقك أكثر من أي وقت مضى. الآن في حاجة إلى صديق يبوح لك بالأسرار ويفتح لك قلبه من دون سخرية من معتقداتك أو الاستدلال على أشيائك الداخلية بشيء من الابتذال..
لا بد أن تطير بجسدك الناحل إلى أبي سيف لتحكي له هذه القصة التي نشأت في ذاكرتك فجأة، بعدما قفزت شخصية سالم الإنجليزي إلى رأسك، كأنه الفزاعة، تخرج من البيت صباحاً، مستطيراً، مهيباً، مفزوعاً، وكأنك تخبئ سراً، خطيراً تريد أن تفشيه لأعز صديق، لعله يتعاطف معك في محنتك الأبدية، ولعله يتخلص قليلاً من مشاعر العبث التي يعيشها.. تصل إلى المزرعة، والصديق أبو سيف يجلس منعزلاً في غرفته، منكباً على قراءة كتاب.. تفرح، ويملأك الحبور، عندما يستقبلك بابتسامة مشرقة، والهاً لرؤيتك بعد غيبة طويلة..
تقول له: هل تتذكر قصة سالم الإنجليزي.. مايكل.. ترفع حاجبيك قائلاً: هل تتذكره.. يرد أبو سيف في برود.. أجل أذكره، هذا الرجل حامت حوله شبهات كثيرة، وقيل إنه كان يرتدي ملابس النساء، ويرقص في الأعراس، مع الفرق الشعبية، التي كانت تحيي الأعراس.. ولكن للأمانة مازلت أذكر حكايته مع الرجل العجوز، عندما أحبط مؤامرته الدنيئة، واستطاع أن يكشف سر جريمته النكراء.. لكن ما يدهشني أنه اختفى بعد هذه الحادثة ولم يعثر له على أثر.. ثم يهز أبو سيف رأسه، في حيرة.. حقيقة هذا الرجل قصته أغرب من قصة أم الدويس، قام بأدوار غرائبية وعجيبة، ولا أحد يعرف سبب مجيئه إلى البلد، وتلبس هذه الأدوار المدهشة، ثم يختفي فجأة، كأنه الشيطان.. والغريب في الأمر، الكراهية التي كان يكنها له الرجل العجوز وكيف استطاع، أن يختلق القصص الخرافية، لأجل الإطاحة بسالم..
تقول: كان لأبي سيف البوح ولك الإصغاء، على الرغم من أنك جئته لكي تستعيد القصة وتسردها لصديقك لكنه بادر على الفور إلى سرد الحكاية والإضافة إليها، وكأنه كان أيضاً مشغولاً بها مثلك..
بعد أن ينهي أبو سيف حديثه.. يقول: ما الذي جعلك تنبش في قبر هذه القصة التي ماتت من زمن بعيد..
تقول: ألم تقل إنها شبيهة بقصة أم الدويس..
يقول: القصص الخرافية كثيرة، فلا تشغل بالك، بهذه الحكايات الماورائية..
تقول: لكن قصة سالم واقعية، وكلنا عشناها..
يقول: سالم كشخص عشنا قصته، ولكن ما دار حوله من روايات أشبه بحكايات الجن.. قصة غيابه.. ثم حضوره، ثم اختفاؤه إلى الأبد.. وكذلك قصة الجبل. الجحر الذي ركبه الرجل العجوز، وكذلك مقتل الشابين اللذين لم يفهم أي من الناس كيف تمت، ولماذا..
تقول: صاحب الحمار اعترف بقتلهما..
يقول: صحيح هو اعترف، ولكن لماذا أذعن لرغبة العجوز، هذا إذا كانت القصة صحيحة، وأنا لا أثق كثيراً بالرواية ذاتها..
تقول: كيف؟
يقول: لأن صاحب الحمار، كان شخصاً ضعيفاً، ومسناً، والشابان يتمتعان بصحة وشباب يافع، كان في إمكانهما القضاء عليه..
يزوغ بصرك.. تقول: وكيف فاتت هذه الفكرة عن المحكمين في ذلك الوقت..
يقول: الناس أحياناً تأخذهم العاطفة وينساقون خلف أفكار لا تعدم لهم النتائج الحقيقية لأي قضية، الأمر الذي يجعلهم يطلقون أحكامهم جزافاً، ويغيبون عن الأسباب الحقيقية وراء أي قصة..
تتوجس أنت، تشعر بأن هذه الأنا الكريهة، تدفعك لاستقصاء أوهام تظن أنها الحقيقة.. تتردد في مناقشة الصديق.. الذي غاب برهة، ثم يعود، ليقدم لك كأس الشاي.. يقول: اشرب من خمر المسلمين، وارتشف من الأحمر الشفاف لعلك تنجو من غيبوبة السؤال عن قصص لا جدوى من الفوز بها..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقرب الكأس إلى فمك، تنفخ قليلاً لتبعد الأوراق الطافية على سطح المشروب اللذيذ، ثم ترشف لذتك، وتنعم بالسخونة، الطاغية.. وتراه، ينشغل في لعق الأوراق الطافية عند شفة الكأس، ويأخذ نفسه..
تقول: تحت شمس الخريف، ازدهرت بعض الأشجار، وأرخت ذيولها الخضراء، عند نافذة الغرفة، كانت تطل بشفافية ووداعة، روح الطبيعة عندما تنتشي بمداعبة النسيم.. انتابتك شبه غفوة، وأنت ترقب الهفهفة اليافعة، وهي تمسح بأصابعها الشفيفة، زجاج النافذة، مصدره خشخشة ناعمة، مغرية.
تقول: إن الصديق اكتفى، من كأسه، ووضعه جانباً. وأردف قائلاً: لكثرة غيابك أحياناً أتوجس، وأقلق وأتمنى رؤيتك في أقرب وقت، ولا أدري، أين تمضي وقتك في هذه الفترة الطويلة، التي يغيب فيها نجمك عن عيني..
تقول: أضيع في الأمكنة وأحياناً تلتهمني، فلا أجد لنفسي أي أثر، ولا أعرف أين أنا أكون..
يضحك الصديق قائلاً: علم النفس ضيعك، ولو استغرقت في قراءته أكثر فسوف تذوب ولن أعثر لك على مكان..
تحك صدغك في حيرة.. تزم شفتيك وأنت تتلمظ حبات السكر العالقة في لسانك ثم تطرق: أفكر في الذهاب بعيداً..
يقول: إلى أين؟
تقول: إلى أي جزيرة نائية، تعزلني عن هذا العالم..
يقول: أكرهت الناس جميعاً..
تقول: لم أكره أحداً، لكني اقتنعت بأنه لا جدوى في المكوث، وسط محيط يرفضك، ولا يصغي إلى ما تقول..
يقول: أنت يائس..
تأخذ نفساً عميقاً.. تقول: بل أنا في أتم تفاؤلي..
يشيعك بنظرة حائرة، ثم يطرق: تتحدث عن عدم الجدوى، وتقول إنك متفائل.. كيف؟ حيرتني يا فيروز..
نطق اسمك.. وتكاد تكون نسيت هذا الاسم، كما نسيت أشياء كثيرة، وتذكرت أشياء.. تقول: أريد أن أختزل حياتي، أريد أن أطارد الحقيقة لأتخلص من الوهم..
يقول: تعترف بأنك كنت تعيش في وهم..
تقول: لا أريد مجادلتك.. جئتك، لكي تبوح لي عن سرك..
يقول دهشاً: سر؟ ما السر الذي تريدني أن أفصح عنه؟
تقول: أريد أن تفسر لي سبب مجيئك إلى هنا..
يفتل شاربيه.. يحدق فيك ملياً، ثم يردف: أتريد نصيحتي..؟
تقول: قل..
يقول: تخلص من قصة البحث عن أم الدويس، فلا شأن لك بها، وعش حياتك بواقعية كما أفعل.. هذا كل ما أستطيع البوح به لك..
تفكر.. تحدجه بعينين غارقتين في محيط هائج.. تقول: أهذه واقعية؟
يقول: أجل..
تقول: لكنك، أبحرت كثيراً في واقعيتك إلى درجة العبث..
