لمنع المخاطر على صحة الانسان والبيئة




تتباين الآراء وتعجز حتى اللحظة عن حسم قضية الأغذية المعدلة وراثياً والتي تعتبر من الموضوعات الساخنة التي تطرح في كل محفل ليظل الرأي المرصود حولها ما بين مؤيد ومعارض، ونالت هذه القضية حظاً وافراً من العرض والتحليل على صفحات الصحف والمجلات في أمريكا والدول الأوروبية واستحوذت على متابعات راصدة من منظمات ومناصري البيئة واهتمامات الرأي العام والتجمعات السكانية والتي جاءت في مجملها معترضة ورافضة لمشروع الأغذية المعدلة وراثياً، وهناك أبحاث ودراسات حديثة كانت أيضاً محل خلاف وجدل عن تأثيرات وعواقب الهندسة الوراثية التي تجرى على الأغذية الأمر الذي اثار مشاعر المستهلكين المتوجسة وشكوكهم في الأغذية المعدلة.



أصبح مصطلح الأغذية المعدلة وراثياً شائع الاستخدام مؤخراً ليشير إلى النباتات التي يتم تخليقها للاستهلاك الآدمي والحيواني باستخدام أحدث تقنيات علم الأحياء والهندسة الوراثية “هندسة الجينات”، والغرض من تحوير وتعديل النباتات في المختبر هو الارتقاء بالخواص المرغوبة من حيث الجودة وتحسين القيمة الغذائية، والمذاق وتوفير الإمداد الغذائي الكافي لسكان العالم، إضافة إلى زيادة مقاومة النبات للعوامل البيئية، والأمراض والآفات الحشرية التي تضر بالمحاصيل من عدة قرون، والحرص على حماية البيئة والحياة الفطرية.



ولما كان هناك الكثير من التساؤلات والاستفسارات التي طرحت، إضافة إلى المطالبات بتكثيف الأبحاث والدراسة للتأكد من سلامة استخدام هذه الأغذية، ومطالبات أخرى بإنشاء نظم وإجراءات جديدة لتقنين التعامل مع الأغذية المعدلة بأمان، ولمعرفة ما إذا كانت الأغذية المعدلة وراثياً الموجودة في أسواق الدولة تشكل أي خطر أو ضرر صحي على المستهلكين، فتحت “الخليج” هذا الموضوع والتقت من خلاله العديد من المستهلكين لمعرفة آرائهم حول قضية الأغذية المعدلة وراثياً، إضافة لاستطلاع رأي الرقابة الغذائية لتحديد درجة الأمان الممكن توفرها من خلال التعامل مع تلك النوعية من الأغذية:



الفحص المخبري



يقول مبارك المنصوري، مستهلك، إن من الأفضل ألا يتم تعميم المنتجات الغذائية المعدلة وراثياً على نطاق واسع ونشرها في الأسواق إلا قبل التأكد من سلامتها الفعلية من أي ضرر قد تشكله على الصحة العامة على الرغم من عدم تفضيلي التعامل معها بأي شكل من الأشكال، مضيفاً أنه يجب المداومة على أخذ عينات منها وإخضاعها للفحص المخبري المستمر لتقييم مدى الأضرار المحتملة من ورائها نظراً لعدم سلامتها الأكيدة حتى الآن واحتمالية أن تتسبب التغييرات الوراثية على المادة الغذائية في أمراض السرطان المختلفة، ويبقى المستهلك غير مطمئن حتى الآن ولا يجد ما يضطره للتعامل معها لأن الشكوك ستظل تساور المستهلكين وستطرح علامات الاستفهام باستمرار الأبحاث حول هذه القضية.



وأشار إلى أن دولة الإمارات بخير وبها موارد غذائية طبيعية كثيرة لذا فالتوجه الغذائي يجب أن يكون نحو الطبيعة دون الإقبال غير المقنن على الغذاء المعدل وراثياً والذي تدخلت يد الإنسان في إنتاجه انتظاراً لما ستسفر عنه الدراسات والتحاليل والتي قد تستمر لعشرات السنين حتى تثبت جودتها ومدى موازاتها للمادة الغذائية الطبيعية، لافتاً إلى أن أضرار المنتجات المعدلة وراثياً قد تظهر على المدى البعيد وهناك احتمالات غير مستبعدة في حال ثبوت ضررها بأن تؤثر في الأجنة المشكلة للأجيال القادمة فتؤدي إلى مشاكل عقلية وتشوهات خلقية.



