--
تحية طيبة أبعثها لأعضائنا الكرام أعضاء منتدى الرمس
والتحية لكم أيضاً زوارنا الطيبين
أتمنى أن تكونوا بصحة وعافية
* * *
ذات مرة، وقع نظري على كتاب، رأيته ممزق الغلاف، بقي جزء يسير منه دلني على اسمه، إنه كتاب كليلة ودمنة، جلست أقلب صفحاته، وصرت أقرأ فيه.
كنت وقتها صغيراً في السن، وبالتحديد في المرحلة الابتدائية، لم أكن أتوقع أن أجده ممتعاً، ربما لأنه كتاب قصصي، وكل قصة تحمل من المعاني الكثير.
توقفت عند إحدى القصص، لا أعرف ما الذي شدني لها منذ البداية، ورغم مرور سنوات طويلة على قراءتي لها، إلا أنها ما زالت عالقة في ذاكرتي، ويبدو أنها الأقرب إلى نفسي.
إليكم نص القصة، وأتمنى لكم قراءة ممتعة:
الناسك وابن عرس
"ثم إن المرأة ولدت غلاماً سوياً، فسرّ به أبوه حتى إذا كان بعد أيام، قالت المرأة لزوجها: اقعد عند الصبي حتى أغتسل وأرجع إليك.
فانطلقت المرأة ولم يقعد الرجل إلا قليلاً، حتى جاء رسول السلطان فذهب به ولم يخلف مع ابنه أحداً، إلا أنه قد كان له ابن عرس داجن عنده يقوم عليه قيام الرجل على ولده. فتركه الرجل عنده وذهب إلى السلطان.
وكان في بيته جحر أسود، فخرج الأسود يريد الغلام فوثب عليه ابن عرس فقطّعه.
وأقبل الناسك عند انصرافه حتى أتى بيته فدخله، فتلقاه ابن عرس كالمبشر له بما صنع.
فلما نظر إليه الناسك متلطخاً بالدم سُلِبَ عقله، ولم يلبث ولم يتبين، وضرب ابن عرس ضربة على رأسه بعصاه فوقع منها ميتاً.
ودخل الناسك بيته فرأى الغلام والأسود مقطعاً فعرف الأمر، وأقبل على رأسه نتفاً وعلى صدره ضرباً وجعل يقول: ليت هذا الغلام لم يولد ولم أنل هذا الغدر والكفر.
فدخلت المرأة وهو يبكي فقالت له: ما يبكيك وما شأن هذا الأسود وابن عرس مقتولين. فأخبرها خَبَرَهُما وقال: هذه ثمرة العجلة.
فهذا مثل من عمل عملاً بغير تثبت ولا روية في أمره."
* من كتاب "كليلة ودمنة"، باب (الناسك وابن عرس)، الناسك وجرة السمن
** الأسود: يقصد به الثعبان.
* * *
ربما تكون القصة قد استثارت لديكم مشاعر كثيرة، أولها مشاعر الحزن على ما حل بـ"ابن عرس"
وحقيقة، لا أستطيع أن أفصح عن سر تعلقي بهذه القصة، وأترك الأمر لكم
ولكن أقول..
أحياناً قد تظهر الحقيقة عياناً بياناً، ولو بعد فوات الأوان، وفي بعض الأحيان تظل حبيسة في الصدور، وربما تدفن مع أصحابها في القبور.
* * *
>> يتبع..