يقول وهو يضغط على مخارج ألفاظه: صدقني لن تندم لو فعلت ما سرت إليه..
تقول: أتعتقد أنني سأستريح لمجرد السير على الطريق الذي تخوض فيه؟
يقول بثقة: وسوف تشكرني على نصيحتي..
تضحك.. تقول: ومن أين سآتي بالجرأة التي تجعلني في كل ليلة أنام في أحضان امرأة، وفي الصباح أذهب لأبحث عن أخرى..
يقول: أنا لا أبحث عن النساء.. بل هن اللائي يأتين لي..
تقول: هذه خدعة بصرية، يا صديقي.. فلولا تسكعك في الدهاليز المظلمة والنبش في المواخير العفنة، لما عثرت على خنفساء الروث..
يجلجل ضاحكاً.. يقول: أنت تصر على جبنك، وتدافع عن خذلانك بالإساءة إلى من يريد أن يتحلى بأشهى لذة صنعتها الطبيعة..
تستخف بكلامه.. لذة سخيفة، تعبر عن دونجوانية مقيتة..
يقول، في رعونة: جسد المرأة هو الكون الفسيح الذي لا يقطب، ولا يغضب ولا يعتب، ولا يعذب، بل يمنحك اكتشاف ذاتك ساعة الذروة القصوى، عندما تشهق الأنثى قائلة: أحبك، توغل فيني، وافني جسدي في ريعان غضبك المزلزل..
تقول: وبعد انطفاء الرغبة..
يقول: تلحس عرقها، وتشم جسدها الهامد تحتك، وتقبل الجنة على شفتيها، وتعتلي شموخك الأبدي، وأنت في أتم العافية النفسية..
تقول: وبعد ذلك..
يقول: تتفتح أزهار الروح، وتعطر الكون بعبق امرأة كانت قبل قليل ترتعش، مبتهلة تحت جسدك، وتشع النجوم أمام عينيك ببريق الحياة، وتنسى عتمة العالم من حولك، وتشعر بأنك بدأت للتو في تأسيس جمهورية الفرح..
تتخيل أنت كل ما قاله الصديق، وتتجسد أمامك امرأة رعناء، تفض شعر صدرك، وتغوص في الخضم المتوتر، تعصرك إلى حد الاختناق، تتشبث في جلدك المتصهد وأنت تحاول الفرار، تحاول أن تنتشل دماءك الغائرة في لسانها المحتدم، تنهض.. تقول: على أي حال، لم أعد أستطيع أن ألعب دور البطل الخرافي، فدعني أتخلص من خيالك الجامح، إنه الطوفان الذي يغرقني بالوحل.. تنهض.. بينما يتشبث أبو سيف بطرف قندورتك، قائلاً: هل ضايقتك؟
تقول: بل خنقتني.. دعني أرحل..
تغادر مكانه، وهو يتبعك بنظرات الدهشة، هازاً رأسه، في قنوط.. قائلاً: أيسعدك أن تترك صديقك وحيداً..
تقول: تركتك لزمن وحيداً، وظننت أنك تغيرت.. ولكن للأسف.. تخرج ذاهباً إلى الحلم البعيد، مستديراً نحو نفسك في الأتون المجهولة..
تقف عند ناصية، السؤال المرير.. يا فيروز.. تقول منادياً الأنا المهشمة، هل ستسقط وحيداً، كما تاه صديقك في عزلته؟
وتمضي متسائلاً عن سر هذه العملاقة، التي أجهضت أحلامك، وأودعتك في ظلمات السؤال، المحير.. تقول: جدير بي أن أذهب إلى الأبعد طالما بقيت الحارات متعفنة بأصوات النشاز..
تحت السقف المزخرف بأحلامك البعيدة، بين الجدران المسترخية على أنفاسك المتكاسلة، تقول.. صحيح أنا أبحث عن سعادتي.. عن الحقيقة الضائعة، في شخص آخر، تنتابني هذه، تشجيني، وتنتزعني مني، لأصير أنا أحياناً.. شخصاً آخر أحياناً أخرى.. حاولت مراراً أن أكون أنا، وجادلت أبا سيف كوني الأنا المضاد لأناه. لكنني عندما أعجز عن مداواة ذاتي بالصمود، وأنتكس، أستعيد شخصية أبي سيف، أحاول أن أكون هو لأهرب من ذاك الكامن في داخلي، لأنتصر على قديمي المهزوم.. لا أدري، عندما غادرته كنت غاضباً منه وربما لم أكن كذلك، ربما كنت غاضباً من نفسي لأنني لم أستطع أن أتقمص شخصيته بالقدر الكافي، فانكفأت على نفسي، أنبتها ووبختها، بصقت لكن بصقتي ذهبت رذاذاً طائشاً، بعضه ارتد على وجهي، أيقنت أنني كنت أتعمد فعل ذلك، لأهزأ من نفسي، المتلاشية في غضون سنوات من ازدواجية الشخصية.. عندما قال لي أنت معقد، غضبت، رفضت هذا التصنيف الذي لم يبدعه هو، بل اخترعه فرويد، وفرويد هذا كان بارعاً في نقض جذور النفس البشرية، ونبوغه في اكتشاف اللاشعور، جعله علامة بارزة في مجال علم النفس التحليلي.. الآن شيئاً فشيئاً، أحاول أن أقبض على الذات الهاربة مني، المختبئة في أحشاء اللاشعور العقيم.. إذاً لا بد أن أغتسل جيداً من هراءاتي البائسة، ويجب أن أتطهر جيداً لأستعيد أناي، وأصرخ في وجهي، بصوت وئيد، قائلاً: يا فيروز، هذا ليس أنت، وأنت الحقيقي، هو الشخص الخائف المرتجف، اللاهث خلف مشاهد وهمية، تصنعتها لتهرب من عذاباتك، إلا أنك لم تستطع، فلم تزل تغطس في أتون المجهول اللعين، تتحرك كأنك حشرة ضائعة في متاهات غيبية، تتلاشى فيها تصبح لا شيء.. أنا بالفعل لا شيء. عندما أتفحص ذاتي ولا أجدها أشعر بأنني شخص آخر، شخص يغيب عن الوعي، ويتحدث لغة غير مفهومة، يحلم أحلاماً مزعجة، تصدر من نفس مضطربة. عندما أذهب إلى أبي سيف، فإنني أبحث عن أناي المضطربة، وعندما أصطدم بصرامته المعهودة، أشعر وكأنه يغدرني، أو أن أناي الأخرى تخونني لكني واجهت الأنا الحقيقية.. عندما أحاول أن أتفحص شخصية أبي سيف، أتعذب، أنصهر في أحشاء فرن حامي الوطيس، أنتبه فجأة، فأهرب، وهكذا فعلت، فعندما لمس صديقي الجرح الغائر، قفزت مذعوراً، هربت، وفرت روحي إلى العراء الوسيع.. لم أكن أنا الذي يغادر منزل أبي سيف، بل كانت أناي الرافضة عن الإفصاح، أناي التي كانت تعاني وتخشى الإفصاح عن هويتها.. في البدء وأنا كنت في قعدة الصديق، استدعيت كل قواي، جيشت أحاسيسي، روعني، إلا أن أناي الطاغية توحشت فجأة، وامتشقت غضباً هائلاً، نازعتني وطردتني من حضوري أمام الصديق، احمرت عيناي ونشفت شفتاي، وارتعدت، سرت أتخبط الخلاء، تائهاً، ضائعاً، مأخوذاً، لا ألوي على شيء، فلم أفتح عيني إلا وأنا على هذا السرير الوغد.. هذا المهد، الممهد بأحلام بائسة، وأمنيات يائسة، وخضت معارك ضارية مع نفسي، حاولت أن أهدئ من روعي، استعنت بخيالات جمة، مغرمة، لكنها أجهضت أمام جحافل الأنا المتوترة، فعدت كما أنا.. أنا فيروز المضطرب، الناكص إلى عدمية بغيضة، تحاصرني بمخالب وأنياب، تعصرني بين ذراعي امرأة عملاقة شرسة، فأرتعش، كالسمكة المخطوفة بصنارة صياد، متمرس.. تتجسد أمام عيني صورة امرأة ضخمة، أظافرها مخالب حادة، تنهش جسدي المتهالك تحت ضخامتها، ألهث، أبحث عن أنفاسي الضائعة فلا أجدها، أبحث عن أناي، لا أجدني سوى أرنب مذعور، يحفر قلبه الصغير خوف مريع، يتطور نسلي المخضوض، أتهور، فأنهض لاهثاً، متقطع الأنفاس، أصرخ كطفل مفزوع إثر حلم مروع، أتناول كأساً، وأشرب الماء المتغطرس، أبل