برلـيــن فـي الـقـلــــب -
بقلم ايلي حداد
![]()
![]()
"سافيني بلاتز". "ألكسندر بلاتز".
![]()
![]()
"حاجز شارلي". "جندار منماركت".
![]()
![]()
محطة "ألكسندر بلاتز". "بوتسدامر بلاتز".
![]()
![]()
نصب المحرقة. المرفأ التاريخي.
![]()
![]()
"برنزلاوربرغ". نصب تلمان.
إنه صيف 2009. أعود الى هذه المدينة للمرة الخامسة أو السادسة في حياتي. بدأت علاقة الحب بيني وبين هذه المدينة في عام 1991، عندما مررت بها في تجوال عبر الاراضي الالمانية، بعد عامين على سقوط الجدار وأقل من عام على بدء إعادة توحيد الشطرين. من ثم تتالت الزيارات، بعضها لبضعة أيام وأخرى لبضعة أسابيع. أعود اليها كمن يعود الى صديق إلتقاه منذ زمن وتعمقت العلاقة بينهما الى أن أصبحت علاقة حميمية. أتجول في هذه المدينة كمن يتجول في التاريخ القديم والحديث، كمن يدخل الى أعماق كتاب مفتوح، مضرّج بالاحداث والمآسي، كما بالافراح والاحتفالات. إنها مدينة كل التناقضات والافكار، مدينة الحداثة الاولى، مدينة اختُطفت في أول صباها وانتُهكت ودُمّرت، لتعود من جديد مدينة الامل، مدينة الحب، مدينة الثقافة.
الثلثاء في 7 تموز
وصلتُ لتوي الى برلين. أخذت القطار الى المحطة الكبرى، ومنها انتقلت الى مكان إقامتي في ولمرزدورف. الشقة صغيرة، مثل كل الشقق في برلين، وتطل على الحديقة الداخلية للبناء، وتتمتع بالهدوء الراقي الذي نفتقده في بلادنا. في الحي هنالك مقاه ومطاعم وكل ما يحتاجه الانسان في حياته اليومية. بدأت منذ اليوم الاول تجوالي في المدينة فذهبت الى ساحة "سافيني بلاتز" حيث تقع إحدى المكتبات، إضافة الى مقهى آينشتاين. هدوء ساحة سافيني يخترقه بين الحين والآخر مرور القطار السريع المرتفع فوق المقاهي والمتاجر المبنية تحته.
بماذا استمتع هنا في برلين؟ أستمتع بوجودي في إطار مدني يسمح لكل إنسان بأن يعيش وفق نمطه. أستمتع بالوجود المجرد من اي اشياء أخرى. انها ما يسميه الانكليز "enchantment" وما يستعمله الفرنسيون عند لقائهم بشخص فيقولون له "enchanté". أن يكون الانسان "enchanted" هو أن يحس بالتناغم بين نفسه والمحيط الذي يعيش فيه.
الخميس في 9 تموز
ذهبت اليوم الى ساحة "ألكسندر بلاتز". لهذه الساحة ايضاً ميزاتها وذكرياتها الخاصة. لا تزال بركة المياه والمنحوتة التي تميزها من أعمال الفنان ووماكا في وسط هذه الساحة المحاطة بالمتاجر الكبرى. هنا يأتي الشباب ليجلسوا تحت شمس الصيف بقرب نافورة المياه. بعضهم يستريح، البعض الآخر ينتظر صديقاً. لا تهدأ الحركة حول هذه البركة كل النهار وحتى في الليل. في طريق العودة في الباص سمعتُ امرأة محجبة تتكلم على تلفونها بلغة لبنانية جنوبية، تشتكي الى صديقتها من تصرفات اختها الصغرى التي ترفض التزام التقاليد، لا بل تصر على إرتداء الملابس القصيرة، وترفض لبس الحجاب.