وأكد المنصوري أن ثقة المواطنين والمقيمين في الدولة كبيرة وأن الإجراءات المتبعة على المنافذ الحدودية من قبل المفتشين وجهات الرقابة الغذائية ستحمي المستهلكين المحليين من شرور أية مواد غذائية مشكوك في سلامتها أو لم يسمح بإدخالها للأسواق الإماراتية رسمياً، ويجب بدلاً من الاعتماد على الأغذية المعدلة وراثياً العمل على دعم السلع الاستهلاكية الطبيعية وتوفير المشاريع الاستثمارية في مجال الغذاء والتي تضمن وجود مخزون استراتيجي غذائي يكفي على المدى الطويل والعمل على تخفيض أسعار المنتجات الغذائية الطبيعية ودعم الزراعة والإنتاج المحلي بشكل كبير يفي باحتياجات المستهلكين على أرض الدولة.



الآثار الجانبية



من جهته قال جمال السعيدي، مستهلك، قضية الأغذية المعدلة وراثياً لازالت شيئاً لا يبعث على الاطمئنان لعدم التأكد من الآثار الجانبية التي قد تنتج عنها والتي تم إجراء تغييرات في مواصفاتها الأساسية خاصة وأن الأبحاث لم تثبت سلامتها من الآثار الجانبية أو المضاعفات الصحية، وأنا شخصياً أفضل الغذاء الطبيعي.



وأوضح أن الشركات المنتجة أصبحت تبيع منتجاتها للعين قبل اللسان حيث تهتم بتجميل منتجاتها وتكبيرها وإعطائها لوناً ناصعاً وذلك على حساب الجودة لأنهم يعلمون أن عين المستهلك هي أولى الحواس التي تهتم بالمنتج.



ويؤكد عادل إبراهيم، مستهلك، ضرورة استمرار عمليات المراجعة لهذه الأغذية قبل تسويقها من أجل منع المخاطر على صحة الإنسان والبيئة، لأن الأغذية المعدلة وراثياً يمكن أن تزيد من كمية المحاصيل وتحسن قيمة الطعام وتنوعها وأن هذا التغيير الكمي والنوعي يمكن أن يؤدي إلى رفع المستويات الصحية والحياة المعيشية، لافتاً إلى أن بعض الجينات المستخدمة في تصنيع الأغذية الجديدة لم تكن موجودة من قبل وأن استخدامها يمكن أن يحدث تغييرات جذرية في المحصول وبسبب هذه التغييرات لا بد من تقييم الآثار الصحية للأغذية الجديدة المعدلة وراثياً قبل زراعتها أو تسويقها وكذلك وضع أجهزة مراقبة على المدى الطويل من أجل معرفة الآثار السلبية لها.



وشدد على أن التقييم يجب أن يتم قبل التسويق وأن يتم اختبار هذه الأغذية أكثر من الأغذية العادية لما لها من تأثير محتمل على الصحة والبيئة، مؤكداً أن استهلاك الأغذية المتوفرة في الأسواق والمعدلة وراثياً لم يؤثر حتى الآن بشكل سلبي في صحة الإنسان.



ويرى خالد العلمي، مستهلك، أن هناك الكثير من عدم الوضوح في سلامة الأغذية المعدلة وراثياً ونقصها في التشريعات والسياسة العلمية تجاه هذه المسألة، فمثلاً فيما يتعلق بفول الصويا فإنه يشكل 32% من الإنتاج العالمي للزيوت النباتية بسبب خصائصه الفيزيائية والكيميائية المناسبة للاستخدامات الصناعية، وهدرجة زيت فول الصويا تؤدي إلى إنتاج نوع من الأحماض التي لها انعكاسات على الصحة ومن الواجب وضع نسبة وجود هذه الأحماض على البطاقة الغذائية الخاصة بالعبوات، وتتجه الشركات المنتجة لزيت الصويا إلى استخدام البذور الزيتية المعدلة وراثياً لتدني نسب الأحماض الموجودة فيها وعدم احتياجها لهدرجة تذكر ولكن هناك مخاطر أخرى تحيط بإنتاج المواد الغذائية المستخرجة من البذور المعدلة وراثياً.