ريقي وألعق شفتي، أتلمظ كوحش مكسور، ثم أشعل سيجارة، وعلى وميض العقب المشتعل، تغيب المرأة العملاقة، أسند ظهري على المخدة، وأحملق، في السقف.. بدا لي أنه شبه عارٍ من الألوان والجدران تتلاشى في الظلام، ولم يبدُ أمامي سوى بقعة نارية، هي بصمة السيجارة، على الصبغ المصقول.. هذه الملاءة الملونة بالفرح الكاذب، لم تعد تخفيني من مشهد الخوف، بل إن الظل يتشكل كأنه وجوه لشياطين، تحاول أن تهاجم أناي المضعضع.. يتوغل الظلام داخلي، يلجني كأنه السهام الفانية في جسد ميت.. أقفز ثانية، وأقول لنفسي.. كنت في جولاتي أتوخى الحذر، لأجل التخلص من الخوف، لكنه للأسف، يتفاقم فيّ يوماً بعد يوم، ويقيد أناي كأنها الخشب المنتحل أثر رمة بغيضة.. كان بودي أن شخصاً دلني على حقيقة أم الدويس، لأنني لو توصلت إلى هذه العفريتة الشرسة، لاصطنعت لنفسي، نصباً وصرت أدنو من قدميه، أقبلهما بشراهة، بل وألعق العرق على جلدهما كأنني الكلب الظامئ.. لكن كل ما عرفته وسمعته من حكايات كانت مجرد شذرات ومقتطفات من أوهام أناس لم يروا أم الدويس، بل هم أيضاً سمعوا عنها.. الذي لا شيء يستطيع أن يتوصل إلى حقيقته، وهكذا أفعل أنا.. لم أزل بعيداً عن أناي، لم ألمسها، بالقدر الذي يحررني من الخوف منها.. كلانا، أنا وأناي، غريبان عن بعضنا، لذلك فأنا أخاف منها، وهي غاضبة مني، فكيف إذاً أستطيع أن أهزم خوفي..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول.. في تلك الليلة أصررت على أن تدخل تجربة جديدة، تجربة تجرد نفسك من التردد، ويجب أن تتقمص شخصية أبي سيف حتى تستطيع أن تكافح هذه الجرثومة التي استوطنت داخلك.. فكرت بجدية أن تغامر وأن تسهر على تنفيذ الخطة الجهنمية كي تخرج من هذا الظلام الدامس.. فكرت أن تكون أنت هو أبو سيف، وتحارب هذا التردد بضراوة، وتستبسل بكل شجاعة، لم يعد أمامك من سبيل غير أنك تكون هو، لأن أناك التي هي أنت لم تعد قادرة على تحمل أعبائك الباهظة، والعمر يمضي وأنت في هذا الضياع، تغيب نفسك عن الحقيقة أو أن الحقيقة قفلت من بين يديك.. فلا بد أن تمسك بنفسك لتصل إلى آخر قمة في الجبل الشاهق داخلك..
شيئاً فشيئاً بدأت أحس بأن كائناً ما بدأ يستعمرني، ويحتل مساحة واسعة من جغرافية روحي، بدأت أشعر بأنني لست أنا، بل أنا أخرى صارت تستوطن أناي، وتطرد الأنا التي كانت مبهمة، وغامضة.. كائن ما أقرب بالنسبة إلى أبي سيف، لكنه بالتأكيد ليس هو، لكنني صرت كائناً آخر، عندما توحشت هذه المرأة، الفارعة، وصارت تغوص بأنفها الصغير في شعيرات صدري وتكاد تلتهم حلمتي صدري، وأنا أذوب، وتفنى روحي في جسدها المتهور، أشبه باحتفال صاخب، ترن فيه طبول القلب، وتدوي روحها عند جهة الشمال من صدري، تقول لي بصوت هادر، وكأنه زئير قادم من جبال مقفرة، لج جسدي، ثم تلقمني حلمتيها، فألعق العرق المتصبب بشهية، غارقاً في العطر الجسدي بنهم الشهوات الأبدية، أهيم وجداً في الغابة الاستوائية وسنابل السفانا تتدلى على وجهي، فلا أرى نفسي إلا في بئر ليست معطلة، تتوهج بالجحيم الأزلي، وتحصد عمري في غضون الأسلاف والسلالات البشرية، النابتة كالشرور، تحك جسدي الصدئ بسكاكين الشهوة العارمة.. هذه هي لعبة التحول السلالي، تعيد أناي، إلى بدايات طفولية غابرة، أتشبث بها، بعنفوان عفوي وأطوقها بذراعين مرتعشتين، غائبتين في السكرة النبيلة.. تقول: توغل أيها الإنسان البدائي، وخصب هذه التربة اليافعة، بمنجل الحياة، توغل أيها الهمجي، واعصرني واثني جسدي، وأعيدني إلى الجبلة الأولى، وأنا لا أفوه ببنت شفة، ساهماً، مساهماً، في مزيد من الارتعاش، متفاقماً كأنني في حومة عبثية، أفتش عن نطفة الخلق، بين الضفتين المحتقنتين، وعند لب المعضلة، أضع لساني، وأضمه في الجوف المتصهد كأنها في الموقد المشتعل، أسأل عن رغيف الحياة.. عن استتباب الروح، ومعالجة الأنا الضائعة.. لا أنتهي من القبض على الحشرجة الكونية الهائلة والمنتعشة في فجور وأسدد رغبتي بكل ما أوتيت من شراسة، وعندما تصرخ مدوية ويزبد فمها وتشيعني بنظرات الحرقة، أربض فوقها مستريحاً على حرير التضاريس المدهشة.. وفي سري، أقول يا فيروز، في هذه السنحة الوجيزة اقطف ثمرات اللوز واقضم من الزيتون ما توافر، وهي تحتي تفور، ويغلي صدرها، كأنه النيران الوارية في هشيم الأبد.. خلال زمني هذا، مع هذه الفتاة، القادمة من جاهلية الأسلاف الغابرين، لم أتذكر فيروز، لم يخطر على بالي ذاك الشخص الذي كان يحاصرني بالخوف.. وبعد مضي زمن، بعد أن انطفأت النيران، وشدا العصفور في رأسي، عدت متضوراً، عدت خابياً، كسولاً، وتتضافر الأسئلة في مخيلتي.. من كان مع تلك الفتاة، من أفضى إليها بأسرار الكائنات القديمة، وتجلى كالنسر يضع مخالبه في الخارطة المعشوشبة.. بعد ذلك انحنيت فوق الموجتين وقبلت وحشين ضاريين، ضارعاً من خشية النبوغ الكوني، رضعت قليلاً ثم استلقيت متراخياً، وتجشأ كوني، متباهياً بالفحولة، وعبقرية النخوة الجامحة.. شعرت حينها بأنني لست أنا.. بالفعل لم أكن أنا.. وكذلك، لم يكن أبو سيف، لكن ربما شخص آخر يشبه الصديق، ولكن ما شغل ذهني، هو هذا التقمص المفاجئ، هذه الرحلة التي غامرت بها من أجل أن أكون ليس أنا.. غادرتني الفتاة، متعضة من تجربة فريدة، مبتسمة بعد إشباع، شيعتني بنظرة وكأنها تريد أن تهزأ بالتاريخ، وتشمت باللاشعور المهيض.. بقيت بمفردي تحت هذا السقف في الفندق الذي اخترته ليكون، أول ساحة سجال، تدور بيني وبين أول أنثى.. تدور عيناي في السقف، المزخرف بالأضواء، وأنظر إلى الجدران التي كانت ترصد قبل قليل حركة الجسدين، وتسجل تاريخاً جديداً لكائن تقمص أنا غير أناه.. قلت في نفسي ما الذي كان يرغمني على الهرب من السعادة، لأغوص في أتون المجاهيل المعتمة، لماذا لم تضطهدني هذه المرأة، كما كنت أشعر من قبل.. لماذا لم تستل منجل أم الدويس، وتجز عنقي؟ لماذا لم تطوقني بذراعين عملاقتين، وتنتزع روحي.. يا ترى هل كان أبو سيف على حق عندما كان يصمني بالمعقد..؟
تقول بتهكم.. لقد انقضضت وأدميت وصرخت ولم تشمر عن ذراع الغضب، غبت بين العالمين العملاقين ولم أغرق، بل احتوتني بضراعة، وناولتني اليقظة الكونية بكل سماحة، وحنان..