السبت في 11 تموز
شربتُ القهوة هذا الصباح مع زميل لي قرب حاجز "شارلي" الذي كان يفصل برلين الشرقية عن الغربية. هنا أعيد تركيب ديكور الحرب الباردة ليتسنى للسياح أن يأخذوا صورهم التذكارية، كما لو انهم يقفون عند الحاجز قبل سقوط الجدار، مع فارق بسيط هو ان الديكور الاجمالي حوله قد تغير كلياً، مع تدفق السياح وكثرة البائعين الجوالين. من هنا مشيت الى ساحة "الجاندرما"، أو "جندارمنماركت"، احدى أجمل ساحات برلين الكلاسيكية، التي يزيّنها مبنى المسرح الوطني في وسطها، ويزنّرها مبنيان متماثلان، كاتدرائية الالمان وكاتدرائية الفرنسيين، والاخيرة تم بناؤها للاجئين الفرنسيين الهوغونوت الذين فتحت برلين أبوابها لهم في عهد الامبراطور فريدريك وليم، وفي وسط الساحة تمثال الشاعر الالماني فريدريك شيلر.
الخميس في 16 تموز
اصبحتُ من الزبائن الدائمين في هذا المقهى الصغير في الحي. إنه مقهى ومخبز في آن واحد، يشكل مركزاً حيوياً لهذا الحي، فيلتقي فيه العمال في الصباح قبل الذهاب الى أعمالهم، وكبار السن في مختلف أوقات النهار. كم أصبحت غائبة عنا هذه الاشياء البسيطة التي تشكل أركان الحياة المدنية، من المقهى الى الرصيف، حيث يستطيع المواطن أن يتجول من دون إعاقة، مظللاً بالاشجار. هذه المدينة غنية بأنواع مختلفة من الارصفة، منها بالحجر ومنها المختلطة المواد، وأكثريتها واسعة تتسع لمرور الاشخاص والدراجات.
إضافة الى ذلك، فإن للمواصلات العامة فيها نظاماً متعدد الانواع، من الباص الى القطار تحت الارض الى القطار السريع، كلها تعمل بتناغم في خدمة المواطن. عالم تحت الارض له طابعه الخاص، ولكل محطة شخصيتها الفريدة بحسب "لونها" وديكورها والمواد المستعملة لجدرانها. بعضها لا يزال يحتفظ بطابع برلين قبل الحرب، وبعضها الآخر تم تحديثه الى درجة معينة. البعض منها مثل محطة "هوهنزولرندام" ترتدي طابع صالة كبرى في قصر أمبراطوري، والبعض الآخر يظهر التزامه المبادئ الوظيفية فيبدو مجرداً من أي زخرفة. محطة "الكسندر بلاتز" تحت الارض، ربما تكون أكبرها وأكثرها تعقيداً. إنها عالم في حد ذاته، لا يخلو منه أيّ صنف أو نوع من المحال والمقاهي. وفي معظم المحطات هذه، تجد دائماً بائع الزهور، وكأن هذا الغرض يأخذ الاهمية نفسها مثل الطعام والشراب، وهو بالفعل يعطي "نكهة" خاصة لهذا العالم السفلي.
السبت 18 تموز
مساءً تدق أجراس الكنائس في برلين. لكل كنيسة جرسها ولحنها الخاص. هنا في الحي كنيسة قريبة من تصميم المعماري فريتز هوغر وفق النمط "التعبيري". يخترق صوت الجرس الروتين اليومي ليذكّر الانسان بأمور أخرى.
الاربعاء في 22 تموز
أصبحتُ من المداومين في المكتبة الوطنية قرب "بوتسدامر بلاتز"، أمضي معظم أيامي هنا. إنه مبنى رائع من تصميم المعماري الشهير هانس شارون، يقابله مبنى الفيلارموني من تصميمه ايضاً، ومبنى المتحف الجديد من تصميم ميز فان ديرو. في هذه المكتبة الكبرى لا يوجد غرف معزولة عن بعضها كما في المكتبات القديمة، بل فضاء مفتوح حيث تأخذ المساحات المعدّة للمطالعة والدراسة شكل مسطّحات مفتوح بعضها على البعض الآخر، ومطلّ بعضها على البعض الآخر. يتوافد الى المكتبة الباحثون والطلبة والمواطنون العاديون، فهذا المبنى هو نوع من "فوروم" ثقافي للمدينة ولسكانها. كيف يمكن مدينة أن تدعي كونها عاصمة للثقافة من دون وجود مكتبة وطنية واحدة فيها؟
الجمعة في 24 تموز
السماء ملبدة بالغيوم اليوم، تبدو كأنها حبلى بالمطر الذي لا يأتي. إنني أجلس في مقهى على شارع "كوخ"، بالقرب من حاجز "شارلي"، وأمامي المبنى الشهير للمعماري بيتر آيزنمان، الذي شكّل عند وضعه احدى الترجمات الاولى لفكرة "التفكيكية" في العمارة. اليوم اصبح هذا المبنى شبه عادي، مندمجا مع محيطه. أكثرية السياح والمارة يمرون به من دون ملاحظته، وهذا في النهاية هو مصير أكثرية الاعمال المعمارية، فهي كما قال آلدو روسّي، لم توضع لكي تصبح "معالم" بل لتنصهر في حياة المدينة وفي النسيج المدني. إنها الخشبة التي تتوالى عليها الاحداث الانسانية. لا أكثر ولا أقل.