غايات ربحية



وقال إن قلق المستهلكين يتجه نحو إمكانية استخدام التعديل الوراثي لغايات ربحية واقتصادية دون التحليل الكافي للمخاطر الكامنة والقوانين السكانية للحد من سوء الاستخدام والمخاطر البيئية الناتجة عن ذلك والمخاطر على صحة الإنسان كالتحسس والمقاومة تجاه المضادات الحيوية والتأثيرات غير المعروفة على صحة الإنسان في إدخال الجينات الغريبة من الأغذية المعدلة وراثياً والأخطر القلق الأخلاقي والاقتصادي والسياسي من نقل جينات حيوانية إلى جينات نباتية مما يتيح تأثيرات هرمونية ومشاكل صحية أخرى نتيجة تناول النباتات المعدلة وراثياً، لذلك من الواجب أن توضع على البطاقة الخاصة بالمواد المنتجة من البذور المعدلة وراثياً ما يشير إلى ذلك ومواصفاتها المختلفة خاصة مع بروز الحاجة إلى تثقيف المستهلك عن هذه الأغذية ليتمكن من استيعاب المعلومات الواردة على المواصفة ومهمتها، وخاصة بتوقيع أكثر من 1300 دولة على اتفاقية دولية للإشارة إلى الأغذية المعدلة وراثياً في البطاقة الغذائية.



من جانبه أكد محمد جلال الريايسة مدير إدارة الاتصال والمعلومات بجهاز أبوظبي للرقابة الغذائية أن دولة الإمارات تشارك دول مجلس التعاون الخليجي من خلال السلطات الرقابية المحلية واللجان الوطنية المعنية بسلامة الأغذية في الدولة في إعداد تشريعات تقنن تداول واستعمال المواد والمنتجات المعدلة وراثياً مستندة إلى مواصفات وإرشادات هيئة دستور الأغذية العالمية “الكودكس” المنبثقة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة “الفاو” التي تحث الدول على عمل دراسات لمعرفة الآثار المترتبة على التغيرات الوراثية غير المرغوبة أو المحمودة على هذه المواد والكائنات المعدلة وراثياً باستخدام الطرق العلمية الصحيحة في دراستها وتقييم مخاطرها كما أقرتها المنظمة، بالتعاون مع جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية الذي لا يدخر جهداً في توفير الأجهزة والمعدات وتأهيل الفنيين ذوي الاختصاص في مختبرات الأغذية التي تمكنهم من الكشف عن الأغذية المعدلة وراثياً، كما يقوم الجهاز بمتابعة الجهود المبذولة في مجال التشريعات والأنظمة المعمول بها في مجال تداول الأغذية المعدلة وراثياً في الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية.



وأوضح أن الأغذية المعدلة وراثياً تشكل محوراً أساسياً في مجال الإنتاج والاستهلاك الغذائي إذا لم ينجم عنها أي مخاطر على صحة الإنسان، وقال إن موضوع الأغذية المعدلة وراثياً أصبح حديث الساعة لأنها تشكل من جانب آخر قلقاً متزايداً لما قد ينتج عن بعضها من آثار سلبية، مشيراً إلى أن الصورة لا تزال قاتمة فيما يتعلق بكافة قضايا وجوانب الهندسة الوراثية والمواد المعدلة وراثياً في معظم الدول حيث تسيطر عليها قلة من الشركات العملاقة العالمية، كما أن الرأي العام مازال إلى حد كبير غير مدرك لآثارها على صحة الإنسان والبيئة والزراعة.



وأضاف أن الطريقة التي تستعمل في إنتاج النباتات المعدلة وراثياً والمستخدمة في زراعة المحاصيل الغذائية المعدلة وراثياً هي ذات الطريقة المتبعة في تحوير المادة الوراثية للكائنات والمسماة “التقنية الحيوية الحديثة” أو “التقنية الجنينية” وأحياناً يطلق عليها “الهندسة الوراثية”، موضحاً أن الكائنات الحية المعدلة وراثياً تحتوي على موروثات مختلفة تم إدخالها بطرق مختلفة ما يستوجب تقييم الأغذية المعدلة وراثياً كل حالة على حدة وأنه ليس من الممكن إعطاء تصريحات عامة عن أمان وسلامة كل الأغذية المعدلة وراثياً، لافتاً إلى أن كل المحاصيل المعدلة وراثياً المتوفرة في الأسواق العالمية تم تصميمها باستخدام إحدى الصفات الوراثية الثلاث التالية وهي إما أن تكون مقاومة للإصابة بالحشرات أو مقاومة للإصابة بالفيروسات أو تحمل بعض مبيدات الحشائش، علماً بأن كل الموروثات المستعملة في تعديل المحاصيل مشتقة من الكائنات الحية الدقيقة.