تبقى هكذا على السرير، ممدداً مستريحاً، محدقاً، وتتساءل عن السعادة، التي تجتاحك، كأنها العطر المرشوش في جوانب الكون، لا تريد أن تفارق المكان، بل داهمك خوف من المغادرة، لعل وعسى، أن يقبض على اللحظة الباقية من العمر، تشعر بأنك لو أفلت من اللحظة تفلتت منك أناك الجديدة.. تقول: هل أنا شخص آخر، بأنا أخرى الآن، ولربما عدت إلى سابق الزمن، هل سأظل أبحث عن أم الدويس.. ترتعش، ويجيش خاطرك بشخوص ووجوه، تتكالب عليك كأنها الوحوش الضارية.. تقفز من مكانك، تنهض، ثم تشعل السيجارة، بيد مرتعشة تتحرى المكان من جديد.. تقول: هل أنا الآن في فندق؟ أي هل أنا على سرير هو غير سريري الذي أرقد على فراشه كل ليلة؟.. هل صحيح أنني افترست كائناً آخر، دون وجل؟ أين ذهبت المرأة الآن.. لقد قلت لها أريدك لساعات، لكنها لم تمض أكثر من ساعة، واختفت.. هل عذاب.. أم ماسة.. أم نيران.. بطبيعة الحال، فهي لا تشبه أحداً منهن.. هذه المرأة، انتزعتها من دهاليز هذا الفندق، والذي يعج بالنساء، المتباهيات بالأنوثة، المتفجرات برغبات لا حدود لها.. كما أن سمرة محياها لا تدل على أنها من شرق آسيا، بل هي من تضاريس هذا المكان، وكلمة فديتك سمعتها أكثر من مرة، وهي تطوقني بذراعيها، وتلتهمني، متفجرة من مكبوتات ضالعة في القدم.. إذاً كيف جاءت إلى هنا؟ وكيف تخطت اعترافات الذات؟ وكيف استفزتني بكل هذه الأنشطة الجسدية التي لم أشهد لها مثيلاً؟ لم أخبئ شيئاً، لم أتردد، ولم أغضن جبيني وأنا أقترب من القارة الخصبة، ولم أتوجس من مغامرة، ولم ينبجس قلبي لمجرد أنها تشهق، وكأنها تريد أن تنتزع النجوم من أعماق عروقي.. تضحك.. تجلجل، وتصخب وكأنك تحيي احتفالات بميلاد أنا جديدة في داخلك.. تطفئ السيجارة، وتخفي دموعك تحت أصابعك التي مررتها بسلاسة تحت الجفنين.. نهضت، غادرت غرفة الفندق، منتشياً شيئاً ما، لكنك لم تستطع إخفاء غليل بدأ يساورك.. تحاشيت الخنوع، وتلاشيت طلوع الأنا المحتومة مرة أخرى.. وفي البيت، تحت سقف غرفتك، تفانيت من أجل الاحتفاظ بصورة المرأة الرائعة، نصعت مرة أخرى أمام عينيك، بشعاع عينين شرقيتين نادرتين، أشعلت سيجارة أخرى.. تقول إنك كلما تستعر تشعر بحاجة إلى السيجارة، وتلهمك الدوائر الرمادية، الذاهبة إلى الفناء، بتاريخ يتلاشى أمامك، تفرح لذلك كثيراً، ويسعدك أن تتقمص أنا شخص آخر، وقد لا يكون آخر، وربما تكون أنت الآخر، ولم لا؟ فالإنسان قد يكون مزدوج الشخصية، نتيجة لتاريخ عتيد يمر به، يجعله يعيش حالات مختلفة، فقد تسيطر شخصية على أخرى، وقد تطفو مشاعر وتخبو أخرى.. تبتسم وأنت تغيب العقب في جوف المطفأة.. تقول: هذه المطفأة، كالنفس البشرية، فيها الرماد، وفيها الأعقاب، وفيها الجمرات الملتهبة.. تبتسم تقول: أنا كالمطفأة، أنا أحوي كل هذه المكونات.. تشعر بالجوع.. تقول.. لأول مرة في حياتي أشعر بالجوع، والحاجة إلى الطعام بشهية.. لم أكن في حياتي أن تناولت الطعام عن رغبة، غير رغبة حشو الأحشاء، حتى لا أموت جوعاً.. تنهض، تأخذ أصلاب خبز الصمون، وشرائح جبن الكرافت، تلف الرغيف تلو الآخر، تأكل بنهم، أكلت في هذا المساء أكثر من أربع صمونات، وهذه خطوة نادرة، كنت لا تكمل الرغيف الواحد، وتشعر بانسداد الشهية.. أعددت الشاي، وأخذت كأساً ضخماً، مع دخان السيجارة، كانت اللذة متناهية.. تبادر إلى ذهنك أنك بحاجة إلى الاسترخاء، فلم يزل الليل في أوله، ولا حاجة لك للنوم، لكنك لم تعتد على الخروج من البيت لأجل التجوال.. لبثت هكذا، منشرح الصدر، تتجول في التضاريس الجسدية التي ألهمتك القوة، وأعطتك الموعظة الحسنة، في إخلاء سبيل الأنا.. تقول: في الصباح الباكر يجب أن أزور صديقي، يجب أن أخبره، عن هذا السحر الذي مارسته السيدة الفاتنة.. بالطبع سوف يصعق لكن لا بد أنه سيسر للأمر..
تقول، إنك بدأت تشعر بشيء أشبه باختلال التوازن.. فما الذي جرى، في ليلة البارحة.. هل صحيح أنك ضاجعت الشقراء التي التقيتها فجأة أم أنه مجرد حلم..؟ في واقع الأمر لا يوجد أي مسوغ موضوعي يؤكد أنك فعلاً مارست الجنس مع تلك الفتاة، إذاً يبقى الأمر مجرد حلم.. ولكن، لماذا تحلم بكل هذه التفاصيل، والجزئيات، في شكل الممارسات.. فأنت مازلت في حال الحرب مع المرأة.. أو الأحرى أنك لم تزل تعيش في جلباب أم الدويس، التي تبحث عنها، وتهابها في الوقت نفسه.. أنت وعلى ما يبدو متلبس بازدواجية الشخصية، والأعراض التي تبين عليك تؤكد ذلك.. يقشعر بدنك، ترتعد، تريد أن تفر إلى مكان ما، إلى أي مكان، يجنبك الوقوع في شرك مثل هذه الأعراض الخطيرة، والتي قرأت عنها الكثير في كتب علم النفس، والتي تؤكد أن الشخص المصاب بمثل هذه الأعراض هو شخص على شفا حفرة من الوقوع في جحيم أعتى الأمراض النفسية، ألا وهو مرض الفصام.. تريد أن تهرب، فهذا المأوى الذي تقطنه أصبح موبوءاً، وغير قابل للتآلف، وما عدت أنت مهيأ لقبول واقع يجيش ضدك الأحلام المفزعة..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تبهت وتقول: مفزعة.. كيف يمكنني أن أقبل مثل هذا الاستفزاز الشيطاني المريع، حاولت مراراً في كل جولاتي عبر تضاريس البلد، أن أصطاد فكرة مقنعة عن أم الدويس، ولم أعثر إلا على الفراغ، والفراغ نفسه لقمني أسقاماً، حتى صرت أحس وكأنني لص مطارد، ولا أدري أين تكمن هذه القوة، الغاشمة التي تطاردني..