الاثنين في 27 تموز
مررتُ اليوم في "بوتسدامر بلاتز". لقد تحولت هذه الساحة ساحة للفنادق الكبرى و"المول" الذي يمر بين مبانيها المختلفة، لكنها فقدت طابعها الخاص الذي كانت تتميز به قبل الحرب، كما تدل الصور القديمة. لم يبق من ذلك شيء. فالدمار شمل هذه الساحة، ومن ثم أتى الجدار الفاصل ليخترقها في وسطها، تاركاً الفراغ من حولها. لم تعد "بوتسدامر بلاتز" من الاماكن "الاصيلة" في المدينة. ربما ان فكرة "الاصالة" قد أصبحت هي الاخرى مجرد "كليشيه" يتم استعماله في بعض الاحيان، لكن هذا لا يعفينا من مسؤولية معنوية تجاه التاريخ، وخصوصاً عندما يتعلق التاريخ بأماكن مهمة في حياة المدن، مثل "بوتسدامر بلاتز" في برلين، أو ساحة الشهداء في بيروت. لا يمكن التصرف بها كأنها مجرد مساحة "إستثمارية" يتم تطعيمها ببعض "الرموز" هنا أو هناك.
الخميس في 6 آب
عدت مجدداً الى ساحة سافيني. انني أدرك أكثر فأكثر ان ما يجعل بعض الامكنة في المدينة أماكن مميزة لا يرتكز فقط على الاطار المدني المعماري، وإنما أيضاً على "الاحداث" والحركة التي تحدث فيها. فهذه الساحة الصغيرة المحاطة بالمقاهي، والتي يمر فوقها القطار السريع، ترتكز على الحركة الدائمة للمتنقلين الآتين من مختلف الاتجاهات، ومن دونهم لا يمكن هذا المكان أن يأخذ هذا الطابع الحيوي نفسه، وأن يكون إطاراً فعلياً للحياة فيه.
هذه الامكنة اصبحت مفقودة كلياً في لبنان، أمكنة يمكن امرأة أن تتمشى فيها مع ولدها، أو لذوي الحاجات الخاصة أن يتنقلوا بسهولة من دون مساعدة، أو للاصدقاء أن يلتقوا بعفوية فيها. الحياة المدنية ترتكز على هذه العناصر: الساحة العامة، الرصيف، الاشجار، المقاهي الشعبية، واحات من الهدوء في خضم الحركة المدنية.
تمر إمرأة بفستانها الزهري والليلكي، منتظرةً صديقها. يأتي آخرون الى المطعم الايطالي، "التلامذة الاثنا عشر"، يمر القطار من جديد كاسراً هدوء الساحة. وبين الحين والآخر يأتي النادل لينظف الطاولات الخالية من الزبائن. اسمع شخصين يتحدثان بصوت خافت الى الطاولة المجاورة، وكأنهما في بحث علمي بعيد عن الصخب والكلام الفارغ.
الاحد في 16 آب
أحب المدن التي تحتوي في خضمها على مساحات من الفراغ، من المناطق المهجورة. هذه المساحات التي تقاوم الهجوم المعماري، التي تقاوم العمارة. برلين لديها العديد من هذه الاماكن المتروكة، وخصوصاً تلك التي كانت تقع في محاذاة الجدار الفاصل. البعض منها تحوّل حدائق عامة، والبعض الآخر لا يزال خالياً حتى يأتي من يحوّله مشاريع عمرانية.
