مع اقتراب معرض الشارقة الدولي للكتاب
خط بياني بطيء لعادة القراءة
التحولات التي تفرض نفسها على عوالم الكتاب من صناعة النشر إلى ازدياد الإقبال على اقتناء الكتب، أو على امكانية قياس مدى ازدياد أو تراجع عملية القراءة، ومع اقتراب موعد معرض الشارقة الدولي للكتاب، قمنا بهذا التحقيق لرصد نقاط عدة حول علاقة المتلقي بالكتاب من خلال آراء مجموعة من الكتّاب الإماراتيين.
يرى القاص عبد الرضا السجواني أن القراءة انحسرت على مستوى المواطن العادي، صارت هناك أمية، وحتى في أوساط المثقفين والجامعيين لم تعد تلك العلاقة الحميمة بالكتاب موجودة، فالواحد منهم يقطع علاقته بالكتاب عند تخرجه في الجامعة، أو حين يستلم الوظيفة، ولم يكن هذا هو الحال قديما، لقد أدركنا فترة كان للكتاب فيها قيمة وكنت لا تعدم أن ترى الشاب يتأبط كتابه أينما سار، أنا نفسي - وقد كنا نسكن على شاطئ البحر - كنت آخذ الكتاب وأجلس على الصخر قبالة البحر وانهمك في القراءة ولا أنزع نظري إلا لأتأمل البحر الجميل، ومن هنا تولد لدي حب الكتابة وتولدت أفكار القصص التي كتبت. اليوم لا أجد هذه الحميمية مع الكتاب في أوساط الشباب، ولا أجد ذلك النهم للقراءة ولا حب الاستطلاع، لقد جرفتهم الفضائيات بقوة وعنف الصورة والمعرفة المشوهة أو المنحرفة التي تقدم إليهم مجانا، وبطريقة تتملك عقولهم وتجعلهم سلبيين لا يبذلون أي جهد، ثم تبعها الانترنت بسلبياته الكثيرة أيضا وبالعوالم الوهمية التي يأخذ إليها أولئك المتلقين غير المحصنين خصوصا فئات الشباب.
لقد غيرت الطفرة الاقتصادية نمط الحياة بشكل رهيب، حتى الزحمة أصبح لها دور لأن جل الوقت الذي كان يمكن أن يخصص للقراءة أصبح يذهب في الشارع بين زحمة السيارات، وفي الوظيفة كذلك التي قال عنها العقاد يوما “الوظيفة عبودية القرن العشرين”.
ويضيف السجواني: منذ عام 2002 وأنا أعيش هذا الإحباط، فقد طبعت كتبا قبل هذا العام في القاهرة وعمان والإمارات، ونشرت في مجلة الرافد ومجلة شؤون أدبية، حتى اني كنت أهدي هذه الكتب لأصدقائي ومعارفي من المثقفين وحين أطلب رأيهم أكتشف أنهم لم يقرأوا هذه الكتب، ومرة أقمت احتفالا تعريفيا بإصداراتي، واكتشفت أن إقبال الزوار كان على الكيك والببسي أكثر منه على الكتب التي أريد التعريف بها، واليوم لدي في الدرج خمس مخطوطات جاهزة للطبع ولا أجد الحماسة ولا الدافع لطباعتها ونشرها، لقد قال الكاتب الياباني ناكا جامي: “كنت أعيش في عذاب مزمن لأني كاتب مبدع لكن كل الذين يعيشون في القرية أميون”، إن عدم القراءة يقتل المبدع ويحبط الكاتب فالقراءة والكتابة متلازمتان.
ويقول الباحث الجامعي د. أحمد راشد القيشي قليلون هم اليوم أولئك الذين يقرأون، وعلاقة أغلب الناس بالكتاب تنتهي بانتهاء الدراسة. لقد مرت الإمارات بمراحل عديدة بينتها في كتابي “العوامل الفاعلة في نهضة الأدب والشعر في منطقة الخليج”، ففي الثمانينينات كان هناك إقبال شديد على الكتاب ربما لأنه كان المصدر الأول للمعرفة، ولأنه لم تكن هناك هذه المشتتات الكثيرة التي استجدت في أيامنا هذه كالفضائيات والانترنت، ورغم أن المعارض تشكل حافزا للقراءة إلا أن قوة جذب العوامل الأخرى هي التي تحد من فاعلية المعارض، وعلى قلة زوار هذه المعارض فإنهم في الأغلب الأعم يقتنون الكتب للزينة ويكدسونها فوق رفوف مكتباتهم من غير أن يقرأوها”.