تهز رأسك، وتبصق على التراب.. تقول بلهجة ملهوجة.. فعلاً أنا لم أضاجع أي امرأة، وما حصل مجرد حلم.. تنهض، تفر هارباً، يطلمك الفراغ، وتقول لنفسك ما الذي جعلني أحلم.. المرأة التي ضاجعتها، شقراء، هيفاء، واسعة العينين، تتحدث بلغة عربية مكسرة، لكنني كنت أعتمد الإشارة، أكثر من الكلام، حيث لساني كان منهمكاً في صناعة الفرح على وجه المرأة..
تقول: هل صحيح، أن الرجل عندما يملأ جوف المرأة، بالنشوة، تبدو كالشجرة الوارفة.. ما لمحته في عيني تلك المرأة كان أشبه بالشرارة، الساقطة على هشيم القلب.. قلبي أنا.. ولمحت في شفتيها ارتعاشة أشبه برجفة جناح عصفور مذعور.. كنت أقبض على كتل الفراغ، وأنضوي نحوها، زاحفاً، مندفعاً بجحافل السلالات القديمة، وما ورثته من الأسلاف، من نزق واحتراقات..
تهز رأسك.. مجرد حلم.. الأحلام لا تصدق.. ثم تقول.. لكن الأحلام ليست مجرد هراء أو هزاء بلا معنى، الأحلام لها معنى، الأحلام تعبر عن اختلاجات، وإلا ما معنى شغفي في البحث عن أم الدويس.. أليست هذه امرأة؟ أجل هي امرأة، وما فعلته كل هذا التاريخ هو البحث عن امرأة.. امرأة، قوية.. مخيفة، عملاقة.. الشقراء لم تكن مخيفة، لكنها كانت قوية.. شعرت بذلك عندما غرست أظافرها في جسدي وهي تصرخ قائلة.. زدني من فضلك.. ارحمني، ولقمني شفتيك.. كانت ترتعش، تطوقني بذراعين، قويتين، حتى التصق جسدانا، ولم أعد أميز بين بطني وبطنها.. كانت تلعق عرقتها، الذي هو عرقي، ولا تبدي أي تعب.. حتى انطفأت فجأة، وأغمضت عينيها، وأرخت ذراعيها، كالميتة، ولم تكن ميتة بل كانت منتشية.. بعد فينة فتحت العينين، قالت لي أنت شرس.. ولذيذ..
يا إلهي.. مازلت لم أعد أميز إن كان ذاك حلماً، أم واقعاً.. وفعلاً أنا في حالة الانشطار النفسي، وعليّ أن أنتشل نفسي من هذه الورطة.. تصرخ.. أنا في ورطة.. ولم يعد أمامي غير مغادرة هذا المكان.. ولا بد لي من ملاذ آخر، أجد فيه نفسي..
تقول إنك تريد أن تستعين بالوحي الداخلي، لتستعيد قوتك من جديد وترفض هذا الواقع وتؤكد أنه حلم.. أنت الآن تبحث عن رمل الفقراء، وتريد أن تضع أول خطوة على أول حلقة من حلقات الانتشاء الذاتي بفوزك على أم الدويس، تريد أن تثبت لنفسك كما للآخرين، أنك اصطدت أم الدويس ووضعتها في قفص الوعي، والآن أن تباشر التحقيق معها، لتصل إلى كمية الجرائم التي ارتكبتها هذه الساحرة الفظيعة، وتريد أن تتقاضى منها وإن لم تعدمها، فإنك تريد أن تأخذ منها إقراراً مكتوباً بألا تعود هذه الساحرة، بإرهاب الناس، وقتل الأبرياء، لا مستعينة بحجة غير قوتها..
تقول إنك، فعلاً خرجت من كومة القش التي كنت تدفن رأسك فيها، والآن أنت تسبح في ساحة الوعي، مودعاً لاوعيك، في مزبلة التاريخ.. التاريخ.. التاريخ يا فيروز، له حركة وأحياناً حركته تتحول إلى طوفان يطوي القلب ويحثو رمل الغضب في عين من يقف ضد حركته، ولكن لا ضرر، هكذا تقول، ثم تصر على أنك الآن لم تعد كالأمس، وإذا كان ما لمسته مجرد حلم، أو أنه واقع، فهذا لا يغير من الواقع شيئاً، فكون الحلم استطاع أن يجلب امرأة من أقاصي الدنيا كما كان يفعل أبو سيف، ويضاجعها، وينخر جسدها بفحيحه، ثم يمضها ويمجها، ويستدعي قوته من جديد، ليكتب على جسدها، آخر ما توصلت إليه اللذة الكونية، ثم في الذروة، وبعدها يسكن، لزوجته الساخنة في الكون الملتهب، ثم ينهض لاعقاً رضابه بتلذذ وانتشاء، قائلاً لها بلهجة حانية.. الآن في إمكانك الانصراف، وترك هذا الجسد، يستعيد صورة الفوز بجسد امرأة، من دون معاناة، طبعاً مستعيناً بالذاكرة..
تقول إنك لن تدع أبا سيف يسخر منك، ولن تفسح له مجال التسفيه بقدراتك الجسدية..
تقول بلهجة حشيمة، ماذا بوسعك أن تفعل من الآن فصاعداً..؟ تفكر ملياً، تنظر إلى عرائك الداخلي، تتلمس بأصابع صحوتك بعض النتوءات، البارزة في الداخل، والأعشاب الشوكية هي بقايا ما تبقى من الماضي، ثم تنفر، حلفت هذه المرة، لا تحاول أن تفر، بل إنك تغرس أصابعك أكثر تغوص في العمق، تجتث بعضها، وتفرك بعضها، حتى ينحني ويذبل، لينظف داخلك، ويتطهر من عواهن الدهر، ولا يستولي عليك الخوف بعد اليوم.. ولكن لا بد أن تختار بقعة غير هذه البقعة الموبوءة، كونها أساس البلاء الذي أصابك، وهي التربة العظيمة التي ألبستك شياطينها، وطوقت عنقك بالهواجس، إذاً تقول، إنك سوف تغادر المكان إلى مكان ما في هذا العالم، إلى جزيرة ثانية، لا يسكنها إنس ولا جن، وبطبيعة الحال لو غاب الإنس، يغيب الجن، إذاً ففي البدء ألا يكون إنس في تلك البقعة من العالم، حتى تستطيع أن تكتشف نفسك، وتجرب قوتك إن كنت حقاً تغيرت، أم مجرد وهم.. تفكر.. تفكر يا فيروز، وتحشد جل قواك العقلية، وتجلب كل ما درسته في فصول علم النفس، وبالطبع سيكون فرويد حاضراً، لأنه أول من زرع بذرة التفكير في اللذة، وأول من استقصى تلك البقعة المظلمة من عالمك، الذي أطلق عليه اللاشعور.. إلى أين؟ تقول، بلاد الله واسعة، ولن تضيق الأرض بنفس إنسان واحد، وهي التي اتسعت للمليارات من البشر. المهم، أن أختار البقعة الملائمة وأن أسعى بجد، لكي لا يخبو الجمر الذي صار أشبه بالمصابيح الملونة بالأحمر.. صار داخلي أحمر، والجن يخشون اللون الأحمر، إذاً أم الدويس سوف تغادر كلياً من داخلي ولم تعد تلك العملاقة المرعبة..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول ما الحل إذاً.. إذا لم يكن بوسعك أن تحيد عن قناعاتك، وليس في إمكان الآخرين أن يتغيروا.. أليست هذه معضلة أن تواجه المستبد من حياتك، وتكبر المعاناة إلى أن تفجر فقاعة الغبن في صدرك، ويوافيك اليقين دون أن تبلغ مبتغاك..
