بعيداً عن العواطف والشعارات والخطب الحماسية، وبعيداًأيضاً عن عبارات الشماتة والخذلان وحسابات المثبطين، تعالوا لنسأل أنفسنا بصدقوموضوعية .. هل انتصرت المقاومة حقاً؟.. هل ثمة انجاز تم تحقيقه في هذه المواجهة لمنبصره أو نلمسه بوضوح؟ .. ثم وإن كان هناك انتصار، فما الذي اختلف في حالنا قبلالحرب وبعدها؟ .. وأيضاً .. هل يحق لنا أن نصم آذاننا عن الآراء الأخرى التي تتحدثعن انتصار الصهاينة وتحقيق أهدافهم ؟ .. ألم يقتل الصهاينة من سكان غزة أكثر من ألفوثلاثمائة شهيد مقابل بضع عشرات من الصهاينة؟ .. ألم يُجرح آلاف الفلسطينيين وتُدمرعشرات الألوف من المنازل والممتلكات والمنشئات ، بالإضافة لمئات الهكتارات منالأراضي الزراعية التي تم تجريفها وتسويتها بالأرض، وكل هذا مقابل خسائر طفيفة فيممتلكات الصهاينة؟..
كي نعرف الحقيقة ناصعة واضحة بلا شوائب، علينا أننستقل أول قاطرة نبحر بها في تاريخنا الزاخر بالأحداث المشابهة في صراعنا معالصهاينة .. ما رأيكم لو نزلنا في محطة تموز 2006 وحرب الصهاينة على لبنان؟.. أقوللكم؟.. لا أنصح بهذا لأن هذا الحدث يشبه إلى حد كبير حدثنا الذي نحاول فهمه، كما أنهذه المحطة قريبة ولم يتم حسم الآراء فيها بعد، تماما كما يحدث وسيحدث مع محطتناالحاضرة 2009.. حسناً .. ما رأيكم ننزل في محطة 1982 وحرب الصهاينة على منظمةالتحرير الفلسطينية؟.. لا أعتقد أنها مناسبة لأنها بدأت بصمود وانتصار تحول إلىهزيمة ومجازر .. كي نفهم ما نحن فيه حقاً ونحدد من المنتصر في حرب كانون على غزة ،نحن بحاجة لمحطة، إما أن تكون فيها هزيمة ساحقة ماحقة، أو نصر محقق لا لبس فيه .. هل قلت نصراً؟ .. أعرف أن الكلمة نادرة في قاموس صراعنا مع الصهاينة، ولكن علىالأقل نصر من الذي يتم الاحتفال به وتُعطل في ذكراه الدوائر الرسمية .. لا أريد أنأضيع وقتكم في ثرثرة لا لزوم لها وتعالوا لنقفز مرة واحدة باتجاه محطة 1967 التي لميعاصرها أغلبنا ..
انظروا الآن .. على هذه الجهة لدينا عدة دول عربية تتوعدالصهاينة بالأغاني والأشعار والخطب الحماسية، وأحياناً الشتائم .. في الجهةالمقابلة، يستعد الصهاينة للانطلاق بطائراتهم نحو أهداف تم انتقاؤها بعناية لتنفيذعدوان من طرف واحد بحجة أن الأناشيد الثورية المنبعثة من الإذاعات العربية تزعجأطفال الصهاينة! .. الطائرات انطلقت الآن وضربت أهدافها المحددة ودمرتها تدميراكاملاً في ست ساعات فقط! .. وفي الوقت الذي استمرت فيه الإذاعات العربية تبثأناشيدها الثورية والخطب الحماسية، كانت القوات البرية الصهيونية تتحرك باتجاه كلمن مصر والأردن وسوريا ولبنان .. بعد ستة أيام بالضبط، احتل الصهاينة قطاع غزةوالضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء وقناة السويس وغور الأردن وهضبة الجولان وجنوبلبنان.. كل هذا ترافق مع سقوط عشرات الآلاف من الضحايا العرب وتدميرا واسعا لمنشآتعسكرية ومدنية، ولولا إعلان وقف إطلاق النار لكانت النتيجة الكارثية أكبر من ذلكبكثير.. المهم أنه بعد استطاعة الصهاينة تحقيق أهدافهم في هذه الحرب، لم يكتف العرببتسمية ما حدث لهم هزيمة، بل أسموها نكسة.. وهي كانت نكسة بحق!..
