إن الصلة بين بني آدم وبين الملائكة قائمة منذ زمن بعيد لا يعلم مقداره إلا الله عزّوجلّ، لكن الحكاية تبدأ عند خلق أبينا آدم عليه السلام، إذ أكرمه الله تعالى وخلقه ونفخ فيه من روحه، حتى إذا ما صار بشراً سوياً تدب فيه الحياة أسجد له ملائكته الأطهار، سجود تكريم وتعظيم وإكبار.
قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة/ 34)، سجدوا سجود خضوع وتواضع وائتمام، وقد علمت الملائكة أن آدم مخلوق مكرم ومقرب، إذ صار بفضل الله وعاء للعلم الذي خصه به وعلمه إياه كما قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة/ 31)،
وهذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، وكان ذلك بعد سجودهم له..
وهنا ينبغي أن يكون لنا وقفة متأنية لنرى أثراً عظيماً من آثار العلم حين يمنّ الله تعالى به على العباد، فقد كرم آدم به وقربه إليه، مع الفارق الكبير بين النور الملائكي والطين الآدمي، كرمه ورفعه رغم الاختلاف في أصل الخلقة..
وهنا يظهر فضل العلم وحامله مهما كان مستواه المادي أو الاجتماعي، ومهما كان شكله أو لونه أو جنسه أو موطنه أو لسانه، وأن العلم النافع منه للبشرية قد يفضل العبادة ويسبقها، فهو يدعو إلى العمل وإلى العبادة معاً، بل قد يترقى العلم ليصل إلى منزلتها أو يسبق درجتها، حيث يتعدى نفعه شخص صاحبه المتعلم إلى غيره، بخلاف نفع العابد بعبادته المقصور عليه وحده إذ ما يقع غالباً في العزلة عمن حوله..
والعبادة عمل وسرّ بين العبد وربه، وهي لا تمنع من تعلم العلم، بل إنها تدعو إليه إن فهم المرء معناها الحقيقي، ولا عبادة مع الجهل، ولا تصح بغير علم.
- الملائكة لا تنفك صلتها عن بني آدم:
وللملائكة علاقة وثيقة ببني آدم حيث وكل الله تعالى لهم أعمالاً كثيرة تتعلق بالبشر، ولا يفارقون الإنسان إلا لحظات معدودة، كما قال (صلى الله عليه وسلم): "إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم.
والملائكة تحصي على الإنسان أعماله.. وتحفظ أقواله وتسجلها بأمر الله عزّوجلّ كما قال لنا: (وإنّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار/ 10-12).
أي رقباء حافظين يحفظون أعمالكم، ويحصونها عليكم ويسجلونها بدقة، قال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق/ 17-18).
قال الحسن: "المتلقيان": ملكان يتلقيان عملك، أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك، حتى إذا متّ طويت صحيفة عملك، وقيل لك يوم القيامة: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء/ 14).
وقال مجاهد: وكّل الله بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره إلزاماً للحجة.
وقال الأحنف بن قيس: "صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمين على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها".
يتبع







رد مع اقتباس