ويضيف القيشي: هذه الظاهرة لا تخص الإمارات، بل هي ظاهرة عامة في الوطن العربي، وهناك تراجع كبير لدور المثقف وانسحابه من دائرة الفعل الثقافي وتوجيه المجتمع، وهذا أضعف ثقافة المجتمعات وجعلها تزهد في القراءة ويمكن أن نضيف لذلك عاملا أساسيا، وربما يكون أهم هذه العوامل وهو أن المناهج التربوية في البلدان العربية لا تشجع الطالب على القراءة لأنها تشغل وقته في المدرسة والبيت بالواجبات المدرسية فلا يجد الوقت ليتعلم أشياء أخرى خارج المدرسة، على حين أنه في الغرب تنتهي واجبات الطالب بخروجه من الفصل، فيستغل وقته الباقي في المطالعة. والمؤسف أن هذه المناهج تلازم الطالب عندنا حتى في الجامعة. ما يجعله يكبر وهو لا يعرف عادة القراءة.
وافترض الشاعر احمد عبيد ان تكون علاقة القارىء مع القراءة هي علاقة طردية طالما تيسرت سبل الوصول الى الكتاب. وقال “في الساحة المحلية والعربية هناك حالة زخم تتصاعد في مسألة النشر واستطيع القول إننا على مشارف ما يسمى “صناعة النشر في شقيه الورقي والالكتروني”. وتابع “هذه الصناعة لا تزدهر الا بوجود قارىء عارف وواعٍ يعيش مناخا يساعده على تقبل القراءة ومتابعة كل ما ينشر من كتب تطرح رؤى وأفكاراً جديدة”.
وحول رأيه في تظاهرة معرض الشارقة الدولي للكتاب قال “كسرت اعداد زوار معرض الشارقة الدولي للكتاب في سنواته القليلة الماضية مقارنة مع معارض الكتب العربية حاجز القراءة المتعارف عليه والذي كان يميل الى ادنى مستوياته الى ارقام متصاعدة خصوصا في اوساط جيل الشباب”.
من جهة اخرى اعتبر عبيد ان معرض الشارقة للكتاب قد ردم الهوة بينه وبين شريحة اخرى من القراء من فئة طلبة الدراسات العليا والباحثين، الذين اصبحوا يحرصون على زيارة المعرض في كل عام وينتقون ما يناسبهم من كتب ومجلدات تخص ابحاثهم ودراساتهم، ورأى عبيد ان مثل هذه الظاهرة الجديدة تصب في خانة نجاح المعرض الذي تقف خلفه ادارة ناجحة تستقرىء كافة العناوين والمراجع التي تهم القارىء العربي مهما كان تخصصه ومجال اهتمامه.
أما الشاعر عبدالله الهدية الذي رأى في معرض الشارقة للكتاب تظاهرة ثقافية عربية ودولية كبيرة فقال “تميز هذا المعرض على امتداد سنواته بنكهة خاصة، لا سيما وانه يراعي مختلف انواع ومشارب القراءة من ورقية والكترونية، خصوصا في ظل غياب الوعي القرائي في المدارس والجامعات”.
ولفت الهدية الى مسألة غاية في الأهمية تتعلق باقبال الشباب على نوع واحد من القراءت التي لها علاقة بالبرمجة اللغوية، حيث تشير الدراسات الفعلية التي اجريت على مدار السنوات السابقة الى اقبال الشباب على هذا النوع من القراءة على حساب الاهتمام بالجانب الروحي والتثقيفي، “واذا اضفنا الى ذلك انعدام وجود برامج تثقيفية يومية تتجاوز المواسم الرسمية من مهرجانات شعرية ومسرحية فان الضرورة تتطلب تركيز المؤسسات والهيئات الثقافية العربية على القراءة باعتبارها صمام امان نهضة الشعوب وتطورها الحضاري” وقال “استطاع معرض الشارقة الدولي للكتاب ان يحول دون استمرار هذا النهج بالتركيز على الجانب المعرفي والفكري الذي يجذب القارىء ويوفر له مساهمة تليق بوجدانه وروحه بالتوازي مع الكتب العلمية والتطبيقية التي تحتاج الى إشغال ملكات العقل المجرد وتستثنى الجانب الروحي والتثقيفي”.
وانطلق الهدية من فكرة “ان من لم يقرأ التاريخ يعش طفلا” في التأكيد على دور القراءة، التي بات يلتفت اليها الغرب في اطار معالجته للقضايا والمشاكل التي تنتشر في أوساط الشباب، وان سعي معرض الشارقة لتقديم نماذج من الكتب التثقيفية المتنوعة يصب في خانة نشر الوعي والتسلح بالعلم والمعرفة.
* نقلا عن دارالخليج،،،