نشرت صحيفة «التايمز» البريطانية في 26 شباط (فبراير)، رسالةً مطوّلةً وحادة بعنوان «التوصل إلى السلام لا يكون إلا بالتحاور مع حماس» وهي من بين إحدى أهمّ الرسائل التي نُشرت في صفحة بريد القراء، وستغيّر الآراء المتداولة في البرلمان والحكومة البريطانيين، كما ستغيّر رأي الجمهور عامةً. وستتطرق الصحف الأخرى إلى هذه الرسالة وسيتوسع النقاش حول موضوعها.
فقد قام فريق مؤلف من أحد عشر مفاوض سلام بارز من بريطانيا ومن سائر أنحاء العالم بكتابة هذه الرسالة. ومن بين الموقعين كان اللورد كريس باتن، وهو مفوض سابق لدى الاتحاد الأوروبي، واللورد بادي آشداون، وهو ممثل سابق للمجتمع الدولي في البوسنة، والنائب مايكل أنكرام وهو مسؤول سابق عن الشؤون الخارجية في حكومة الظل لحزب المحافظين، وشلومو بن عامي، وهو وزير خارجية إسرائيل السابق بين عام 2000 و 2002، وغاريث إيفانز، وزير خارجية استراليا من عام 1988 إلى 1996.
وتعتبر رسالتهم أن الوقت حان لوضع حدّ للسياسة القائمة على عزل حركة «حماس»، مشيرين إلى أن لا أمل في إحلال السلام في الشرق الأوسط من دون إشراك الحركة فيه.
بدأت الرسالة كما يلي:
«إذا كانت أي أزمة تعتبر فرصة للتحرّك، فقد حان الوقت لإعادة التفكير في استراتيجية التوصل إلى السلام في الشرق الأوسط. فقد أظهر النزاع الأخير الدامي بين إسرائيل وحركة حماس أن سياسة عزل الحركة غير كفيل بتحقيق الاستقرار. وكوننا مفاوضي سلام سابقين، نعتقد أنه من المهم جداً التخلي عن السياسة الفاشلة التي تقوم على عزل حركة حماس والعمل على إشراكها في العملية السياسية».
وتابعت بالقول:
«لن يكون من الممكن التوصل إلى عملية سلام إسرائيلية فلسطينية من دون حركة حماس. وكما قال موشيه دايان: إذا أردت التوصل إلى السلام، فيجب ألا تتكلم مع أصدقائك بل مع أعدائك. ولا تقوم عملية السلام الفعلية على التفاوض مع ممثل طرف واحد من الفلسطينيين فيما تتم محاولة تدمير الطرف الآخر».
واعتبر واضعو الرسالة انه: «سواء رضينا بالأمر أم لا، لن تختفي حركة حماس. فمنذ فوزها في انتخابات العام 2006، لا تزال تحظى بدعم المجتمع الفلسطيني على رغم محاولات تدميرها عبر محاصرتها اقتصادياً ومقاطعتها سياسياً ومهاجمتها عسكرياً. فلم تنجح هذه المقاربة ويجب بالتالي إيجاد استراتيجية جديدة».
وبعد النزاع الأخير في قطاع غزة، من المستحيل أن يظن المرء أن حركة «حماس» على وشك أن تذوب. لكن ينبغي على الحركة أن تُقدم على خطوة معيّنة بهدف مساعدة أولئك الذين يحاولون مساعدتها. وتقترح الرسالة «أن تعترف حركة حماس أن إسرائيل تشكل جزءاً من الحلّ الدائم ووحدها العملية الديبلوماسية تقود إلى ذلك. فالشروط التي فرضتها اللجنة الرباعية على حركة حماس وضعت سقفاً لبدء المفاوضات غير قابل للتطبيق. وتكمن الخطوة الأولى والأهم في أن توقف حركة حماس العنف وهو شرط يسبق أي إشراك لها في العملية. وسيساهم وضع حدّ لعزل حركة حماس في إنهاء الخلاف بين الفلسطينيين وهو شرط أساسي لمفاوضات ذات معنى مع إسرائيل».
أما المقطع الأخير فهو الأكثر إثارةً للجدل وقد يكون السبب الاساسي للانتقادات، فقد جاء فيه: «يجب أن نقرّ بأن إشراك حركة حماس لا يعني التغاضي عن الأعمال الارهابية أو الاعتداءات على المدنيين. ففي الواقع، يشكل ذلك شرطاً مسبقاً لإحلال الأمن وللتوصل إلى اتفاق عملي».
سيقرأ هذه الرسالة عدد كبير من الأشخاص في المملكة المتحدة الذين يعون أن حركة «حماس» تتعرض لانتقادات صحافية، غير أنهم في حيرة من أمرهم حيال هذه المنظمة. فمن المفارقات أن إسرائيل هي التي دعمت نمو «حماس» في بداياتها. ويتمّ التنديد بشدة بالصواريخ التي تطلق على إسرائيل باعتبارها غير مجدية، لكنها دليل يأس ولا تمثّل أي خطر عسكري جدّي. فيما ينظر البعض في غزة المدمّرة إلى هذه الهجمات كونها تتحدى بشجاعة آلة إسرائيل العسكرية. وفيما يفخر البعض بستين سنة من النضال، ألن يفيد إنشاء دولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس الشرقية، الفلسطينيين الذين تقول حركة «حماس» أنها تمثلهم؟.
ثمة أمل في المملكة المتحدة أن يستطيع السيناتور جورج ميتشيل مبعوث الرئيس باراك أوباما الى المنطقة أن يحقق تقدماً في عملية السلام، لا سيما بعد نجاحه في أيرلندا الشمالية، على رغم أن الأصداء خارج إسرائيل غير مشجعة.
لقد تشجعتُ شخصياً لفكرة أن هؤلاء الأشخاص الأحد عشر المتمرسين اجتمعوا معاً ليقدموا نصيحة مهمّة في وقت مناسب. وفي حال كان حل الدولتين ممكناً، فيجب أن يسعى إليه الفلسطينيون والاسرائيليون قبل أن يفوت الأوان. أما البديل عن ذلك فهو إقامة دولة واحدة تضم الفلسطينيين والاسرائيليين على أن تكون الأغلبية للاسرائيليين، وقد يتسبب ذلك بسقوط عدد كبير من القتلى وبصعوبات للأجيال القادمة وقد يفرض ذيولاً دولية خطرة قد تؤثّر في ملايين الأشخاص.
(سيريل تاونسند_سياسي بريطاني ونائب سابق _ جريدة الحياة)





رد مع اقتباس