تفكر ملياً، تقول: الآخرون لن يغادروا المكان، كما أنهم لن يتخلوا عن الفكرة ذاتها، لأنهم اقتنعوا بعد ما توارثوا الفكرة، وضرب الخيال أطنابه في وجدانهم.. فأنت مقتنع بأن ليست كل امرأة أم الدويس، وكذلك ليست كل أم الدويس امرأة، إذاً لا بد من الانعتاق، ولا بد من الانفصال عن واقع يخلق أوهامه، بنفسه، ويزرعها حقائق لا فكاك منها.. تفكر ملياً، تنفجر الفكرة في خيالك، تتطور تكبر، تصير بحجم الجزيرة النائية التي تود أن تلوذ بها، وتختبئ هناك، بعيداً عن وشوشة الموجات التي خلفها الآخرون في الذاكرة، وبعيداً عن تشويش الأصوات التي انغرست في الذاكرة منذ نعومة الأظافر، حتى صارت ضجيجاً، عارماً، يشوه الصور أمام عينيك.. تقول إن صوتاً داخلياً يهدر، يزلزل المياه الآسنة في أعماقك، يدوي بعنف الانفجارات الأرضية، النابتة من براكين الآلهة، يقول لك اخرج من هنا يا فيروز، ولا تهدر سنوات العمر، في الالتقاء مع آخر، استمد معرفته من الصور الخيالية واستشاط حمقاً وعصبية.. فتستجيب بضراعة الطيعين، تغادر، تلملم أشياءك الصغيرة، وتتأبط حقيبة أحلامك، باحثاً عن نفسك، وعن ضياعك، وعن جزيرتك الوادعة، عند مخيلة الحقيقة..
تقول هل للحقيقة خيال؟ أجل بل إن الحقيقة في الأصل، نبتت من بذرة خيال جامح، إذاً لا بد أن تتفجر أنت، لا بد أن تحمي ضلوعك من غثيان، المراحل المفرغة من المعنى..
وفي الجزيرة النائية، ترى الصورة واضحة، ترى الحلم المؤزر بالنصوع، الجزيرة التي يتساوى فيها الليل والنهار، ويمتزج الصيف بالشتاء، والحرارة بالبرودة، والرطوبة باليبوسة، بمعنى أنك وصلت إلى الأشياء المتوحدة، المختلطة في كل واحد، لا يشق له غبار..
في الجزيرة النائية، تتنفس الصعداء، وترى صورتك الحقيقية، تنشأ في النصوع، في العالم الماورائي، تقتنع بأنك وصلت إلى حافة الحقيقة، في الجزيرة النائية، قد تمشي والرمل وحيداً، بلا جلجلة أقدام، واستراح الماء، يغطس في أحلامه، ويتهجى حروف عوالمه البعيدة، بلسان عربي فصيح.. تنام، تغطيك السماء، بلحاف أزرق، صافٍ، يتلألأ بمصابيح الطبيعة، الراقصة على عزف أزلي لم يكف عن ترميم أحشاء التراب، جراء ما لحقه من بلاء التعرية.. وفي صباحك تنهض، تفرك جفنيك، وتفتح عينيك على صورة كائن، اختبأ خلف ورعه، وصيامه الأبدي.. للوهلة الأولى تفزع، لكنك لا تفكر أن تقاوم، أو تساوم، بل لبثت شاخص البصر، كما هو الماء عندما تداهمه موجة صارخة، تحاول أن تلملم بقاياك، تحاول أن تجمع شتاتك، تقول بصوت مشروخ من أنت..
في البدء لم تسمع صوتاً، وما طرق أذنيك، مجرد فحيح، شنف الأذنين، اعترتك القشعريرة، فاختض جناح فؤادك، حاولت أن تقضي على خوفك، وأن تجتاز اللحظة الراهنة، بالصمت.. لبثت ساهماً، شارداً تفكر في المخلوق الذي يقف أمامك، تفكر في نفسك كيف طارت بك قدماك إلى المكان الموحش. فلا كائن يتنفس هنا غير هذا الجذع البشري.. تفحصت الوجه، قرأت الملامح، سقطت عيناك على ابتسامة، وديعة، بديعة، استقرت في سويداء قلبك.. قرأت آية الكرسي، قلت إن كان جنياً فسوف يفر، لكن المخلوق ظل محاذياً خوفك، والشعاع الرهيب، يتسرب من عينيه إلى نياط قلبك، قلت لن أتوجس، لن أدع الخرافة تطاردني بعدما فررت من موطنها.. أنا هنا في عالمي الخاص، ويتبقى أن أضع مخيلتي كما أريد، لا كما عرفت.. عدت مرة أخرى، قلت بصوت جامد.. من أنت؟
قال في صوت رخيم، وكأنه يخرج من فم نجمة، تهاوت على سفوح جبل.. أنا صديقك الذي جئت تبحث عنه..
دهشت.. قلت في نفسك.. صديقي.. ليس لي أي صديق، فقد هجرت الأصدقاء جلهم، وآخرهم أبو سيف..
يهز رأسه، الذي بدا أمامك، كأنه كرة تتزحلق على عشب قشيب.. أجل أنا صديقك..
تقول: أتعرفني؟
يقول: أجل أعرفك..
تقول: من أنا..؟
يقول بلهجة عذبة: ألست أنت فيروز..؟
ترتج الأرض من تحت قدميك، وتسقط الشمس التي تردت كالجحيم، ثم ترفع رأسك، تمد يدك، تحاول أن تتعرف على الملامح..
ويداهمك.. قائلاً: ألست أنت الذي تبحث عن الحقيقة؟
تقول: بلى..
يقول أنا الحقيقة.. وشيئاً فشيئاً، تغمض عينيك، وتفرك جفنيك، ثم تفتح العينين، وترى أمامك ما يشبه الحلم.. امرأة..
في هذه الجزيرة، تذوب الأشياء بين يديك، كما تذوب قطعة السكر بين أنامل امرأة، حالمة، تحصد وعيك، سنابل أمل تهيم في الورطة اللذيذة، تتوغل.. لا يوجد هنا بشر، ولا شجر، ولا حجر، وكأنك اقتطفت نجمة من السماء، وأقعدتها تحت قدميك، الضوء الذي يأتيك يتسلل من داخلك، العذوبة تتسرب من أصابع روحك، فتنتشي، تشعر وكأنك تطير في عوالم لم ترها من قبل.. أجل أنت في هذه الجزيرة، التي انطلقت نحوها أو أنها هي التي سبحت على رمل القلب، واغتسلت من دمائك حتى ارتوت. وتلونت بلون وجهك، وجهك الذي لم تكتشف ملامحه، إلا بعد أن أطللت على انعكاسه في رمل صفائك..
تقول بجرأة لم تعهدها من قبل.. أنا لست خائفاً، أشعر بأن هذه الجزيرة تطوقني بذراعين دافئتين، وتلقمني لساناً أعذب من رعشة امرأة متأججة، لذا أصبح المكان بدفئه يحرضني على البقاء.. البقاء هنا يشعل الفكرة، يقلبها، يمنحها بريقاً، أنيقاً، أتلقى أنا.. وكأنني أولد من جديد، كأنني كنت عدماً، فأصبحت وجوداً، بكل خواصه، ومقدماته، ودهشته.. تقول إنك سوف تصعد إلى السماء، وسوف تعد النجوم، وتقبل القمر، وتمسح بيديك وجه الشمس، لتأخذ من خصلاتها المتدلية خصلة، لكي تنير وجه الجزيرة، وتضيء داخلك، تقول إنك بحاجة إلى ضوء شمس، وإنك بحاجة إلى وهج يطارد العتمة المتوارثة، فكل ما تخشاه أم الدويس، هو الضوء، كما أن الأشياء السيئة، تتوارى بمجرد رؤيتها اللألأة..
تقول إنك الآن تتلألأ، وهذا ما يدحض افتراءات صاحبك، أبي سيف، الصديق الذي أنكر انطفاءك، لمجرد أنك لمحت وجه امرأة، تلاصقه، ولما شممت الرائحة شعرت بالزكام، عطست وكأنك تريد أن تطرد شيئاً خبيثاً، كأنك تريد أن تسحق أي أنثى تصادفك، فقط لأنها تنتمي إلى جنس أم الدويس..