السبت في 29 آب
انه نهار جميل. السماء صافية والشمس مشعة من دون أن تكون حارقة. أجلس بالقرب من الساحة الشاسعة التي تم تصميمها كنصب تذكاري لضحايا المحرقة. يأتي السياح بالعشرات الى هذه الارض المكسوة بالمكعّبات الحجرية من أجل أخذ الصور، يتوقفون لبضع دقائق ومن ثم يمضون. إنها الزيارة الرمزية في عالم ما بعد الحداثة المجردة من أي اختبار حقيقي أو معنوي. بالقرب من هنا كان يقع مقر قيادة "الرايخ الثالث". لم يبق منه أي أثر. بعد الحرب بادرت السلطات الالمانية الشرقية الى بناء المجمعات السكنية في هذه المنطقة، وخصوصاً فوق "المركز" نفسه. ترى ماذا كان يفكر آدولف هتلر في الساعات الأخيرة من وجوده هنا تحت هذه الارض؟ الفيلم الرائع، "السقوط"، لأوليفر هيرشبيغل يعطي صورة عن هذه الايام الاخيرة. كم كان الفشل كبيراً، بعد الاحتفالات الاولى بالنصر في تشيكوسلوفاكيا وبولونيا وفرنسا! ماذا كان ينتظر الفوهرر في أيامه الاخيرة؟ أعجوبة من السماء؟ لو استسلم قبل ايام قليلة لكان وفـّر على المدينة الدمار الهائل الذي لاقته، كذلك الآلاف من الضحايا. لكنه بقي هنا حتى الدقائق الاخيرة، فهذا الزعيم كان أيضاً "قبطان السفينة وآخر من يغادرها"...
المجلات وشاشة التلفزيون تعود بنا هذا الاسبوع الى ذكرى ابتداء الحرب العالمية الثانية باجتياح بولونيا. إنها الذكرى السبعون لهذه الحرب المدمرة العبثية التي نتج منها الكثير من المآسي، منها المحرقة اليهودية، ومنها ايضاً جرائم الحرب الاخرى، مثل "جريمة كاتين" في بولونيا، حيث أعدم الجيش السوفياتي حوالى 38 ألف شخص ورماهم في الغابة، وبقيت هذه القضية مدفونة حتى سقوط النظام السوفياتي. ملصقات "جريمة كاتين" للسينمائي أندره واجدا تغطي جدران محطات القطار الى جانب ملصقات مهرجان الموسيقى ونشاطات ثقافية وترفيهية أخرى.
الاحد في 30 آب
ذهبتُ اليوم لاكتشاف منطقة من المدينة لم أزرها من قبل. إنها حي "متحف المدينة"، وهو في حد ذاته، أي المتحف، من المباني المثيرة، بقرميده الاحمر وتركيبته المعقدة. يحتوي المتحف على مجموعة من الآثار والتحف والادوات والاسلحة تعود الى بدايات المدينة كنقطة استيطانية لبعض المجموعات السلافية والالمانية في بداية القرن الثاني عشر. كانت برلين آنذاك كناية عن تجمعين متنافسين على ضفاف نهر الشبري (spree) أحدهما مسمّى برلين والآخر كولن. ولم تكن هذه المدينة سوى بلدة صغيرة بين بلدتين أكبر منها، الواحدة في الغرب هي شبانداو، والأخرى في الجنوب الشرقي وهي كوبنيك. هاتان البلدتان اصبحتا اليوم مجرد ضاحيتين لمدينة برلين الكبرى. بعد زيارتي المتحف، مشيت في محاذاة النهر الى أن وصلت الى موقع المرفأ التاريخي للمدينة، وهو في بعض ايام الصيف يتحول مكاناً للمهرجانات الفولكلورية. من هنا يمكننا الانتقال الى الوسط التاريخي الآخر في الجهة المقابلة. إن ما يدهش في هذه المدينة هو إمكان رؤيتها كـ puzzle يمكننا تفكيكه وإعادة تركيبه بذهننا بحسب اختبارنا لأحيائها المختلفة، فالصورة الكاملة غير ممكنة من مكان واحد، لكن المدينة تتمتع على الرغم من حجمها وتنوعها، بوضوح "صورتها الذهنية"، هذه الصورة التي يمكن بعد فترة من الزمن إعادة تركيبها في ذهننا من القطع المتعددة للاحياء المختلفة.
