عمــود رفيف
تطريــز
دار الخليج / يوسف أبو لوز
للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي قصيدة قصيرة جميلة أتذكر اسمها وهو “رنّة الإبرة”.. مناخها العام إنساني ولا حشو إنشائياً فيها، إذ يُحوّل الشاعر في هذا النص اللغة إلى بلاغة هادئة موجزة في أقل عدد من الكلمات.
ليس الأساس هنا القصيدة، فمثلها الآلاف من القصائد التي لها هذا المناخ ولها هذه البنية النصّية الشعرية الذكية، ولكن قارئ هذه القصيدة بالذات للبرغوثي سوف يذهب بمحمولاته الثقافية والجمالية إلى الظلال والتداعيات التي تلقيها هذه القصيدة على نفسه وعلى ذاكرته.
من ظلال وتداعيات قصيدة البرغوثي تحضر صورة الثوب الفلسطيني المشغول أساساً بالإبرة. وهو فن التطريز الفلسطيني الذي تقوم به سيدات متقدمات في العمر عادة، إذ يأخذن على عاتقهن صناعة ثياب لهن أو لبناتهن المقبلات على الزفاف بالخيط والإبرة، وبصرف النظر كلياً عن خيط الرصاص “الإسرائيلي” وإبرة الاحتلال.
الثوب الفلسطيني المطرّز جزء من الثقافة الشعبية الفلسطينية، وهذا الجزء الثقافي الشعبي هو أقدم من الاحتلال “الإسرائيلي” بآلاف السنوات شأنه شأن أي مفردة ورمز فلسطيني ماثل في الأرض وبين الناس.
بمعنى آخر.. من الممكن أن يتحول ثوب امرأة مطرّز بالحرير أو الكتّان أو أي خيط إلى جزئية ولو صغيرة من مكوّنات الهوية الفلسطينية، وبذلك، وبالنسبة إلى عدو مثل العدو “الإسرائيلي”، يصبح هذا “الثوب الرمز” في مستوى البندقية أو في مستوى الحجر.
في مقابل ذلك، ما الذي فعله الاحتلال “الإسرائيلي” لكي يقتل فكرة “الثوب”؟
راح هذا العدوّ إلى نهب الرمز والسطو عليه علناً عندما عمدت شركة طيران العال “الإسرائيلية” إلى جعل مضيفات الشركة يرتدين الثوب المطرّز بأصابع أمهات فلسطينيات، على اعتبار أنه شكل من أشكال “الإبداع” “الإسرائيلي”.
القصة معروفة لكل من له اهتمام بالثقافة الشعبية الفلسطينية وقد جرت وقائعها منذ سنوات، ولكن مبرر التذكير بها الآن أن مجموعة من النسوة الفلسطينيات قمن مؤخراً بتطريز ثوب طوله 32 متراً فيه مليون و1400 غرزة تطريز وبكمية هائلة من القماش.
ذلك نشاط فني جمالي يريد استعادة ما يجري نهبه في فلسطين المحتلة على أيدي نسوة يعرفن جيداً ما معنى “رنّة الإبرة”.