الآن تعترف بأنك لم تكن محقاً، وكذلك صديقك.. شيء ما كان يحجب عنك الرؤية، وعن صديقك، ربما يكون التاريخ، ولكن التاريخ تحرك في أماكن كثيرة، وتلون ولون، إذاً ما هذا التنين الخطير الذي أطعمك البؤس، وجعلك تبحث عن شيء تخافه..؟ فهل كنت تخدع نفسك عندما كنت تلاحق شبح أم الدويس في عيون الآخرين، وتسأل عن أخبارها على ألسنتهم؟
تقول وأنت تشعر بالحيرة، أي قوة رهيبة هذه، جعلتك تندفع بقوة، كما تحجم بقوة، عن شيء واحد بعينه.. تتذكر الآن، لقد نصحك الصديق، أبو سيف، بأن تمتطي إحداهن، وتمسح عرقك بمنشفة صدرها، ثم تنهض، معلقاً سروالك المبتل، على مشبك كتفها المرتعشة.. لكنك، لم تذعن لفكرته، واعتبرتها أفكاراً جهنمية تقود إلى دمارك، فانتفضت زاعقاً في وجهه، متذمراً، ثم هارباً إلى فراغك، التقمتك السفوح، تعثرت بالأحجار الصلدة، حتى أدمت قدميك، لعنت الصديق، شتمته، عدت أدراجك إلى غرفتك، صرت تبحث عن طمأنينتك في العتمة وتنشف عرقك، بفوطة السكون، هدأت قليلاً، لكنك انتبابتك القشعريرة لمجرد سماعك صوت نباح كلب، قلت حينها الكلاب لا تنبح من عدم، لا بد أن هناك خطراً، أو على الأقل أنها تنادي أنثى.. أي أنثى تريد فقط أن تتخلص من سموم ظهورها، لكي تهدأ.. كذلك كان يفعل أبو سيف، وقد قال في مرة، إنه عندما يشعر بحاجة إلى امرأة، فإنه مستعد أن يتأبط أي أنثى، ويمنحها مشاعره، بكثافة في تلك الدقائق، وما إن ينطفئ، يبدو شخصاً آخر، يتورع فجأة، ويلوذ عنها بعيداً، لتذهب هي مع الريح، تجر أذيال انكسارها وغربتها..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول إنك تريد أن تهرب عميقاً، تريد أن تقتفي أثر الحمى التي كانت تنتابك كلما اقتربت منك أنثى، تتظاهر بالعافية، رغم إحساسك بتكسر الزجاج الداخلي وتهشمه إلى نثار رقيق وحاد.. من سوف تستفتي؟.. قلبك، فهذا لم يكن يوماً طوع إرادتك.. عقلك؟.. كذلك هذا لم يكن إلا مجرد كرة زجاجية تتدحرج داخل جمجمتك.. إذاً ما تستطيع أن تفعل غير أنك تختزل التاريخ، وتعيد قراءة أحلامك، كما فعل فرويد، ثم تبدأ في التفسير لعلك تنجز بعضاً مما أنجزه هذا العظيم..
تقول إن الأحلام لا تفسر المستقبل، ولا تعبر عنه، إنما هي تعيد قراءة التاريخ الشخصي، ثم تبدأ الأدوات العقلية في الإخراج، والإزاحة، والتبديل، والتعديل، والطمس أحياناً، والإبراز في أحيان أخرى.. إذاً لا بد من حنكة لا بد من محاولة جادة، وأنت تقع على الأرض، البكر، لتبدأ حياة جديدة، لتتحرر من حياة قديمة.. تضحك.. ساخراً من التاريخ، تقول صحيح إنه مزبلة، التاريخ مزبلة، كل القمامة البشرية تتراكم في جوفه، ولا يتعب من الحفظ والتخزين.. التاريخ كالعاهرة، التي تفتح ساقيها لأشخاص عدة، ولا تتعب، كي تتقاضى ما يملأ معدتها.. معدة التاريخ واسعة، كما أن جوفه أوسع من أجواف عاهرات العالم..
تقول، وكأنك تريد أن تصل إلى نتيجة من أن كل تاريخك الطويل لم يكن إلا مهزلة، كما أنها تواريخ الذين يعيشون الأوهام، ويعتقدون أنهم أمسكوا بزمام الحقيقة.. تصرخ ملء فيك.. يا فيروز، أنت الآن بعيد عن التاريخ، وأنت الآن فوق الجغرافيا، فلماذا لا تكون القصة التي تريد أن ترويها أخصب من خيال التاريخ، وأرحب من تضاريس الجغرافيا.. ثم تصرخ.. يا فيروز، يجب أن تولد الآن..
في الجزيرة البعيدة، تقول إنك التقيت صياداً، اسمه نبهان.. في المرة الأولى لما نظرت إلى وجه الرجل، تخيلت أنك تواجه اليقين.. أي أنك على وشك أن تلقى نهايتك على يد كائن، تبدى لك على هيئة بشر لكنه ليس ببشر.. توجست، وتأهبت للفرار على الرغم من أنه لا مفر من قدر ألم بك، ولا محالة من النهاية المؤسفة.. حدقت في وجهه، كان نبهان أشبه بكائن بحري لكنه ليس بسمكة، قلت في نفسك بالطبع لن يكون هذا الهيكل العظمي، ذو الرائحة السمكية بإنسان حقيقي، لكنه له يدان ورجلان، وأنف حاد كحد السيف، وعينان جاحظتان، وسحنة سمراء، مملحة بماء البحر.. تسمرت في مكانك، أمعنت النظر بهذا المخلوق، الذي يقف أمامك، يشيعك بابتسامة غامضة، أشبه بموجة تخب من مجاهيل البحر، اقترب ناحيتك وأنت تتجمد في ذهول، وكان قاربه الصغير يتهاوى على ظهر موجات ضئيلة، هامسة بصوت خفي، قال لك بصوت هادئ، متهدج، من أنت؟
لم تكن تعرف ماذا تجيب؟ أتفصح عن اسمك، أم تدعه وتمضي بعيداً.. في الحقيقة لم يكن في وسعك أن تجفل وتتركه يسقط تحت وابل أسئلته، فكان لا بد أن تجيب، وألا تنصرف خائفاً.. قلت بصوت مشروخ: أنا فيروز.. وما اسمك..؟
قال بهدوء: نبهان.. وينادونني بالصياد، طبعاً باستخفاف، كونهم يعرفون أنني في كل مساء، أدخل البحر بهذا القارب الصغير، وأعود في الليل متأخراً خالي الوفاض، فلا شيء بحوزتي غير الحسرة..
تشجعت.. قلت: ما الذي يمنعك من الصيد.. فالبحر كريم، والخير وفير..
يهز رأسه، في قنوط.. قائلاً: لأنني لا أدخل البحر من أجل الصيد..
قلت دهشاً: ولماذا تدخل البحر إذاً؟
يرد بلهجة غامضة: لأنني أحب البحر، لأنه أكثر صفاءً..
تقول: ممن؟
يقول: من الناس..
تختنق.. تغص الكلمات في حلقك، تحاول أن تتحرر من دهشتك، وربما شعرت بأنك تعاطفت مع الرجل فجأة، من دون سابق إنذار.. تنفجر أنت وتقول: ألهذا الحد تكره الآخرين؟
يغمض عينيه، ويضغط على مخارج ألفاظه.. قائلاً: لا تفهمني خطأ.. أنا لا أكره أحداً، لكنني أبحث عن الحقيقة، ويجب أن تفهم أن الضجيج يمنع دخول الفكرة بسلاسة إلى الرأس..
تقول إنك شعرت بدوار، وأن الأرض التي تقف على أديمها بدأت تتحرك من تحت قدميك، حاولت أن تتجلد، وتصمد.. قلت.. وبماذا تفكر؟
قال: قلت لك أبحث عن الحقيقة..
قلت: وما هي الحقيقة؟
قال: لقد انتشرت شائعة منذ زمن، أن بالقرب من هذه الجزيرة، تعيش سمكة كبيرة، تهاجم الصيادين، بعد أن تقلب قواربهم، فتلتهم أجسادهم الغارقة في البحر.. لهذا السبب، فأنا أمخر جوف البحر، وأجدف في هذا القارب لعلي أعثر على السمكة الكبيرة..
قلت: ألا تخشى من أن تهاجمك، وتقضي عليك كما تفعل مع الآخرين؟
قال: ما الضرر في أن أموت.. فالموت خير لي من أن أعيش الخوف من الموت..