الخميس في 3 ايلول
لقد عدت الى "برنزلاور برغ" بعد مرور 10 سنين على زيارتي الاولى. لا تزال هذه المنطقة كما هي نسبياً مع زيادة ملحوظة في عدد المقاهي والمطاعم. إلا أن البعض منها لا يزال حيث هو، وبالديكور والاسم نفسيهما. "في يوم أحد من آب"، هو أحد تلك المقاهي، حيث أكثرية الرواد من الشباب يستمتعون بمرور الوقت ببطء، كما لو كنا لا نزال في الستينات. في هذا الحي ايضاً يقع مقهى "وولدن" المسمى على إسم البحيرة التي أمضى رالف والدو أمرسون جزءاً من حياته ساكناً وحده على ضفافها. المقهى لا يزال كما هو. لا تزال الطاولات الخشبية نفسها، المزينة بالشموع في هذا الديكور الداكن، وكأنك في احد رسوم الفنان ادوارد هوبر. الاستمرارية التي نجدها في برلين، على الرغم من التغيرات التي تحدث، تعود الى وجود "الاطار" الواضح الذي يستمد استمراريته من التاريخ. هذا ما علّمنا إياه آلدو روسّي عن "المدينة". فالمقاهي والاسماء قد تتغير لكن تبقى الاستمرارية التاريخية للمخطط المدني، لوضعية الاحياء والشوارع، فالمدينة تعتمد على هذا أكثر من اعتمادها على المكوّنات الفردية، أو "المعالم" الاساسية، والعمارة تلعب دوراً متواضعاً كخشبة المسرح التي تجري عليها الاحداث.
الثلثاء في 8 أيلول
اليوم قمت بزيارة "كنيسة المصالحة" وهي كنيسة صغيرة بيضوية الشكل من الباطون المسلح والخشب، وقد أقيمت في المكان نفسه الذي كانت تقع عليه كنيسة سابقة تم تدميرها في عام 1961. قبل تدميرها، كانت الكنيسة جزءاً من حي متكامل من المباني السكنية. لكن بعد إنشاء الجدار، رأت السلطات الشرقية أن بقاء هذه المجمعات السكنية بالقرب من الحائط يشكل عائقاً يمنع ضبط حركة الفرار من برلين الشرقية الى الغرب، فتم إخلاء المنطقة وتدمير الحي بأكمله. بقيت الكنيسة واقفة وحيدة في هذا المشهد الدراماتيكي الى أن تم اتخاذ القرار بإعدامها ايضاً. في تجوالي الاخير، أمرّ عبر جادة "غرايسفالدر" الكبرى التي تلتقي مع جادة كارل ماركس في ساحة "الكسندر بلاتز". على أحد جوانب هذه الجادة أقيمت ساحة خاصة ونصب تذكاري كبير للمقاوم ارنست تلمان، المناهض الشيوعي الذي أعدمه النازيون في مخيم بوكنفالد. هذا النصب غير مهدد بالاعدام، إذ انه يعود الى حقبة مقاومة الفاشية، وتالياً سيحفظ قليلاً ذكريات الجمهورية الاشتراكية التي زالت.
تقول الروائية الالمانية مونيكا مارون، التي ولدت وعاشت في برلين الشرقية الى أن انتقلت في عام 1988 الى هامبورغ: "إن صورة المباني الرمادية، المخيفة، المهترئة في برلين الشرقية سقطت في ذهني تحت عظمة هامبورغ مثل كتلة من الركام تتساقط على نفسها. لكنني أتذكر بصورة دقيقة كيف أنني، في عمر السابعة والاربعين، أحسست بالشعور الغريب بالعيش في مدينة (هامبورغ) لا تحمل فيها الشوارع اي ذكريات شخصية، وحيث النوافذ المضاءة لا تعني شيئاً لي. كانت المدينة فارغة بالنسبة اليَّ، وهو شعور يدفع الى الثمالة أحياناً والى الخوف احياناً أخرى".
المدن هي مثل مخازن كبرى للذاكرة. الذاكرة الفردية المتعلقة باختبارات كل شخص مع نفسه، والذاكرة الجماعية المتصلة بالاحداث الكبرى. برلين هي في النهاية من أهم مخازن القرن العشرين. فيها كانت البداية، بداية الحداثة في الفن والثقافة والعمارة، وفيها كانت النهاية ايضاً. وعادت لتنسج من كل هذه الشرائح المقطعة حياة جديدة تتفاعل بشكل عفوي وطبيعي مع الحاضر .
نقلا عن النهار اللبنانية،،





رد مع اقتباس