تلطيف ما لا يُلطف
مقال حسن مدن
دار الخليج
لم يتحدث جان بول سارتر عن رفيقته في الحياة والأدب سيمون دي بوفوار إلا نادراً . لقد تولت هي الحديث عنه، كان معبودها الذي أسرها طويلاً وارتضت، وهي الكاتبة المرموقة والمرأة المتقدة وعياً وذكاء، أن تكون ظلاً له .
وقيل كلام كثير عن أن علاقة الاثنين، سارتر ودي بوفوار، انطوت على قدرٍ من الاستلاب بالنسبة لدي بوفوار، وأن سارتر تصرف في أحايين كثيرة بشيء من الغطرسة والادعاء . لكن هذه وجهة نظر على كل حال .
هناك شهادة نادرة، قليلة التداول، على لسان سارتر نفسه حول طبيعة علاقته بدي بوفوار، وردت في حوار صحافي معه كرسه صاحبه لهذا الأمر، وفي هذه الشهادة ثمة إشارات تدل على أن هذه العلاقة الحميمة الفريدة من نوعها حملت بعض مظاهر التوتر، رغم أن دي بوفوار كانت أسيرة ولعها المجنون بسارتر .
سأل الصحافي سارتر عن سبب تجاهله في كتاباته للمرأة التي ساندته ووقفت إلى جانبه دائماً بعقلها وقلبها، رغم أنها كتبت عنه الكثير، وقد تذرع سارتر بأن الفرصة لم تتح له بعد ليفعل ذلك، وهي حجة ضعيفة الإسناد، لكنه قال إنه موافق تماماً على كل ما قالته عنه وعن علاقتهما المشتركة: “إنها الإنسان الوحيد الذي يعرفني معرفة جيدة وأظن أن ما تقوله عن الأهمية المتبادلة لعلاقتنا صحيح تمام الصحة” .
من المرات النادرة التي تشاجر فيها الاثنان بالكلام شجاراً عنيفاً، حادثة تعود إلى نقاش حاد بينهما حول قضية تتصل بالخدمات السكنية في فرنسا، كانت لدى كل منهما وجهة نظر مختلفة، وفي غمرة احتداد النقاش صرخ سارتر في وجه رفيقته: “أنت فاشية” . فردت عليه دي بوفوار: “إنك لن تصل في حياتك إلى شيء . . لا شيء أبداً . . لا شيء” .
لقد عد سارتر هذا الشجار من قبيل التفاهات . لكنه لم يخف أنه حين يعرض عليها ما يكتبه، فتنتقد ما قرأته وتبدي عليه ملاحظات فإنه يغضب ويلعن، قبل أن يذعن في نهاية المطاف إلى وجاهة ما تقوله من ملاحظات .
ثمة أمر لافت هو أن سارتر داعية المساواة وتحرر المرأة حين أراد مديح رفيقته قال الآتي: “لها ذكاء رجل وحساسية امرأة” . واعترف بأنه في هذا الحكم يبدو عبودياً بعض الشيء . وإضافته جملة بعض الشيء هي من قبيل تلطيف ما لا يُلطف .