ترتعد فرائصك، ليس فزعاً، وإنما من هول الصدمة.. ربما أحسست بأنك اقتربت من اليقين، وربما لأنك شعرت بالتجانس مع هذا الصياد الغرير.. وربما لأنك لا تصدق ما تسمعه وتشاهده.. قلت في لهوجة.. وعندما تعثر على السمكة الكبيرة، فهل ستصطادها؟
يضحك.. قائلاً: بالطبع لن أفعل ذلك، ولو حاولت فلن أستطيع..
قلت: ماذا ستفعل إذاً؟
قال: سأصطاد الفكرة..
يتبع ..
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
قلت: أي فكرة؟
قال: فكرة الكذب..
قلت: وهل أنت مقتنع بكذب ما يدعون؟
قال: أجل.. أجل..
قلت: فلماذا إذاً تبحث عن الكذب؟
قال: لأعرف الحقيقة.. ثم يستطرد: الحقائق لا تكشف شفاهة وإنما هي تبدو في ثنايا البحث عنها.. ثم يضيف.. المهم ألا تصدق كل ما يقال..
استسلمت لفكرته، لما وجدتها تترادف مع ما تسكعت من أجله.. قلت في حبور: إذاً نحن متفقان..
رفع حاجبيه دهشاً.. قال: على ماذا نتفق؟
قلت: لأنني جئت إلى هنا أبحث عن الحقيقة.. ولكني لم آتِ لأبحث عن سمكة كبيرة، وإنما عن أم الدويس..
يضحك بجلجلة.. أم الدويس؟ ما هذه أم الدويس؟
قلت: ألا تعرفها.. ألم تسمع عن امرأة عملاقة، تتقصى أثر الرجال، والأطفال، فتغرس مخالبها الضخمة في أجسادهم، ثم تمتص دماءهم حتى الموت..
يضحك.. ثم تجحظ عيناه، مزمجراً بصوت كهدير الموج.. غبي.. أنت غبي..
تنتفض غاضباً، تفكر في القضاء عليه، لكنك لم تجرؤ على فعل أي شيء.. ابتلعت أنفاسك، غصت في قفصك الصدري، صمت..
اقترب منك أكثر، ربت على كتفك، ملاطفاً، قائلاً: هل أغضبك كلامي؟
قلت كاظماً غيظك: لا بل ما قلته هو الحقيقة..
تفرس في وجهك، قال بلهجة ودودة، أم الدويس خرافة.. وكل ما يدعونه أقرب إلى الحمل الكاذب.. تهيؤات بشر لا أكثر..
قلت بلهجة جادة: ولكن تصرفات هذه المخلوقة بائنة للعيان، وبين فترة وأخرى يفقد الناس عزيزاً لهم، ولا يعود.. يا ترى أين يذهب المفقودون..؟
قال بحدة: وكذلك حال الصيادين، بين فترة وأخرى، تفقد البلد صياداً، أو أكثر، ولا يعودون..
قلت في حيرة: ما السر إذاً..؟
قال: السر يكمن في جهل الناس..
قلت: ما العمل؟
قال: أن يتخلص الناس من الجهل..
قلت: كيف؟
قال: إذا أنت.. وأنا لم نسايرهم، في ما يعتقدون، ينتهي الجهل إلى زوال..
قلت: هل تستطيع أنت أن تفعل ذلك، وتخرج عن معتقد العامة؟
قال: وأنا الآن أفعل ذلك، عندما أخلف ورائي كل ما يدعونه، وآتي إلى هنا، مجازفاً، باحثاً عن الحقيقة.. ثم يردف قائلاً: هل تستطيع أنت؟
قلت: أجل أستطيع، وهذا ما جئت من أجله..
يضع يده على كتفك، قائلاً: إذاً اتفقنا..
قلت: اتفقنا.. ثم تضيف متسائلاً: ولكن كيف سنكشف الحقيقة؟
قال: نزيف حقيقة.. ونضع حقيقة أخرى..
قلت: كيف؟
قال: أليس ما يدعون أنها حقيقة..
قلت: أجل..
قال: سوف نخترع حقيقة أخرى، أنا وأنت متفقان بها، نجهض بها الحقيقة التي يدعونها..
قلت: وهل الحقائق تصنع..؟
قال: كل ما يدعيه الإنسان، حقيقة من صنع الخيال، ومع التسليم بالخيال يصبح حقيقة تتوارثها الأجيال..
تبهت.. تشعر بأنك أمام خيال جامح، وكائن عبقري لا يجارى.. تتذكر أبا سيف.. كان مقتنعاً بما يقول، ويتصرف ويتهمك بالجهل أحياناً، وبالجنون أحياناً، كان يمارس رغباته بإحكام، وبتقنيات فنية عالية، كان يقول إن مضاجعة النساء فضيلة، لأنه يمنحهن اللذة، ويثري جيوبهن بالدراهم.. أما أنت، فتظل هائماً في عرائك، بلا معنى، ولا تقدم للبشرية ما يعينها على التخلص من الكبوات والاحتقان.. تتذكر هذا الصديق، وتتفرس في ملامح الصياد نبهان، فتقرأ العبقرية الفذة، التي أخرجتك من فراغك..
تستعيد خوفك من أم الدويس، ومن الأنثى التي أنجبتك يوماً.. تفكر.. تقول: كيف يمكن أن تكون الأنثى بهذه الشراسة.. الأنثى التي منحت اللذة، واعتصرت وجداً ليخرج الجنين، ويصبح رجلاً يمنح أخرى ما تستحقه من عصارة الجسد..
وتستطرد: هذه الأرض، أنثى تحمل البحر على كتفها، وتتأبط الجبال، وتحمي الأشجار من الضياع، وتسير الأنهار لترتوي الكائنات بالماء.. لم ترتعش الأرض يوماً إلا لأن الصخور في باطنها تتشاغب، وتلتهب، وعندما تيأس الأرض من ترويضها، تلفظها متبرئة من حثالاتها، ونزالاتها.. ولكن انظر إلى هذا البحر، الذكر المتوحش، إنه يعطي ويسلب، يمنح وينهب، ويسلب الأرواح إذا ما غضب.. الذكر وحده، الذي يصطنع الأفكار ويجيرها، ويجعلها حقائق، ليظل باسطاً نفوذه، وكل ما يختلقه من خرافة لأجل إضاعة الأنثى في متاهة الإجابات الغامضة..
تلتفت ناحية الصياد، تفكر في تقبيل رأسه، تقترب منه، تطوق ذراعيك حول جسده الناحل، ثم تضع وجهك مقابل وجهه قائلاً: شكراً لهديتك.. شكراً لعبقريتك، فلنفكر معاً لأجل الحقيقة..
يبتسم الصياد.. قائلاً: وهل تستطيع معي، صبراً..
تقول: أجل، سأكون رهن إشارتك..
تمضيان على رمل الجزيرة، تحدق أنت في العتمة، بينما يدب الصياد بأناه وتؤدة ويتلفت وكأنه يبحث عن وسيلة، كأنه يريد أن يخترع الحيلة، كأنه ينسل في الظلام خيطاً رفيعاً، تتبعه أنت، باستسلام.. ويتبعك توجسك شيئاً ما..
تقول إن نبهان، اصطحبك بالقارب، الخشبي، صرت أنت والرجل في جوف الزرقة، وعلى أسنان الموج الأبيض، تهاوى القارب، شعرت بدوار، شعرت باحتدام معدتك، حدقت في وجهه، قلت محتداً، توقف يا رجل، أشعر بالغثيان..
نظر الصياد إليك، باستخفاف، قال هازئاً، ألم أقل لك لن تستطيع معي صبراً.. إذاً يجب أن تعود إلى حيث المكان الذي انطلقنا منه..
مددت يدك إليه راجياً.. قلت: لا.. لا أريد أن أعود، أريد الحقيقة التي اتفقنا على اكتشافها..
قال في وجوم: لكنك لن تستطيع أن ترى الحقيقة، وأنت تشكو من دوار وغثيان..
قلت بإصرار: بل سأواجه الغثيان بالتصميم..
يتبع ..