وفيما يتعلق بأسباب اللجوء لإنتاج الأغذية المعدلة وراثياً قال الريايسة إنه تم تطوير الأغذية المعدلة وراثياً وتسويقها لأن لها بعض المزايا الملموسة للمنتج أو المستهلك كون تلك المنتجات منخفضة التكاليف ولزيادة فائدتها الغذائية والتي تكون أقل تأثراً بالعوامل المحيطة بها أو ذات قيمة غذائية عالية أو كليهما، وفي البداية أراد المطورون للبذور المعدلة وراثياً أن تجد قبولاً لدى المنتجين لذلك فقد ركزوا على ابتكارات تجد قبولاً لدى المزارعين وصناع الأغذية، وكان الهدف الأول من تطوير النباتات المشتقة من الكائنات المعدلة وراثياً هو تحسين حماية المحصول والهدف الرئيسي من المحاصيل الموجودة حالياً في الأسواق هو الوصول لمستويات عالية من وقاية المحاصيل بتسحين مقاومتها للإصابة بالحشرات أو الأمراض الفيروسية أو من خلال زيادة قدرتها على تحمل مبيدات الحشائش.



تقييم السلامة



وأوضح أن تقييم سلامة الأغذية المعدلة وراثياً بصفة عامة يتم ببحث عدة أمور أهمها التأثير المباشر على صحة الإنسان، قابليتها لإثارة تفاعلات الحساسية، وجود مكونات معينة يعتقد أن لها خواص تغذوية أو سمية، استقرار الموروث المنقول، التأثيرات التغذوية المصاحبة للتعديل الوراثي وأي تأثيرات غير مقصودة يمكن أن تنتج من إدخال الموروث، مشيراً إلى أن المناقشات النظرية غطت قدراً واسعاً من الجوانب وتبقى ثلاث قضايا رئيسية متعلقة بصحة الإنسان أثارت الخلافات وهي قابلية الأغذية المعدلة وراثياً لإثارة تفاعلات الحساسية، نقل المورث والتهجين، فبالنسبة لإدارة تفاعلات الحساسية فإنه لا ينصح بنقل المورثات من الأغذية المثيرة للحساسية إلا إذا ثبت أن البروتين الناتج وبه المورث المنقول ليس مثيراً للحساسية، ومع أن الأغذية التقليدية لم تختبر عموماً للحساسية إلا أنه قد تم تقييم طرق اختبار الأغذية المعدلة وراثياً من قبل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية.



من جهة أخرى يعتبر نقل المورث من الأغذية المعدلة وراثياً إلى خلايا الجسم أو إلى البكتيريا الموجودة في الجهاز الهضمي مصدراً للقلق إن كانت المادة الوراثية المنقولة تؤثر في صحة الانسان بشكل سلبي خاصة إذا كانت المورثات المستخدمة في الأغذية المعدلة وراثياً ذات مقاومة للمضادات الحيوية، ورغم أن احتمال الانتقال منخفض إلا ان مجموعة خبراء المنظمتين الدوليتين تنصح بعدم استخدام التقنية في نقل مورثات مقاومة للمضاد الحيوي.



وفيما يتعلق بالتهجين فمن المحتمل أن تكون هناك تأثيرات غير مباشرة عند نقل المورثات من النباتات المعدلة وراثياً إلى المحاصيل التقليدية أو الأنواع البرية منها والذي يطلق عليه اسم التهجين الخارجي وكذلك المحاصيل الناتجة من البذور التقليدية بالمحاصيل الناتجة من البذور المعدلة وراثياً وقد يكون لذلك كله أثره غير المباشر على سلامة الأغذية والأمن الغذائي، هذه الخطورة باتت أكيدة بعد أن وجدت آثاراً من نوع من الذرة الصفراء التي لا يسمح باستخدامها إلا كأعلاف في منتجات تستهلك بشرياً في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تبنت بعض الدول خططاً للتقليل من الخلط ومن ذلك فصل الحقول التي تتضمن محاصيل معدلة وراثياً عن باقي الحقول التقليدية غير المعدلة وراثياً، ومع ذلك فإن قابلية التطبيق وطرق المراقبة بعد التسويق لمنتجات الأغذية المعدلة وراثياً كجزء ثان من الرصد المستمر لسلامة منتجات الأغذية المعدلة وراثياً.