لكن ماذالو استطاع العرب حينها صد العدوان ولم يمكنوا الصهاينة من تحقيق أهدافهم باحتلالشبر واحد من الأراضي التي احتلوها رغم الخسائر الفادحة التي تكبدوها في الأنفسوالمنشئات.. هل كانوا سيقولون أننا هزمنا؟.. ألن يقولوا حينها أننا انتصرنا بصدالعدوان وإفشال مخططات العدو؟.. هذا الأمر سنكتشفه لاحقاً لو عدنا للوراء قليلابقاطرتنا التاريخية من عام 1967 إلى عام 1973.. ففي تلك المحطة استطاع العرب شنهجوم مفاجئ على الصهاينة استطاعوا من خلاله تحرير ممر قناة السويس فقط .. هذاالهجوم كلف العرب خسائر بشرية ومادية أكبر بكثير مما تكبده الصهاينة في ذلك الهجوم .. أي أننا لو احتكمنا لما يحدثوننا عنه اليوم واستخدمنا مقاييسهم في النصروالهزيمة بحصر ما تكبده كل من الصهاينة والعرب في حرب أكتوبر 1973، لكان العرب همالخاسرون في حرب أكتوبر .. والسبب ببساطة شديدة وحسب مقاييسهم، أن خسائر العربالبشرية والمادية العسكرية والمدنية، كانت أضعاف أضعاف ما خسره الصهاينة في تلكالحرب، ورغم بقاء قطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان وغور الأردن وجنوب لبنانتحت الاحتلال، إلا أنه في المقابل تم تحرير قناة السويس، واعتبر ذلك نصرا ساحقاًماحقاً، تُقام له الأعراس والاحتفالات والعطل الرسمية في كل عام! .. هل رأيتم ؟ .. هذا نصر أكيد وتلك هزيمة أكيدة .. على الأقل حسب المقاييس العربية في النصروالهزيمة!..
لنعد الآن إلى محطتنا التاريخية الحاضرة عام 2009 والحرب علىغزة .. العدو نفذ هجوماً على قطاع غزة أراد منه احتلال القطاع والقضاء علىالمقاومة، وفرض واقع امني يشبه إلى حد كبير الواقع الأمني الموجود في الضفة الغربيةحالياً .. بمعنى يكون هناك تواجد لجيشه في قطاع غزة، ويُسمح في حضور هذا الجيشلتواجد أمني فلسطيني عميل لإدارة شؤون الناس الأمنية والقضاء على ما تبقى من جيوبالمقاومة، وبدلا من أن ننطلق من قطاع غزة صواريخ وعمليات مقاومة، ينطلق الصهاينة منثكناتهم العسكرية لتنفيذ عمليات داخل قطاع غزة بالتنسيق مع القوات الفلسطينيةالعميلة من أجل القتل أو الاعتقال، كلما استشعروا خطرا يتهددهم، ولكن هذه المرة ليسبالطائرات والبوارج الحربية والعربات المصفحة، بل بقوة صغيرة تجوب القطاع من شمالهإلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه تفعل ما تشاء وكيفما اتفق، دون أن تجد ما يعيقها.. أمارجال غزة فسيكونون حينها، إما قتلى أو معتقلين، والبقية الباقية منهم سينقسمون إلىقسمين، قسم يجلس في بيته يتلحف بالجبن والخوف ، وقسم آخر يتحول لكلاب يحملونالبنادق ليسهلوا للصهاينة مهامهم! .. هذا هو الواقع الأمني الذي أراده الصهاينةلقطاع غزة .. واقع يحول رجال غزة إلى دجاجات يتم تحصينهم وفحصهم من أمراض المقاومةكلما أرادوا الانتقال من مدينة إلى مدينة داخل القطاع على الحواجز.. واقع يسود فيهالكلاب على الأسود، ويجعل من العميل صاحب فضل على أهل الفضل والتضحية .. فلو تحققهذا بصرف النظر عن حسابات الخسائر، بل وحتى لو تكبد الصهاينة خسائر مادية بشريةأكثر من الخسائر التي تكبدها الصهاينة ، هل كنا سنسميه نصراً أم هزيمة؟ ..
لكنه لم يتحقق .. بل فشل فشلاً مرغ أنوف الصهاينة في تراب غزة .. فالواقعالأمني لم يتغير في قطاع غزة، والمقاومة لم تسمح لهم بالدخول في المدن والتجمعاتالسكانية، وعملاء الاحتلال الذين كانوا ينتظرون على الحدود، عادوا خائبين إلىجحورهم بعد هزيمة أسيادهم الذين أوقفوا إطلاق النار من جانب واحد وانسحبوا من قطاعغزة دون قيد أو شرط!.. بل إن أكثر من مليون صهيوني لم يخرجوا من ملاجئهم إلا بعد أنأعلنت المقاومة وقف إطلاق النار بقرار سيادي منها وليس بسبب ضغوط أو لنفاذ مخزونالنيران لديها .. فغزة لم تتحول لمزرعة دواجن كما أراد العدو حين شن عدوانه، بلبقيت كما هي تماما غزة الإباء والعزة، عرين الأسود وقلعة الأبطال، وغزة وغصة في حلقالعدو ومن تعاون معه في عدوانه بفضل الله سبحانه وتعالى ومن صدقوا معه .. فإن لميكن هذا نصراً واضحاً على العدوان ، فما هي معالم النصر ؟!
لقد انتصرت غزةعلى العدوان وهُزم العدو وولى خائباً إلى حيث كان، ولكنه إلى حين إن شاء الله تعالى، لأنه سيأتي اليوم الذي يثمر في هذا النصر ويتحول من نصر على العدوان إلى نصر علىالعدو، وذلك حينما نحرر الأقصى وكل فلسطين، ليس هذا وحسب، بل لن نسمح لهم بالمغادرةقبل أن يدفعوا فاتورة ما ارتكبوه من جرائم ومجازر، فو الذي وعدنا بأن نسوء وجوههم،لنعلم أبناءنا كيف يجوسون خلال ديارهم ليطهروا فلسطين كل فلسطين بدماء ولحوم من بغىواعتدى ..